الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سنة أربع ومائتين
فيها أعاد المأمون لبس السواد.
وفيها في سلخ رجب توفي فقيه العصر والإمام الكبير والجليل الخطير، أبو عبد الله محمد بن إدريس الشّافعيّ المطلبيّ بمصر، وله أربع وخمسون سنة. أخذ عن [1] مالك، ومسلم بن خالد الزّنجي، وطبقتهما. وكان مولده بغزّة. ونقل إلى مكّة وله سنتان.
قال المزنيّ: ما رأيت أحسن وجها من الشّافعيّ، إذا قبض على لحيته لا تفضل عن قبضته.
وقال الزّعفرانيّ: كان خفيف العارضين يخضب بالحناء. وكان حاذقا بالرّمي يصيب تسعة من العشرة.
وقال الشّافعيّ: استعملت اللّبان سنة للحفظ [2] فأعقبني صبّ الدّم سنة.
قال يونس بن عبد الأعلى: لو جمعت أمة لوسعهم [عقله][3] .
[1] في الأصل: «أخذ من» وأثبت ما في المطبوع.
[2]
في المطبوع: «الحفظ» ، واللّبان: نبات، وانظر الخبر والتعليق عليه في «سير أعلام النبلاء» للذهبي (10/ 15) تحقيق الأستاذ الفاضل محمد نعيم العرقسوسي، بإشراف الأستاذ الشيخ شعيب الأرناؤوط، وفي «العبر» (1/ 344) .
[3]
زيادة من «سير أعلام النبلاء» .
وقال إسحاق بن راهويه: لقيني أحمد بن حنبل بمكّة فقال: تعال حتّى أريك [رجلا][1] لم تر عيناك مثله. قال: فأقامني على الشّافعيّ.
وقال أبو ثور الفقيه: ما رأيت مثل الشّافعيّ، ولا رأى مثل نفسه.
وقال الشّافعيّ: سمّيت ببغداد ناصر الحديث.
وقال أبو داود: ما أعلم للشافعيّ حديثا خطأ.
وقال الشّافعيّ: ما شيء أبغض إليّ من الكلام وأهله [2] . قاله في «العبر» [3] .
وقال السيوطيّ في «حسن المحاضرة» [4] : الإمام الشافعيّ أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العبّاس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد [5] بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب [6] بن عبد مناف، جدّ رسول الله- صلى الله عليه وسلم والسائب جده صحابي أسلم يوم بدر، وكذا ابنه شافع، لقي النّبيّ- صلى الله عليه وسلم وهو مترعرع.
ولد الشافعيّ سنة خمسين ومائة بغزّة، أو بعسقلان، أو اليمن، أو منى، أقوال، ونشأ بمكة، وحفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، و «الموطأ» وهو ابن عشر، وتفقه على مسلم بن خالد الزّنجي مفتي مكّة وأذن له في الإفتاء وعمره خمس عشرة سنة، ثم لازم مالكا بالمدينة، وقدم بغداد سنة خمس وتسعين فاجتمع عليه علماؤها وأخذوا عنه، وأقام بها حولين، وصنّف بها كتابه القديم، ثم عاد
[1] سقطت لفظة: «رجلا» من الأصل، وأثبتها من المطبوع.
[2]
في «العبر» : «ما شيء أبغض إليّ من الرأي وأهله» .
[3]
(1/ 344) .
[4]
(1/ 303- 304) .
[5]
في «حسن المحاضرة» : «ابن عبيد الله» وهو خطأ. وانظر: «تهذيب الأسماء واللغات» للنووي (1/ 44) .
[6]
في «حسن المحاضرة» : «ابن عبد المطلب» وهو خطأ.
إلى مكة، ثم خرج إلى بغداد سنة ثمان وتسعين فأقام بها شهرا، ثم خرج إلى مصر [1] وصنف بها كتبه الجديدة ك «الأم» و «الأمالي الكبرى» و «الإملاء الصغير» و «مختصر البويطي» و «مختصر المزني» و «مختصر الرّبيع» و «الرسالة» و «السنن» .
قال ابن زولاق [2] : صنف الشّافعيّ نحوا من مائتي جزء ولم يزل بها ناشرا للعلم، ملازما للاشتغال [3][بجامع عمرو][4] إلى أن أصابته ضربة شديدة فمرض بسببها أياما، ثم مات يوم الجمعة سلخ رجب سنة أربع ومائتين.
