الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتاب حفظ اللّسان
313 ـ بابُ حفظ اللسان
قال الله تعالى: {وما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق:18] وقال الله تعالى: {إنَّ رَبَّكَ لَبالمِرْصَادِ} [الفجر:14]. وقد ذكرت ما يَسَّرَهُ الله سبحانه وتعالى من الأذكار المستحبة ونحوها فيما سبقَ، وأردتُ أن أضمَّ إليها ما يُكره أو يَحرم من الألفاظ ليكونَ الكتابُ جامعًا لأحكام الألفاظ، ومُبيِّنًا أقسامَها، فأذكرُ من ذلك مقاصدَ يحتاج إلى معرفتها كلُّ متدين، وأكثرُ ما أذكره معروف، فلهذا أترك الأدلة في أكثره، وبالله التوفيق.
[فصل]: اعلم أنه لكلّ مكلّف أن يحفظَ لسانَه عن جميع الكلام إلا كلامًا تظهرُ المصلحة فيه، ومتى استوى الكلامُ وتركُه في المصلحة، فالسنّة الإِمساك عنه، لأنه قد ينجرّ الكلام المباح إلى حرام أو مكروه، بل هذا كثير أو غالب في العادة، والسلامة لا يعدلُها شيء.
[1/ 874] وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا
[874] البخاري (6475)، ومسلم (47)، وأبو داود (5154).
أوْ لِيَصْمُتْ". قلت: فهذا الحديث المتفق على صحته نصّ صريح في أنه لا ينبغي أن يتكلم إلا إذا كان الكلام خيرًا، وهو الذي ظهرت له مصلحته، ومتى شكّ في ظهور المصلحة فلا يتكلم. وقد قال الإِمام الشافعي رحمه الله: إذا أراد الكلام فعليه أن يفكر قبل كلامه، فإن ظهرت المصلحة تكلَّم، وإن شكَّ لم يتكلم حتى تظهر.
[2/ 875] وروينا في صحيحيهما
عن أبي موسى الأشعري قال: قلتُ يا رسولُ الله، أيُّ المسلمين أفضلُ؟ قال:"مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسانِهِ وَيَدِهِ".
[3/ 876] وروينا في صحيح البخاري، عن سهل بن سعد رضي الله عنه،
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ يَضْمَنْ لي ما بينَ لَحْيَيْهِ وَما بينَ رِجْلَيْهِ، أضْمَنْ لَهُ الجَنَّةَ".
[4/ 877] وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي هريرة،
أنه سمع النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: "إِنَّ العَبْدَ يَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيها يَزِلُّ بِهَا إِلَى النَّارِ أبْعَد مِمَّا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ" وفي رواية البخاري: "أبْعَدُ مِمَّا بَيْنَ المَشْرِقِ" من غير ذكر المغرب، ومعنى يتبين: يتفكر في أنها خير أم لا.
[5/ 878] وروينا في صحيح البخاري، عن أبي هريرة،
عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ تَعالى ما يُلْقِي لَهَا بالًا يَرْفَعُ
[875] البخاري (11)، ومسلم (42).
[876]
البخاري (6474)، والترمذي (2410)، و"ما بين لحييه": اللسان. و"ما بين رجليه": الفَرْج.
[877]
البخاري (6477)، ومسلم (2988)، والموطأ 2/ 985، والترمذي (2315).
[878]
البخاري (6478)، ويفيد الحديث مع الحديث السابق: الوعد برفع الدرجات في الجنة على التكلّم بالخير، والوعيد بالهوي في النار على التكلّم بالشرّ.
اللَّهُ تَعالى بها دَرَجاتٍ، وَإنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ سَخْطِ اللَّهِ تَعالى لا يُلْقِي لَها بالًا يَهْوِي بِها في جَهَنَّمَ" قلت: كذا في أصول البخاري "يَرْفَعُ اللَّهُ بِها دَرَجاتٍ" وهو صحيح: أي درجاته، أو يكون تقديره: يرفعه، ويُلقي بالقاف.
