الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سنة سبع وأربعين ومائتين
فيها توفي إبراهيم بن سعيد الجوهريّ أبو إسحاق البغداديّ الحافظ، مصنف «المسند» . روى عن هشيم وخلق كثير. مات مرابطا بعين زربة [1] وكان من أركان الحديث. خرّج «مسند أبي بكر الصّدّيق» في نيف وعشرين جزءا.
وفيها أبو عثمان المازنيّ النحويّ، صاحب التصانيف، واسمه بكر بن محمد.
قال تلميذه المبرّد: لم يكن بعد سيبويه أعلم من أبي عثمان المازني بالنحو.
قال ابن خلّكان [2] : كان في غاية الورع.
ومما رواه المبرّد، أن بعض أهل الذّمّة قصده ليقرأ عليه «كتاب سيبويه» وبذل له مائة دينار في تدريسه إياه، فامتنع أبو عثمان من ذلك. قال: فقلت له: جعلت فداك أتردّ هذه المنفعة مع فاقتك وشدة إضاقتك؟ فقال: إن هذا الكتاب يشتمل على ثلاثمائة وكذا وكذا آية من كتاب الله- عز وجل ولست
[1] قال الزبيدي في «تاج العروس» (زرب) : عين زربة بالضم، أو زربي، كسكرى، وعلى الأول اقتصر ابن العديم في «تاريخ حلب» ، ثغر مشهور قرب المصيصة من الثغور الشامية، وانظر «معجم البلدان» لياقوت (4/ 177- 178) ، و «الروض المعطار» للحميري ص (422) .
[2]
في «وفيات الأعيان» (1/ 284- 285) .
أرى أن أمكّن منها ذمّيا غيرة على كتاب الله- عز وجل وخشية له [1] .
قال: فاتفق أن غنّت جارية بحضرة الواثق بقول العرجيّ:
أظلوم إن مصابكم رجلا
…
أهدى السّلام تحية ظلم [2]
فاختلف من بالحضرة في إعراب رجلا [3] فمنهم من نصبه وجعله اسم «إن» ومنهم من رفعه على أنه خبرها، والجارية مصرّة على أن شيخها أبا عثمان المازني لقنها إياه بالنصب، فأمر الواثق بإشخاصه.
قال أبو عثمان: فلما مثلت بين يديه قال: ممن الرجل؟ قلت: من بني مازن. قال: أيّ الموازن؟ أمازن تميم، أم مازن قيس، أم مازن ربيعة؟ فقلت:
من مازن ربيعة، فكلمني بكلام قومي، وقال باسمك [4] ، لأنهم يقلبون الميم باء والباء ميما، فكرهت أن أجيبه على لغة قومي لئلا أواجهه بالمكر، فقلت: بكر يا أمير المؤمنين، ففطن لما قصدته، وأعجب [5] به ثم قال: ما تقول في قول الشاعر:
أظلوم إن مصابكم رجلا»
البيت.
أترفع رجلا أم تنصبه؟ فقلت: بل الوجه النصب يا أمير المؤمنين، فقال: ولم ذلك [6] ؟ فقلت: هو بمنزلة قولك: إن ضربك زيدا ظلم، فالرجل مفعول مصابكم وهو منصوب به، والدليل عليه أن الكلام معلق إلى أن تقول [7] : ظلم، فاستحسنه الواثق وقال: هل لك من ولد؟ قلت: نعم يا أمير
[1] في «وفيات الأعيان» : «وحميّة له» .
[2]
البيت في «ديوان العرجي» ص (193) . كما ذكر الدكتور إحسان عباس في تعليقه على «الوفيات» .
[3]
في الأصل: «رجل» وأثبت ما في المطبوع وهو موافق لما في «وفيات الأعيان» .
[4]
في الأصل، والمطبوع:«باأسبك» والتصحيح من «وفيات الأعيان» .
[5]
في الأصل: «وتعجب» وأثبت ما في المطبوع وهو الصواب.
[6]
في المطبوع: «ولما ذاك» ، وفي الأصل:«ولما ذلك» وما أثبته من «وفيات الأعيان» .
[7]
في الأصل، والمطبوع:«إلى أن يقول» ، والتصحيح من «وفيات الأعيان» .
