الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إلى طلعته لما كان يبلغ القاصي والداني من عدله وحسن سيرته، ولما أحس صاحب دمشق مجير الدين أبق بالغلبة انهزم في خواصه إلى القلعة فأنفذ إليه وأمنه على نفسه وماله فخرج إلى نور الدين فطيب نفسه، ونادى نور الدين بالأمان وخرجت دمشق من أيدي أحفاد الأتابك طغتكين آخر الدهر بعد أن دانت لسلطانهم اثنتين
وخمسين سنة.
الداعي لنور الدين على فتح دمشق:
والسبب في فتح نور الدين دمشق تغلب الفرنج بناحية دمشق بعد ملكهم عسقلان حتى استعرضوا كل مملوك وجارية بدمشق من النصارى، وأطلقوا قهراً منهم كل من أراد الخلاص، فخشي نور الدين أن يملكوا دمشق، فاستمال أهلها في الباطن ثم حاصرها وفتحها. وفي الكامل أن سبب حرصه على ملكها أن الفرنج لما ملكوا في العام الماضي مدينة عسقلان ولم يكن لنور الدين طريق إلى إزعاجهم عنها لاعتراض دمشق بينه وبين عسقلان، فلما ملك الفرنج عسقلان طمعوا في دمشق. وعلل هذا الفتح سبط ابن الجوزي بما ظهر من مجير الدين من الظلم ومصادرة الدمشقيين وسفك دمائهم وأخذ أموالهم، وقبضه على جماعة من الأعيان واستدعى سيف الدولة بن الصوفي الذي ولاه رئاسة دمشق لما أخرج أخاه وجيه الدولة منها فقتله في القلعة ونهب داره وأحرق دور بني الصوفي ونهب أموالهم. وتكاثرت مكاتباته إلى الفرنج يستنجدهم ويطمعهم في البلاد. وكان مراد نور الدين من أخذ دمشق إنقاذ القدس من الفرنج والساحل وكانت دمشق في طريقه. وطمع الفرنج في مجير الدين وكان قد أعطاهم بانياس، فكانوا يشنون الغارات إلى باب دمشق فيقتلون ويأسرون ويسبون، وكان مجير الدين قد جعل للفرنج كل سنة قطيعة يأخذونها منه، وذل الإسلام وأهله في أيامه، وساءت سيرته وكثر فساده، فكان الأمراء والأعيان بدمشق أصحاب نور الدين يقولون: الغياث الغياث وقالوا: إن شئت حصرناه في القلعة. فرأى نور الدين أخذ مجير الدين باللطف وقال: إن أخذته بالقوة استغاث بالفرنج وأعطاهم البلاد فيكون وهناً عظيماً على الإسلام.
وكان من أشد الأمور على الفرنج أن يأخذ نور الدين دمشق لأنه كان أحرق
قلوبهم وحرق أرضهم، وكان في كل وقعة يغني غناء حسناً، هذا ودمشق ليست له
فكيف إذا أصبحت في حكمه، لا جرم أنه يتقوى بها وتقوى كلمته ولذا عدل إلى ملاطفة مجير الدين ومكاتبته وبعث إليه بهدايا فأنس به وصار يكاتبه ويستشيره فكان نور الدين يكتب إليه إن فلاناً يكاتبني فتارة يقبض مجير الدين عليهم وتارة يبقيهم، فخلت دمشق من الأمراء ولم يبق عنده غير عطاء بن حفاظ، وكان صاحب بعلبك قد رد إليه مجير الدين أمر دولته وكان ظالماً، فكتب نور الدين إلى مجير الدين يقول: قد نفر عليك عطاء بن حفاظ قلوب الرعية فاقبض عليه لعلم نور الدين أنه لا يتم له أمر في دمشق مع وجود عطاء فقبضه مجير الدين وأمر بقتله فقال له عطاء: لا تقتلني فإن الحيلة قد تمت عليك وذهب ملكك وسترى، فلم يلتفت إليه وقتله وحينئذ قوي طمع نور الدين في دمشق، وأرسل إلى أحداثها وأعيانها فأجابوه، فسار إليها ونزل عليها وكتب مجير الدين إلى الفرنج يستنجد بهم وبذل لهم بعلبك وأموالاً كثيرة، وبلغ نور الدين فأرسل إلى الأحداث ففتحوا له الباب الشرقي فدخلها وحصر مجير الدين في القلعة، وبلغ ذلك الفرنج فتوقفوا ولما دخل نور الدين صاح أصحابه نور الدين يا منصور وامتنع الأجناد والرعية من القتال لما هم عليه من بغض مجير الدين وظلمه وعسفه للرعية ومحبتهم لنور الدين لعدله وخيره.
