المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الأسئلة: س1/ هل يوصف المخلوق بكونه خالقا للأشياء؟ ج/ الجواب: لا، خلْق - شرح العقيدة الطحاوية - صالح آل الشيخ = إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل

[صالح آل الشيخ]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة:

- ‌الأسئلة:

- ‌ قوله (وَلا شيءَ مِثْلُهُ، وَلا شَيْءَ يُعْجزُهُ، وَلا إلهَ غَيْرُهُ)

- ‌ قوله (وَلا شَيْءَ يُعْجزُهُ)

- ‌قوله (وَلا إلهَ غَيْرُهُ)

- ‌[المسألة الرابعة] :في إعراب كلمة التوحيد (لا إله إلا الله)

- ‌الأسئلة:

- ‌ قوله (قَديمٌ بلا ابتدَاء، دَائمٌ بلا انْتهاء)

- ‌[المسألة الثانية] :ما ضابط كون الاسم من الأسماء الحسنى

- ‌ قوله (لا يَفنَى ولا يَبيدُ)

- ‌قوله (ولا يكونُ إلا ما يُريدُ)

- ‌ قوله (لا تَبلُغُه الأوْهَامُ، ولا تُدْرِكُهُ الأفْهَامُ)

- ‌الأسئلة:

- ‌ قوله (حَيٌّ لا يَمُوتُ، قَيُّومٌ لا يَنَامُ)

- ‌الأسئلة:

- ‌الأسئلة:

- ‌ قولَه (وَإِنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ المصطَفى، ونبيُّه المجْتَبى، ورَسُولُهُ المُرْتَضَى)

- ‌[المسألة الثالثة] :نبوة الأنبياء أو رسالة الرسل بما تَحْصُل؟ وكيف يُعْرَفُ صدقهم؟ وما الفرق ما بين النبي والرسول وبين عامة الناس أو من يَدَّعِي أَنَّهُ نبي أو رسول

- ‌الأسئلة:

- ‌ قوله (وإنَّه خَاتِمُ الأنبياءِ)

- ‌[المسألة الرابعة] :أنَّ ادِّعَاء الوحي كفر كدعوى النبوة، وهذا باتفاق أهل السنة

- ‌[المسألة الأولى] :أنَّ التفضيل بين الأنبياء جاء به النص كما قال عز وجل {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [

- ‌الأسئلة:

- ‌الأسئلة:

- ‌الأسئلة:

- ‌[المسألة الخامسة] :أنَّ رؤية المؤمنين في الجنة لربهم عز وجل عامة بالإنس والجن، للرجال وللنساء، وللملائكة أيضاً

- ‌الأسئلة

- ‌الأسئلة

- ‌الأسئلة

- ‌قوله (فَإِنَّ رَبَّنَا عز وجل مَوْصُوفٌ بِصِفَاتِ الْوَحْدَانِيَّةِ، مَنْعُوتٌ بِنُعُوتِ الْفَرْدَانِيَّةِ، لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ أَحَدٌ مِنَ الْبَرِيَّةِ

- ‌الأسئلة:

- ‌[المسألة الثانية] :متى وقع الإسراء والمعراج

- ‌الأسئلة:

- ‌[المسألة الأولى] :أنَّ الحوض دلَّ عليه القرآن باحتمال، ودلَّت عليه السنة بقطع:

- ‌الأسئلة:

- ‌ قوله (وَالشَّفَاعَةُ الَّتِي ادَّخَرَهَا لَهُمْ حَقٌّ، كَمَا رُوِيَ فِي الْأَخْبَارِ)

- ‌الأسئلة:

- ‌ قوله (وَالْمِيثَاقُ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ آدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ حَقٌّ)

- ‌الأسئلة:

- ‌الأسئلة

- ‌الأسئلة:

- ‌الأسئلة:

- ‌ قوله (وَالْعَرْشُ

- ‌ قوله (وَفَوْقَهُ)

- ‌الأسئلة:

- ‌الأسئلة:

- ‌[المسألة الخامسة] :الإيمان بالملائكة تَبَعٌ للعلم، وكلما زَادَ العِلْمُ بالعقيدة وبالنصوص زَادَ الإيمان بالملائكة لمن وفَّقَهُ الله

- ‌ الأسئلة

- ‌[المسألة الثانية] :الأنبياءُ والرُّسُلُ درجات في الفضل والمنزلة عند الله

- ‌[المسألة الخامسة] :من كَذَّبَ برسول بعد العلم به فإنه مُكَذِّبٌ بجميع الأنبياء والمرسلين

- ‌(وَالْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى الْمُرْسَلِينَ)

- ‌ الأسئلة

- ‌الأسئلة:

- ‌[المسألة الحادية عشرة] :قوله (وَلَا نَقُولُ: لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ ذَنْبٌ لِمَنْ عَمِلَهُ) هذا فيه مخالفة للمرجئة

- ‌الأسئلة:

- ‌نَرْجُو لِلْمُحْسِنِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ، وَيُدْخِلَهُمُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ، وَلَا نَأْمَنُ عَلَيْهِمْ، وَلَا نَشْهَدُ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ، وَنَسْتَغْفِرُ لِمُسِيئِهِمْ، وَنَخَافُ عَلَيْهِمْ، وَلَا نُقَنِّطُهُمْ

- ‌[المسألة الأولى] :أنَّ الرجاء للمحسن بالعفو وعدم الأمن والاستغفار للمسيء والخوف عليه، هذا عقيدة يتعامل بها المرء مع نفسه وكذلك مع المؤمنين:

- ‌[المسألة الثانية] :الرجاء للمحسن من المؤمنين بالعفو هذا يشمل كل أحد حتى من لم يَعْرِفْ لنفسه ذنباً

- ‌[المسألة الثالثة] :الجمع ما بين الرجاء للمحسن والاستغفار للمسيء هذا تَبَعْ لأصل عظيم وهو الجمع في العبادة ما بين الخوف والرجاء

- ‌الأسئلة:

- ‌[المسألة الثالثة] :الله عز وجل وليٌّ للعبد، والعبد أيضاً وليٌّ لله عز وجل

- ‌[المسألة الرابعة] :الأولياء قسمان فيما دَلَّتْ عليه الأدلة:- مقتصدون.- وسابقون مُقَرَّبون

- ‌الأسئلة:

- ‌الأسئلة

- ‌[المسألة الخامسة] :من لم يُغْفَرْ له ممن لم يتب فإنه يُشتَرَطُ لعدم خلوده في النار شرطان:

- ‌[المسألة السادسة] :الخلود في النار نوعان: خلودٌ أمدي إلى أجل، وخلودٌ أبدي

- ‌قوله (اللَّهُمَّ يَا وَلِيَّ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ ثَبِّتْنَا عَلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى نَلْقَاكَ بِهِ)

- ‌[المسألة الثالثة] :قوله (خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ) هذا إذا كان إماماً مُرَتَّبَاً، ولم يكن بوسع المرء أن يختار الأمثل

- ‌الأسئلة

- ‌[المسألة الرابعة] :أننا مع ذلك كله فإننا نرجو للمحسن ونخاف على المسيء

- ‌الأسئلة:

- ‌[المسألة الأولى] :لفظ الأئمة وولاة الأمور مما جاء به الكتاب والسنة

- ‌الأسئلة:

- ‌الأسئلة:

- ‌[المسألة الثانية] :قوله (إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ) هذا المقصود منه إلى قرب قيام الساعة

- ‌[المسألة الخامسة] :في قوله (أَرْوَاحِ الْعَالَمِينَ) لفظ (الْعَالَمِينَ) يريد به هنا من له رُوحْ من المُكَلَّفين

- ‌[المسألة الأولى] :أنّ سؤال الملكين يقع عن ثلاثة أشياء:أولاً: عن ربه.ثانيا: عن دينه.ثالثا: عن نبيه

- ‌الأسئلة:

- ‌الأسئلة:

- ‌الأسئلة:

- ‌الأسئلة:

- ‌الأسئلة:

- ‌الأسئلة:

- ‌[المسألة الثانية] :لا يُشْتَرَطُ في العالم أنْ لا يُخْطِئ

- ‌[المسألة الثانية] :عقيدة خَتْمْ الوَلَايَةَ

- ‌الأسئلة:

- ‌[المسألة التاسعة] :الكرامة إذا أعطاها الله عز وجل الولي فإنَّهُ ليس معنى ذلك أنَّهُ مُفَضَّلٌ وأعلى منزلة على من لم يُعْطَ الكرامة

- ‌الأسئلة:

- ‌الأسئلة:

- ‌الأسئلة:

- ‌ قوله (وَلَا مَنْ يَدَّعِي شَيْئًا يُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَإِجْمَاعَ الْأُمَّةِ)

- ‌قوله (والفُرْقَةَ زَيْغاً وَعَذَاباً) :

- ‌الأسئلة:

- ‌الأسئلة:

- ‌[المسألة الأولى] :عِظَمِ شأن الدعاء

- ‌الأسئلة:

الفصل: ‌ ‌الأسئلة: س1/ هل يوصف المخلوق بكونه خالقا للأشياء؟ ج/ الجواب: لا، خلْق

‌الأسئلة:

س1/ هل يوصف المخلوق بكونه خالقا للأشياء؟

ج/ الجواب: لا، خلْق الأشياء هذا مختص بالرب عز وجل، فهو سبحانه وتعالى الذي يخلق الأشياء.

