الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سنة أربع وثمانين ومائتين
فيها كما قال في «الشذور» ظهرت ظلمة بمصر وحمرة في السماء شديدة، حتّى كان الرجل ينظر إلى وجه الأرض فيراه أحمر، وكذلك الحيطان وغيرها، [ومكثوا كذلك][1] من العصر إلى العشاء، فخرج الناس يدعون الله تعالى ويستغيثون إليه، ووعد الناس المنجمون بالغرق، فغارت المياه واحتاجوا إلى الاستسقاء. انتهى.
وفيها كما قاله في «العبر» [2] قال محمد بن جرير [3] : عزم المعتضد على لعنة [4] معاوية على المنابر، فخوّفه الوزير [عبيد الله بن سليمان][5] من اضطراب العامّة، فلم يلتفت إليه [6] وتقدّم إلى العامّة بلزوم أشغالهم وترك الاجتماع، ومنع القصّاص من الكلام، ومن اجتماع الخلق في الجوامع، وكتب كتابا في ذلك، واجتمع له الناس يوم الجمعة بناء على أن الخطيب يقرؤه، فما قرئ، وكان من إنشاء الوزير عبيد الله، وهو طويل، فيه مصائب
[1] زيادة من «تاريخ الطبري» (10/ 53) .
[2]
(2/ 78) .
[3]
انظر «تاريخ الطبري» (10/ 54) .
[4]
في «تاريخ الطبري» : «لعن» .
[5]
ما بين حاصرتين زيادة من «تاريخ الطبري» و «العبر» للذهبي.
[6]
قوله: «فلم يلتفت إليه» لم يرد في «العبر» المطبوع في الكويت، واستدرك في المطبوع منه في بيروت مع تصرّف في النص.
ومعايب، فقال القاضي يوسف بن يعقوب: يا أمير المؤمنين أخاف الفتنة عند سماعه، فقال: إن تحرّكت العامّة وضعت فيهم السيف، قال: فما تصنع بالعلوية الذين هم في كل ناحية قد خرجوا عليك، وإذا سمع الناس هذا من فضائل أهل البيت مالوا إليهم، وصاروا أبسط ألسنة، فأمسك المعتضد.
انتهى.
وفيها توفي محدّث نيسابور ومفيدها، أبو عمرو، أحمد بن المبارك المستمليّ الحافظ. سمع قتيبة وطبقته، وكان مع سعة روايته راهب عصره، ومجاب الدّعوة.
وفيها أبو يعقوب إسحاق بن الحسن الحربي [1] سمع أبا نعيم، والقعنبي، وكان ثقة صاحب حديث.
وفيها أبو عبادة الوليد بن عبيد الطّائيّ المنبجيّ البحتريّ، أمير شعراء العصر، وحامل لواء القريض، أخذ عن أبي تمّام الطائي.
قال المبرّد: أنشدنا شاعر دهره ونسيج وحده، أبو عبادة البحتري.
قال ابن الأهدل: نسبة إلى بحتر جد من أجداده، واسمه الوليد بن عبيد، أخذ عن أبي تمّام [الطائي ومدح المتوكل ومن بعده، وكان أقام ببغداد دهرا ثم رجع إلى الشام، وعرض أول شعره على أبي تمّام][2] وهو بحمص، فقال له: أنت أشعر من أنشدني، وكتب له بذلك فعظّم وبجّل.
وروي عنه قال: لما سمع أبو تمّام شعري، أقبل على تقريظي، والتقريض بالظاء والضاد: مدح الإنسان في حياته بحق أو باطل.
[1] في الأصل، والمطبوع:«إسحاق بن الحر الحربي» وهو خطأ، والتصحيح من «العبر» للذهبي (2/ 79) ، وانظر «تهذيب الكمال» للمزّي (2/ 742) ترجمة عبد الله بن مسلمة بن قعنب.
[2]
ما بين حاصرتين سقط من الأصل وأثبته من المطبوع.
