الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وعمل بالسلاح والكراع، وعمل بالخطط العسكرية والخدع الحربية، وقت كله جد في جد، وإلا فالعدو يتقدم، والإسلام يهلك ويعدم، وعمل عظيم كهذا متوقف على قيام زعيم كبير يلتف الناس حوله عن رضى، ويجذب قلوبهم بصالح أعماله لا ببهرج مقامه ولطف مقاله، ويبهرهم بلامع إخلاصه، لا ببريق الذهب على كرسيه وتاجه.
صفات عماد الدين زنكي وتولي ابنه نور الدين:
بدأ العقد الرابع من القرن السادس وفيه قتل عماد الدين زنكي على قلعة جعبر بيد جماعة من مماليكه. وكانت صفاته صفات حربية راقية اشتهر بشجاعته ونجدته، اشتهاره ببطشه وشدته، وكان يحب التوسع في الملك والذَّب عن حوزة الإسلام، ويدرك بثاقب نظره أن الأعداء محيطة بمملكته لا ينجيها منهم إلا القضاء على إحدى إماراتهم في الرُّها وما إليها، ولا يتقى بأسهم بمناوشات وحروب تستصفى معها بعض القلاع والحصون ثم يستعيدونها وبالعكس، وما دامت دمشق لم تدخل في سلطانه لا يقوى ملكه بالشام الإسلامية مع ملكه الموصل على ردّ عوادي الدهر ودفع غوائل العدو. توفرت في شخصه شروط التوسع في الملك، وعرف إدارة الممالك بالعمل ورثها من أبيه آق سنقر وبذَّه فيها، فكان مربياً فاضلاً شهماً مشهوداً له بذلك، دفع إليه السلطان محمود لما تولى الموصل ولديه آلب أرسلان وفروخ شاه المعروف بالخفاجي ليربيهما فلذا قيل له أتابك.
ومن صفات عماد الدين أنه كان ينهى أصحابه عن شراء الملك ويقول: إن الأقطاع تغني عنها، ومتى كانت البلاد لنا فلا حاجة إليها، ومتى ذهبت البلاد منا ذهبت الأملاك معها، ومتى كان لأصحاب السلطان مِلك تعدوا على الرعية وظلموهم، على حين كانت الاقطاعات في عهده للأمراء والقواد وأرباب الدولة شائعة غير منكرة عند المسلمين وعند الصليبيين في هذه الديار. قيل للشهيد أتابك زنكي: إن هذا كمال الدين بن الشهرزوري يحصل له في كل سنة منك ما يزيد على عشرة آلاف دينار أميرية وغيره يقنع منك بخمسمائة دينار. فقال لهم: بهذا العقل والرأي تدبرون دولتي؟! إن كمال الدين يقلُّ له هذا القدر وغيره يكثر له خمسمائة دينار. فإن شغلاً واحداً يقوم به كمال الدين خير من مائة ألف دينار. وكان كما
قال. وهذا أكبر دليل على حرصه على رجاله وإيقانه أن الدولة لا تقوم إلا بأمثال الوزير الشهرزوري.
وكانت لعماد الدين عناية بأخبار يتنشّدها ويغرّم عليها الأموال الطائلة، فيقف على أخبار الملوك ساعة بساعة، وإذا جاءه رسول لا يمكنه من الحديث مع أحد الرعية لئلا ينتشر الخبر في البلد. وكان يفرق الأموال في القلاع والبلدان فلا يجعلها في مكان واحد ويقول: إذا كانت الأموال في موضع واحد وحدث حادث وأنا في موضع آخر وذهبت لم انتفع بها، وإذا كانت متفرقة لم يحل شيء بيني وبينها رجعت إلى بعضها. وكانت المملكة قبل أن يملكها خراباً من الظلم وتنقل الولاة ومجاورة الفرنج فعمرها وامتلأت أهلاً وسكاناً، وقبل أن يجيء زنكي إلى الشام اشتدت صولة الصليبيين واتسعت مملكتهم من ناحية ماردين وشيحان إلى عريش مصر وانقطعت الطرق إلى دمشق إلا على الرحبة والبر، وجعلوا على كل بلد جاورهم خراجاً وإتاوة يأخذونها منهم ليكفوا أذيتهم عنهم. وكان مهيباً شديد الوطأة على من يعبثون بحياة الأمة. بلغه أن بعض الولاة تعرض لامرأة فقلع عينيه وجب مذاكيره فخاف الولاة وانزجروا، وكان شديد الغيرة ولا سيما على نساء الأجناد. وكان يقول: إن لم تحفظ نساء الأجناد وإلا فسدت لكثرة غيبة أزواجهن في الأسفار. ترجمة العماد الكاتب بقوله: كان زنكي ابن آق سنقر جباراً عسوفاً، بنكباء النكبات عصوفاً، نمري الخلق، أسدي الحنق، لا ينكر العنف، ولا يعرف العرف، قد استولى على الشام من سنة 522 إلى أن قتل في سنة 541 وهو مرهوب لسطوه اه. وبعض هذه الصفات تنزهت منها نفس ابنه نور الدين محمود وهذا الرجل الذي كان ينتظر لإنقاذ الشام مما حل به من الويلات، فإنه جمع الصفات الحسنة في أبيه وتجرد عن الصفات الرديئة فيه.
كان نور الدين في قلعة جعبر يوم مقتل أبيه عماد الدين بيد المماليك فسمي الشهيد، فأخذ في الحال خاتمة وهو ميت من إصبعه وسار إلى حلب فملكها، وأرسل كبراء دولة زنكي إلى ولده سيف الدين غازي بن زنكي يعلمونه الحال
وهو بشهرزور، فسار إلى الموصل واستقر في ملكها. قال ابن عساكر: وسير نور الدين الملك آلب أرسلان بن السلطان محمود بن محمد إلى الموصل مع جماعة من أكابر دولة أبيه وقال لهم: إن وصل أخي سيف الدين غازي إلى الموصل فهي له، وأنتم في