أما أن يوصف بكونه خالقا، فنعم، لكن لا يقال خالق للأشياء، الأشياء بيد الله عز وجل، لكن يخلق ما يناسب، كما قال سبحانه {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون:14] ، ويُعنى بالخلق هنا التقدير أو التصوير أو ما يناسبه، ولهذا قال ? في الحديث الذي رواه البخاري وغيره (مَنْ أَظْلَمُ مِمّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي؟ فَلْيَخْلُقوا حَبّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً)(1) فأثبت لهم خلقا قال (يَخْلُقُ كَخَلْقِي) ، ثم نفى عنهم خلقا فقال (فَلْيَخْلُقوا حَبّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً) ، فدلّ على أنّ المخلوق يخلق أشياء؛ بمعنى يصورها أو يقدرها، أما برء الأشياء، أو برء الأمور؛ بمعنى إخراج الصور يعني فيها حياة فهذه لله عز وجل.

أما تصنيع الجمادات فهذا نوع من الخلق؛ لأنه تقدير وتصوير.

س2/ يستدل أهل التعطيل والتجسيم بقوله تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى:11] على باطلهم، وقد رد أهل السنة والجماعة بردود عليهم في ورود الكاف والمِثل في الآية، فما هو وجه استدلال المعطلة والمجسمة؟ وما هو الرد الصحيح والوجه الصحيح من ردود أهل السنة في زيادة الكاف؟

ج/ سبق أن ذكرناه أظن مفصلاً في الدرس الماضي، أو الذي قبله، أظن في أول الدروس، أو عند قوله ولا يشبهه شيء أو (وَلا يُشْبِهُ الأنَامَ) ، أو في أوله عند قوله (وَلا شيءَ مثْلُهُ)(2) .

المقصود أن استدلال المبتدعة بقوله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) مَصِيرٌ منهم إلى أن المثلية هنا قد تكون ناقصة، فيكون هناك مطلق التشابه منفيا، وهذا سيكون مطلق التشابه منفيا، وقد ذكرنا لكم أنّ المراد هنا المماثلة والمماثلة منفية في كل حال، والمشابهة في الكيفية أو في كمال المعنى؛ يعني في المعنى المطلق أيضا منفي، وأما المشابهة في مطلق المعنى وهو أصله الذي حصل به الاشتراك فإن هذا ليس منفيا؛ لأن هذا أثبته الرب عز وجل.

س3/ ما هو أفضل كتاب شرح الأسماء الحسنى واعتنى بمعناها؟

ج/ أحسن ما أُلف في ذلك فيما أعلم كتاب (النهج الأسمى) لأحد طلبة العلم في الكويت محمد الحمود، وهو من أنفع ما كتب في ذلك، ويليه ما فرقه الشيخ عبد الرحمن بن سعدي في كتبه من معاني الأسماء والصفات.

س4/ هل الله عز وجل محتاج إلى عبادة العابد كما قال {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ} [الذاريات:56-57] ، فهو لا يحتاج سبحانه للرَّزق ولا للإطعام ولكن أثبت العبادة؟

ج/ ما أدري ما وجه السؤال.

(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) اللام هنا هذه لام (كي) لام الحكمة وليست لأجل الحاجة.

س5/ هل يقال إنَّ الصفات الذاتية راجعة إلى صفة الحياة، والصفات الفعلية راجعة إلى صفة القيومية؟

ج/ لا، لا يقال ذلك من مثل صفة الرحمة ذاتية باعتبار وفعلية أيضا، ولكنها راجعة أيضا لقيوميته، فهو سبحانه أقام خلقه على الرحمة.

س6/ كيف نعرف أن نفي صفة من صفات النقص تدل على الكمال المطلق؟

ج/ أي نفي جاء في الكتاب والسنة؛ نفي صفة عن الله عز وجل فالمراد من هذا النفي إثبات كمال الضد؛ لأنَّ النفي المجرد ليس مدحاً وليس كمالاً، نفي الصفة عن المتصف أو عمن يتصف بها أو عمن يقال أو تنسب إليه قد يكون لنقصه ولعجزه؛ لعدم علمه أولعدم قدرته، فيقال مثلا فلان لا يسيء إلى أحد؛ لأجل أنّه ضعيف، حتى الكافر المشرك المعاند لا يسيء إليه لضعفه، ويقال فلان مثلاً ليس كثير الكلام قد يكون لعجزه عن الكلام بما ينفع، ولهذا قال الشاعر في ذم قبيلة من القبائل:

قُبَيِّلَة لا يخفرون بذمة ولا يظلمون الناس حبة خردل

(قبيلة لا يخفرون بذمة) لعجزهم، والعرب كانت تفتخر بالاعتداء وبالقوة، فهو نَفَى عنهم صفة لأجل عجزهم عنها فقال (ولا يظلمون الناس حبة خردل) لعجزهم ولهذا إذا نفى الرب عز وجل عن نفسه صفة دلَّ ذلك على كمال ضد هذه الصفة، فمثلاً قوله تعالى {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ} [البقرة:255] هذا نفي يدل على كمال حياته سبحانه وتعالى، لا لأرقه مثلَا أو لاهتمامه بخلقه أو لعدم إرادة تركهم حتى لا يفسد الملك أو نحو ذلك، بل (لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ) لكمال حياته، كذلك {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم:64] لكمال علمه وإحاطته.

{لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} [الإخلاص:3] لكمال غناه سبحانه وتعالى، {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص:4] لكمال أَحديته سبحانه، {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص:1] ، وهكذا في غير ذلك من الصفات.

(1) البخاري (7559)

(2)

ذكره الشيخ تحت شرح (وَلا شيءَ مثْلُهُ) في المسألة الخامسة.

ص: 53

خَالِقٌ بِلَا حَاجَةٍ، رَازِقٌ بِلَا مُؤْنَةٍ، مُمِيتٌ بِلَا مَخَافَةٍ، بَاعِثٌ بِلَا مَشَقَّةٍ، مَا زَالَ بِصِفَاتِهِ قَدِيمًا قَبْلَ خَلْقِهِ، لَمْ يَزْدَدْ بِكَوْنِهِمْ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُمْ مِنْ صِفَتِهِ، وَكَمَا كَانَ بِصِفَاتِهِ أَزَلِيًّا كَذَلِكَ لَا يَزَالُ عَلَيْهَا أَبَدِيًّا، لَيْسَ بَعْدَ خَلْقِ الْخَلْقِ اسْتَفَادَ اسْمَ "الْخَالِقِ"، وَلَا بِإِحْدَاثِ الْبَرِيَّةِ اسْتَفَادَ اسْمَ "الْبَارِي"، لَهُ مَعْنَى الرُّبُوبِيَّةِ وَلَا مَرْبُوبَ، وَمَعْنَى الْخَالِقِ وَلَا مَخْلُوقَ، وَكَمَا أَنَّهُ مُحْيِي الْمَوْتَى بَعْدَمَا أَحْيَا اسْتَحَقَّ هَذَا الِاسْمَ قَبْلَ إِحْيَائِهِمْ، كَذَلِكَ اسْتَحَقَّ اسْمَ الْخَالِقِ قَبْلَ إِنْشَائِهِمْ، ذَلِكَ بِأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَكُلُّ شَيْءٍ إِلَيْهِ فَقِيرٌ، وَكُلُّ أَمْرٍ عَلَيْهِ يَسِيرٌ، لَا يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى:11] .

هذه تكملة وصِلَة لما تقدم الكلام عليه من بيان معاني جُمَلِ هذه العقيدة النافعة؛ عقيدة العلامة أبي جعفر الطحاوي رحمه الله.

ووقفنا عند قوله (مُمِيتٌ بِلا مَخَافَةٍ، بَاعِثٌ بِلا مَشَقَّةٍ) وهذا كالجمل التي قبله، فيها إثبات كمال الرب عز وجل، وأنه في كمالاته وصفاته غير مماثل لخلقه، بل {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى:11] .

فذَكَرَ فيما تقدم جملة من صفات الرب عز وجل وأنه في اتصافه بتلك الصفات لا يماثل المخلوق الذي إذا اتصف بصفة فهو لحاجته لمقتضى تلك الصفة ولضعفه ولافتقاره، والله جل جلاله متَّصِف بصفات الكمال التي مرجعها إلى أنه سبحانه هو الغني الحميد.

هو الغني غير محتاج لمقتضى صفاته وغير محتاج سبحانه لأثر تلك الصفة.

بل هو سبحانه وتعالى فيما يفعل، يفعلُ لحكمة لا لحاجة عز وجل.

فخَلْقُهُ سبحانه وتعالى للخلق بلا حاجة، ورَزْقه سبحانه وتعالى لهم لحاجتهم إليه لا لحاجته سبحانه وتعالى إليهم، كما مرّ معنا على حد قول الله عز وجل {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُم الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر:15] .

وجميع صفات الكمال ترجع إلى صفة الغنى وصفة الحمد له سبحانه، وإلى هذين الاسمين العظيمين الغني والحميد، سواءٌ في ذلك صفات الجلال، أو صفات الجمال، صفات الربوبية، أو الصفات التي ترجع إليها معاني العبودية للرب جل جلاله.

