الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إنسان بصدقة فينبغي للآخذ منه أن يَنظر، فإن كان الدافعُ ممّن يُحِبّ الشكر عليها ونشرها فينبغي للآخذ أن يخفيَها لأن قضاء حقه أن لا ينصره على الظلم وطلبه الشكر ظلم، وإن علم من حاله أنه لا يُحِبّ الشكر ولا يقصده فينبغي أن يشكرَه ويظهر صدقته. وقال سفيان الثوري رحمه الله: مَن عرف نفسه لم يضرّه مدح الناس. قال أبو حامد الغزالي بعد أن ذكر ما سبق في أول الباب: فدقائق هذه المعاني ينبغي أن يلحظها من يُراعي قلبَه، فإن أعمالَ الجوارح مع إهمال هذه الدقائق ضحكة للشيطان وشماتة له، لكثرة التعب وقلة النفع، ومثل هذا العلم هو الذي يقال فيه: إن تعلم مسألة منه أفضل مِنْ عبادة سنة، إذ بهذا العلم تحيا عبادة العمر، وبالجهال به تموت عبادة العمر، وبالجهل به تموت عبادة العمر كله وتتعطل، وبالله التوفيق.
223 ـ بابُ مدح الإِنسان نفسه وذكر محاسنه
قال الله تعالى: {فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ} [النجم:32] اعلم أن ذكرَ محاسن نفسه ضربان: مذموم، ومحبوب، فالمذمومُ أن يذكرَه للافتخار وإظهار الارتفاع والتميّز على الأقران وشبه ذلك؛ والمحبوبُ أن يكونَ فيه مصلحة دينية، وذلك بأن يكون آمرًا بمعروف أو ناهيًا عن منكر أو ناصحًا أو مشيرًا بمصلحة أو معلمًا أو مؤدبًا أو واعظًا أو مذكِّرًا أو مُصلحًا بين اثنين أو يَدفعُ عن نفسه شرًّا أو نحو ذلك، فيذكر محاسنَه ناويًا بذلك أن يكون هذا أقربَ إلى قَبول قوله واعتماد ما يذكُره، أو أن هذا الكلام الذي أقوله لا تجدونه عند غيري فاحتفظوا به أو نحو ذلك، وقد جاء في هذا لهذا المعنى ما لا يحصى من النصوص كقول النبيّ صلى الله عليه وسلم "أنا النَّبِي لا كَذِبْ" "أنا سَيِّدُ وَلَد آدَم" "أنا أوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأرْضُ":أنا أعْلَمُكُمْ باللَّهِ وأتْقاكُمْ" "إني أبِيتُ عنْدَ ربي" وأشباهه كثيرة، وقال يوسف صلى الله عليه وسلم: " {اجْعَلْني على خَزَائِنِ الأرْضِ
إني حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف:55] وقال شعيب صلى الله عليه وسلم: {سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} [القصص:27].
[1/ 696] وقال عثمان رضي الله عنه حين حُصر ما رويناه في صحيح البخاري أنه قال:
ألستم تعلمون أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ جَهّزَ جَيْشَ العُسْرَةِ فَلَهُ الجَنَّةُ؟ " فجهّزتهم، ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"مَنْ حَفَرَ بِئرَ رُومَة فَلَهُ الجَنَّةُ" فحفرتها؟ فصدّقوه بما قاله.
[2/ 697] وروينا في صحيحيهما، عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه
أنه قال حين شكاه أهل الكوفة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقالوا: لا يُحسن يصلي، فقال سعد: والله إنّي لأول رجل من العرب رمى بسهم في سبيل الله تعالى، ولقد كنّا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر تمام الحديث.
[3/ 698] وروينا في صحيح مسلم، عن عليّ رضي الله عنه قال:
والذي فلق الحبَّة وبرأَ النسمةَ، إنه لعهدُ النبيّ صلى الله عليه وسلم إليّ "أنه لا يحبني إلا مؤمنٌ ولا يبغضني إلا منافق".
قلتُ: بَرَأَ مهموز معناه خلق؛ والنسمة: النفس.
[696] البخاري (2778)، ومعنى "من جهز جيش العسرة". التجهيز: تهيئة الأسباب، والمراد من العسرة وهي بالمهملتين ضد اليسرة: غزوة تبوك، سميت بذلك لأنها كانت في زمن شدّة الحرّ وجدب البلاد وإلى شقة بعيدة وعدد كثير، فجهز عثمان سبعمئة وخمسين بعيرًا وخمسين فرسًا، وقيل غير ذلك، وجاء إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم بألف دينار. ومعنى "من حفر بئرَ رُومة" هي بضم الراء وسكون الواو، لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة لم يكن بها ماء عذب غير بئر رومة، فقال:"مَن اشترى بئر رومة" أو قال "من حفرَها فله الجنة" فحفرها واشتراها بعشرين ألف درهم وسبَّلَها على المسلمين، ذكره الكرماني وغيره.
[697]
البخاري (3728)، ومسلم (2966)، والترمذي (2366) و (2367).
[698]
مسلم (78)، وفيه "إنه لعهدُ النبيِّ الأميِّ صلى الله عليه وسلم".