الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال أصحابنا: ويجوز البكاء قبل الموت وبعده، ولكن قبله أولى للحديث الصحيح، "فإذَا وَجَبَتْ فَلا تَبْكِيَنَّ باكِيَةٌ"(1)" وقد نصّ الشافعي رحمه الله والأصحاب على أنه يُكره البكاء بعد الموت كراهة تنزيه ولا يحرم، وتأوّلوا حديث "فَلَا تَبْكينَّ بَاكِيَةٌ" على الكراهة.
117 ـ بابُ التَّعْزِيَة
[1/ 399] روينا في كتاب الترمذي والسنن الكبرى للبيهقي، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه
عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ عَزَّى مُصَابًا فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ" وإسناده ضعيف.
[2/ 400] وروينا في كتاب الترمذي أيضًا، عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه
عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ عَزَّى ثَكْلَى كُسِيَ بُرْدًا في الجَنَّةِ" قال الترمذي: ليس إسناده بالقويّ.
[3/ 401] وروينا في سنن أبي داود والنسائي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما حديثًا طويلًا فيه
أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة رضي الله عنها: "ما أخْرَجَكِ يَا فاطِمَةُ مِنْ بَيْتكِ؟ " قالَت: أتيتُ أهلَ هذا الميت فترحمتُ إليهم ميّتهم أو عزَّيْتُهم به.
[399] الترمذي (1073)، والسنن الكبرى للبيهقي 4/ 59 وإسناده ضعيف، لوجود علي بن عاصم، وهو متهم. انظر الفتوحات 4/ 137.
[400]
الترمذي (1076)، وإسناده ضعيف، وانظر ضعيف الجامع الصغير 5/ 219.
[401]
أبو داود (3123)، والسنائي 4/ 27. وقال الحافظ: حديث حسن، أخرجه أحمد والنسائي والحاكم. الفتوحات 4/ 139.
(1)
أبو داود (3111)، وقال الحافظ بعد تخريجه: هذا حديث صحيح أخرجه أبو داود وأخرجه النسائي وابن حبّان والحاكم. الفتوحات 4/ 136
[4/ 402] وروينا في سنن ابن ماجه والبيهقي، بإسناد حسن، عن عمرو بن حزم رضي الله عنه
عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "ما مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَزِّي أخاهُ بِمُصِيْبَتِهِ إِلَاّ كَساهُ اللَّهُ عز وجل مِنْ حُلَلِ الكَرَامَةِ يَوْمَ القِيامَةِ".
واعلم أن التعزية هي التصبير وذكر ما يسلّي صاحب الميت ويخفّف حزنه ويهوّن مصيبته وهي مستحبة، فإنها مشتملة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي داخلة أيضًا في قول الله تعالى:{وَتَعاوَنُوا على البِرّ والتَّقْوَى} وهذا من أحسن ما يُستدلّ به في التعزية. وثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "وَاللَّهُ فِي عَوْنِ العَبْدِ ما كانَ العَبْدُ في عَوْن أخيه"(1).
واعلم أن التعزية مستحبّة قبل الدفن وبعده. قال أصحابنا: يدخل وقت التعزية من حين يموت ويبقى إلى ثلاثة أيام بعد الدفن. والثلاثة على التقريب لا على التحديد، كذا قاله الشيخ أبو محمد الجويني من أصحابنا. قال أصحابنا: وتُكره التعزية بعد ثلاثة أيام، لأن التعزية لتسكين قلب المُصاب، والغالب سكون قلبه بعد الثلاثة، فلا يجدّد له الحزن، هكذا قاله الجماهير من أصحابنا. وقال أبو العباس بن القاص من أصحابنا: لا بأس بالتعزية بعد الثلاثة، بل يبقى أبدًا وإن طال الزمان؛ وحكى هذا أيضًا إمام الحرمين عن بعض أصحابنا، والمختار أنها لا تفعل بعد ثلاثة أيام إلا في صورتين استثناهما أصحابنا أو جماعة منهم، وهما إذا كان المعزِّي أو صاحب المصيبة غائبًا حال الدفن واتفق رجوعه بعد الثلاثة. قال أصحابنا: التعزية بعد الدفن أفضل منها قبله، لأن أهل الميت مشغولون بتجهيزه،
[402] ابن ماجه (1601)، والبيهقي 4/ 59، وإسناده حسن.