وعنه قال: لما أنشدت أبا تمّام، أنشد بيت أوس بن حجر، بفتح الحاء والجيم:
إذا مقرم منّا ذرا حدّ نابه
…
تخمّط فينا ناب آخر مقرم [1]
وقال: نعيت إليّ نفسي، فقلت: أعيذك بالله، فقال: إن عمري ليس بطويل، وقد نشأ لطيء مثلك، فمات أبو تمّام بعد هذا بسنة.
وقال لغلامه مرّة وهو مريض: اصنع لي مزوّرة وعنده بعض الرؤساء جاء عائدا له، فقال ذلك الرئيس: عندي طبّاخ من صفته كذا وذا، ونسي الرئيس أمرها، فكتب إليه البحتري:
وجدت وعدك زورا في مزوّرة
…
حلفت مجتهدا إحكام طاهيها
فلا شفى الله من يرجو الشّفاء بها
…
ولا علت كفّ ملق كفّه فيها
فاحبس رسولك عنّي أن يجيء بها
…
فقد حبست رسولي عن تقاضيها [2]
وله بيتان في هجو رجل اسمه شهاب: وفي فهم معناهما عسر، وهما:
وهما:
قد كنت أعهد أنّ الشّهب ثاقبة
…
فقد رأينا شهابا وهو مثقوب
في كفّه الدّهر أم في ظهره قلم
…
فنصفه كاتب والنّصف مكتوب [3]
وأخباره كثيرة، وكان شعره غير مرتب، فرتبه أبو بكر الصّولي على
[1] حصل بعض التحريف بألفاظ البيت في الأصل، وأثبت لفظ المطبوع، والبيت في «لسان العرب» لابن منظور (قرم) .
[2]
في الأصل، والمطبوع:«فقد حبست رسولا» والتصحيح من «غربال الزمان» للعامري ص (255) .
[3]
لم أجدهما في «ديوانه» ولا في المصادر الموجودة بين يدي.
الحروف، ثم جمعه علي بن حمزة الأصبهاني على الأنواع، مثل «حماسة» أبي تمّام.
وسئل أبو العلاء المعرّي عنه، وعن أبي تمّام، والمتنبي، فقال: هما حكيمان، والشاعر البحتري. انتهى.
وقال ابن خلّكان [1] : قال البحتريّ: أنشدت أبا تمّام شعرا لي في بعض بني حميد، وصرت به إلى مال له خطر، فقال لي: أحسنت، أنت أمير الشعراء من بعدي [2] ، فكان قوله هذا أحبّ إليّ من جميع ما حويته.
وقال ميمون بن هارون [3] : رأيت أبا جعفر أحمد بن يحيى بن جابر بن داود البلاذري المؤرّخ، وحاله متماسكة، فسألته، فقال: كنت من جلساء المستعين، فقصده الشعراء، فقال: لست أقبل إلّا من قال مثل قول البحتري في المتوكل:
فلو أنّ مشتاقا تكلّف فوق ما [4]
…
في وسعه لمشى إليك المنبر [5]
فرحت إلى داري [6] وأتيته، وقلت: قد قلت فيك أحسن مما قاله البحتريّ، فقال: هاته، فأنشدته:
ولو أنّ برد المصطفى إذ لبسته
…
يظن لظن البرد أنك صاحبه
وقال وقد أعطيته وكسيته
…
نعم هذه أعطافه ومناكبه
[1] في «وفيات الأعيان» (6/ 24) .
[2]
في «وفيات الأعيان» : «أنت أمير الشعراء بعدي» .
[3]
في الأصل، والمطبوع:«ميمون بن مهران» وهو خطأ، والتصحيح من «وفيات الأعيان» ، وانظر «الأعلام» (7/ 342) .
[4]
في «ديوانه» : «غير ما» .
[5]
البيت في «ديوان البحتري» (2/ 1073) بتحقيق الأستاذ حسن كامل الصيرفي، طبع دار المعارف بمصر.
[6]
في «وفيات الأعيان» : «فرجعت إلى داري» .
فقال: ارجع إلى منزلك وافعل ما آمرك به، فرجعت، فبعث لي سبعة آلاف دينار، وقال: ادّخر هذه للحوادث من بعدي، ولك عليّ الجراية والكفاية ما دمت حيّا.
