الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سنة ثمان وتسعين ومائتين
فيها ولي الحسين بن حمدان ديار بكر [1] ، وربيعة.
وفيها خرج على عبيد الله المهدي، داعياه: أبو عبد الله الشيعي، وأخوه أبو العبّاس، وجرت لهما معه وقعة هائلة، وذلك في جمادى الآخرة، فقتل الداعيان وأعيان جندهما، وصفا الوقت لعبيد الله، فعصى عليه أهل طرابلس، فجهّز لحربهم ولده القائم أبا القاسم، فأخذها بالسيف في سنة ثلاثمائة.
وفيها توفي أبو العبّاس أحمد بن مسروق الطّوسيّ الزاهد، ببغداد، في صفر، وكان من سادات الصوفية ومحدّثيهم. روى عن علي بن الجعد، وابن المديني، وجمع وصنّف، وهو من رجال «الرسالة القشيرية» [2] وصحب المحاسبيّ، والسقطي، ومحمد بن منصور الفارسي، وغيرهم.
وقال جعفر الخلديّ: سألته عن مسألة في العقل، فقال: يا أبا محمد، من لم يحترز بعقله من عقله لعقله، هلك بعقله.
[1] ديار بكر: بلاد كبيرة واسعة، تنسب إلى بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معدّ بن عدنان، تقع الآن في الجنوب الأوسط من تركية المعاصرة، ينسب إليها من المحدّثين عمر بن علي بن حسن الديار بكري. انظر خبرها في «معجم البلدان» (2/ 494) .
[2]
(1/ 169) وبهامشها «نتائج الأفكار القدسية في بيان شرح الرسالة القشيرية» للعروسي.
وقال: الزاهد الذي لا يملك مع الله سببا.
وقال: لا يصلح السماع إلا لمذبوح النفس، محترق الطبع، ممحق الهوى، صافي السرّ، طاهر القلب، عالي الهمّة، دائم الوجد، تام العلم، كامل العقل، قوي الحال، وإلا خسر من حيث يلتمس الربح، وضلّ من حيث يطلب الهدى، وهلك بما يرجو به النجاة، وليس في علوم التصوّف علم ألطف ولا في طرقه طريق أدقّ من علم السماع، وطريق أهله فيه.
وقال: كثرة النظر في الباطن تذهب بمعرفة الحق من القلب.
وتوفي في صفر، وله أربع وثمانون سنة، ودفن في مقابر باب حرب بغداد.
وفيها قاضي الأنبار وخطيبها البليغ المصقع، أبو محمد، بهلول بن إسحاق بن بهلول بن حسّان التنوخيّ- نسبة إلى تنوخ قبائل أقاموا بالبحرين- كان ثقة صاحب حديث. سمع بالحجاز سعيد بن منصور وإسماعيل بن أويس.
وفيها شيخ الصوفية، تاج العارفين، أبو القاسم، الجنيد بن محمد القواريريّ الخزّاز- بالزاي المكررة- صحب خاله السّريّ، والمحاسبيّ، وغيرهما من الجلّة، وصحبه أبو العبّاس بن سريج، وكان إذا أفحم مناظريه قال: هذا من بركة مجالستي للجنيد، وأصل الجنيد من نهاوند، ونشأ بالعراق، وتفقّه على أبي ثور، وقيل: كان على مذهب سفيان الثوري، وكان يقول: من لم يحفظ القرآن ويكتب الحديث لا يقتدى به في هذا الأمر، لأن علمنا مقيد بالكتاب والسّنّة.
وقال له خاله: تكلم على النّاس فاستصغر نفسه، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يأمره بذلك، فلما جلس لذلك جاءه غلام نصراني وقال: ما معنى قوله صلى الله عليه وسلم:
«اتّقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله» [1] فأطرق ساعة، ثم رفع رأسه وقال له: أسلم فقد حان وقت إسلامك، فأسلم الغلام.
