الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العهد العثماني من سنة 1000إلى 1100
عهد محمد الثالث وأمراء الإقطاعات وفتن:
دخل القرن الجديد والشام تسير من بؤس إلى بؤس، وتعاقب تبدل الولاة عليها والسعيد منهم من كان يحول عليه الحول، وأكثرهم يقيمون فيها أشهراً ثم يصرفون ويستبدل غيرهم بهم، ومنهم من كان يقيم أياماً ومنهم سبعة أيام ومنهم ثلاثة، وتعاقب على دمشق خلال هذا القرن واحد وثمانون والياً وعلى حلب تسعة وأربعون والياً، فكان الوالي لا يتمكن من الإصلاح إن أراده وقلبه متعلق أبداً بثبات منصبه، والغالب أنه لا يتوفر على غير جمع المال بالطرق المنوعة ليوفي ما عليه من المقرر لجماعة الآستانة من الأموال، وكان الولاة يبتاعون الولاية ابتياعاً والمزايد الأكبر هو الذي توسد إليه قال راسم في تاريخه: أمر السلطان مراد أن يكتب إلى أحمد باشا كوجك والي الشام بأن يدفع إلى السلحدار باشا عشرين ألف ليرة ويبقى في منصبه فاضطر الوالي أن يؤدي المبلغ.
ومن أهم أدوات التخريب في هذا القرن خروج جند الانكشارية عن حد الاعتدال وكثرة اعتدائهم على الرعية، يستطيلون على أموالها وأعراضها ويثلمون شرفها ويذلون أعزتها، وهم القوة القاهرة وأذاهم لاحق بالكبير والصغير. وكثيراً ما حاول الولاة أن يخففوا من غلوائهم ليستأثروا بالقوة دونهم أو يرفعوا عن عاتق الأمة التعسة بعض شرورهم، فيسفر قتالهم عن زيادة إيصال الشرور إلى الناس على ما يأتي تفصيله في هذا الفصل المغموسة حوادثه بالدماء.
كان المتغلبون على أكثر البر في أوائل القرن، الأمير شديد بن الأمير أحمد حاكم العرب من آل جبار وكان كلقبه واسمه ظالماً جباراً عنيداً. قال كاتب جلبي: وما زال آل عثمان يعطون لواء سلمية لأمراء العرب وأمراؤهم هم عرب آل جبار وهم قبيلتان آل حمد وآل محمد يمتد حكمهم إلى أرجاء حلب والرقة. وكان قرقماز
المعني في لبنان، وأحمد بن رضوان في غزة بعد قانصوه أمير عجلون وما والاها من الكرك، والأمراء بنو الحرفوش في بعلبك، والأمراء بنو شهاب في وادي التيم، وأحمد بن طرباي أمير اللجون في نابلس، ومنصور بن فريخ البدوي على البقاع تغلب عليه بعد ابن الحنش وحكم نابلس وصفد وعجلون وانحاز إليه جماعة من جند دمشق، وأخاف الدروز ثم شن الغارة وقتل منهم مقتلة عظيمة، وقد خرب العمران وقتل الخلق حتى أخذه وزير دمشق وقتله في سنة 1002 وذهب على حصار قلعة الشقيف النفوس والأموال، حاصرها والي دمشق ونازل قلعتي الشقيف وبانياس، وبلية القلاع كبلية المدن غرض لهجمات المهاجمين فقد أخذ المحارزة قلاع القدموس والعليقة والمينقة مراراً، وكان الإسماعيليون يستردونها بعد مدة، وفي سنة ألف تقريباً هجم الإسماعيليون على القدموس عندما كان العلويون مشغولين بالعبادة في يوم الغدير وقتلوا من المشايخ ثمانين شخصاً عدا العوام وتملكوا القدموس قاله في تاريخ العلويين.