المؤمنين بنيّة، قال: ما قالت لك عند مسيرك؟ قلت: أنشدت قول الأعشى [1] :
أيا أبتا لا ترم عندنا
…
فإنّا بخير إذا لم ترم
أرانا إذا اضمرتك البلا
…
د، نجفى وتقطع منّا الرّحم [2]
قال: فما قلت لها؟ قال: قلت قول جرير:
ثقي بالله ليس له شريك
…
ومن عند الخليفة بالنّجاح [3]
قال: على النجاح إن شاء الله تعالى، ثم أمر لي بألف دينار، وردّني مكرما.
قال المبرّد: فلما عاد إلى البصرة قال لي: كيف رأيت يا أبا العبّاس؟ رددنا لله مائة فعوّضنا ألفا. انتهى ما ذكره ابن خلّكان ملخصا.
وفيها في شوال، قتل المتوكل على الله أبو الفضل جعفر بن المعتصم محمد بن الرشيد العباسي، فتكوا به في مجلس لهوه بأمر ابنه المنتصر، وعاش أربعين سنة، وكان أسمر نحيفا، مليح العينين، خفيف العارضين، ليس بالطويل، وهو الذي أحيا السّنّة، وأمات التجهّم، ولكنه كان فيه نصب ظاهر، وانهماك على اللذّات والمكاره، وفيه كرم وتبذير، وكان قد عزم على ابنه المنتصر وتقدم إليه بتقديم المعتز عليه لفرط محبته لأمه، وبقي يؤذيه ويتهدده إن لم ينزل عن العهد، واتفق مصادرة المتوكل لوصيف، فتعاملوا عليه، ودخل عليه خمسة
[1] هو ميمون بن قيس بن جندل، من بني قيس بن ثعلبة الوائلي، أبو بصير، المعروف بأعشى قيس، ويقال له: أعشى بكر، والأعشى الكبير، من شعراء الطبقة الأولى في الجاهلية أحد أصحاب المعلقات. مات سنة (7) هـ. انظر ترجمته ومصادرها في «الأعلام» للزركلي (7/ 341) .
[2]
البيتان في «ديوانه» ص (41) بتحقيق الدكتور م. محمد حسين، طبع مكتبة الآداب، ورواية البيت الأول منهما فيه:
ويا أبتا لا تزل عندنا
…
فإنا نخاف بأن تخترم
[3]
البيت في «ديوانه» بشرح الصاوي ص (98) .
في جوف الليل فنزلوا عليه بالسيوف، فقتلوه وقتلوا وزيره الفتح بن خاقان معه، ولما قتلا أصبح النّاس يقولون: قتل المتوكل والفتح بن خاقان دبّر عليهما المنتصر ولد المتوكل، وكان النّاس على لسان واحد يقولون: والله لا عاش المنتصر إلا ستة أشهر كما عاش شيرويه بن كسرى حيث قتل أباه، فكان الأمر كذلك، وكان قتله ليلة الأربعاء لثلاث خلون من شوال.
وكان للمتوكل خمسمائة وصيفة للفراش، ولم يكن فيهن أحظى من صبيحة أم ولده المعتز، وبسبب ميله إليها أراد يقدم ولدها بالعهد، وكان أصغر من المنتصر، وكان تقدم منه العهد للمنتصر، ثم لأخويه من بعده، وفي ذلك يقول السّلميّ:
لقد شدّ ركن الدّين بالبيعة الرّضا
…
وسار بسعد جعفر بن محمّد
لمنتصر بالله أثبت عهده
…
وأكّد بالمعتز ثم المؤيّد [1]
ورزق المتوكل من الحظ من العامة لتركه الهزل واللهو إلا أنه كان يتشبه في الغضب بخلق الجبابرة، وبلغ المتوكل أن صالح بن أحمد بن حنبل رأى في نومه قائلا يقول:
ملك يقاد إلى مليك عادل
…
متفضّل بالعفو ليس بحائر [2]
فصدقه بذلك.
وروى علي بن الجهم قال: لما أفضت الخلافة إلى المتوكل، أهدى له الناس على أقدارهم، فأهدى له محمد بن عبد الله بن طاهر ثلاثمائة جارية من أصناف الجواري، وكان فيهن جارية يقال لها: محبوبة، وقد نشأت بالطائف، فوقعت من قلب المتوكل موقعا عظيما، وحلّت من نفسه محلا جسيما، وكانت تسامره ولا تفارقه، فغاضبها يوما وأمرها بلزوم مقصورتها، وأمر أن لا يدخل الجواري عليها.
[1] البيتان في «غربال الزمان» للعامري ص (230) ، وفيه «سدّ ركن الدّين» .
[2]
البيت في «غربال الزمان» ص (230) .