ص: 54

قال هنا (مُمِيتٌ بِلا مَخَافَةٍ، بَاعِثٌ بِلا مَشَقَّةٍ)

يعني أنّه سبحانه يميت من شاء أنْ يُمِيتَهُ، ويُفْقِدَ من شاء أن يُفقده الحياة، لا لخوف من هذا الذي أفقده الحياة أن يعتدي على مقام الربّ عز وجل؛ ولكن لحكمته سبحانه.

فهو الذي أحيا وأمات، وهو الذي أفقر وأغنى سبحانه لحكمته البالغة العظيمة.

فهو فيما يُحيي لم يُحيِ لحاجة، وفيما أمات سبحانه ما أمات لمخافة؛ بل هو سبحانه الذي يحيي ويميت لحكمة بالغة.

فقال هنا (مُمِيتٌ بِلا مَخَافَةٍ) والمخلوق البشر أو غير البشر يعتدي بالإماتة على من يخاف من شره.

وهذا دليل النَّقص في المخلوق؛ لأنه لمَّا لم يكن دافعًا عن نفسه إلا بهذا الفعل صارت في المخلوق هذا من صفات النقص في أنه يميت لمخافته.

وهذا لا يدخل فيه معنى مشروعية الجهاد لأنَّ هذا لمعنىً آخر لا يتعلق بالمخلوق، بل يتعلق بحق الله عز وجل وإقامة دينه وإعلاء كلمته.

فهذا معنى قوله (مُمِيتٌ بِلا مَخَافَةٍ) .

وأنه سبحانه (بَاعِثٌ بِلا مَشَقَّةٍ)

باعث الخلق بعد موتهم سواءٌ في ذلك بَعْثُ المكلَّفين أو بَعْثُ غير المكلَّفين بلا مشقة تلحقه سبحانه، {مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} [لقمان:28] ، وهذا لكمال صفات الرب عز وجل.

إذا تبين لك ذلك، فإنَّ في هذه الجملة من كلامه مسائل أعني قوله (مُمِيتٌ بِلا مَخَافَةٍ) فيها مسائل:

ص: 55

[المسألة الأولى] :

أنَّ (مُمِيتٌ) اسم فاعل من (أمات) المتعدي.

والاسم للرب عز وجل المميت، هو سبحانه المحيي المميت.

والمميت صفة كمال مع قرينتها المحيي.

المميت اسم كمال مع قرينه المحيي، فهو سبحانه الموصوف بكونه أحيا وأمات عز وجل.

ص: 56

[المسألة الثانية] :

معنى (مُمِيتٌ) أي خَلَقَ الموت، فيمن شاء سبحانه، يعني جعل من شاء مِنْ خَلْقِهِ ميِّتاً بعد أن كان حيا.

والموت عند جمهور أهل السنة ومن وافقهم من غيرهم مخلوق موجود.

وهو الذي يعبِّرون عنه بأن الموت صفة وُجودية وذلك لقول الله عز وجل {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك:2] فجعل الموت مخلوقا وتَسَلَّطَ عليه الخلق، وهذا يدل على أنه موجود، (خَلَقَ الْمَوْتَ) وخَلْقُهُ يدل على أنه صفة وُجودية.

وكذلك ما جاء في السنة من أحاديث كثيرة فيها أن الموت يؤتى به يوم القيامة على هيئة كبش فيذبح على قنطرة بين الجنة والنار (1) ، فهذا يدل على أنَّ الموت موجود وله صفة الوجود.

وهذا له أدلة أيضا كثيرة تدل على ما ذكرنا من أنَّ الموت ليس عدما للحياة، وإنما هو وجودٌ لصفةٍ ليست هي الحياة.

فالحياة وصف صفة، وهو وجود لصفة أخرى، وهذه الصفة الأخرى هي الموت.

هذا هو الذي قرره جمهور أهل السنة.

وقال غير أهل السنة من الفلاسفة وبعض من وافقهم من أهل السنة وهو قول أهل الكلام فيما ذكروه في كتبهم الخاصة بالكلام، قالوا في تعريفهم للموت: الموت عدم الحياة عمّا من شأنه أن يكون حيّا.

وهذا التعريف تجده في كثير من كتب التفسير التي ينحو أصحابها منحى أهل الكلام، حتى إنَّ بعضها المنتسبين لمنهج السلف ظنَّ أنَّ هذا التعريف يمشي فنقل بعض النقولات فيها هذا التعريف.

وهذا هو تعريف أهل الكلام والفلاسفة يقولون: الموت عدم الحياة عما من شأنه أن يكون حيا.

ويجيبون عن الآية في قوله {خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ} بأنّ الخلق هنا بمعنى التقدير، فيكون عندهم معنى الآية الذي قدّر الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا.

وهذا مصيرٌ منهم إلى أن الموت عدمٌ محض.

وهذا خلاف الأدلة الكثيرة من السنة وأيضا من القرآن التي تدل على أنَّ الموت حياة أخرى.

ولهذا نقول لمن مات إنه في الحياة البرزخية وليس في عدمٍ.

فحياة الإنسان متعلقة بروحه ومتعلقة بجسده.

وحياة الجسد بحلول الروح فيه، فإذا فارقت الروح الجسد صار الجسد عديم الحياة.

لذلك تنتثر أجزاؤه في التراب ويذهب.

وأما الروح وهي داخلة في جملة تسمية الإنسان إنسانا، أما الروح فهي مخلوقة للبقاء لا للعدم.

لهذا إذا قيل ماتَ يعني صار جسمه للعدم أو صار جسمه للفناء، وأما روحه فهي للبقاء، لكن لها حياة تخصُّها.

والجسد عند أهل السنة في القبر له تَعَلُّقْ بالروح؛ فإنَّ الحياة البرزخية للروح عند أهل السنة، والجسد تبع لها؛ تبع للروح، ليست الحياة للروح فقط؛ بل هي للروح والجسد تابع.

عكس الحياة الدنيا؛ فإن الحياة فيك الآن للجسد والروح تبع، فيألم الجسد فتألم الروح، وهكذا يسعد الجسد فتسعد الروح إلى غير ذلك من التفصيل.

وأما بعد الحياة البرزخية يعني بعد الموت، فإنَّ الموت حالة، صفة وُجِدَتْ أدَّت إلى انفصال الروح عن البدن، فصارت الروح بالموت لها حياة تخصُّها، وصار البدن بالموت له صفة تخصه، وبين هذا وهذا تَعَلُّقْ.

يدلُّكَ هذا على صحة ما اختاره أئمة أهل السنة بما دلتهم عليه الأحاديث وظاهر القرآن من أنَّ الموت صفة توجد وليس عدماً محضاً، بل هو موجود له خصائصه.

والموت في الآية مخلوق {خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ} .

وقولهم إنَّ الموت والحياة هنا تَسَلَّط عليها الفعل (خلق) فيكون بمعنى التقدير، نقول هذا غير مستقيم لأنه علَّلَ ذلك بعده بقوله {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} وحُسْنُ العمل إنما يكون بعد الوجود، ولهذا قدَّمَ الموت على الحياة؛ لأنّ الموت يكون بعده الجزاء على حُسن العمل، ولِما جاء في السنة من الأدلة.

(1) لما رواه الشيخان: البخاري (4730) / مسلم (7360) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ? قال (يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ فَيُنَادِى مُنَادٍ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ فَيَقُولُ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا فَيَقُولُونَ نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، ثُمَّ يُنَادِى يَا أَهْلَ النَّارِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ فَيَقُولُ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا فَيَقُولُونَ نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، فَيُذْبَحُ ثُمَّ يَقُولُ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ، خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ) .

ص: 57

[المسألة الثالثة] :

أنّ الموت متعلِّق - يعني إماتة الرب عز وجل - متعلقة بكل شيء، كما قال سبحانه {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص:88] ، فكل شيء كُتب عليه الموت، فلا بد أن يموت، (كُلُّ شَيْءٍ) يعني مما حَلَّتْهُ الحياة بالروح فلا بد أن يفنى.

وهناك ما اسْتُثْنِيَ مما يموت وذلك في قوله عز وجل {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ} [الزمر:68] .

والاستثناء هنا في قوله {إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ} اختلف فيه أهل العلم على عدة أقوال ترجعون إليها في التفسير:

منها أن يكون المستثنى أرواح الشهداء؛ لأنَّ الشهداء أحياء بنص الآية {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [آل عمران:169-170] الآيات في آل عمران.

وهذا هو أظهر الأقوال؛ أنَّ المُسْتَثْنَى أرواح الشهداء، فيكون عموم قوله عز وجل {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} على ظاهره في أنه سَيَهْلِكُ كل شيء إلا الرب عز وجل.

وهذا قد جاء في تفسير قوله تعالى {فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (14) رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ} إلى قوله {لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [غافر:14-16] ؛ لأنّ الرب عز وجل إذا أمات الملائكة المقربين نادى (لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) ؟ ثم أجاب نفسه العَلِيَّةْ بقوله جل جلاله (الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) ، (لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ)، ثم قال {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [غافر:17] .

وهذا يدلّ على أنَّ المخلوقات جميعاً ضعيفة محتاجة إلى ربها.

فكل من استحضر صفة الموت الذي سيحل به وسيحل أيضا بغيره من المخلوقات، فإنه يظهر له عِظَمْ الرب عز وجل الذي يمسك السموات والأرض أن تزولا، وأنه سبحانه وتعالى هو المحيي المميت، وأنه هو عز وجل هو الواحد الأحد الغني الكامل في صفاته ونعوت جلاله وعظمته.