ومن أخبار البحتري أنه كان له غلام اسمه نسيم، فباعه، فاشتراه أبو الفضل الحسن بن وهب الكاتب، ثمّ إن البحتريّ ندم على بيعه وتتبعته نفسه، فكان يعمل فيه الشعر، ويذكر فيه أنه خدع، وأن بيعه له لم يكن عن مراده، فمن ذلك قوله:
أنسيم هل للدّهر وعد صادق
…
فيما يؤمّله المحبّ الوامق
ما لي فقدتك في المنام ولم تزل
…
عون المشوق إذا جفاه الشّائق
اليوم جاز بي الهوى مقداره
…
في أهله وعلمت أني عاشق
فليهنأ الحسن بن وهب انه
…
يلقى أحبّته ونحن نفارق [1]
وكان البحتريّ كثيرا ما ينشد لبعض الشعراء، ويعجبه قوله:
حمام الأراك ألا فأخبرينا
…
لمن تندبين ومن تعولينا
فقد شقت بالنّوح منّا القلوب
…
وأبكيت بالنّدب منّا العيونا
تعالى نقم مأتما للهموم
…
ونعول إخواننا الظّاعنينا
ونسعدكنّ وتسعدننا
…
فإنّ الحزين يوافي الحزينا
[2]
وأخباره ومحاسنه كثيرة، فلا حاجة إلى الإطالة.
وكانت ولادته سنة ست، أو سبع، وقيل: خمس، وقيل: اثنتين، وقيل: إحدى ومائتين، والأول أصحّ، وتوفي سنة أربع، وقيل خمس، وقيل ثلاث وثمانين ومائتين، والأول أصح. انتهى ما ذكره ابن خلّكان ملخصا.
وفيها، والصحيح أنه في التي قبلها كما جزم به ابن الأهدل، وقدّمه
[1] الأبيات في «ديوانه» ص (1513) طبع دار المعارف بمصر.
[2]
الأبيات في «وفيات الأعيان» (6/ 27) .
ابن خلّكان [1]، فقال: توفي يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من جمادى الأولى سنة ثلاث وثمانين، وقيل: ست وسبعين ومائتين، أبو الحسن علي بن العبّاس بن جريج، وقيل ابن جورجيس [2] المعروف بابن الرّومي، مولى عبد الله بن عيسى بن جعفر المنصور، صاحب النظم العجيب، والتوليد الغريب، يغوص على المعاني النادرة فيستخرجها من مكامنها ويبرزها في أحسن صورة، ولا يترك المعنى حتّى يستوفيه إلى آخره ولا يبقى فيه بقية، وكان شعره غير مرتّب، ثم رتبه أبو بكر الصولي على الحروف.
وله القصائد المطوّلة والمقاطيع البديعة، وله في الهجاء كل شيء ظريف، وكذلك في المديح، فمن ذلك قوله:
المنعمون وما منّوا على أحد
…
يوم العطاء ولو منّوا لما مانوا [3]
كم ضنّ بالمال أقوام وعندهم
…
وفر وأعطى العطايا وهو يدّان [4]
وله وقال: ما سبقني أحد إلى هذا المعنى:
آراؤكم ووجوهكم وسيوفكم
…
في الحادثات إذا دجون نجوم
منها معالم للهدى ومصابح
…
تجلو الدّجى والأخريات رجوم [5]
ومن معانيه البديعة قوله:
[1] في «وفيات الأعيان» (3/ 361) .
[2]
في الأصل، والمطبوع:«وقيل ابن جرجيس» ، وما أثبته من «معجم الشعراء» للمرزباني ص (145) ، و «وفيات الأعيان» (3/ 358) ، و «الأعلام» (4/ 297) .
[3]
البيت في «ديوانه» ص (2427) بتحقيق الدكتور حسين نصّار، طبع مطبعة دار الكتب وروايته فيه:
المنعمين وما منّوا على أحد
…
يوما بنعمى ولو منّوا لما مانوا
[4]
البيت في «ديوانه» ص (2431) وروايته فيه:
كم ضنّ بالفرض أقوام وعندهم
…
وفر وأعطى العطايا وهو يدان
[5]
البيتان في «ديوانه» ص (2345) .