(1)
رواه مسلم (2699)
ولأن وحشتهم بعد دفنه لفراقه أكثر، هذا إذا لم يرَ منهم جزعًا شديدًا، فإن رآه قدّم التعزية ليسكِّنهم، والله تعالى أعلم.
[فصل]: ويستحبّ أن يعمَّ بالتعزية جميعَ أهل الميت وأقاربه الكبار والصغار والرجال والنساء، إلا أن تكون امرأةً شابّةً فلا يعزّيها إلا محارمُها. وقال أصحابنا: وتعزيةُ الصلحاء والضعفاء على احتمال المصيبة والصبيان آكد.
[فصل]: قال الشافعي وأصحابنا رحمهم الله: يُكره الجلوس للتعزية. قالوا: ويعني بالجلوس أن يجتمعَ أهلُ الميت في بيت ليقصدَهم مَن أراد التعزية، بل ينبغي أن يَتَصرَّفوا في حوائجهم ولا فرقَ بين الرجال والنساء في كراهة الجلوس لها، صرَّحَ به المحاملي، ونقله عن نصّ الشافعي رضي الله عنه، وهذه كراهةُ تنزيه إذا لم يكن معها مُحدَثٌ آخر، فإن ضُمَّ إليها أمرٌ آخر من البدع المحرمة كما هو الغالب منها في العادة كان ذلك حرامًا من قبائح المحرمات فإنه مُحَدَث، وثبت في الحديث الصحيح:"إنَّ كلَّ مُحدَثٍ بِدْعة، وكلّ بدعةٍ ضَلالة"(1).
[فصل]: وأما لفظةُ التعزية فلا حجرَ فيه، فبأيّ لفظ عزَّاه حصلت. واستحبَّ أصحابُنا أن يقول في تعزية المسلم بالمسلم: أعْظَمَ اللَّهُ أجْرَكَ، وأحْسَنَ عَزَاءَكَ، وَغَفَرَ لمَيِّتِكَ. وفي المسلم بالكافر: أعظم الله أجرَك. وأحسن عزاءَك. وفي الكافر بالمسلم: أَحسن الله عزاءك، وغفر لميّتك. وفي الكافر بالكافر: أخلف الله عليك. (2).
وأحسن ما يُعزَّى به:
(1) رواه مسلم (867) عن جابر رضي الله عنهما
(2)
قال الحافظ ابن حجر: أخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر وابن الزبير؛ أنهما كانا يقولون في التعزية: أعقبك منه عقبى صالحة، كما أعقب عباده الصالحين، وسنده حسن. الفتوحات 4/ 143
[5/ 403] ما روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أُسامة بن زيد رضي الله عنهما قال:
أرسلتْ إحدى بنات النبيِّ صلى الله عليه وسلم إليه تدعوه وتخبره أنّ صبيًا لها أو ابنًا في الموت، فقال للرسول:"ارْجعْ إلَيْها فأخْبرْها أنَّ لِلَّهِ تَعالى ما أخَذَ وَلَهُ ما أعْطَى، وكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بأجَلٍ مُسَمَّى، فمُرْها فَلْتَصْبرْ وَلْتَحْتَسبْ" وذكر تمام الحديث.
قلت: فهذا الحديث من أعظم قواعد الإِسلام، المشتملة على مهمات كثيرة من أصول الدين وفروعه، والآداب، والصبر على النوازل كلِّها، والهموم والأسقام وغير ذلك من الأعراض. ومعنى "أن لله تعالى ما أخذ" أن العالم كله ملك لله تعالى، فلم يأخذ ما هو لكم، بل أخذ ما هو له عندكم في معنى العارية؛ ومعنى "وله ما أعطى" أن ما وهبه لكم ليس خارجًا عن ملكه، بل هو له سبحانه يفعل فيه مايشاء، وكل شيء عنده بأجلٍ مسمّى فلا تجزعوا، فإن من قبضه قد انقضى أجَله المسمى، فمُحال تأخره أو تقدّمخ عنه، فإذا علمتم هذا كله فاصبروا واحتسبوا ما نزل بكم، والله أعلم.