وأمّا قول الطحاوي (بَاعِثٌ بِلا مَشَقَّةٍ) فهذا فيه صفة البعث لله عز وجل وفي موضعه سيأتي إن شاء الله تعالى ذكر مسائل البعث والنشور بتفصيلاتها.

ص: 58

مَا زَالَ بِصِفَاتِهِ قَدِيمًا قَبْلَ خَلْقِهِ، لَمْ يَزْدَدْ بِكَوْنِهِمْ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُمْ مِنْ صِفَتِهِ، وَكَمَا كَانَ بِصِفَاتِهِ أَزَلِيًّا كَذَلِكَ لَا يَزَالُ عَلَيْهَا أَبَدِيًّا.

لَيْسَ بَعْدَ خَلْقِ الْخَلْقِ اسْتَفَادَ اسْمَ "الْخَالِقِ"، وَلَا بِإِحْدَاثِ الْبَرِيَّةِ اسْتَفَادَ اسْمَ "الْبَارِي".

لَهُ مَعْنَى الرُّبُوبِيَّةِ وَلَا مَرْبُوبَ، وَمَعْنَى الْخَالِقِ وَلَا مَخْلُوقَ.

وَكَمَا أَنَّهُ مُحْيِي الْمَوْتَى بَعْدَمَا أَحْيَا اسْتَحَقَّ هَذَا الِاسْمَ قَبْلَ إِحْيَائِهِمْ، كَذَلِكَ اسْتَحَقَّ اسْمَ الْخَالِقِ قَبْلَ إِنْشَائِهِمْ.

ذَلِكَ بِأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَكُلُّ شَيْءٍ إِلَيْهِ فَقِيرٌ، وَكُلُّ أَمْرٍ عَلَيْهِ يَسِيرٌ، لَا يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ: ?لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11] .

قوله (مَا زالَ بِصِفَاتِهِ قَديماً قَبْلَ خَلْقِهِ

) إلى آخره، أراد به أنه عز وجل لم يزل بصفاته؛ متصفاً بصفاته قبل أن يخلُق الخلق، فصفاته سبحانه ثابتة له قبل وجود المخلوقات المنظورة، التي تراها الآن، والتي لا تُرَى مما هو موجود.

قال (مَا زالَ بِصِفَاتِهِ قَديماً) وهذا فيه بحث مرّ معكم في اسم القديم أو في وصف الله عز وجل بالقِدم.

وقوله (قَبْلَ خَلْقِهِ) أراد به أنَّه سبحانه ما اتَّصَفَ بالصفات هذه بعد أن خَلَقَ الخلق كما سيأتي في قوله (لَيْسَ بَعْدَ خَلْقِ الْخَلْقِ اسْتَفَادَ اسْمَ "الْخَالِقِ"، وَلَا بِإِحْدَاثِ الْبَرِيَّةِ اسْتَفَادَ اسْمَ "الْبَارِي) . (1)

: [[الشريط الرابع]] :

ثم قال (لم يَزدَدْ بِكَوْنِهِم شَيْئاً، لم يكنْ قَبلَهُم مِنْ صِفَتِهِ)

تركيب هذه الجملة كالتالي:

لم يزدد شيئا عز وجل من صفاته، لم يزدد شيئا بكونهم - يعني بوجودهم وإيجادهم وخلقهم - لم يزدد شيئاً.

وهذا الشيء وُصِفْ بأنه لم يكن قبلهم من صفته.

يعني أنّ الرب عز وجل ما ازداد شيئاً لم يكن عليه سبحانه قبل أن يخلقه؛ بل هو سبحانه بصفاته قبل أن يَخْلُقَ الخَلْقْ وبعد أن خَلَقَ الخلق؛ لأنه لا يجوز أن يُعَطَّل الرب عز وجل من صفاته؛ لأنَّ تعطيل الرب من صفاته نقص، والله سبحانه متنزه عن النقص بأنواعه.

وهذا الكلام منه مع ما بعده متصل ولذلك سنذكر ما يتعلق به من المسائل متتابعاً بعد بيان معنى هذه الجمل الآتية:

قال (وكما كانَ بصفاته أزَليًّا، كذلك لا يزالُ عَلَيْها أبديًّا)

يعني أنّ صفات الرب عز وجل كما أنه لم يزل عليها وهو أولٌ بصفاته فهو أيضا عز وجل آخرٌ بصفاته سبحانه وتعالى.

فصفات الرب عز وجل أبدية أزلية لا ينفك عنه الوصف في الماضي البعيد ولا في المستقبل، بل هو سبحانه وتعالى لم يزدد بخلقه شيئا لا في جهة الأولية ولا في جهة الآخرية، بل هو سبحانه وتعالى لم يزل بصفاته أولاً سبحانه وآخراً.

قال (لَيْسَ بَعْدَ خَلْقِ الْخَلْقِ اسْتَفَادَ اسْمَ "الْخَالِقِ"، وَلَا بِإِحْدَاثِ الْبَرِيَّةِ اسْتَفَادَ اسْمَ "الْبَارِي")

أراد بذلك أنه عز وجل من أسمائه الخالق ومن صفاته الخلق قبل أن يَخْلُقْ، فلم يَصِرْ اسمه الخالق بعد أن خَلَقَ؛ بل هو اسمه الخالق عز وجل قبل أن يَخْلُقْ، ولم يكن اسمه الباري بعد أن بَرَأَ الخليقة بل اسمه الباري قبل أن يبرأ الخليقة.

لهذا قال بعدها (له معنى الرُّبُوبيَّةِ ولا مَرْبُوبَ، ومعنى الخالق ولا مخلُوقَ)

فقبل أن يكون سبحانه خالقا للخلق، يعني قبل أن يكون ثَمَّ مخلوق هو خالق.

وقبل أن يكون ثَمَّ مربوب هو عز وجل الرب سبحانه وتعالى.

قال (وكما أنَّه مُحيِي الموْتَى بَعْدَما أَحْيَا، استحقَّ هَذَا الاسْمَ قَبْلَ إِحْيَائِهم)

فهو سبحانه المحيي قبل أن يكون ثَمَّ مَيْتْ، قبل أن يُمِيتَ الموتى هو المحيي، وكذلك هو المستحق لاسم الخالق قبل إنشائهم، ذلك بأنه على كل شيء قدير.

هذه الجمل مترابطة في الدِلَالَة على المعنى الذي ذكرته لك.

وهذا المعنى الذي دلّ عليه كلام الطحاوي يرتبط به مسائل مهمة جداً في هذا الموضع.

وهذا الموضع مما يظهر منه أنّ الطحاوي رحمه الله خالف ما عليه أهل الحديث والأثر في هذه المسألة العظيمة.

وذلك أنَّ أصول هذه المسألة قديمة في البحث بين الجهمية وبين المعتزلة وبين الكلابية والأشاعرة وبين الماتريدية وبين أهل الحديث والأثر، والمذاهب فيها متعددة.

ولهذا نُبَيِّن ما في هذه الجمل من مباحث على مسائل إيضاحاً للمقام.

_________

(1)

انتهى الشريط الثالث.

ص: 59

[المسألة الأولى] :

أنّ الناس اختلفوا في اتصاف الله عز وجل بصفاته هل هو مُتَّصِفٌ بها بعد ظهور آثارها، وأسماء الرب عز وجل سُمِّيَ بها بعد ظهور آثارها أم قبل ذلك على مذاهب:

1 -

المذهب الأول:

هو مذهب المعتزلة والجهمية ومن نحا نحوهم مِنْ أنَّه عز وجل لم يَصِرْ له صفات ولا أسماء إلا بعد أن ظهرت آثارُها، فلما خَلَقَ صارت له صفة الخلق، وصار من أسمائه الخالق.

وذلك على أصل عندهم، وهو أَنَّ أسماء الله عز وجل مخلوقة، فلما خَلَقَ سَمَّاهُ الناس الخالق، وخَلَقَ له اسم الخالق.

فعندهم أَنَّ الزمان لما ابتدأ فيه الخلق أو الرَّزق أو الإنشاء صار بعده له اسم الخالق، وقبل ذلك لم يكن له هذا الاسم ولم تكن له هذه الصفات.

فقبل أن يكون ثَمَّ سَامِعْ لكلامه فليس هو سبحانه مُتَكَلَّمَاً، فلما خَلَقَ سامِعاً لكلامه، خَلَقَ كلاما - عند المعتزلة والجهمية - فأسمعهم إياه، فصار له اسم المتكلم أو صفة الكلام، لمَّا خلق مَنْ يسمع كلامه.

كذلك صفة الرحمة على تأويلهم الذي يؤولونه أو أنواع النِّعَم، والمنعم والمحيي والمميت كل هذه لا تطلق على الله عندهم إلا بعد أن وُجد الفعل منه على الأصل الذي ذكرته لكم عنهم أنَّ الأسماء عندهم والصفات مخلوقة.

2 -

المذهب الثاني:

هو مذهب الأشاعرة والماتريدية ومذهب طوائف من أهل الكلام في أنّ الرب عز وجل كان مُتَّصِفَاً بالصفات وله الأسماء، ولكن لم تَظْهَرْ آثار صفاته ولا آثار أسمائه بل كان زمناً طويلا طَويلا مُعَطَّلاً عن الأفعال عز وجل.