[6/ 879] وروينا في موطأ الإِمام مالك وكتابي الترمذي وابن ماجه، عن بلال بن الحارث المزني رضي الله عنه؛
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ تَعالى ما كَانَ يَظُن أنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ؛ يَكْتُبُ اللَّهُ تَعالى لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إلى يَوْمِ يَلْقاهُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ تَعالى ما كانَ يَظُنُّ أنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ؛ يَكْتُبُ اللَّهُ تَعالى بِها سَخَطَهُ إلى يَوْمِ يَلْقَاهُ" قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
[7/ 880] وروينا في كتاب الترمذي والنسائي وابن ماجه،
عن سفيان بن عبد الله رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله! حدّثني بأمر أعتصم به، قال:"قُلْ رَبِّيَ اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقِمْ" قلت: يا رسول الله! ما أخوف ما يخاف عليّ؟ فأخذ بلسان نفسه ثم قال: "هَذَا".
قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
[8/ 881] وروينا في كتاب الترمذي، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تُكْثِرُوا الكَلَامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ، فإنَّ كَثْرَةَ الكَلامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى قَسْوَةٌ للْقَلْبِ، وَإنَّ أبْعَدَ النَّاسِ مِنَ اللَّهِ تَعالى القَلْبُ القَاسِي".
[879] الموطأ 2/ 985، والترمذي (2320)، وابن ماجه (3970).
[880]
الترمذي (2412)، والنسائي في الكبرى، وابن ماجه (3972).
[881]
الترمذي (2413)، وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم بن عبد الله بن حاطب.
[9/ 882] وروينا فيه، عن أبي هريرة قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ وَقاهُ الله تَعالى شَرَّ ما بَيْنَ لَحْيَيْهِ، وَشَرَّ ما بَيْنَ رِجْلَيْهِ دَخَلَ الجَنَّةَ" قال الترمذي: حديث حسن.
[10/ 883] وروينا فيه، عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال:
قلتُ يا رسولَ الله، ما النجاة؟ قال:"أمْسِكْ عَلَيْكَ لِسانَكَ وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ وَابْكِ على خَطِيئَتِكَ" قال الترمذي: حديث حسن.
[11/ 884] وروينا فيه، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه،
عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "إذَا أصْبَحَ ابْنُ آدَم فإنَّ الأعْضَاءَ كُلَّها تُكَفِّرُ اللِّسَانَ فَتَقُولُ: اتقِ اللَّهَ فِينا فإنما نَحْنُ مِنْكَ، فإنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنا، وَإنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنا".
[12/ 885] وروينا في كتاب الترمذي وابن ماجه، عن أُمِّ حبيبة رضي الله عنها،
عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: "كُلُّ كَلامِ ابْنِ آدَمَ عَلَيْهِ لا لَهُ، إِلَاّ أمْرًا بِمَعْرُوفٍ، وَنَهْيًا عَنْ مُنْكَرٍ، أوْ ذِكْرًا لله تَعالى".
[13/ 886] وروينا في كتاب الترمذي، عن معاذ رضي الله عنه قال:
قلت: يا رسول الله! أخبرني بعمل يُدخلني الجنة ويُباعدني من النار، قال:
[882] الترمذي (2410)، وتقدم برقم 3/ 876.
[883]
الترمذي (2408) وقال: هذا حديث صحيح حسن.
[884]
الترمذي (2409)، وهو حديث حسن بشواهده، وقد رواه ابن خزيمة، والبيهقي في شعب الإِيمان: الفتوحات 6/ 355.
[885]
الترمذي (2414)، وابن ماجه (3974)، وقال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن يزيد بن خُنَيْس. وقال المنذري: رواته ثقات وفي محمد بن يزيد كلام قريب لا يقدح، وهو شيخ صالح. الفتوحات 6/ 356.
[886]
الترمذي (2619). ويفيد: بيان خطر اللسان، وأنه إذا لم يُحفظ من المعاصي والشرور كان سببًا في هلاك الأعضاء كلها، وفي كبِّ صاحبه على وجهه في النار.