وإذا امرؤ مدح امرأ لنواله
…
وأطال فيه فقد أراد هجاءه
لو لم يقدّر فيه بعد المستقى
…
عند الورود لما أطال رشاءه [1]
وقال في بغداد وقد غاب عنها في بعض أسفاره:
بلد صحبت بها الشّبيبة والصّبا
…
ولبست ثوب العزّ وهو جديد
وإذا تمثّل في الضّمير رأيته
…
وعليه أغصان الشباب تميد [2]
وكان سبب موته، رحمه الله، أن الوزير أبا الحسين القاسم بن عبيد الله وزير المعتضد [3] ، كان يخاف من هجوه وفلتات لسانه [بالفحش][4] فدسّ عليه مأكلا مسموما [وهو][4] في مجلسه، فلما أحسّ بالسّمّ قام، فقال له الوزير: أين تذهب؟ قال: إلى الموضع الذي بعثتني إليه، فقال: سلّم على والديّ، فقال: ما طريقي على النار، وخرج إلى منزله، فأقام أياما ومات.
وكان الطبيب يتردد إليه ويعالجه بالأدوية النافعة للسّمّ، فزعم أنه غلط في بعض العقاقير.
قال نفطويه: رأيت ابن الرّومي يجود بنفسه، فقلت: ما حالك، فأنشد:
غلط الطّبيب عليّ غلطة مورد
…
عجزت موارده [5] عن الإصدار
[1] لم أجدهما في «ديوانه» بتحقيق الدكتور حسين نصّار، ولكن عزاهما الدكتور إحسان عبّاس في تعليقه على «وفيات الأعيان» (3/ 359) إلى «ديوانه» ص (97) طبع دار إحياء التراث العربي ببيروت.
[2]
البيتان في «ديوانه» ص (766) وروايتهما فيه:
بلد صحبت به الشبيبة والصبا
…
ولبست فيه العيش وهو جديد
فإذا تمثل في الضمير رأيته
…
وعليه أفنان الشباب تميد
[3]
في الأصل، والمطبوع:«أن الوزير أبا الحسن بن عبد الله وزير المعتضد» وهو خطأ، والتصحيح من «وفيات الأعيان» (3/ 361) ، و «إعتاب الكتاب» لابن الأبار، ص (185) تحقيق الدكتور صالح الأشتر، طبع مجمع اللغة العربية بدمشق.
[4]
زيادة من «وفيات الأعيان» .
[5]
في «ديوانه» : «محالته» .
والنّاس يلحون الطّبيب وإنّما
…
غلط الطّبيب إصابة المقدار [1]
وقال أبو عثمان النّاجم [2] الشاعر: دخلت على ابن الرّومي أعوده، فوجدته يجود بنفسه، فلما قمت من عنده قال لي منشدا:
أبا عثمان أنت حميد قومك [3]
…
وجودك في العشيرة دون لومك [4]
تزوّد [5] من أخيك فما أراه [6]
…
يراك ولا تراه بعد يومك [7]
وبالجملة فمحاسنه كثيرة، وله في الطيرة أشياء معروفة، فلا نطيل بذلك والله أعلم.
[1] البيتان في «ديوانه» ص (1111) .
[2]
في الأصل، والمطبوع:«الناجمة» وهو خطأ، والتصحيح من «وفيات الأعيان» ، و «الأعلام» للزركلي (3/ 84) .
[3]
كذا في الأصل، والمطبوع، و «وفيات الأعيان» :«أنت حميد قومك» ، وفي «ديوانه» :«أنت عميد قومك» .
[4]
في الأصل، والمطبوع:«دون نومك» والتصحيح من «وفيات الأعيان» ، ومن «ديوانه» .
[5]
في «ديوانه» : «تمتع» .
[6]
في الأصل، والمطبوع:«فما تراه» ، وما أثبته من «الوفيات الأعيان» ، ومن «ديوانه» .
[7]
البيتان في «ديوانه» ص (1889) .