له صفة الخلق وليس ثَمَّ ما يخلقه، له صفة الفعل ولم يفعل شيئاً، له صفة الإرادة وأراد أشياء كونية مؤجلة غير مُنجزة وهكذا.

فمن أسمائه عند هؤلاء الخالق، ولكنه لم يخلق، ومن أسمائه عندهم أو من صفاته الكلام ولم يتكلم، ومن صفاته الرحمة بمعنى إرادة الإنعام وليس ثَمَّ مُنْعَمٌ عليه، ومن أسمائه المحيي وليس ثَمَّ من أحيا، ومن أسمائه الباري وليس ثَمَّ بَرْأْ، وهكذا حتى أَنْشَأَ الله عز وجل وخَلَقَ عز وجل هذا الخلق المنظور الذي تراه من الأرض والسموات وما قصَّ الله علينا في كتابه، ثُمَّ بعد ذلك ظهرت آثار أسمائه وصفاته.

فعندهم أنَّ الأسماء والصفات متعلقة بهذا العالَمْ المنظور أو المعلوم دون غيره من العوالم التي سبقته.

وقالوا هذا فِراراً من قول الفلاسفة الذين زعموا أنَّ هذا العالم قديم، أو أَنَّ المخلوقات قديمة متناهية أو دائمة من جهة الأولية؛ من جهة القدم، مع الرب عز وجل.

3 -

المذهب الثالث:

هو مذهب أهل الحديث والأثر وأهل السنة؛ أعني عامة أهل السنة وهو أنّ الرب عز وجل أَوَّلٌ بصفاته، وصفاته سبحانه وتعالى قديمة، يعني هو أوَّلٌ سبحانه وتعالى بصفاته.

وأنه سبحانه كان من جهة الأولية بصفاتهِ -كما عبر الماتن هنا بقوله (كانَ بصفاته) .

وأنّ صفات الرب عز وجل لابد أن تظهر آثارها؛ لأنه سبحانه فَعَّالٌ لما يريد.

والرب عز وجل له صفات الكمال المطلق، ومن أنواع الكمال المطلق أنْ يكون ما أراد سبحانه وتعالى.

فما أراده كوناً لابد أن يكون.

ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.

ومن مذهب أهل السنة والحديث والأثر أنّه سبحانه يجوز أن يكون خَلَقَ أنواعاً من المخلوقات وأنواعاً من العوالم غير هذا العالم الذي نراه.

فجنس مخلوقات الله عز وجل أعمّ من أن تكون هذه المخلوقات الموجودة الآن، فلا بد أن يكون ثَمَّ مخلوقات أوجدها الله عز وجل وأفناها ظَهَرَت فيها آثار أسمائه وصفاته عز وجل.

فإنَّ أسماء الرب عز وجل وإنّ صفات الرب عز وجل لابد أن يكون لها أثرُها؛ لأنه سبحانه فعّال لما يريد.

فما أراده سبحانه فَعَلَهُ، وَوَصَفَ نفسه بهذه الصفة على صيغة المبالغة الدالة على الكمال بقوله {فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} (1) ، فما أراده سبحانه كان.

وهذا متسلسل -كما سيأتي بيانه- في الزمن الأول، يعني في الأولية وفي الآخرية فهو سبحانه (وكما كانَ بصفاته أزَليًّا، كذلك لا يزالُ عَلَيْها أبديًّا) .

وهذا منهم -يعني من أهل الحديث والأثر والسنة- هذا القول منهم لأجل إثبات الكمال للرب عز وجل.

وقول المعتزلة والجهمية فيه تعطيل للرب عن أسمائه وصفاته.

يعني أنَّ الله عز وجل كان بلا صفات وبلا أسماء، وأنَّه لمَّا فَعَلَ وُجِدَت صفات الرب عز وجل، وهذا نسبة النقص لله عز وجل لأنّ الصفات هي عنوان الكمال، والله سبحانه وتعالى كمالاته بصفاته.

أمّا قول الأشاعرة والماتريدية ومن نحا نحوهم، فهذا أيضاً فيه وصف الرب عز وجل بالنقص؛ لَأَنَّ أولئك يزعمون أنه متصف ولا أثر للصفة.

ومعلوم أَنَّ هذا العلم المنظور الذي تعلقت به عندهم الأسماء والصفات، هذا العالم إنما وُجِدَ قريباً.

(1) هود:107، البروج:16.

ص: 60

فوجوده قريب وإن كانت مدته أو عمره طويل لكنه بالنسبة إلى الزمن بعامة -الزمن المطلق- لا شك أنه قريب لهذا قال ? (إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء)(1) عز وجل.

فالتقدير كان قبل أن يخلق هذه الخلائق، قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وهي مدة محدودة، والله عز وجل لا يَحُدُُّه زمان، فهو أول سبحانه وتعالى ليس قبله شيء عز وجل.

وفي هذا إقرار لأنه من جهة الأولية يتناهى الزمان في إدراك المخلوق، وننتقل من الزمان المنسوب إلى الزمان المطلق، وهذا تتقاصر عقولنا عنه وعن إدراكه.

وأما هذا العالم المنظور فإنه مُحْدَثٌ وحدوثه قريب.

ولهذا نقول إن قول الآشاعرة والماتريدية بأنه كان متصفاً بصفات وله الأسماء، ولكن لم تظهر آثارها ولم يفعل شيئاً إلا بعد أن أَوْجَدَ هذا العالم، نقول معناه أَنَّ ثَمَّ زماناً مطلقاً طويلاً طويلاً جداً ولم يكن الرب عز وجل فاعلا، ولم يكن لصفاته أثر ولا لأسمائه أثر في المربوبات.

ولا بد أنَّ الله عز وجل له سبحانه وتعالى من يعبده عز وجل من خلقه، ولا بد أن يكون له عز وجل مخلوقات؛ لأنه سبحانه فعّال لما يريد، وهذه صفة مبالغة مطلقة في الزمن كله؛ لأنَّ (ما) اسم موصول وأسماء الموصول تعم ما كان في حيّز صلتها.

بَقي أنْ يقال إن قولهم (أراد ولكن إرادته كانت مُعَلَّقَة غير مُنْجَزَة) ونقول هذا تحكم؛ لأن هذا مما لا دليل عليه إلا الفرار من قول الفلاسفة ومن نحا نحوهم بِقِدَمِ هذا العالَم المنظور.

وهذا الإلزام لا يلزم أهل الحديث والسنة والأثر لأننا نقول إنَّ العوالِمْ التي سبقت هذا العالم كثيرة متعددة لا نعلمها، الله عز وجل يعلمها.

وهذا ما قِيلَ إنَّهُ يُسَمى بقِدَمِ جنس المخلوقات، أو ما يسمى بالقِدم النوعي للمخلوقات، وهذه من المسائل الكبار التي نكتفي في تقريرها بما أوردنا لكَ في هذا المقام المختَصَرْ.

المهم أن يتقرر في ذهنكَ أنَّ مذهب أهل الحديث والأثر في هذه المسألة لأجل كمال الربّ عز وجل، وأنَّ غَيْرَ قولهم فيه تنقّص للرب عز وجل بكونه مُعَطَّلاً عن صفاته أو بكونه سبحانه وتعالى مُعَطَّلَاً أن يفعل وأن تظهر آثار أسمائه وصفاته قبل خَلْق هذا العالم المعلوم أو المنظور.

(1) مسلم (6919) / الترمذي (2156)

ص: 61

[المسألة الثانية] :

أنّ الطحاوي رحمه الله كأنّه يميل إلى المذهب الثاني؛ وهو مذهب الماتريدية.

وهذا من أغلاط هذه العقيدة التي خالف فيها مؤلفها منهج أهل الحديث والأثر.

هذا ظاهِرُ كلامه كما اعترف به الشارح.

ومن شَرَحَ هذه العقيدة من الماتريدية قرّروا هذا الكلام على أنَّ كلامه موافق لكلام أبي منصور الماتريدي والأشعري ومن نحا نحوهم.

ص: 62

[المسألة الثالثة] :

وهي متصلة بهذا البحث، وهذا البحث من أصعب المباحث التي ستعرض لك في شرحنا لهذه العقيدة، لكن نعرضها بشيء من الوضوح والاختصار، وهو ما يسمى بمسألة التسلسل.

والتسلسل معناه: أنه لا يكون شيء إلا وقبله شيء تَرتَّبَ عليه، أو لا يكون شيء إلا وبعده شيء ترتب عليه.

والتسلسل على اعتبارات:

* الجهة الأولى المُعْتَبَرَة في بحث التسلسل: التسلسل في صفات الرب عز وجل.

وللناس في التسلسل المتعلق بصفات الرب عز وجل مذاهب:

1 -

المذهب الأول:

من قال إنَّ الرب عز وجل يمتنع تسلسل صفاته في الماضي، ويمتنع تسلسل صفاته في المستقبل:

فلا بد من أمد يكون قد ابْتَدَأَ في صفاته أو قد ابْتَدَأَتْ صفاتُه، ولا بد أيضاً من زمن تنتهي إليه صفاته، وهذا هو قول الجهمية -والعياذ بالله- وقول طائفة من المعتزلة كأبي الهذيل العلَاّف وجماعة منهم.