قال ابن عبد الحكم: لما حملت أم الشّافعيّ به رأت كأنّ المشتري خرج من فرجها حتّى انقضّ بمصر، ثم وقع في كل بلد منه شظية [5] فتأوله [6] أصحاب الرؤيا أنه يخرج عالم يخصّ علمه أهل مصر، ثم يتفرق في سائر البلدان.
وقال الإمام أحمد: إن الله تعالى يقيّض للنّاس في كل رأس مائة سنة من يعلّمهم السنن، وينفي عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم الكذب، فنظرنا فإذا في رأس المائة عمر بن عبد العزيز، وفي رأس المائتين الشّافعيّ.
[1] قوله: «وأقام بها حولين وصنف بها كتابه القديم، ثم عاد إلى مكة، ثم خرج إلى بغداد سنة ثمان وتسعين فأقام بها شهرا ثم خرج إلى مصر» ، لم يرد في «حسن المحاضرة» .
[2]
هو الحسن بن إبراهيم بن الحسين بن الحسن، من ولد سليمان بن زولاق، الليثي بالولاء، أبو محمد، مؤرخ مصري، زار دمشق سنة (330) هـ. وولي المظالم في أيام الفاطميين بمصر، وكان يظهر التشيّع لهم. من كتبه:«خطط مصر» و «أخبار قضاة مصر» و «رسالة الموازنة بين مصر وبغداد في العلم والعلماء والخيرات» و «مختصر تاريخ مصر» . مات سنة (387) هـ. عن «الأعلام» للزركلي (2/ 178) .
[3]
في «حسن المحاضرة» : «للإشغال» .
[4]
ما بين الحاصرتين سقط من الأصل، والمطبوع، واستدركته من «حسن المحاضرة» .
[5]
في الأصل، والمطبوع:«شطية» وهو تصحيف، والتصحيح من «حسن المحاضرة» .
[6]
في «حسن المحاضرة» : «فتأول» .
وقال الرّبيع [1] : كان الشّافعيّ يفتي وله خمس عشرة سنة، وكان يحيي الليل إلى أن مات.
وقال أبو ثور: كتب عبد الرّحمن بن مهدي إلى الشّافعي أن يضع له كتابا فيه معاني القرآن ويجمع مقبول الأخبار [2] فيه، وحجة الإجماع، وبيان النّاسخ والمنسوخ من القرآن والسّنّة، فوضع له كتاب «الرسالة» .
قال الإسنوي [3] : الشّافعي أول من صنف في أصول الفقه بالإجماع [4] وأوّل من قرر ناسخ الحديث من منسوخه، وأول من صنف في أبواب كثيرة [من][5] الفقه معروفة. انتهى كلام السيوطي.
وكان يقول: وددت أن لو أخذ عني هذا العلم من غير أن ينسب إليّ منه شيء.
وقال: ما ناظرت أحدا إلا وددت أن يظهر الله الحق على يديه.
وكان يقول لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله أنت أعلم بالحديث مني، فإذا صحّ الحديث فأعلمني حتّى أذهب إليه شاميا كان أو كوفيا أو بصريا.
وكان- رضي الله عنه مع جلالة قدره شاعرا مفلقا مطبوعا، فمن شعره الرائق الفائق قوله:
وما هي إلّا جيفة مستحيلة
…
عليها كلاب همّهنّ اجتذابها
[1] في الأصل، والمطبوع:«قال ابن الربيع» والتصحيح من «حسن المحاضرة» وهو الربيع بن سليمان المرادي.
[2]
في «حسن المحاضرة» : «ويجمع قبول الأخيار» .
[3]
في المطبوع: «الأسنوي» ، وهو خطأ.
[4]
في الأصل، والمطبوع:«بإجماع» وما أثبته من «حسن المحاضرة» .
[5]
لفظة: «من» سقطت من الأصل، وأثبتها من المطبوع.