سئمت النفوس في دمشق من سوء إدارة المتغلبين على أحكامها أمثال الوزير حيدرة ومجاهد الدين بزان وعطاء وغيرهم، ممن لم يكونوا يهتمون بغير إملاء بطونهم وجيوبهم من دماء الرعية، ولو أصبحوا عبيداً أرقاء لأعدائهم. أما مجير الدين آخر ملوك الأتابكية في دمشق فإن نور الدين لما غلبه بذل له إقطاعاً من جملته مدينة حمص، فسلم مجير الدين القلعة إلى نور الدين وسار إلى حمص فلم يعطه إياها وأعطاه عوضها بالس فلم يرضها مجير الدين وسار عنها الى العراق وأقام ببغداد حتى مات بها. وهذا من غريب ما يحكى في باب العدل فإن الملوك
جرت عادتهم في تلك العصور إذا أخذوا ملكاً أن يقتلوه فلم يفعل ذلك نور الدين تحرجاً من إهراق الدم الحرام واستحكام الطوائل والثارات والأحقاد في أمة أشد ما تكون إلى التضافر. أعطى نور الدين حمص أقطاعاً لمجير الدين حتى لا يقطع له أمله ثم عوضه عنها ببالس لأن حمص على مقربة من كور الصليبيين.
ومن خان أمته وهو في عهد عزه أقرب إلى خيانتها في دور شقائه وذله، أما بالس مسكنة فبعيدة عن حركة التطاحن بين الشرق والغرب. وماء الفرات أسوغ للعاصي مجير الدين من ماء بردى والعاصي. والمقصد في الحقيقة من الفتح توحيد كلمة الإسلام، وهذا قد تم لنور الدين بفتح أبواب دمشق لعدله العمري، وخروج آخر الأتابكيين من أولاد طغتكين منها بسلام.
لم يتبدل شيء بفتح نور الدين دمشق إلا إبطال المظالم والمغارم، ورفع الحيف عن الضعاف، وجمع القوة إلى مقصد واحد لا تتزلزل بالتردد والدسائس، كانت معظم وقائع نور الدين يحالفها التوفيق وفي السنة التي وصفت الديار له أخذ من الفرنج تل باشر. وفي سنة 550 تقررت الموادعة بين نور الدين وبين ملك الفرنج مدة سنة، وقبض نور الدين على ضحاك والي بعلبك وتسلم القلعة وفي السنة التالية 551 ظفر عسكر نور الدين بالفرنج الذين عاثوا في أعمال حلب تقررت الموادعة والمهادنة بينه وبينهم مدة سنة وان المقاطعة المحمولة إليهم من دمشق ثمانية آلاف دينار صورية، ثم نقض الفرنج الهدنة لوصول عدة وافرة من الفرنج في البحر وقوة شوكتهم بهم، ونهضوا إلى الشعراء المجاورة لهم ووقع من المندوبين لحفظ أهل القرى من الأتراك تقصير، فانتهز الفرنج الفرصة واستاقوا جميع ما وجدوه وأفقروا أهله منه مع ما أسروه من تركمان وغيرهم. وأغار الفرنج 552 على أرجاء حمص وحماة وأطلقوا أيديهم بالنهب، وأغاروا على بانياس، فانتصر المسلمون، ومحقت السيوف عامة رجالة الفرنج ومسلمي جبل
عاملة المضافين إليهم، وملك الفرنج جبلة وكانت في أيدي المسلمين منذ سنة 473 وثب عليها قاضيها ابن ضليعة التنوخي واستعان بابن عمار صاحب طرابلس فأخرج منها الروم، وكانت بيدهم منذ سنة 357، وظفر أسد الدين في جماعة من شجعان التركمان بسرية وافرة من الفرنج في ناحية الشمال فانهزمت. وافتتح نور الدين بانياس قهراً عسكره في ناحية هونين بسرية من أعيان مقدمي الفرنج وأبطالهم فلم يفلت منهم إلاّ اليسير، وعسكر الفرنج على الملوحه بين طبرية وبانياس فنهض إليهم نور الدين في عسكره من الأتراك والعرب فكتب له النصر عليهم، وشاغل نور الدين الفرنج هذه السنة للزلازل التي حدثت في الشام ولكنهم شغلوا أيضاً