2 -

المذهب الثاني:

هو أنَّ التسلسل في الماضي ممتنع، والتسلسل في المستقبل لا يمتنع:

يعني أنَّ الاتصاف بالصفات لا بد أن يكون له زمن ابتدأ فيه، وهذا الزمن قريب من خلق هذا العالَم الذي تعلّقت به الأسماء والصفات أو الذي ظهرت فيه آثار الأسماء والصفات، وفي المستقبل هناك تسلسل في الصفات يعني عدم انقطاع للصفات، وهذا هو قول أهل الكلام والأشاعرة والماتريدية.

3 -

المذهب الثالث:

المذهب الثالث هو مذهب أهل السنة والحديث وهو أنّ التسلسل ثابت في الماضي وثابت في المستقبل، وثبوته في الماضي غير متعلق بخَلقٍ تَتَسَلْسَلُ فيهم الصفات أو تظهر فيهم آثار الصفات، بل يجوز أو نقول بل تتنوع التعلقات باختلاف العوالم، وفي المستقبل - يعني في الآخرة- هو عز وجل آخر بصفاته سبحانه وتعالى، فهناك التسلسل في جهة المستقبل.

مقتضى القسمة أن يكون ثَمَّ قسم رابع: وهو أنه لا تسلسل في المستقبل وهناك تسلسل في الماضي.

هذا مقتضى السبر والتقسيم في القسمة، وهذا لا قائل به من المذاهب المعروفة، يعني لا يُعْرَفُ أنَّ أَحَدَاً قال بهذا القسم.

* إذا تبين لك ذلك، فهذه المسألة بُحثَتْ أولا -مسألة التسلسل- قبل بحث المسألة الأولى التي ذكرناها لكم من جهة مذاهب الناس في الصفات وتعلقها بالخلق - يعني الثلاثة المذاهب التي ذكرناها - فلما بُحِثَ التسلسل نتج منه البحث الأول.

ولهذا إذا أردت أن تفهم جهة التسلسل تفهم أثرها الذي ذكرته لك في الأول؛ لأنَّ كُلاًّ من هاتين المسألتين مرتبطٌ بالمسألة الأخرى.

* الجهة الثانية المُعْتَبَرَة في بحث التسلسل: التسلسل في المخلوقات:

والتسلسل في المخلوقات للناس فيه مذهبان فيما أعلم:

1 -

المذهب الأول:

تسلسل في الماضي، وهذا ممتنع عند عامة الناس إلا الفلاسفة الذين قالوا إنه لا عَالَم إلا هذا العالم، وأنَّ هذا العالم لم يزل في الماضي، وأنه ما من عِلَّة فيه إلا وهي مُؤَثرة لمعلول فيه أيضاً، وأنَّ هذا العالم ترتب التسلسل فيه الآخر عن الأول والثاني عما قبله وليس ثَمَّ غيره.

نقول إنَّ هذا من هذه الجهة عامة الناس عدا الفلاسفة على ما ذكرنا، يعني اتفق عليها المعتزلة وأهل السنة على أَنَّ التسلسل؛ تسلسل المخلوقات في الماضي أنه ممتنع إلا قول الفلاسفة.

والفلاسفة كما هو معلوم من قالوا بهذا القول خارجون عن الملة؛ لأنهم يرون قِدَمَ هذا العالم مُطْلَقَاً، وأَنَّ المؤثر فيه الأفلاك بِعِلَل مختلفة يبحثونها.

2 -

المذهب الثاني:

في المستقبل التسلسل في المخلوقات غير ممتنع عند الجمهور إلا في خلاف جهم وبعض المعتزلة في أنّ تسلسل الحركات والمخلوقات في المستقبل أيضا ممتنع وأنهم لا بد أن يصيروا إلى عَدَمٍ أو إلى عدم تأثير؛ إمّا عدم محض أو عدم تأثير.

* الجهة الثالثة المُعْتَبَرَة في بحث التسلسل؛ تسلسل الأثر والمؤثر والسبب والمُسَبَّبْ والعلة والمعلول:

وهذا لابد من النظر فيه وأيضا نقول أشهر المذاهب فيه اثنان:

1 -

المذهب الأول:

مذهب نفاة التعليل والعِلَلْ والأسباب الذين يقولون لا أثر لعلةٍ في معلولها، ولا أثر لسببٍ في مُسَبَبْ، وإنما يفعل الله عز وجل عند وجود العلة لا لكونها علة.

وهذا هو مذهب نفاة التعليل، كقول الآشاعرة، القدرية، وابن حزم، وجماعات.

2 -

المذهب الثاني:

أنَّ الأسباب تُنْتِجُ مُسبَّباتِها ويتسلسل ذلك، وأَنَّ العلة تُنْتِجُ معلولاً ويتسلسل ذلك - يعني جوازاً - ولكن ذلك كله بخلق الله عز وجل له، وأنّ التسلسل في الآثار ناتجا عن المؤثرات ليس لذاتها بل لسنة الله عز وجل التي أجراها في خلقه {فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا} [فاطر:43] .

ص: 63

[المسألة الرّابعة] :

قوله (وكما كانَ بصفاته أزَليًّا، كذلك لا يزالُ عَلَيْها أبديًّا) ، وهذا القول في قوله (كانَ بصفاته) هذا حق؛ لأنَّ أهل السنة يعبرون عن الله عز وجل بأنه سبحانه وتعالى بصفاته.

فيعبرون بالباء المقتضية للمصاحبة؛ لأن الله عز وجل لم تنفكَّ عنه صفاته.

(وكما كانَ بصفاته) سبحانه وتعالى فلم يكن سبحانه وتعالى ولا صفة، بل كان بصفاته.

والباء هنا للمصاحبة؛ يعني أنه سبحانه وتعالى كان أزلياً بصفاته التي هو عز وجل موصوف بها.

والمعتزلة وأشباههم يعبِّرون في مثل هذه المسائل عن الصفات بالواو، فيقولون: الله وصفتُه، الله وعلمه، والله وقدرته، الله وحِلمه، الله ورحمته، الله وقهره، وهكذا.

فيُعَبِّرُونَ بالواو لِأَنَّ الصفة عندهم منفكة عن الموصوف، فعندهم الصفة غير ملازمة للموصوف وليست قائمة به.

ولهذا بَحَثَ الشارح عندك هل الصفات غير الذات؟ والاسم هل هو عين المسمى ونحو ذلك، عَرَضَ لذلك بما نستفيده من بحثه لأنه نوع من الاستطراد.

لكن ننبهك إلى أنَّ قوله (كانَ بصفاته) هو الاستعمال الذي يستعمله أهل السنة، ولا نقول الله عز وجل وقدرته مثلاً، أو نقول الله عز وجل وعلمه، هذا استعمال الواو في هذا المقام لا يسوغ، بل تُستعمل الباء، فنقول الله عز وجل بعلمه، الله سبحانه وتعالى بقدرته؛ لأن الباء تدل على المصاحبة؛ لأن هذه الصفات قائمة بذات الرب عز وجل.

قوله (أزَليًّا) مرّ معنا البحث فيه وأنه منحوت من كلمة (لم يزل) .

ص: 64

[المسألة الخامسة] :

قوله في آخر الكلام (ذلك بأنَّهُ على كلِّ شَيْءٍ قديرٌ، وكلُّ شَيْءٍ إليهِ فَقِيرٌ، وكلُّ أمْرٍ عَلَيْهِ يَسيرٌ. لا يحتاجُ إلى شَيْءٍ، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى:11] ) هذا تعليل لما مرّ.

(ذلك بأنَّهُ على كلِّ شَيْءٍ قديرٌ) على إحياء الموتى وعلى إفنائهم، وعلى رَزق المخلوقات وجميع ذلك.

وقوله (ذلك بأنَّهُ على كلِّ شَيْءٍ قديرٌ) تتعلق به المسألة الخامسة هذه.

وهي أنّ أهل السنة يجعلون قدرة الرب عز وجل متعلقة بكل شيء، واسم الله القدير متعلق بكل شيء، وقدرة الله عز وجل غير محصورة، بل هو سبحانه قادر على ما شاء وعلى ما لم يشأ عز وجل.

وهذا هو مذهب أهل الحديث والسنة، وبه جاء القرآن العظيم، فكلّ ما في القرآن تعليق القدرة بكل شيء {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا} [الكهف:45] ، {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا} [النساء:133] ، {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ونحو ذلك من الآيات التي فيها تعليق القدرة بكل شيء.

أهل البدع وأهل الكلام يُعلِّقون القدرة بما يشاؤه الرب عز وجل.

فيقولون تَعَلُّقْ قدرة الرب عز وجل بما يشاؤه.

ولذلك ترى أنه يعدلون عما جاء في القرآن، بقول {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} إلى قولهم والله على ما يشاء قدير؛ لأن القدرة عندهم متعلقة بما شاءه الله وليست متعلقة بما لم يشأه.

فعندهم قدرة الله تتعلق بما شاء أن يحصل أما ما لم يشأ أن يحصل فإنه لا تتعلق به القدرة.

فإذا قيل هل الله قادر على أن لا يُوجَدْ إبليس؟ فيقولون: لا غير قادر.

هل الله قادر على أن لا توجد السموات؟ يقولون: لا، غير قادر. لأنّ القدرة عندهم متعلقة بما شاءه عز وجل، وما لم يشأه في كونه وفي ملكوته مما لم يحصل بعد أو مما حصل خلافه فإنّ القدرة غير متعلقة به.

