الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وله من العمر نحو اثنتي عشرة سنة فكانت وفاته من سوء طالع الشام، كَثُر طمع القريب والبعيد في اكتساحها. وكان من ذلك الحظ الأكبر لتيمورلنك حتى إنه لما بلغه موت الظاهر برقوق فَرِحَ وأعطى من بشره بذلك خمسة عشر ألف دينار، وتهيأ للمسير إلى الشام فجاء إلى بغداد وأخذها ثانية.
وفي سنة 802 خامر نائب الشام وأظهر العصيان وأطلق من كان مسجوناً من الأمراء بقلعة دمشق ثم جمع النائب وكان اسمه تنم عسكراً عظيماً من الشام وقصد نحو الديار المصرية ووصل أوائل عسكره غزة، فجيش الملك الناصر فرج وسار إلى الشام، فلما وصل كان أقبغا اللكاش نائب غزة خرج هو ونائب حماة ونائب صفد إلى قتال الملك فدهش النواب، فكان أول من دخل تحت طاعته نائب حماة ثم نائب صفد. فلما رأى عسكر الشام دخول النواب تحت طاعة السلطان - وكان مع تنم نائب الشام نواب طرابلس وحلب وحماة وصفد وكثير من العربان وظن نفسه أنه أصبح سلطاناً - خامر الجميع على تنم نائب الشام وتوجهوا إليه في غزة فملك السلطان غزة وبلغ ذلك نائب دمشق فخرج منها هو وبقية الأمراء وأتوا إلى الرملة فصار السلطان في غزة وهم في الرملة، فراسلهم السلطان في الصلح فأبوا فتلاقى العسكران على مكان يسمى الحبتين فكان بينهم وقعة عظيمة كُسر بها تنم وأمسك واحتاطوا على بركه ودوابه، وقبض الناصر فرج على جملة من الأمراء الذين خامروا عليه وقيدهم وحبسهم في قلعة دمشق. ودخلها في موكب عظيم وقدامه تنم نائب دمشق. وهو مقيد راكب على كديش أبلق ومعه عشرة من أمراء
دمشق وهم في قيود فحبسهم في القعلة، ثم قتل وخنق عدة أمراء منهم.
الحرب الأولى مع تيمورلنك:
وفي هذه السنة انكسرت طليعة جيش تيمورلنك في وقعة صاحب بغداد القان أحمد بن أويس وقرا يوسف أمير التركمان، فلما انكسر التتر أتوا ملطية وكانوا نحو سبعة آلاف إنسان فأرسلوا إلى نائب حلب يقولون له عين لنا مكاناً ننزله، فلما سمع نائب حلب بذلك ركب هو ونائب حماة فتوجهوا إلى عسكر تيمورلنك فأوقعوا معهم وقعة عظيمة فانكسر نائب حماة وقتل من عسكر
حلب جماعة فأمر السلطان نواب دمشق وصفد وطرابلس بأن يجمعوا العساكر ويتوجهوا إلى حلب يقيمون بها، فأرسل تيمورلنك إلى دمرداش نائب حلب يعده بأن يبقيه على نيابته بشرط أن يمسك سودون نائب الشام، فأطلع دمرداش على ذلك سودون فوثب على الرسول فضرب عنقه، فلما بلغ ذلك تيمورلنك نازل حلب، ولكن تيمورلنك إذا تظاهر الشراكسة بالقوة أمامه يعرف ما تندمج عليه نفوسهم وتصل إليه قرائحهم، وإذا انكسر له فيلق صغير لم يكن إلا على أتم المعرفة بما عند من يريد فتح ديارهم، وكان له جواسيس في جميع البلاد التي ملكها والتي لم يملكها، فكانوا ينهون إليه الحوادث الكائنة على جليتها ويكاتبونه بجميع ما يروم، فلا يتوجه إلى جهة إلا وهو على بصيرة من أمرها، وبلغ من دهائه أنه كان إذا أراد قصد جهة جمع أكابر الدولة وتشاوروا إلى أن يقع الرأي على التوجه في الوقت الفلاني إلى الجهة الفلانية، فيكاتب جواسيس تلك الجهات فتأخذ الجهة المعينة حذرها ويأمن غيرها، فإذا ضربوا النفير وأصبحوا سائرين ذات الشمال عرّج بهم ذات اليمين، فإلى أن يصل الخبر الثاني يكون دهم هو الجهة التي يريد وأهلها غافلون.
وذكر ابن حجر أنه كان ابتداء حركة تيمورلنك إلى البلاد الشامية في سنة اثنتين وثمانمائة. وأصل ذلك أن أحمد بن أويس صاحب بغداد ساءت سيرته وقتل
جماعة من الأمراء وعسف على الباقين، فوثبوا عليه فأخرجوه منها، وكاتبوا نائب تيمورلنك بشيراز أن يتسلمها فتسلمها، وهرب أحمد إلى قرا يوسف التركماني بالموصل فسار معه إلى بغداد فالتقى به أهل بغداد فكسروه، واستمر هو وقرا يوسف منهزمين إلى قرب حلب، وقيل بل غلب على بغداد وجلس على تخت الملك، ثم صار صحبة قرا يوسف فوصلا جميعاً إلى أطراف حلب وسألا أن يطالع السلطان بأمرهما فكاتب أحمد بن أويس يستأذن في زيارته مصر، فأجيب بتفويض الأمر إلى النائب فخشي دمرداش نائب حلب أن يقصد هو وقرا يوسف حلب فسار نائب حلب ومعه طائفة قليلة منهم نائب حماة ليكبس أحمد بن أويس بزعمه، فكانت الغلبة لأحمد فانكسر دمرداش وقتل من عسكره جماعة، ورجع منهزماً وأُسر نائب حماة وفدي بستمائة ألف درهم، ثم جمع نعير والنائب ببهنسي جماعة والتقوا مع أحمد بن أويس