المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الحملة الصليبية الثانية وغزوتها دمشق: - خطط الشام - جـ ٢

[محمد كرد علي]

فهرس الكتاب

- ‌الدولة النورية

- ‌من سنة 522 إلى سنة 569

- ‌فتنة الإسماعيلية ووقعة دمشق

- ‌دخول آل زنكي الشام:

- ‌ دمشق

- ‌استنجاد بعض الصليبيين بالمسلمين واستقرار حال

- ‌خيانة صاحب دمشق وقتل أمه له:

- ‌توحيد الحكم على يد زنكي وقضاؤه على إمارة

- ‌صليبية:

- ‌الحال بعد نصف قرن من نزول الصليبيين:

- ‌صفات عماد الدين زنكي وتولي ابنه نور الدين:

- ‌الحملة الصليبية الثانية وغزوتها دمشق:

- ‌انحلال دولة مجير الدين وتوفيق نور الدين:

- ‌مقاصد نور الدين وفتحه دمشق:

- ‌الداعي لنور الدين على فتح دمشق:

- ‌مرض نور الدين وإبلاله وتتمة فتوحه وهزيمته في

- ‌البقيعة:

- ‌حملة نور الدين على مصر:

- ‌بعض غزوات نور الدين:

- ‌قيام بني شهاب من حوران وحربهم الصليبيين:

- ‌الفتور بين نور الدين وصلاح الدين:

- ‌وفاة نور الدين وصفاته الطيبة:

- ‌الدولة الصلاحية

- ‌من سنة 569 إلى سنة 589

- ‌أولية صلاح الدين والملك الصالح:

- ‌اختلاف الآراء واستيلاء صلاح الدين على الشام:

- ‌تملك صلاح الدين ومحاولة اغتياله وسر نجاحه:

- ‌فتوح صلاح الدين ووفاة الملك الصالح:

- ‌وقعة حطين وفتح فلسطين:

- ‌فتح القدس والرملة:

- ‌بقية الفتوح الصلاحية:

- ‌الحملة الصليبية الثالثة:

- ‌مزايا صلاح الدين ووفاته:

- ‌الدولة الأيوبية

- ‌من سنة 589 إلى سنة 637

- ‌أبناء صلاح الدين واختلافهم ودهاء عمهم العادل:

- ‌استئثار العادل بالملك الصلاحي:

- ‌الأحداث في عهد العادل واهتمامه بحرب الصليبيين:

- ‌الحملة الصليبية الخامسة:

- ‌وفاة العادل:

- ‌فتح الصليبيين دمياط وذلتهم بعد العزة:

- ‌اختلاف بين أبناء العادل وتقدم الكامل عليهم:

- ‌الحملة الصليبية السادسة:

- ‌اختلافات جديدة بين آل العادل:

- ‌وفاة الملك الكامل وحال الشام بعده:

- ‌انقراض الأيوبيين وظهور دولة المماليك البحرية

- ‌وظهور التتر من سنة 637 إلى سنة 690

- ‌ظهور الخوارزمية:

- ‌اختلاف بني أيوب واعتضاد بعضهم الفرنج وعودة

- ‌الخوارزمية:

- ‌وفاة الملك الصالح ومبدأ دولة المماليك:

- ‌هولاكو التتري

- ‌مقتل المظفر قطز وسلطنة الظاهر بيبرس وأحداث:

- ‌وفاة الملك الظاهر وسلطنة ابنه الملك السعيد ثم

- ‌سلطنة المنصور قلاوون:

- ‌وفاة قلاوون وسلطنة ابنه الأشرف خليل وإثخانه في

- ‌فرنج الساحل:

- ‌الحملة الصليبية السابعة وانتهاء الحروب الصليبية:

- ‌دولة المماليك

- ‌من سنة 690 إلى 790

- ‌فتوح أرمينية وعصيان الموارنة بعوامل صليبية:

- ‌وقائع التتر:

- ‌غزوة الأرمن والكسروانيين وتزعزع السلطنة:

- ‌الغزوات في الشمال وظهور دعوة جديدة:

- ‌خلع الملك المنصور ومقتل غير واحد من اخوته

- ‌الذين خلفوه:

- ‌أحداث وكوائن وعصيان ومخامرات:

- ‌قتل الأشرف شعبان والأحداث بعده:

- ‌سلطنة برقوق وحالة المماليك البحرية والشراكسة:

- ‌وقائع تيمورلنك

- ‌من سنة 790 إلى 803

- ‌بداءة تيمورلنك ومناوشة جيشه:

- ‌القتال على الملك:

- ‌عوامل الخراب قيس ويمن:

- ‌الخوارج على ملوك مصر:

- ‌وفاة برقوق وسلطنة ابنه الناصر فرج والخوارج

- ‌على الملك:

- ‌الحرب الأولى مع تيمورلنك:

- ‌تيمورلنك على أبواب حلب:

- ‌تيمورلنك على حماة وسليمة وحمص:

- ‌تيمورلنك على دمشق:

- ‌وصف أفعال تيمورلنك في دمشق:

- ‌الخراب الأعظم وأخلاق تيمور ونجاة فلسطين منه:

- ‌عهد المماليك الأخير

- ‌من سنة 803 إلى 922

- ‌البلاد بعد الفتنة التيمورية ومخامرة العمال:

- ‌وقائع التركمان مع الناشزين على السلطان:

- ‌الملك السكير وقتله:

- ‌الخليفة السلطان وسلطنة شيخ:

- ‌هلاك المؤيد شيخ وسلطنة ابنه في القماط:

- ‌وفاة ططر وسلطنة ابنه ثم تولي الأشرف برسباي:

- ‌المنصور والأشرف والمؤيد والظاهر خشقدم

- ‌والظاهر بلباي والأشرف قايتباي:

- ‌مصائب القطر الطبيعية ثم السياسية:

- ‌وقعة مشؤومة وأحداث:

- ‌أول مناوشة مع الأتراك العثمانيين:

- ‌وفاة الأشرف قايتباي وتولي ابنه ناصر الدين محمد:

- ‌الملوك المتأخرون وآخرهم الغوري:

- ‌سلطنة طومان باي:

- ‌القضاء على مملكة ذي القدرية وطبيعة دولتي

- ‌المماليك البحرية والبرجية:

- ‌الدولة العثمانية من سنة 922هـ إلى 1000ه

- ‌حالة الشام قبيل الفتح العثماني:

- ‌مقاتل الغوري ومقدمات الفتح:

- ‌صلات العثمانيين مع المماليك ووقعة مرج دابق:

- ‌قوة الغالب والمغلوب:

- ‌دخول السلطان سليم حلب ودمشق:

- ‌مقابلة أمراء البلاد سلطانهم الجديد وتغير الأحكام:

- ‌السلطان في دمشق وفي الطريق لفتح مصر:

- ‌فتوق وغارات وتأذي السكان:

- ‌محاسن السلطان سليم ومساويه ومهلكه:

- ‌خارجي خان أولاً وثانياً:

- ‌طبيعة الدولة العثمانية:

- ‌كوائن داخلية وأمراء المقاطعات:

- ‌مهلك السلطان سليمان وتولي سليم السكّير:

- ‌عهد السلطان مراد الثالث وحملات على أرباب

- ‌الدعارة:

- ‌بنو عساف وبنو سيفا وابن فريخ وخراب البلاد:

- ‌حالة البلاد في الحكم العثماني:

- ‌العهد العثماني من سنة 1000إلى 1100

- ‌عهد محمد الثالث وأمراء الإقطاعات وفتن:

- ‌عهد أحمد الأول وفتنة ابن جانبولاذ وغيرها:

- ‌الأمير فخر الدين المعني وآل شهاب وفتن:

- ‌عهد مصطفى الأول وعثمان الثاني:

- ‌عداء على الفرنج وفتن داخلية:

- ‌حملات على الأمير فخر الدين المعني وغيره:

- ‌القضاء على الأمير فخر الدين المعني:

- ‌فتن في الساحل:

- ‌إبراهيم الأول وسفاهته:

- ‌فتنة والٍ أخرق في حلب:

- ‌محمد الرابع وصدارة كوبرلي:

- ‌عهد سليمان الثاني والحكم على الخوارج:

- ‌العهد العثماني من سنة 1100 إلى 1200

- ‌حال الشام أول القرن الثاني عشر:

- ‌دور أحمد الثاني وفتن:

- ‌دور مصطفى الثاني وانقراض دولة بني معن:

- ‌عهد أحمد الثالث وسياسة الدولة مع من ينكر الظلم

- ‌ووقعة عين دارة:

- ‌فتن ومظالم مستجدة وظهور آل العظم:

- ‌عهد محمود الأول:

- ‌فتن ومشاغب:

- ‌سيرة ظاهرة العمر الزيداني وسياسته:

- ‌حملة أبي الذهب على الشام:

- ‌عهد عبد الحميد الأول وتتمة أخبار أبي الذهب:

- ‌خاتمة ظاهر العمر وولاة حلب:

- ‌أولية الجزار:

- ‌الحكم على القرن الثاني عشر:

الفصل: ‌الحملة الصليبية الثانية وغزوتها دمشق:

خدمته، وإن تأخر فأنا أقرر أمور الشام وأتوجه إليكم. ولما انتهى نعي عماد الدين إلى صاحب دمشق خف في الحال إلى حصن بعلبك وحصره وكان متوليه نجم الدين أيوب بن شادي والد صلاح الدين يوسف، فخاف أن لا يتمكن أولاد زنكي من إنجاده بالعاجل فصالح صاحب دمشق وسلم القلعة إليه، وأخذ منه إقطاعاً ومالاً وملكه عدة قرى من عمالة دمشق.

ولم يكد نور الدين يتربع في دست الحكم بحلب حتى بدت آيات فضله، وصحة حكمه وعقله وحزمه، وباستيلائه على الأعمال ظهر نبوغه فدخلت الشام في حياة سياسة جديدة، بعد تقلقل أمر الدولة الأتابكية بدمشق، ودخول الوهن على فروعها بزوال أصلها الثابت ظهير الدين طغتكين. وسار نور الدين على قدم أبيه عماد الدين في التقرب من ملوك الأطراف فخطب ابنة معين الدين أتسز الملك الحقيقي لدمشق، والحاكم المتحكم في سياستها ليتم له بالصهر والقرابة ما كان أبوه يرمي إليه بزواجه بأم شهاب الدين محمود فلم يتم له، وتزوج نور الدين بعد ذلك بابنة صاحب قونية واقصرا فأمن بهذا الزواج من غارة يغيرها صاحب آسيا الصغرى على الشام، ونم تسرب عسكر الصليبيين عن طريق الروم إلى مملكته.

بعد أن أصيب جوسلين صاحب الرها بتمزيق شمل إمارته قبل سنتين على يد عماد الدين زنكي، جمع الفرنج من كل ناحية وقصد مدينة الرها على غفلة بموافقة النصارى المقيمين بها فاستولى عليها وقتل من بها من المسلمين. فنهض نور الدين 541 فيمن انضاف إليه من التركمان فاستعاد البلد وقتل كثيراً من أرمنها، ومحق السيف كل من ظفر به من نصاراها. واستنجد صاحب دمشق

بنور الدين على قتال والي صرخد الذي كان خرج إلى ناحية الفرنج للاستنصار بهم، فجاء نور الدين في عسكر حسن فاجتمع الجيشان على حلب، وبلغ صاحبي حلب ودمشق أن الفرنج احتشدوا قاصدين بصري فحال عسكر المسلمين بينهم وبين الوصول إليها، واستظهر عسكر المسلمين على الفرنج فولوا الأدبار فتسلم صاحب دمشق حصني بصرى وصرخد.

‌الحملة الصليبية الثانية وغزوتها دمشق:

وفتح نور الدين في السنة التالية 542 مدينة ارتاح بالسيف وحصر ثامولة؟

ص: 17

وبسرفوث وكفرلاما من أعمال الفرنج. قال صاحب الكامل: كان الفرنج بعد قتل والد نور الدين قد طمعوا وظنوا أنهم بعده يستردون ما أخذه، فلما رأوا من نور الدين هذا الجد في أول أمره علموا أن ما أملوه بعيد وخاب ظنهم وأملهم وبينا كان نور الدين يجمع شمله لضرب الفرنج في مقتل من مقاتلهم للقضاء على قوتهم التي ظهر له ضعفها يوم استرد أبوه منهم الرّها، وردت الأخبار من قسطنطينية أن حملة عظيمة قادمة من بلاد الفرنج وهي المعروفة بالحملة الصليبية الثانية مؤلفة من فرنسيس بقيادة لويز السابع، وألمان بزعامة كونراد الثالث، وفي الجيش إنكليز وفلامنديون وطليان، ومن هؤلاء البنادقة والجنوية والبياسنة البيزيون وذلك لإنجاد الصليبيين في الشام، إذ ساءت حالهم بعد سقوط الرّها وقلّ فارسهم وراجلهم لأن سيوف التركمان والأكراد والعرب قد حصدتهم، وعلى كثرة تناسلهم مدة نصف قرن اصبحوا في قلة وأصبح أعداؤهم في كثرة.