[6/ 404] وروينا في كتاب النسائي بإسناد حسن، عن معاوية بن قرّة بن إياس، عن أبيه رضي الله عنه؛
أن النبيّ صلى الله عليه وسلم فقدَ بعضَ أصحابه فسأل عنه، فقالوا: يا رسول الله! بُنَيُّهُ الذي رأيته هلك، فلقيه النبيّ صلى الله عليه وسلم، فسأله عن بنيّه فأخبره بأنه هلك، فعزّاه عليه ثم قال: "يا فُلانُ! أيُّمَا كانَ أحَبَّ إلَيْكَ: أَنْ تَمَتَّعَ بِهِ عُمُرَكَ، أوْ لا تَأتِي غَدًا بابًا مِنْ أبْوَابِ الجَنَّةِ إِلَاّ وَجَدْتَهُ قَدْ
[403] البخاري (1284)، ومسلم (923)، وتقدم برقم 7/ 397.
[404]
النسائي 4/ 23 وقال الحافظ: هذا حديث صحيح .. وتعجب من اقتصار النووي على تحسين سنده، وقد صححه ابن حبّان والحاكم .. وله شاهد عند الإِمام أحمد. الفتوحات 4/ 145.
سَبَقَكَ إِلَيْهِ يَفْتَحُهُ لَكَ، قال: يا نبيّ الله! بل يسبقني إلى الجنة فيفتحها لي لهو أحبّ إليّ، قال: فَذَلِكَ لَكَ".
وروى البيهقي بإسناده في مناقب الشافعي (1) رحمهما الله؛ أن الشافعي بلغه أن عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله مات له ابن فجَزعَ عليه عبد الرحمن جزعًا شديدًا، فبعثَ إليه الشافعي رحمه الله: يا أخي عزِّ نفسك بما تَعَزَّى به غيرُك، واستقبحْ من فعلك ما تستقبحُه من فعل غيرك. واعلم أن أمضَّ المصائب فقدُ سرورٍ وحرمانُ أجر، فكيف إذا اجتمعا مع اكتِساب وزر؟ فتناول حظَّكَ يا أخي إذا قرب منك قبل أن تطلبَه وقد نأى عنك، ألهمك اللَّهُ عند المصائب صبرًا، وأحرزَ لنا ولك بالصبر أجرًا، وكتب إليه:
إنّي مُعَزِّيكَ لا أني على ثِقَةٍ
…
مِنَ الخُلُودِ وَلَكِنْ سُنَّةُ الدّينِ
فَمَا المُعَزَّى بِباقٍ بَعْدَ مَيِّتِهِ
…
وَلا المُعَزِّي وَلَوْ عاشا إلى حِينِ
وكتبَ رجلٌ إلى بعض إخوانه يعزُّيه بابنه: أما بعد، فإنَّ الولدَ على والده ما عاش حُزْنٌ وفتنة، فإذا قدّمه فصلاة ورحمة، فلا تجزعْ على ما فاتك من حزنه وفتنته، ولا تضيّع ما عوّضك الله عزّوجلّ من صلاته ورحمته.
وقال موسى بن المهدي لإِبراهيم بن سالم وعزَّاه بابنه: أسَرَّك وهو بليّة وفتنة، وأحزنَك وهو صلوات ورحمة؟!
وعزَّى رجلٌ فقال: عليك بتقوى الله والصبر، فبه يأخذ المحتسب، وإليه (2) يرجع الجازع. وعزّى رجل رجلًا فقال: إن من كان
(1) مناقب الشافعي؛ للبيهقي ص 2/ 90ـ91
(2)
"وإليه": أي إلى الصبر يرجع الجازعُ لطول المدّة وهو الشدّة، فيسلو كما تسلو البهائم ويذهب سروره، وينعدم على تلك المصيبة لجزعه أجوره
لك في الآخرة أجرًا؛ خير ممّن كان لك في الدنيا سرورًا. وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه دفن ابنًا له وضحك عند قبره، فقيل له: أتضحك عند القبر؟ قال: أردت أنْ أُرْغِمَ أنف الشيطان (1).
وعن ابن جُرَيْجٍ رحمه الله قال: من لم يتعزّ عند مصيبته بالأجر والاحتساب، سَلَا كما تَسْلُو البهائم.