* ولذلك فيقول قائلهم: ليس في الإمكان أبدع مما كان.

لأنَّ القدرة عندهم متعلقة بما شاءه الله عز وجل.

وهذا القول باطل بوضوح وذلك لدليلين:

1 -

الدليل الأول: فإن الذي جاء في القرآن كما ذكرنا لك، تعليق القدرة بكل شيء في الآيات التي ذكرت لكم طرفا منها.

2 -

الدليل الثاني: أنَّ الله عز وجل قال في سورة الأنعام {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} [الأنعام:65] ، ولما نَزَلَتْ هذه الآية تلاها ? فقال {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ} قال ? (أعوذ بوجهك) ثم تلا {أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} فقال ? (أعوذ بوجهك) ثم تلا {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} قال ? (هذه أهون)(1) .

والله عز وجل لم يشأ أن يبعث على هذه الأمة عذابا من فوقها أو من تحت أرجلها، فيُهْلِكَكُم بسَنَةٍ بعامّة، بل جعل بينهم بأسهم شديد، لحكمته سبحانه وتعالى العظيمة العلية.

فدلت الآية على أنّ قدرة الله عز وجل تتعلق بما لم يشاء أن يحصل {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ} ، وهذا لم يشأه الله عز وجل ومع ذلك تعلقت به القدرة.

* وهذه من الكلمات التي يكثر عند أهل العصر استعمالُها فليتنبه أنها من آثار قول أهل الاعتزال.

في بعض الأحاديث جاء (والله على ما يشاء قادر) و (إني على ما أشاء قادر)(2) وهذا الجواب عنه معروف بأنه متعلق بأشياء مخصوصة، وليست تعليقا للقدرة بالمشيئة، أو أن يقال قدرته على ما يشاء لا تنفي قدرته على ما لم يشأ عز وجل.

نكتفي بهذا القدر، وأسأل الله عز وجل لي ولكم التوفيق والسداد.

في هذا القدر كفاية وإن شاء الله نلتقي في الأسبوع القادم إن شاء الله وفقكم الله جميعا. (3)

(1) البخاري (4628) / الترمذي (3065)

(2)

مسلم (481)

(3)

7 انتهى الوجه الأول من الشريط الرابع.

ص: 65

خَلَقَ الخَلْقَ بعِلْمِهِ وَقَدَّرَ لَهُمْ أَقْدَارًا

شرع الطحاوي رحمه الله في ذكر بعض صفات الرب عز وجل المتعلقة بقدره السابق، وبمشيئته العامة، وأنه سبحانه ذو العلم الكامل المطلق الذي لا يعتريه نقص بوجه من الوجوه، وأنه سبحانه الذي أجرى كل شيء على وفق ما أراد، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.

وهذه المسائل التي سمعتم والجمل متصلة ببحث القَدَرْ، والمؤلف الطحاوي لم يجمع الكلام في القَدَرْ في موضع واحد، بل فرقه في نحو ثلاثة مواضع.

ولهذا كان من عيوب هذه الرسالة أنها جرت على وفق ما تيسر لمؤلفها، والترتيب ينفع المُتَلَقِّي لكن بالنسبة لنا سنجري على وفق ما جرى هو عليه، ونذكر ما يفيد إن شاء الله في كل موضع بحسبه.

قال هنا (خَلَقَ الخَلْقَ بعِلْمِهِ)

قال (خَلَقَ الخَلْقَ بعِلْمِهِ) هو سبحانه خلق المخلوقات عالماً بها غير جاهل بما هي عليه ومتى يؤول إليه أمرها.

وأورد هذه الجملة الطحاوي مخالفاً أهل الاعتزال الذين لا يجعلون العلم مصاحباً لصفات الله عز وجل ولأفعاله.

وعِلْمُ الله سبحانه وتعالى صفة ملازمة، هو سبحانه وتعالى عالم بعلمٍ، وخالق بعلمٍ، وقادر بعلم، ورحيم بعلمٍ، يرحم من يشاء عن علمٍ، وهذا العلم صفته عز وجل الملازمة له لا تنفك عنه.

وعلمه سبحانه أَوَّلْ، قبل خلق الخلق كان عالِمَاً، بما يصلح لهم وما تقتضيه حكمته فيهم.

لهذا قال (خَلَقَ الخَلْقَ بعِلْمِهِ) ففي هذا رد على المعتزلة من جهة الصفات، وفيه ردّ أيضا على القدرية - أعني بهم الذين ينفون علم الله السابق، القدرية الغلاة نفاة القدر - الذين يقولون إنَّ العلم حَدَثَ بعد وجود الأشياء فهو سبحانه عَلِمَ بعد وقوع الأشياء، فَخَلَقَ الخَلْقْ فَفَعَلَ الناس فَعَلِمَ عز وجل ذلك.

واستدلوا على هذه النِّحلة بقوله عز وجل {لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ} [المائدة:94]، وبقوله عز وجل في تحويل القبلة {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} [البقرة:143] ، ونحو ذلك من الآيات التي فيها تعليل بعض الأحكام الكونية أو الأحكام الشرعية وحصول الأشياء بأن يعلم الله عز وجل ذلك.

قال عز وجل في هذه الآية {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ} .

فزعموا أنّ هذه الآيات وأشباه هذه الآيات تدلّ على أنه عز وجل لا يعلم الأشياء إلا بعد أن تقع.

وأهل السنة مثبتون لعلم الله عز وجل الكُلِّي بالأشياء ولِعِلْمِ الله عز وجل التفصيلي بأجزاء الأشياء وحوادثها المفردات.

وإذا عُلِّلَ شيء في القرآن أو في السنة لكي يعلم الله عز وجل ذلك الشيء فإن معناه عندهم - بما دلت عليه الأدلة - معناه حتى يَظْهَرَ عِلْمُ الله في الأشياء في هذه الأمور ليقع حسابُه وليقع تعذيبه أو تنعيمه أو نحو ذلك، يعني إظهار ما تنقطع به الحجة.

فقوله سبحانه {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} يعني إلا ليظهر علمنا فيمن اتبع الرسول ممن انقلب على عقبيه؛ لأنَّ الله عز وجل لو آخذ العباد، وآخذهم وحاسبهم على علمه السابق فيهم لكان لهم حجة.

فهو سبحانه جعل هذه الأشياء مع علمه السابق بما سيفعله العباد لكي يظهر علمه فيهم.

فجاء إذاً هنا (لكي) في قوله (لِنَعْلَمَ) حتى يظهر العِلْمُ فيكون ذلك حجة على الناس.

وهذا ظاهر بَيِّنْ أنَّ علم الله سبحانه وتعالى للأشياء قبل وقوعها، قال سبحانه {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [الحج:70] ، هذا وفي الآية الأخرى {مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [العنكبوت:52] ، وهذا يدلك على أنَّ الله سبحانه وتعالى عَلِم قبل الكتابة، والكتابة متأخرة على العلم، وهذا الذي يجعلنا نقول أنّ علم الله عز وجل أول بالأشياء.

وهنا يُقَيَّدُ ذلك بعلم الله عز وجل بما أراده سبحانه وتعالى.

فإذا أراد الله عز وجل شيئاً علم تفصيلاته، وخلق المخلوقات وخلق الأشياء بعلمه؛ يعني على وَفق علمه سبحانه وتعالى بها، وهو عالم بها غير جاهل بها.

ولهذا قرأتم أو قرأ بعضكم ما في مناظرات المعتزلة مع أهل السنة في أنَّ المعتزلة يقولون في أسماء الله عز وجل إنه سبحانه مثلاً عالم بغير علم، وخالق بغير خلق، وحي بغير حياة، وهكذا، يجعلون الصفات مخلوقات منفصلة.

فعندهم العلم هو المعلومات.

فتعلقت الصفات التي يثبتونها بالمعلوم فصار عالماً، لا لعلم حدث فيه.

وذلك فرارا منهم من مسألة حدوث مفردات العلم.

لأنَّ العلم له مفردات وإذا حلت المفردات؛ - يعني عَلِمَ هذه - معناه أنه حل به عِلْمٌ بهذا الشيء الذي حصل، أو تعلق به خَلْقُ هذا الشيء، فكأنه عز وجل صارت له صفة لم تكن له من قبل.

وهذا يستلزم والتركيب، والتركيب يستلزم الجسمية، والجسمية تنافي ألوهية الرب عز وجل كما هو مقرر في موضعه.

المقصود أنَّ قوله (خَلَقَ الخَلْقَ بعِلْمِهِ) ظاهر.

معناه أنه خلق سبحانه المخلوقات وهو عالم بها، وهو عز وجل عَلِمَ قبل خلقها، وأيضا يعلمها بعد خلقها.

ثم قال رحمه الله تعالى (وَقَدَّرَ لهمْ أَقْدَارًا)

يعني قَدَّرَ للخلق أقداراً، وذلك لقول الله عز وجل {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر:49] ، ولقوله سبحانه {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان:2] ، وقال سبحانه وتعالى أيضا {سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} [الأعلى:1-3] ، والإيمان بِقَدَرِ الله عز وجل هذا ركن من أركان صحة الإيمان، فهو واجب لأنَّ التكذيب به باطل كما سيأتي مفصلاً في موضعه.

فقول المؤلف (وَقَدَّرَ لهمْ أَقْدَارًا) يعني أنه جعل للمخلوقات أقداراً، لا تُحَصِّل المخلوقات ما هي عليه بلا ترتيبٍ سابق، بلا تقدير سابق.