تجمعت هذه الحملة بتحميس القديس برناردوس في الغرب، وكان له كما لرؤساء الدين السلطان الأكبر على النفوس يصرفها كما يشاء. وذكر المؤرخون أن عدد هذا الجيش كان ألف ألف عنان من الرجالة والفرسان وقيل أكثر من ذلك. وفي التاريخ العام أن كلاً من الجيش الألماني والجيش الفرنسي كان مؤلفاً من سبعمائة

ألف فارس ما عدا الرجالة الذين لا يحصى عددهم، وأن الروم قدروا مجموعه سبعمائة ألف رجل. قال وهو تقدير ظاهر المبالغة. واختار هذا الجيش طريق البر وعرض عليه روجر صاحب بوليه وصقلية أن يسافر بحراً لأنه كان ينوي الاستعانة بجيش الصليبيين ليدفع المسلمين عن دياره، وكانوا احتلوا سركوزة، فلقي جيش الصليبيين من صاحب القسطنطينية وأمراء بني سلجوق في آسيا الصغرى ضروب القهر والموت. قال مؤرخونا: واستمر القتل فيهم أي في الصليبيين إلى أن هلك العدد الدثر منهم، وحل بهم من عدم القوت والعلوفات والمير وغلاء السعر ما أفنى الكثير منهم.

وصلت مراكب الفرنج 543 إلى ساحل البحر كصور وعكا، وأجمع من كان بها من الفرنج بعدما فني منهم أي من القادمين من طريق البر بالقتل والمرض والجوع نحو مائة ألف إنسان أن يقصدوا بيت المقدس. ولما قضوا مفروض حجهم عاد من عاد بعد ذلك إلى أوطانهم في البحر، وبقي ملك الألمان أكبر

ص: 18

ملوكهم ومن هو دونه، وصلى الصليبيون في القدس صلاة الموت، وعادوا إلى عكا وفرقوا المال في العسكر وكان مقدار ما فرقوه سبعمائة ألف دينار ولم يعينوا لهم وجهة وما كانت وجهتهم إلا فتح دمشق فورّوا بغيرها وهرّبوا المسلمين بين أيديهم. ولم يشعر أهل دمشق إلا وملك الألمان قد ضرب خيمته على باب مدينتهم في الميدان الأخضر. وكان الفرنج في نحو خمسين ألفاً من الخيل والرجل وقيل أكثر من ذلك. ويقول ابن منقذ: إن ملك الألمان لما وصل إلى الشام اجتمع إليه كل من في أرجاء الساحل من الفرنج، فقصدوا أولاً المنزل المعروف بمنازل العسكر فصادفوا الماء مقطوعاً عنه، فقصدوا ناحية المزة ووصلت طلائعهم إلى الميدان الأخضر فنشبت الحرب بين الفريقين، واجتمع عليهم من الأجناد والأتراك والتركمان وأحداث البلد والمطوعة والغزاة الجمّ الغفير، وكانت المكاتبات قد نفذت

إلى ولاة الأطراف بالاستصراخ، وأخذت خيل التركمان تتواصل، فلما ضاق الأمر بالفرنج بعد أربعة أيام ورأوا شدة عزيمة المسلمين في قتالهم رحلوا مفلولين.

ويرى مؤرخو الحروب الصليبية من الفرنج أن جيش الحملة الصليبية الثانية كان أكثر نظاماً وقيادة من جيش الحملة الأولى، ليس فيه المتشردون والأشقياء، وكان مؤلفاً من فرسان وبارونات وغيرهم أخذوا بالحماسة الدينية وساروا في قيادة ملكين عظيمين. وفي التاريخ العام أن هذه الحملة الصليبية الكبرى لم تجد نفعاً البتة حتى استغربت حالها أمم النصرانية فبحث بعضهم عن الخطايا التي استحقت بارتكابها هذه الكارثة، ونسبت أخرى هزيمة الحملة لخداع الروم أو لخيانة نصارى الشرق وذكروا أن الصليبيين في القدس قد ارتشوا من أمير دمشق بمبلغ مائتين وخمسين ألف دينار وأن الأمير أرسل المال زيوفاً أو نحاساً طلي بالذهب.