وفي سنة 1003 توفي مراد الثالث وخلفه ابنه محمد الثالث فقتل يوم جلوسه تسعة عشر أخاً له وعشر جوار حاملات من أبيه ثم ابنين له، وكان مع ذلك على رواية المحبي صالحاً عابداً ساعياً في إقامة الشعائر الدينية وأوصافه كلها حسنة وهو مظفر في وقائعه عالي الهمة. ولم ينل الشام شيء من تدين محمد الثالث، وطالبت الحكومة الأهلين بأموال سنتين فلقوا شدة وعنتاً.
ذكر المقدسي في حوادث سنة 1004 أنه جاء ساع من الباب العالي يأمر بأن يجتمع العلماء والصلحاء والمشايخ والفقراء وأولاد المكاتب في الجامع الأموي، ويقرأوا القرآن ويدعوا لعساكر الإسلام بالنصر، وما أعجبها من قضية جمع فيها بين ظلم المذكورين وطلب الدعاء منهم، فليت شعري بأي لسان يدعون وقد اشتهر أنهم يطالبون الرعايا بعوارض سنتين جديدة وعتيقة وطالبوا
اليهود بمال عظيم اهـ
وقال أيضاً في حوادث سنة 1005. إنه استقر في دمشق كيوان منشئ الظلم بالشام قائداً بباب صاحب الشحنة، فشرع يصادر ويسلب، وكثرت القتلى في أزقة دمشق، وكان الإنسان يمشي فلا يسمع إلا من يقول غرموني أربعين قرشاً ومن يقول سبعين قرشاً وثلاثين وعشرين وأكثر وأقل. واصطلم الناس من كثرة الظلم وبقي من يخشى الفضيحة يحمل الجزية إلى كيوان المذكور قبل أن يرسل إليه. هذا ما كان يجري في عاصمة الشام على مرأى ومسمع من القريب والغريب، فما بالك بما كان يجري في الأقاليم التي تقل فيها المراقبة وتضعف المقاومة، فقد تهيأ لأخبارها هنا من دونها أو بعضها حتى وصلت إلينا، وهناك ضاعت أخبارها لقلة المدونين.
وظهر في أيام أحمد مطاف باشا كافل حلب 1005 - 1008 فساد كثير من العربان في أنحاء حلب فأرسل عليهم ابنه درويش بك فاقتتلوا فانهزم عسكر حلب وكانوا ألف فارس وأخذ عرار أمير العرب يتبعهم ويقتل منهم ويغير عليهم.
وفي سنة 1007 كانت الواقعة في نهر الكلب بين ابن معن وابن سيفا فانكسر ابن سيفا وتشتتت جيوشه، وتولى فخر الدين المعني كسروان وبيروت. واستولى يوسف باشا سيفا على جهات طرابلس لما أهلك رؤساء عصاة ابن جانبولاذ التركماني، واستقل بها وأخرج بواسطة عسكر السكبان جند الانكشارية من عمالته ونكل بهم وصار له بذلك نفوذ وسلطان.
وقال نعيما في حوادث سنة 1008: إن عسكر الانكشارية في دمشق جاءوا حلب بحجة جباية أموال الدولة، وتسلطوا على فقرائها وعملتها وتجاوزوا الحدود في الاعتداء، وأساءوا استعمال سلطانهم في الرعية، فقطع والي حلب رأس سبعة عشر رجلاً منهم، ودام الشقاق بين الأهالي والانكشارية مدة طويلة أدى إلى سفك دماء كثيرة بغير حق اه. ومن ذلك اعتداء خداويردي قائد حلب على الناس وفتكه
ونهبه وتعديه حتى ضجر منه أهاليها وحكامها، حين قامت الحرب بينه وبين نصوح باشا، وبينه وبين ابن جانبولاذ، وكان هو وأحفاده قد عاثوا في الأرض فساداً ومنه نشأ طغيان العسكر الشامي.
ومن فتن هذه الأيام خروج عبد الحليم اليازجي رأس جماعة درويش