وعن حُميد الأعرج قال: رأيت سعيدَ بن جُبير رحمه الله يقول في ابنه ونظر إليه: إني لأعلم خير خلّة فيه، قيل: ما هي؟ قال: يموت فأحتسبه.
وعن الحسن البصري رحمه الله أن رجلًا جَزِع على ولده وشكا ذلك إليه، فقال الحسن: كان ابنك يغيب عنك؟ قال: نعم كانت غيبته أكثر من حضوره، قال: فاتركه غائبًا فإنه لم يغبْ عنك غيبة الأجْرُ لك فيها أعظم من هذه، فقال: يا أبا سعيد! هوَّنت عنّي وجْدي على ابني.
وعن ميمون بن مهران قال: عزَّى رجل عمرَ بن عبد العزيز رضي الله عنه على ابنه عبد الملك رضي الله عنه، فقال عمر: الأمر الذي نزل بعبد الملك أمرٌ كنّا نعرفه، فلما وقع لم ننكره. وعن بشر بن عبد الله قال: قام عمر بن عبد العزيز على قبر ابنه عبد الملك فقال: رحمك الله يا بنيّ! فقد كنت سارًّا مولودًا، وبارًّا اشئًا، وما أحبّ أني دعوتك فأجبتني. وعن مسلمة قال: لما ماتَ عبدُ الملك بن عمر كشفَ أبوه عن وجهه وقال: رحمك الله يا بني! فقد سررت بك يوم بُشِّرْتُ بك، ولقد عمرتَ مسرورًا بك، وما أنت عليّ ساعة أنا فيها أسرّ من ساعتي هذه، أما والله إن كنتَ لتدعو أباك إلى الجنة. قال أبو الحسن المدائني: دخل عمر بن عبد العزيز على ابنه في
(1)"أَنْ أُرْغِمَ أَنفُ الشيطان": بضمّ الهمزة مضارع أرغم، يقال: أرغم الله أنفه: أي ألصقه بالتراب، فهو كناية عن التحقير والاستقذار
وجعه فقال: يا بني! كيف تجدك؟ قال: أجدني في الحقّ، قال: يا بنيّ! لأن تكون في ميزاني أحبّ إليّ من أن أكون في ميزانك، فقال: يا أبتِ! لأن يكون ما تُحبُّ أحبّ إليّ من أن يكون ما أحب.
وعن جُويرية بن أسماء، عن عمّه، أن إخوة ثلاثة شهدوا يوم تُسْتَرَ فاسْتشهدوا، فخرجتْ أُمُّهم إلى السوق لبعض شأنها، فتلقاها رجلٌ حضرَ تُسْتَرَ، فعرفتْه، فسألته عن أمور بَنِيها، فقال: اسْتُشهدوا، فقالت: مُقبلين أو مُدبرين؟ قال: مُقبلين، قالت: الحمد لله، نالوا الفوزَ وحاطوا الذِّمار، بنفسي هم وأبي وأمي. قلت: الذِّمار بكسر الذال المعجمة، وهم أهل الرجل وغيرهم مما يحقّ عليه أن يحميه، وقولها حاطوا: أي حفِظوا ورعوا.
ومات ابن الإِمام الشافعي رضي الله عنه فأنشدَ:
وما الدّهرُ إِلاّ هكذا فاصْطبرْ لهُ
…
رزِيَّةُ مالٍ أو فِراقُ حَبِيب
قال أبو الحسن المدائني: مات الحسنُ والدُ عبيد الله بن الحسن، وعبيدُ الله يومئذ قاضي البصرة وأميرُها، فكثر من يعزّيه، فذكروا ما يتبيّنُ به جزعُ الرجل من صبره، فأجمعوا على أنه إذا ترك شيئًا كان يصنعه فقد جزع.
قلت: والآثار في هذا الباب كثيرة، وإنما ذكرت هذه الأحرف لئلا يخلو هذا الكتاب من الإِشارة إلى طرف من ذلك والله أعلم.
[فصل]: في الإِشارة إلى بعض ما جرى من الطاعون في الإِسلام. والمقصود بذكره هنا التصبّر والحمل على التأسّي، وأن مصيبة الإِنسان قليلة بالنسبة إلى ما جرى قبله.