انكسر الجيش الذي قاتل دمشق بقيادة كونراد الألماني ولويز السابع الفرنسوي وبودوين الثالث ملك القدس في بساتين المزة ولحق فلّهم بالساحل، بعد أن قطعوا أشجار الحدائق للتحصن بها وأحرقوا الربوة والقبة المهدوية. وقد وصف أبو الحكم الأندلسي جيش الفرنجة على دمشق في مخيمه ومعتركه ومجتلده ومنهزمه وصفاً جميلاً قال:

بشطى نهر داريا

أمُورٌ ما تؤاتينا

وأقام رأَوا سفك ال

دما في جِلَّقٍ دينا

ص: 19

أتانا مائتا ألفٍ

عديداً أو يزيدونا

فبعضهمُ منَ اندلسٍ

وبعضٌ من فلسطينا

ومن عكا ومن صورٍ

ومن صيدا وتَبنينا

اذا أبصرتهم أبصر

ت أقواماً مجانينا

ولكن حرقوا في عا

جل الحال البساتينا

وجازوا المرج والتعدي

ل أيضاً والميادينا

تخالهمُ وقد ركبوا

قطائرها حراذينا

وبين خيامهم ضموا ال

خنازر والقرابينا

وراياتٍ وصلباناً

على مسجد خاتونا

ومن توفيق صاحب دمشق يومئذ وهو مجير الدين أبق أن تدبير المملكة كان لمعين الدين أتسز مملوك جده طغتكين، وكان عاقلاً ديناً محسناً لعسكره فاستنجد بصاحب الموصل سيف الدين غازي وصاحب حلب نور الدين محمود، فجاء الشقيقان في جيش لجب، وانضم جيشهما بل روحه وروح أبيهما إلى روح مملوك طغتكين مؤسس الدولة الأتابكية، مع تحمس الأمة ومعرفتها حق المعرفة أن الفرنج إذا أخذوا دمشق سقطت الشام كلها، وربما تعدوها إلى الحجاز وهناك الطامة العظمى على المسلمين، وكان اجتماع آل زنكي الأقوياء مع صاحب دمشق الضعيف في سلطانه فاتحةً لعمل عظيم يتوقع منهم في الشام، وأن ملكها سيؤول إليهم بحكم الطبيعة. ولم يرض سيف الدين ولا نور الدين أن يناقشا مجير الدين ومعين الدين الحساب عما قدماه وقالاه، بل مرا بالأحقاد مرّ الكرام، وجعلا الأقاويل دبر آذانهما وعند الشدائد تذهب الأحقاد.

ذكروا أن معين الدين أتسز كان قد كاتب سيف الدين غازي صاحب الموصل قبل نزول الصليبيين على دمشق، يستصرخ به ويخبره بشدة بأسهم ويقول له أدركنا، فسار سيف الدين في عشرين ألف فارس ونزل في إقليم حمص وبعث إلى معين الدين يقول: قد حضرت بجند طمّ ولم أترك ببلادي من يحمل السلاح، فإن أنا جئت الفرنج وكانت علينا الهزيمة وليست دمشق لي ولا لي بها نائب لم يسلم منا أحد وأخذت الفرنج دمشق وغيرها فإن أحببت أن أقاتلهم فسلم البلد إلى من أثق به، وأنا أحلف لك إن كانت النصرة لنا عليهم أنني لا أدخل إلى

ص: 20

دمشق وأرجع إلى

بلادي فمطله معين الدين وبعث إلى السواحل يقول: هذا ملك الشرق نازل على حمص وليس لكم به طاقة، فإن رحلتم وإلا سلمت دمشق إليه وهو يبيدكم وأنا أعطيكم بانياس أي إن معين الدين أتسز آثر أن يتخلى عن بانياس مفتاح دمشق الأكبر من جهة الفرنج، ولا يجعل لسيف الدين غازي إصبعاً في بلده، لعلمه أن دولة آل زنكي في عنفوان أمرها غضة الإهاب ودولتهم هرمة، والفتى يغلب الهرم ويخلفه بحكم الطبيعة.

تقدم نور الدين في فتوحه:

ولما رحل الفرنج عن دمشق كتب القومص صاحب طرابلس إلى معين الدين وإلى نور الدين يستنجدهما على ولد ألفنس صاحب صقلية الذي أخذ منه حصن العريمة، ويريدهما على أخذه خوفاً منه على بلده، وكتبا إلى سيف الدين يطلبان منه المدد فأمدهما، فحصروا الحصن ونقبوا السور، فأذعن الفرنج واستسلموا وألقوا بأيديهم، فملك المسلمون الحصن وأخربوه وأخذوا كل من فيه.