ولما صنّف عبد الله بن سعيد بن كلاب كتابه الذي ردّ فيه على جميع المذاهب، سأل عن شيخ الصوفية، فقيل له: الجنيد، فسأله عن حقيقة مذهبه، فقال: مذهبنا إفراد القدم عن الحدث، وهجران الإخوان والأوطان، ونسيان ما يكون وما كان، فقال ابن كلاب: هذا كلام لا يمكن فيه المناظرة، ثم حضر مجلس الجنيد، فسأله عن التوحيد، فأجابه بعبارة مشتملة على المعارف، ثم قال: أعد عليّ لا بتلك العبارة، ثم استعاده الثالثة، فأعاده بعبارة أخرى، فقال: أمله عليّ، فقال: لو كنت أجرّده كنت أمليه، فاعترف بفضله.
وقال الكعبيّ المعتزليّ لبعض الصوفية: رأيت لكم ببغداد شيخا يقال له: الجنيد، ما رأت عينيّ مثله، كان الكتبة يحضرونه لألفاظه، والفلاسفة لدقة كلامه، والشعراء لفصاحته، والمتكلمون لمعانيه، وكلامه ناء عن فهمهم.
وسئل السّريّ عن الشكر؟ والجنيد صبي يلعب، فأجاب الجنيد: هو أن لا يستعين بنعمه على معاصيه.
وسئل الجنيد عن العارف؟ فقال: من نطق عن سرّك وأنت ساكت.
وقال الجنيد: ما انتفعت بشيء انتفاعي بأبيات سمعتها، قيل: وما هي؟
قال: مررت بدرب القراطيس، فسمعت جارية تغني من دار، فأنصت لها، فسمعتها تقول:
[1] رواه الترمذي رقم (3127) في التفسير: باب ومن سورة الحجر، وفي سنده عطية العوفي وهو ضعيف، وذكره السخاوي في «المقاصد الحسنة» ص (19) والسيوطي في «الدرّ المنثور» ونسباه لجمهرة من الأئمة الحفّاظ في مصنفات مختلفة.
إذا قلت أهدى الهجر لي حلل البلى
…
تقولين لولا الهجر لم يطب الحبّ
وإن قلت هذا القلب أحرقه الهوى
…
تقولي بنيران الهوى شرف القلب
وإن قلت ما أذنبت قالت مجيبة
…
وجودك [1] ذنب لا يقاس به ذنب [2]
فصعقت وصحت، فبينما أنا كذلك، إذا بصاحب الدار قد خرج، وقال: ما هذا يا سيدي؟ فقلت له: مما سمعت، فقال: هي هبة منّي إليك، قلت: قد قبلتها وهي حرّة لوجه الله تعالى، ثم دفعتها لبعض أصحابنا بالرّباط [3] ، فولدت له ولدا نبيلا.
ونشأ الجنيد أحسن نشء، وحجّ على قدميه ثلاثين حجّة.
وقال الجريريّ: كنت واقفا على رأس الجنيد في وقت وفاته، وكان يوم جمعة، ويوم نيروز الخليفة، وهو يقرأ القرآن، فقلت له: يا أبا القاسم، ارفق بنفسك. فقال لي: يا أبا محمد، أرأيت أحدا أحوج إليه منّي في هذا الوقت، وهو ذا تطوى صحيفتي، وكان قد ختم القرآن الكريم، ثم بدأ بالبقرة، فقرأ سبعين آية، ثم مات رحمه الله تعالى.
ومناقبه كثيرة، ولو أرسلنا عنان القلم لسوّدنا أسفارا من مناقبه، رضي الله عنه، ودفن بالشونيزية عند خاله سري السقطي، رضي الله عنهما.
وفيها العلّامة أبو يحيى زكريا بن يحيى النيسابوريّ المزكّيّ، شيخ الحنفية، وصاحب التصانيف بنيسابور في ربيع الآخر، وقد ناهز الثمانين.
روى عن إسحاق بن راهويه وجماعة، وكان ذا عبادة وتقى.
وفيها الزاهد الكبير، أبو عثمان الحيريّ، سعيد بن إسماعيل، شيخ نيسابور. وواعظها، وكبير الصوفية بها، في ربيع الآخر، وله ثمان وستّون
[1] في «وفيات الأعيان» : «حياتك» .
