الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الرومي حاكم صفد، وإرسال خسرو باشا نائب الشام عسكراً إلى درويش ليسلم الولاية إلى آخر، فقاتل اليازجي عن مخدومه بالسيف فأخذ درويش إلى دمشق وصلب بأمر السلطان. أما اليازجي وجماعة درويش فساروا على ساحل البحر إلى طرابلس ثم إلى جانب حلب ودخلوا مدينة كلز فتنبه لهم نائب حلب وأرسل جيشا لمحاربتهم، فقتلوا من أصحاب اليازجي مقتلة عظيمة، وخرج بمن بقي معه من أصحابه المفلولين، وما زال يحارب جيوش السلطنة في الأناضول حتى هلك سنة 1010.
وفي سنة 1011 باغت الأمير يونس بن الحرفوش جبة بشري، فلما بلغ ذلك يوسف باشا سيفا جمع السكبان الذين عنده وهاجم مدينة بعلبك فاجتمع ببيت الحرفوش في القلعة، ونهب بنو سيفا بعلبك وحاصروا قلعة حدث بعلبك خمسين يوماً وملكوها ثم نادوا بالأمان. وفي سنة 1014 كانت وقعة جونيه بين يوسف باشا سيفا والأمير فخر الدين المعني فانكسر عسكر سيفا.
عهد أحمد الأول وفتنة ابن جانبولاذ وغيرها:
في سنة 1012 توفي محمد الثالث وخلفه أحمد الأول ولم يتغير شيء في الشام وغاية الأمر أن الخوارج في أيام السلطان الجديد اشتدت شوكتهم فنال الأمة منهم كل حيف، ودخل القطر في هرج ومرج. وفي أيامه ظهرت الخوارج في جهات حلب وما زالت الأمور في تخبط حتى خرج جانبولاذ وادعى السلطنة واضطربت الأحوال على ما سيجيء. قال القرماني: وفي أيام هذا السلطان قام الطغاة والبغاة، وانمحت من الوجود أمهات الأمصار وشملها البوار، أما القرى والقصبات
والرساتيق والمزدرعات فأكثر من أن تحصر.
وقال العرضي: كانوا يرسلون من قديم الزمان في دولة بني عثمان شرذمة من عساكر دمشق وعليهم شوربجي بحوالات أموال السلطنة فيحصل لهم الانتفاع ويخدمون عند الدفتردار وفي دار الوكالة وفي باب القنصل الفرنجي وفي كل مدة يرسلون غيرهم وعليهم شوربجي، حتى قطن بحلب أعداد كثيرة منهم واتسعت أموالهم وكبر جاههم، واستولوا على أغلب قرى السلطنة يعطون مال السلطان عن القرية ويأخذون من أهلها أضعافاً مضاعفة،
وتبقى أهل القرية جميعاً خدمة لهم وجميع ما يجمعونه لغيرهم لا لأنفسهم.
ومن الكوائن أن خارجياً من السكبانية اسمه رستم جاء إلى كلز ومعه من البغاة أجناد كثيرة، وكان ضابط كلز عزيز كتخدا من جماعة حسين باشا بن جانبولاذ أمير الأمراء بحلب، فبعث واستنجد بعسكر حلب ومنهم العسكر الجديد فخرجوا لنصرته، فتقابلت الأجناد وقامت بينهم سوق الحرب والضرب فانتصر رستم على عسكر كلز وحلب وقتل عزيز كتخدا وقتل من العسكريين كثير وولوا منهزمين فنهب الخارجي كلز وصادر أعيان القرى.