لَقَدْ سألْتَ عَنْ عَظِيمٍ وإنَّهُ لَيَسِيرٌ على مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ: تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاةَ، وتُؤْتِي الزَّكاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ البَيْتَ، ثم قال: ألا أدُلُّكَ على أبْوَابِ الخَيْرِ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِىءُ الخَطِيئَةَ كما يُطْفىءُ المَاءُ النارَ، وَصَلاةُ الرَّجُلِ في جَوْفِ اللَّيْلِ، ثم تلا {تَتَجافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجعِ} حتى بلغ {يَعْمَلُونَ} ثم قال: ألا أُخْبِرُكَ برأسِ الأمْرِ وَعمُودِهِ وَذِرْوَةِ سَنامِهِ؟ قلت: بلى يا رسول الله! قال: رأسُ الأمْرِ الإِسْلامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الجِهادُ، ثم قال: ألا أُخْبِرُكَ بِمَلاكِ ذلكَ كُلِّهُ؟ قلت: بلى يا رسول الله! فأخذ بلسانه ثم قال: كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا، قلت: يا رسول الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ في النَّارِ على وُجُوهِهِمْ إِلَاّ حَصَائِدُ ألْسِنَتِهِمْ؟ " قال الترمذي: حديث حسن صحيح. قلت: الذِّروة بكسر الذال المعجمة وضمّها: وهي أعلاه.
[14/ 887] وروينا في كتاب الترمذي وابن ماجه، عن أبي هريرة،
عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "منْ حُسْنِ إسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيهِ" حديث حسن.
[15/ 888] وروينا في كتاب الترمذي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص؛
أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ صَمَتَ نَجا" إسناده ضعيف، وإنما ذكرته لأُبيِّنه لكونه مشهورًا، والأحاديث الصحيحة بنحو ما ذكرته كثيرة، وفيما
[887] الترمذي (2318)، وابن ماجه (3976)، والموطأ 2/ 903. وقال الزرقاني في شرح الموطأ: والحديث حسن بل صحيح، أخرجه أحمد وأبو يعلى والترمذي من حديث الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة.
[888]
الترمذي (2503) وقال: هذا حديث غريب. وذكر له ابن علان شواهد بمعناه يرتقي بها من الضعف، منها ما جاء من حديث معاذ عند الطبراني مرفوعًا "إنك لن تزالَ سالمًا ما سكتَّ، فإذا تكلمت كان لك أو عليكَ". الفتوحات الربانية 6/ 369.
أشرت به كفاية لمن وفّق، وسيأتي إن شاء الله في باب الغيبة جُمَل من ذلك، وبالله التوفيق.
وأما الآثار عن السلف وغيرهم في هذا الباب فكثيرة، ولا حاجة إليها مع ما سبق، لكن ننبّه على عيونٍ (1) منها:
بلغنا أن قسَّ بن ساعدة وأكثم بن صيفي اجتمعا، فقال أحدهما لصاحبه: كم وجدت في ابن آدم من العيوب؟ فقال: هي أكثر من أنن تُحصى، والذي أحصيتُه ثمانيةُ آلاف عيب، ووجدتُ خصلةً إن استعملتها سترتَ العيوبَ كلَّها، قال: ما هي؟ قال: حفظ اللسان.
وروينا عن أبي عليّ الفُضَيْل بن عياض رضي الله عنه قال: مَنْ عَدّ كلامَه من عمله قلّ كلامُه فيما لا يعنيه.
وقال الإِمامُ الشافعيُّ رحمه الله لصاحبه الرَّبِيع: يا ربيعُ! لا تتكلم فيما لا يعنيك، فإنك إذا تكلَّمتَ بالكلمة ملكتكَ ولم تملكها.
وروينا عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ما من شيء أحقُّ بالسجن من اللسان. وقال غيرُه: مَثَلُ اللسان مَثَلُ السَّبُع إن لم تُوثقه عَدَا عليك.
وروينا عن الأستاذ أبي القاسم القُشيري رحمه الله في رسالته المشهورة قال: الصمتُ سلامةٌ وهو الأصل، والسكوتُ في وقته صفةُ الرجال؛ كما أن النطق في موضعه أشرفُ الخصال، قال: سمعت أبا عليّ الدقاق رضي الله عنه يقول: مَنْ سكتَ عن الحقّ فهو شيطانٌ أخرس. قال: فأما إيثار أصحاب المجاهدة السموتَ فلِمَا علموا ما في الكلام من
(1) كذا في الأصول، وفي النسخ المطبوعة "على عيوب" وهو تصحيف ظاهر