فإن تجتنبها كنت سلما لأهلها
…
وإن تجتذبها نازعتك كلابها [1]
وقوله:
ما حكّ جلدك مثل ظفرك
…
فتولّ أنت جميع أمرك
وإذا بليت بحاجة [2]
…
فاقصد لمعترف بقدرك [3]
وقوله معارضا لابن الأزرق وهو الغاية في المتانة:
إنّ الذي رزق اليسار ولم ينل [4]
…
أجرا ولا حمدا لغير موفّق
الجدّ يدني كلّ أمر شاسع
…
والجدّ يفتح كلّ باب مغلق [5]
فإذا سمعت بأنّ مجدودا حوى
…
عودا فأثمر في يديه فصدّق
وإذا سمعت بأنّ محروما [6] أتى
…
ماء ليشربه فغاص فحقّق
لو أنّ [7] بالحيل الغنى لوجدتني
…
بنجوم أرجاء [8] السّماء تعلّقي
لكنّ من رزق الحجا حرم الغنى
…
ضدّان مفترقان أيّ تفرّق
وأحقّ خلق الله بالهمّ امرؤ
…
ذو همّة يبلى برزق ضيّق
ومن الدّليل على القضاء وحكمه [9]
…
بؤس اللّبيب وطيب عيش الأحمق [10]
[1] البيتان في «ديوانه» ص (25) ، تحقيق الأستاذ إسماعيل اليوسف، طبع دار الخير.
[2]
في «ديوانه» : «فإذا قصدت لحاجة» .
[3]
البيتان في «ديوانه» ص (70) .
[4]
في «ديوانه» : «فلم ينل» .
[5]
البيتان في «ديوانه» ص (67) .
[6]
في الأصل، والمطبوع:«مجذوذا» والتصحيح من «ديوانه» .
[7]
في «ديوانه» : «لو كان» .
[8]
في «ديوانه» : «بنجوم أقطار» .
[9]
في الأصل، والمطبوع:«وكونه» وأثبت لفظ «ديوانه» .
[10]
الأبيات في «ديوانه» ص (66- 67) .
وله:
من نال منّي أو علقت بذمّته
…
أبرأته لله شاكر منّته
أرى معوّق مؤمن يوم الجزا
…
أو أن أسوء محمّدا في أمّته [1]
وقال:
إذا المرء أفشى سرّه لصديقه
…
ودلّ عليه غيره فهو أحمق
إذا ضاق صدر المرء عن سرّ نفسه
…
فصدر الذي يستودع [2] السرّ أضيق [3]
[ومما ينسب إليه:
عليّ ثياب لو تباع جميعها
…
بفلس لكان الفلس منهنّ أكثرا
وفيهنّ نفس لو تقاس بمثلها
…
نفوس الورى كانت أعزّ وأكبرا] [4]
وفيها قاضي ديار مصر، إسحاق بن الفرات أبو نعيم التّجيبيّ، صاحب مالك.
قال الشّافعيّ: ما رأيت بمصر أعلم باختلاف النّاس من إسحاق بن الفرات، رحمه الله.
وقد روى إسحاق- رحمه الله أيضا عن حميد بن هانئ، واللّيث بن سعد، وغيرهما.
وفي ثامن عشر شعبان أشهب بن عبد العزيز، أبو عمرو العامريّ،
[1] لم أجد البيتين في «ديوانه» الذي بين يدي.
[2]
في الأصل، والمطبوع:«فصدر الذي أودعته» وأثبت لفظ ديوانه.
[3]
البيتان في «ديوانه» ص (67) مع شيء من الخلاف في ألفاظهما.
[4]
ما بين حاصرتين سقط من الأصل، واستدركته من المطبوع. والبيتان في «ديوانه» ص (46- 47) ورواية البيت الثاني فيه:
فيهن نفس لو تقاس ببعضها
…
نفوس الورى كانت أجلّ وأكبرا
صاحب مالك، وله أربع وستون سنة. وكان ذا مال وحشمة وجلالة.
قال الشّافعيّ: ما أخرجت مصر أفقه من أشهب لولا طيش فيه.
وكان محمد بن عبد الله بن [عبد][1] الحكم صاحب أشهب يفضّل أشهب على ابن القاسم.
قال ابن عبد الحكم: سمعت أشهب يدعو على الشّافعيّ بالموت، فبلغ ذلك الشّافعيّ فقال:
تمنّى رجال أن أموت وإن أمت
…
فتلك طريق [2] لست فيها بأوحد
فقل للّذي يبغي خلاف الذي مضى
…
تزوّد لأخرى مثلها فكأن قد [3]
ومكث أشهب بعد الشّافعيّ شهرا.
قال ابن عبد الحكم: وكان قد اشترى من تركة الشّافعيّ عبدا، فاشتريت ذلك العبد من تركة أشهب.