ولما ولي نصوح باشا نيابة حلب - وكان متغلباً في حكمه عسوفاً قوي النفس شديد البأس كما قال المحبي - كان لجند دمشق أي الانكشارية الغلبة والعتو يذهب منهم كل سنة طائفة إلى حلب وينصب عليهم قائد من كبارهم وكان بعض عظماء الجند قد تقووا في حلب وفتكوا وجاروا خصوصاً طواغيتهم خداويردي وكنعان الكبير وحمزة الكردي وأمثالهم، حتى رهبهم أهلها وصاهرتهم كبراؤها، واستولوا على أكثر قراها، فلما رأى نصوح باشا ما فعلوه حتى قلّت أموال السلطنة، وصارت أهالي القرى كالأرقاء أجلاهم عن الأقاليم ووقعت بينه وبينهم فتنة بل فتن، وعجز عن إخراجهم فاستعان بحسين بن جانبولاذ فبعث هذا ابن أخيه الأمير
علي بعسكر عظيم، فاستولى نصوح باشا على قلعة حلب ووضع متاريس تحتها واستعد للقتال، فأخذ العسكر الدمشقي باب بانقوسا وجمعوا جموعهم، وهم لا يعلمون أن حسين باشا جانبولاذ بعث عسكره، ودخل الأمير علي في اليوم التالي بالعساكر المتكاثفة فتبعهم نصوح باشا والأمير علي إلى قرية كفر طاب فوقع بينهم حرب فانهزم الدمشقيون بعدما قتل منهم جم غفير. ثم خرج نصوح باشا في عسكره إلى كلز فقابل حسين باشا بعسكره والتقت الفئتان فانكسر نصوح باشا وقتل أكثر عسكره ودخل حلب منهزماً وأخذ في جمع الأجناد وبذل الأموال لتكثير العدد والأعتاد. وبينا هو على ذلك جاء الأمر بأن حسين باشا عين كافلاً للممالك الحلبية وعزل نصوح باشا، فلبس نصوح باشا جلد النمر، وامتنع من تسليم حلب لحسين باشا، وأقبلت بعد أسبوع عساكر الوالي الجديد حسين باشا إلى قرية حيلان فاستقبلهم نصوح باشا بالحرب فانكسر أيضاً،
ونزل حسين باشا بعساكره في أحياء حلب خارج السور وأغلق نصوح باشا أبواب المدينة وسدها بالأحجار، وفتح باب قنسرين وحرسه، وقطع حسين باشا الماء عن حلب ومنع الميرة والطعام عن المدينة، ونصب نصوح باشا المتاريس على الأسوار وصف عسكره عليها مع المكاحل، وقامت بين الواليين حرب شعواء، وأخذ حسين باشا في حفر الخنادق والاحتيال على أخذ البلدة، وأنشأ نصوح باشا يحفر السراديب، وعم الحلبيين البلاء من المبيت على الأسوار وحفر السراديب، ومصادرة الفقراء والأغنياء كل يوم وليلة لطعام عسكر السكبان وعلوفاتهم، وأغلقت الدكاكين وتعطلت الصناعات، وحرقت الأخشاب للطعام والقهوة، واشتد غلاء الحاجيات وعدم قوت الحيوان والإنسان واستمر الحصار نحو أربعة أشهر وأياماً، ثم تصالح نصوح باشا وحسين باشا فخرج الأول واستولى حسين باشا على الديار الحلبية، وشحنها بالسكبان وصادر الأغنياء والفقراء لأجل علوفة السكبان.
ولما قتل حسين باشا خرج ابن أخيه علي بن طاعة السلطنة، وجمع جمعاً عظيماً من السكبانية حتى صار عنده منهم ما يزيد على عشرة آلاف، ومنع المال المرتب عليه، وقتل ونهب في تلك الأطراف، إلى أن تعهد ابن سيفا صاحب عكار للسلطنة بإزالة الأمير علي عن حلب فجمع له الجند من دمشق وطرابلس والتقى بابن جانبولاذ جانبلاط قرب حماة فكانت الغلبة على ابن سيفا، فاستولى ابن جانبولاذ على مخيمه ومخيم عسكر دمشق واستولى ابن جانبولاذ على طرابلس، واستخرج الأموال من أهلها وأخذ دفائن كثيرة لهم، ولم يستطع فتح قلعتها، ثم سار مع حليفه ابن معن وكان هو وابن شهاب وابن الحرفوش خرب بعلبك وأحرق قراها، وخرب ابن جانبولاذ البقاع ووصل إلى دمشق، واقتتل ابن جانبولاذ مع العسكر الدمشقي فانفل العسكر الدمشقي وأرضوا ابن جانبولاذ بمال حتى فرج عن دمشق، واستمر النهب في أطرافها ثلاثة أيام، ثم سار إلى حلب وجاءته الرسل من السلطنة تقبح عليه فعله في دمشق، فكان تارة ينكر فعلته، وطوراً يحيل الأمر على عسكر دمشق، ويشرع بسد الطرق ويقتل من يعرف أنه سائر إلى أطراف السلطنة إبلاغ ما صدر منه، حتى أخاف الخلق ونفذ حكمه من أدنة إلى نواحي غزة، وصاهر ابن سيفا
فامتثل هذا أمره، وانقطعت أحكام السلطنة عن هذه الديار نحو سنتين، وكان ابن سيفا بعد أن غلبه ابن جانبولاذ على دمشق ونهب ولايته التجأ إلى أحمد بن طرباي الحارثي أمير لواء اللجون. قال القرماني: إن ابن جانبولاذ لما ولي حلب جمع كل شقي من القبائل والعشائر، ليأخذ ثأره من جماعة الإنكشارية فالتقوه في مدينة حماة ومعهم محمد باشا الطواشي نائب دمشق وعامة الجيوش من الكماة، فانهزم عسكر الدولة واستمر ابن جانبولاذ في أثرهم إلى حدود دمشق فاستقبله الأمير فخر الدين بن معن بمن معه من الدروز وطائفة السكمانية، ثم التقى ابن جانبولاذ مع العساكر الشامية فاستولى على أموالهم.