[2]
الأبيات في «وفيات الأعيان» (1/ 374) .
[3]
الرباط: المرابطة وهي ملازمة ثغر العدو. انظر «مختار الصحاح» (ربط) .
سنة. صحب العارف أبا حفص النيسابوري، وسمع بالعراق من حميد بن الربيع، وكان كبير الشأن، مجاب الدعوة. قاله في «العبر» [1] .
وقال السّلميّ في «التاريخ» [2] هو رازيّ الأصل، ذهب إلى شاه الكرماني، ووردا جميعا إلى نيسابور زائرين لأبي حفص، ونزلا محلة الحيرة في دار علكان، وأقاما بها أياما، فلما أراد الشاه الخروج، خرجا جميعا إلى قرية أبي حفص على باب مدينة نيسابور، وهي قرية تسمى كورداباذ [3]، فقال أبو حفص لأبي عثمان: إن كان الشاه يرجع إلى طاعة أبيه، فأنت إلى أين تذهب، فنظر أبو عثمان إلى الشاه، فقال الشاه: أطع الشيخ، فرجع مع أبي حفص إلى نيسابور، وخرج الشاه وحده.
وقال أبو عثمان: صحبت أبا حفص وأنا شاب، فطردني مرّة وقال: لا تجلس عندي، فقمت من عنده، ولم أولّ ظهري عليه، وانصرفت أمشي إلى وراء، ووجهي إلى وجهه، حتّى غبت عنه، وجعلت في نفسي أن أحفر على بابه حفرة وأدخل فيها ولا أخرج منها إلا بأمره، فلما رأى ذلك منّي أدناني، وقرّبني، وجعلني من خواصّ أصحابه.
وقال أبو عمرو بن نجيد [4] : في الدّنيا ثلاثة لا رابع لهم: أبو عثمان بنيسابور، والجنيد ببغداد، وأبو عبد الله بن الجلاء بالشام.
ومن كلامه: من أمّر السّنّة على نفسه قولا وفعلا، نطق بالحكمة، ومن
[1](2/ 117) .
[2]
وهو كتابه «تاريخ الصوفية» وهو مخطوط لم ينشر بعد. انظر مقدمة الأستاذ نور الدّين شريبة لكتابه «طبقات الصوفية» ص (34) .
[3]
في الأصل، والمطبع:«كوزذاباذ» وهو خطأ، والتصحيح من «طبقات الصوفية» ص (115) و «معجم البلدان» (4/ 489) .
[4]
هو إسماعيل بن نجيد السلمي، أبو عمرو، وسوف ترد ترجمته في المجلد الرابع من كتابنا هذا إن شاء الله تعالى.
أمّر الهوى على نفسه نطق بالبدعة، لأن الله تعالى يقول: وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا 24: 54 [النور: 54] .
وقال: موافقة الإخوان خير من الشفقة عليهم.
ودفن بنيسابور في مقبرة الحيرة على الشارع مع قبر أستاذه أبي حفص.
وفيها فقيه قرطبة، ومسند الأندلس، أبو مروان عبيد الله بن الإمام، يحيى بن يحيى اللّيثيّ، في عاشر رمضان، وكان ذا حرمة عظيمة وجلالة.
روى عن والده «الموطأ» وحمل عنه بشر كثير.
وفيها محمد بن يحيى بن سليمان، أبو بكر المروزيّ، في شوّال ببغداد. روى عن عاصم بن علي، وأبي عبيد.
وفيها محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر بن الحسين الخزاعيّ، أبو العبّاس الأمير ببغداد، ودفن عند عمّه محمد بن عبد الله. سمع من إسحاق بن راهويه وغيره، وولي إمرة خراسان بعد والده، سنة ثمان وأربعين وهو شاب، ثم خرج عليه يعقوب الصّفّار وحاربه، وأسره يعقوب في سنة تسع وخمسين، ثم خلّص من أسره سنة اثنتين وستين، ثم بقي خاملا إلى أن مات.