قال أبو الحسن المدائني: كانت الطواعين المشهورة العظام في
الإِسلام خمسة: طاعون شيرويه بالمدائن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة ستّ من الهجرة، ثم طاعون عمواس في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان بالشام، مات فيه خمسة وعشرون ألفًا، ثم طاعون في زمن ابن الزبير في شوّال سنة تسع وستين، مات في ثلاثة أيام في كلّ يوم سبعون ألفًا، مات فيه لأنس بن مالك رضي الله عنه ثلاثة وثمانون ابنًا، وقيل ثلاثة وسبعون ابنًا، ومات لعبد الرحمن بن أبي بكرة أربعون ابنًا، ثم طاعون الفتيات في شوّال سنة سبع وثمانين، ثم طاعون سنة إحدى وثلاثين ومئة في رجب، واشتدّ في رمضان، وكان يُحصى في سكة المِربد في كل يوم ألف جنازة، ثم خفّ في شوّال. وكان بالكوفة طاعون سنة خمسين، وفيه: توفي المغيرة بن شعبة، هذا آخر كلام المدائني.
وذكر ابن قُتيبة في كتابه "المعارف" عن الأصمعي في عدد الطواعين نحو هذا، وفيه زيادة ونقص. قال: وسمي طاعون الفتيات لأنه بدأ في العذارى بالبصرة وواسط والشام والكوفة، ويقال له: طاعون الأشراف لِما مات فيه من الأشراف. قال: ولم يقع بالمدينة ولا مكة طاعون قطّ.
وهذا الباب واسع، وفيما ذكرته تنبيهٌ على ما تركته، وقد ذكرتُ هذا الفصل أبسط من هذا في أوّل شرح صحيح مسلم رحمه الله، وبالله التوفيق.
118 ـ بابُ جَواز إعلامِ أصحاب الميّتِ وقرابتِه (1) بموتِه وكراهةِ النَّعي
[1/ 405] روينا في كتاب الترمذي وابن ماجه، عن حذيفة رضي الله
[405] الترمذي (986)، وابن ماجه (1476)، وإسناده حسن، ومعنى "لاتُؤْذنوا": من الإِيذان، وهو الإِعلام.
(1)
في "أ": "وأقاربه"
عنه قال:
إذا مِتُّ فلا تُؤذنوا بي أحدًا، إني أخاف أن يكون نعيًا، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن النعي. قال الترمذي: حديث حسن.
[2/ 406] وروينا في كتاب الترمذي، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه،
عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "إيَّاكُمْ وَالنَّعْيَ، فإنَّ النَّعْيَ مِنْ عَمَلِ الجاهِلِيَّةِ" وفي رواية عن عبد الله ولم يرفعه. قال الترمذي: هذا أصحّ من المرفوع، وضعَّف الترمذي الروايتين.
[3/ 407] وروينا في الصحيحين؛
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي إلى أصحابه.
وروينا في الصحيحين (1)، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال في ميت دفنوه بالليل ولم يعلم به:"أفلا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي بِهِ؟ ".
قال العلماء المحققون والأكثرون من أصحابنا وغيرهم: يُستحبّ إعلامُ أهل الميت وقرابته وأصدقائه لهذين الحديثين. قالوا: النعيُ المنهي عنه إنما هو نعي الجاهلية، وكانت عادتهم إذا مات منهم شريفٌ بعثوا راكبًا إلى القبائل يقول: نعايا فلان، أو يا نعايا العرب: أي هلكت العرب بمهلك فلان، ويكون مع النعي ضجيج وبكاء.
وذكر صاحب الحاوي من أصحابنا وجهين لأصحابنا في استحباب
[406] الترمذي (984) وأكد الحافظ ضعف الروايتين الموقوفة والمرفوعة، والذي عليه الجمهور أن مطلق الإِعلام بالموت جائز، لحديث البخاري ومسلم التالي، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي.
[407]
البخاري (1333)، ومسلم (951)، وأبو داود (3204)، والترمذي (1022)، والنسائي 4/ 72، وهو في الموطأ أيضًا 1/ 226ـ227.
(1)
البخاري (1377)، ومسلم (956)