وعاد عسكر سيف الدين إلى الموصل وعسكر نور الدين إلى حلب وأخذ هذا بجمع أطرافه وتوجه إلى ما دانى أرضه من أرض الفرنج وظفر بعدة وافرة منهم، وجمع صاحب إنطاكية رجاله فصد نور الدين على حين غفلة منه، ونال من عسكره حتى اضطر نور الدين أن يهرب بنفسه وعسكره إلى حلب. وفي هذه السنة 543 نادى منادي نور الدين في حلب بإبطال الأذان بحي على خير العمل في أواخر أذان الغداة، وأعاد أذان أهل السنة ففرح الناس وأبطل بذلك أثراً عظيماً من آثار الدولة العلوية الفاطمية.

لم تثبط هزيمة نور الدين يوم إنطاكية من عزيمته، وقصد الفرنج فكان بينه وبينهم مصاف بأرض يغري من العمق فانهزم الفرنج إلى حصن حارم وكانوا هزموا المسلمين أولاً بهذا الموضع، وقتل منهم وأسر جماعة كثيرة فأرسل منهم جماعة

مع غنائم كثيرة إلى أخيه سيف الدين صاحب الموصل. وفي هذه السنة سار نور الدين إلى بصري وقد اجتمع الفرنج قضهم وقضيضهم، فالتقى بهم هنالك واقتتلوا أشد قتال فهزمهم نور الدين.

وكثر عيث الفرنج في صور وعكا والثغور 544 بعد رحيلهم عن دمشق

ص: 21

وفساد شروط الهدنة المستقرة بين صاحب دمشق وبينهم، وكانوا يعيثون في عمل دمشق، ويفحشون في التخريب ويمعنون في الغارة، فأغار عليهم العسكر الشامي والتركماني والأعراب إلى أن اضطروا إلى تجديد الهدنة مع صاحب دمشق سنتين. وأغار صاحب إنطاكية على الأعمال الحلبية فدفعه نور الدين صاحبها، وكان عسكر نور الدين يناهز الستة آلاف فارس سوى الأتباع والسواد، والفرنج في زهاء أربعمائة فارس طعانة وألف راجل مقاتلة سوى الأتباع، فلم ينج منهم إلا نفر يسير ثم نزل نور الدين في العسكر على باب إنطاكية وقد خلت من حماتها فاستمال أهلها في التسليم فأمهلوا، ثم نهض إلى أفامية فسلم الفرنج إليه البلد بعد حصارها واجتمع من بالشام من الفرنج وساروا نحو نور الدين ليرحلوه عنهم، فلم يصلوا إلا وقد ملك حصن أفامية وملأه ذخائر وسلاحاً ورجالاً، واقتضت الحال بعد ذلك مهادنة من في إنطاكية وتقرر أن يكون ما قرب من الأعمال الحلبية لنور الدين، وما قرب من إنطاكية لهم. وقد عاون نور الدين في هذه الوقعة الأمير بزان في عسكر دمشق وعسكر أخيه سيف الدين غازي والجزيرة، وقتل من الفرنج ألف وخمسمائة وأسر مثلهم، وقتل البرنس وحمل رأسه إلى نور الدين. قال العماد: وكانت هذه الكسرة على إنب، وإنب حصن من أعمال عزاز.

وظهرت الفرنج في الأعمال الدمشقية للعيث فيها واتصل بنور الدين إفسادهم في الأعمال الحورانية بالنهب والسبي فعزم على التأهب لقصدهم فسار وكف أيدي أصحابه عن العيث والفساد في الضياع، وأمر بإحسان الرأي في الفلاحين

والتخفيف عنهم. وكتب إلى دمشق يستدعي منهم المعونة على ذلك بألف فارس، وقد كان رؤساؤها عاهدوا الفرنج أن يكونوا يداً واحدة على من يقصدهم من عساكر المسلمين فاحتج عليه وغولط، فلما عرف ذلك رحل ونزل بمرج يبوس وبعض العسكر بيعفور، ثم رحل من منزله بالأعوج ونزل على جسر الخشب المعروف بمنازل العسكر، وراسل مجير الدين والرئيس بدمشق بأنه لم يقصد محاربتهم وإنما دعاه إلي ذلك كثرة شكاية المسلمين من أهل حوران والعربان وعجز أمراء دمشق عن حفظ أعمالها واستصراخهم بالفرنج على محاربته، وبذلهم لهم أموال الضعفاء والمساكين من الرعية ظلماً لهم، فكان الجواب عن هذه الرسالة ليس بيننا وبينك إلا السيف وسيوافينا من الفرنج ما يعيننا على دفعك إن

ص: 22