قال علي بن الجهم: فبينا أنا عنده جالس يوما إذ قال لي: يا علي، رأيت البارحة كأنني صالحت محبوبة، فقلت: أقر الله عينك وجعله حقيقة في اليقظة، وإنا لفي ذلك، إذ أقبلت وصيفة كانت تقف على رأسه، فقالت: يا أمير المؤمنين، سمعت الساعة في منزل محبوبة غناء، فقال لي: يا علي، قم بنا الساعة، فإنا سنرد على بوادر ظريفة، فأخذ بيدي وجعلنا نمشي رويدا لئلا يسمع حسنا، فوقف على باب المقصورة، وإذا بها تضرب بالعود وتغني:
أدور في القصر لا أرى أحدا
…
أشكو إليه ولا يكلّمني
حتّى كأنّي جنيت معصية
…
ليست لها توبة تخلّصني
فهل شفيع لنا إلى ملك
…
قد زارني في الكرى وصالحني
حتّى إذا ما الصباح لاح لنا
…
عاد إلى هجره فصارمني [1]
فنفر المتوكل طربا ونفرت معه لنفيره، فأحست بنا، فخرجت حافية ثم أكبت على رجلي أمير المؤمنين ويديه ورأسه، ثم قالت: يا أمير المؤمنين، رأيت البارحة في النوم كأني قد صالحتك. قال لها: وأنا والله رأيت مثل ذلك. قالت:
فإن رأى أمير المؤمنين أن يتمم المنة فهو المنعم على كل حال، فقال: ادخل فإنا سنرد على ما نحب. قال: فمكثنا ثلاثة أيام ونحن كأننا في بعض رياض الجنة، ووصلني بعد ذلك ببدرة، فأخذتها وانصرفت.
قيل: قرئ على المتوكل كتاب فيه ملاحم، فمر القارئ فيه على موضع فيه: إن الإمام العاشر من بني العبّاس يقتل في مجلسه على فراشه، فقال: ليت شعري من الشقي الذي يقتله، ثم وجم، فقيل له: أنت الحادي عشر، وعدوا إبراهيم بن المهدي من جملة الخلفاء فسرّي عنه.
وقيل: رأى المتوكل في منامه كأن دابّة تكلّمه، فقال لبعض جلسائه:
ما تفسره، ففسره له بشيء آخر، ثم قال لبعض من حضر سرا: حان رحيله لقوله
[1] الأبيات في «مروج الذهب» للمسعودي (4/ 126) مع شيء من الخلاف في روايتها.
تعالى: وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً من الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ 27: 82 [النمل: 82] .
وقيل: رأى المتوكل في منامه رؤيا، فقصها على الفتح بن خاقان وزيره، فقال: يا أمير المؤمنين أضغاث أحلام، ولو تشاغلت بالشرب والغناء لسرّي عنك هذا، فقطع عامة نهاره بالتشاغل، فلما جاءه الليل أمر بإحضار الندماء والمغنين، وجلس بقصره المعروف بالجعفري وعنده الفتح، فقال للمغنّين:
غنّوا، فغنّوا، ثم قام ولده محمد المنتصر ومعه الحاجب يشيعه، فخلا الموضع، فدخل عليه خمسة من الأتراك، فقتلوه وقتلوا الفتح أيضا.
وفيها توفي سلمة [1] بن شبيب أبو عبد الرّحمن النيسابوريّ، الحافظ الموثق في رمضان بمكة. روى عن يزيد بن هارون وطبقته، وقد روى عنه من الكبار أحمد بن حنبل، وأصحاب الكتب الستة إلّا البخاري.
وفيها، أو بعدها، محمد بن مسعود الحافظ، ابن العجميّ [2] . سمع عيسى بن يونس، ويحيى بن سعيد القطّان، وطبقتهما، ورابط بطرسوس.
قال محمد بن وضاح القرطبي: هو رفيع الشأن، فاضل، ليس بدون أحمد بن حنبل، يعني في العمل لا في العلم، والله أعلم. قاله في «العبر» [3] .
[1] في الأصل، و «العبر» للذهبي (1/ 449) :«مسلمة» وهو خطأ، وأثبت ما في المطبوع وهو الصواب.
[2]
انظر «تهذيب الكمال» للمزي. (3/ 1267) مصورة دار المأمون للتراث بدمشق، و «سير أعلام النبلاء» (12/ 249- 250) ، و «تقريب التهذيب» ص (506) .
[3]
(1/ 449- 450) .