ولما حدث ما حدث من الفتن والغوائل عهد السلطان إلى مراد باشا أن يعيد الشام إلى حكم الدولة لأنه ثبت أنه خرج عن حكمه، فجاء في عشرين ألف فارس وعشرين ألف راجل وقيل في أكثر من ذلك، فبرز إليه ابن جانبولاذ في أربعين ألفاً فُغلب ابن جانبولاذ وهرب إلى الآستانة وأقنع السلطان بحسن حاله، وجاء مراد باشا بعد أن كسر ابن جانبولاذ في سهل الروج قرب المعرة وقتل من جماعته أحد وعشرين ألفاً وتسلم قلعتها بالأمان، وبالغ في قطع شأفة الأشقياء والسكبانية. وكان علي باشا جانبولاذ لما انكسر مع مراد باشا حصن قلعة حلب ورفع إليها عياله وأسبابه وولى عليها أطلي طوماش باشا وأمره بحفظها لمدة ثلاثة أشهر ريثما يرجع إليه بالنجدة من سلطان العجم، ثم تجهز للسفر وحال خروجه من أراضي حلب وصل مراد باشا الوزير ومعه أحمد باشا حافظ الشام ويوسف باشا سيفا وشددوا الحصار على حلب وافتتحوها، ووعد أطلي طوماش بالنيابة على حلب فاطمأن وسلم القلعة ثم قبض عليه وقتله وضبط القلعة، وباع عيال علي باشا جانبولاذ بيد الدلال فبيعت والدته بثلاثين قرشاً، ثم وقعت المناداة على المحافظين فقتلوهم في أماكن مختلفة وأتوا برؤوسهم إلى الوزير ولم ينج منهم إلا القليل، وكان الرجل يقتل العشرة منهم، ومهد الوزير أمور حلب وخدمته أمراء العرب. وقالوا: إن الأمير فخر الدين فرَّ إلى البادية في جماعة الدروز والعربان بعد تلك الوقائع لأنه أعان الخوارج على السلطنة. وللقيم محفوظ الدمشقي مرتجلاً
ومؤرخاً واقعة دخول السكبانية مع ابن جانبولاذ إلى دمشق في أوائل سنة ست عشرة بعد الألف نقلها في التذكرة الكمالية.
دخل الشام جيوش
…
كجمال قد رغوا
كل كردي غبي
…
بهم الناس لغوا
ودروز ولئام
…
لمقال ما صغوا
نهبوا الشام وآذوا
…
وعلى الناس بغوا
نهبوها في جمادى
…
أفحشوا أرخ طغوا
ولم تقتصر فتنة ابن جانبولاذ على دمشق وحلب بل تناولت بعلبك والبقاع وطرابلس وغيرها. قال النجم الغزي: إن كافلي الشام وطرابلس دخلاً على أهل حماة وحمص وأمرا أهلهما بإخلاء المدينتين وكان ابن جانبولاذ في أثرهما، فدخل هو وعساكره حماة وحمص ونهبوهما ونهبوا قراهما، واتفق كيوان رئيس سرية دمشق مع ابن معن على العصيان وعلى مساعدة ابن جانبولاذ، فذهبا إليه واجتمعا به في الجون بالقرب من نهر البارد، فاستولوا على حماة وحمص وعكار وجبلة واللاذقية والحصن وطرابلس وغزير وبيروت، ثم اجتمع ابن جانبولاذ وابن معن وكيوان وحاصروا دمشق على ما تقدم قال: وكان الأمر مهولاً واجتمع أكثر الناس بدمشق. وقال ابن المقار في حوادث 1016: إنه ظهرت طائفة من الخوارج يقال لهم السيمانية أظهروا في الأرض أنواع الفساد، وحدث بين أمراء الشام حروب وفتن عظيمة عم فيها النهب وخربت أكثر البلاد.
ومن الأحداث في تلك الأيام ما رواه مؤرخو لبنان في حوادث سنة 1016 من أن الجند المشتى قيشلق السلطاني تفرق على البلدان من حلب إلى الشوف، وكان عدده نحو أربع كرات والكرة مائة ألف. كذا قالوا وكانت الناس في ضيق عظيم من الغلاء ومن الضرائب التي كانت على الضياع والأدبار. ووقع في زمن تولية كوجك سنان باشا دمشق وكان يتولاها سنة 1017 أن فرقة من عرب آل جبار المعروفين بأولاد أبي ريشة نفروا من العراق فوصلوا إلى تدمر، وانضم إليهم قوم من طائفة السكبانية المنهزمين من وقعة علي بن