وفيها أبو علي الحسن بن زياد اللؤلؤيّ الكوفيّ، قاضي الكوفة وصاحب أبي حنيفة، وكان يقول: كتبت عن ابن جريج اثني عشر ألف حديث.
قال في «العبر» [4] : ولم يخرّجوا له في الكتب الستة لضعفه، وكان رأسا في الفقه. انتهى.
وفيها الإمام أبو داود الطّيالسيّ، واسمه سليمان بن داود البصريّ الحافظ صاحب «المسند» ، كان يسرد من حفظه ثلاثين ألف حديث.
[1] لفظة: «عبد» سقطت من الأصل، وأثبتها من المطبوع.
[2]
في «ديوانه» : «فتلك سبيل» .
[3]
البيت الأول في «ديوانه» ص (39) ، والبيتان في «سير أعلام النبلاء» (10/ 72) ، وانظر تخريجهما فيه.
[4]
(1/ 345) .
قال الفلّاس: ما رأيت أحفظ منه.
وقال عبد الرّحمن بن مهدي: هو أصدق النّاس.
قال في «العبر» [1] : قلت: كتب [2] عن ألف شيخ، منهم ابن عون [3] وطبقته. انتهى.
وقال ابن ناصر الدّين: الحافظ الكبير، من الحفاظ المكثرين، قيل:
غلط في أحاديث رواها من لفظه، وأتي في ذلك من قبل اتكاله على حفظه.
قال عمر بن شبّة [4] : كتبوا عن أبي داود من حفظه أربعين ألف حديث.
انتهى.
وقيل: إنه أكل حبّ البلاذر [5] لأجل الحفظ والفهم، فأحدث له جذاما وبرصا.
وفيها شجاع بن الوليد الكوفيّ، أبو بدر.
قال ابن ناصر الدّين: كان ثقة ورعا عابدا متقنا. انتهى.
وقال في «العبر» [6] : كان من صلحاء المحدّثين وعلمائهم. روى عن الأعمش والكبار.
قال سفيان الثّوري: ليس بالكوفة أعبد من شجاع بن الوليد. انتهى.
وفيها أبو بكر الحنفيّ عبد الكبير بن عبد المجيد أخو أبي علي
[1](1/ 346) .
[2]
تحرفت لفظة: «كتب» في «العبر» إلى «كتبت» .
[3]
في الأصل، والمطبوع:«أبو عون» والتصحيح من «العبر» للذهبي (1/ 346)، وانظر:
«تهذيب الكمال» (1/ 534) مصورة دار المأمون للتراث بدمشق.
[4]
في الأصل، والمطبوع:«ابن شيبة» والتصحيح من «تهذيب الكمال» (1/ 535) .
[5]
في الأصل، والمطبوع:«البلادر» وهو تصحيف، والتصحيح من «تاج العروس» (بلذر) وفيه البلاذر: حب الفهم.
[6]
(1/ 346) .
الحنفي، بصريّ مشهور. صاحب حديث. روى عن خثيم بن عراك، وجماعة.
وفيها أبو نصر عبد الوهّاب بن عطاء الخفّاف. بصري. صاحب حديث وإتقان. سمع من حميد، وخالد الحذّاء، وطائفة.
قال ابن ناصر الدّين: عبد الوهّاب بن عطاء العجليّ الخفّاف أبو نصر، أحد علماء البصرة والحفاظ المهرة. جاء توثيقه عن الدّارقطنيّ وابن معين، وتكلم فيه البخاريّ وغيره بأنه ليس بالقويّ، ففيه لين. انتهى.
وفيها هشام بن محمّد بن السّائب الكلبيّ الأخباريّ النسّابة صاحب كتاب «الجمهرة» في النسب [1] ومصنفاته تزيد على مائة وخمسين تصنيفا في التاريخ، والأخبار، وكان حافظا علامة إلّا أنه متروك الحديث، فيه رفض.
روى عن أبيه، وعن مجالد بن سعيد، وغيرهما. قاله في «العبر» [2] .
[1] طبع المجلد الأول منه في وزارة الإعلام في الكويت بتحقيق الأستاذ عبد الستار أحمد فراج، رحمه الله، وصدر كاملا عن دار اليقظة بدمشق بعناية الأستاذ محمود فردوس العظم.
[2]
(1/ 346- 347) .