وهذا يشمل أشياء -يعني تقدير الأقدار لهم- يشمل أشياء:

1 -

الأول:

تقدير ما به تمام خلقهم، فإنَّ الله عز وجل قَدَّرَ لكل مخلوق خِلقَةْ يكون عليها، ووصوله إلى غاية هذه الخِلْقَة أيضا يحتاج إلى تقدير، فالجنين لا يخرج من بطن أمه إلا وقد سبقه تقدير تفصيلي لكل المراحل التي سيمر بها وما يَعرِضُ له من كمال أو نقص، كما قال عز وجل {اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ} [الرعد:8] .

2 -

الثاني:

أنَّ مقادير المخلوقات مُقَدَّرَة في الصفات التي تكون عليها المخلوقات من الغرائز والأحوال التي يسميها الآخرون الأعراض، فكل الأعراض التي تَعرِضُ على الذوات الله عز وجل قَدَّرَهَا، فَقَدَّرَ الألوان بتفصيلاتها، وقَدَّرَ الصفات من الحرارة واليبوسة، وقَدَّرَ الذكاء، وقَدَّرَ تفصيلات الحياة التي في المخلوق بجميع أحواله، سواء في ذلك المخلوقات التي حياتها بالروح، أو المخلوقات التي حياتها بالنماء، أو المخلوقات الجامدة عن الحركة الظاهرة.

3 -

الثالث:

قَدَّرَ الله عز وجل على المكلَّفين من مخلوقاته ما هم عليه من الشقاوة ومن السّعادة ومن الهدى ومن الضلال، ولهذا قال {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} [الأعلى:2-3] ، فَرَتَّبَ الهداية بعد التقدير لأنه عنى بالتقدير هنا المرتبتين الأُوليين؛ لأنه جعلها بعد قوله {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى} يعني جعل الخلق على نهايته يعني سَوَّاه، يعني جعله على نهايته المقدرة له، ثم قال {وَالَّذِي قَدَّرَ} يعني لِمَا خلق من الأشياء الغريزية والخلقية فهدى للطريقين.

إذا تبين لك ذلك فالله سبحانه وتعالى قَدَّرَ للأشياء المقادير، وتعبير المؤلف بقوله (قَدَّرَ لهمْ) هذا مناسب من لو قال: قَدَّرَ عليهم أقدار لأنَّ التقدير لهم يشمل ما سيكونون عليه من خير أو شر.

إذا تبين هذا ففى قوله (وَقَدَّرَ لهمْ أَقْدَارًا) مسائل:

ص: 66

[المسألة الأولى] :

القَدَرْ معناه في اللغة: تهيئة الشيء لما يصلح له، فإذا هيأت شيئاً لما يصلح له فقد قَدَّرْتَهُ.

وتقول أُقَدِّر أن يكون كذا وكذا، يعني هَيَّأْتَ هذا الأمر على أن يكون كذا وكذا، فتكون داخلاً في هذا الأمر بتقدير، إذا دخلت فيه بتهيئة.

وهذا هو المعنى اللغوي العام كما قال سبحانه {وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ} [فصلت:10]، والآيات في هذا كثيرة {وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ} [الرعد:8] ، ونحو ذلك.

أما في الشرع فالقَدَرْ: سرّ الله عز وجل الذي لم يُطْلِعْ عليه أحداً، لم يُطْلِعْ عليه ملكاً مُقَرَّبَاً، ولم يُطْلِعْ عليه نبياً مرسلاً، بل هو سر الله عز وجل، الذي لا يعلمه على وجه الكمال أحد.

وتعريف القَدَرْ اختلف فيه الناس، وحتى تعريفه عند المنتسبين للسنة مُخْتَلِفْ.

لكنه عُرِّفْ بتعريف أُخِذَ من مراتب القدر التي جاءت الأدلة على مفرداتها.

فقيل في تعريف القدر عند أهل السنة: إنه علم الله السابق بالأشياء قبل وقوعها، وكتابته لذلك في اللوح المحفوظ قبل خلقها وإيجادها، ومشيئته النافذة الشاملة، وخَلْقُهُ عز وجل لكل ما قدَّر، أو خَلْقُهُ عز وجل لكل شيء.

وهذا يشمل المراتب جميعا وسيأتي ذكر مراتب القدر ودرجاته في موضعه فيما نستقبل من هذه الرسالة.

ص: 67

[المسألة الثانية] :

أنّ القَدَرْ - لَمَّا كان هذا أول موضع فيه - يجب أن يُبْحَثْ من جهة النصوص فقط؛ لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم صحّ عنه أنه قال (إذا ذُكر القدر فأمسكوا)(1) يعني فأمسكوا عن الخوض فيه بما لم يَدُلَّكُمْ عليه كلام الله عز وجل أو كلام نبيكم ?.

فإذا تكلمنا في القَدَرْ أو خاض المرء فيه بعقله وفهمه فيجب أن لا يَتَعَدَّى ما دلت عليه النصوص، وذلك لأن تجاوز ما دلت عليه النصوص في باب القَدَرْ بسببه ضَلَّ الناس.

وهذا الخوض يسبّب الضلال، إذا تَعَرَّضَ الناظر لأمور تسبب له الضلال في القدر -:

1 -

الأمر الأول: الخوض في أفعال الله عز وجل بالتعليل.

إذا خاض في أفعال الله عز وجل بالتعليل الذي يظهر له دون حجة فإنه يضل، لأنّ أفعال الله عز وجل صفاته سبحانه وتعالى، وهي مرتبطة عندنا بعلل توافق حكمة الربّ عز وجل، والمخلوق لا يفهم من تعليل الأفعال إلا بما أدركه أو بما يصل إليه إدراكه.

بما أدركه يعني يرى مثيله، علَّلَ هذا بهذا لأنه مرّ عليه، أو أدْرَكَهُ بما شاهد، أو أنَّهُ يصل إليه إدراكه بالمعلومات المختلفة التي يُقَدُِّّرَها.

وقد قدمنا لكم أنّ الأساس في صفات الله عز وجل أنه لا يُدرَكُ كيفية الاتصاف بالصفات، كما لا يُدرَكُ كمال معرفة حكمة الله ولا كمال التعليل. (2)

ولهذا من خاض في التعليلات، في الأفعال بالعِلَلْ، فإنه لابد أن يخطئ إذا تجاوز ما دلَّ عليه الدليل.

والعلل قسمان: عِلَلْ كونية وعِلَلْ شرعية.

وأفعال الله مُعَلَّلَةْ لاشك: أفعال الله في ملكوته مُعَلَّلَةْ وأفعال الله عز وجل في شرعه - يعني أحكام الله عز وجل في الشرعية مُعَلَّلَةْ، يعني الشرعيات في الغالب مُعَلَّلَةْ -.

إذا تبين لك ذلك فإن الخوض في التعليلات، في الأفعال بالعِلَلْ هو سبب ضلال الفِرَقْ المختلفة في باب القَدَرْ، هو سبب ضلال القدرية المشركية، وهو سبب ضلال القدرية الغلاة النافية للعلم، وهو سبب ضلال القدرية المتوسطون أو المعتزلة؛ لأنَّ الفِرَقْ الرئيسية في القَدَرْ ثلاث كما سيأتي بيانه:

- قدرية مشركية: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا} [الأنعام:148] .

- وقدرية غلاة: نفاة العلم الذين قالوا إنَّ الأمر أُنُفْ ولا يَعْلَمُ الأشياء.

- وقدرية متوسطة: وهم المعتزلة في باب القَدَرْ الذين لم ينفوا كل مراتب القَدَرْ، لم ينفوا العلم السابق كما سيأتي تفصيله في موضعه.

وكل هذه الفرق خاضوا في مشيئة الله وإرادته والتعليلات بعقولهم، فَلَمَّا لم يفهموا التعليل ضلوا، كما قال شيخ الإسلام في تائيته القدرية:

وأصلُ ضلالِ الخَلْقِ مِنْ كُلِّ فِرقَةٍ ****** هو الخوضُ في فعْلِ الإلهِ بعلَّةِ

فإنَّهمُ لم يَفْهَمُوا حِكْمَةً لَهُ ****** فصاروا على نَوْعٍ مِنَ الجاهليَّةِ

فإذاً الأمر الأول من أسباب الضلال في هذا الباب الخوض في الأفعال.

لِمَ أغنى؟ ولِمَ أفقر؟ ولِم أصحّ؟ لِمَ خلَقَ هذا الشيء على هذا النحو؟ لِم أعطى؟ لِم شرع؟ لِم جعل هذه الأمة كذا وهذه الأمة كذا؟ لِم جعل الأرض كذا؟ لِم جعل الجنة كذا؟ لِم جعل مصير هذا كذا؟ إلى آخره، كل هذا إذا خاض فيه العبد فإنه باب ضلال لأنّ القَدَرْ سر الله عز وجل.

2 -

الأمر الثاني: قياس أفعال الله عز وجل على أفعال المخلوقين، أو جعل ميزان تقدير الله على وجه الكمال والصحة هو ميزان تقدير المخلوقين.

فإنَّ العباد إذا نظروا في فِعْلِ المخلوق وفي تقديره وتصرفاته فإنهم يجعلون الصواب والكمال في حق المخلوق على نحوٍ ما، فإذا نقلوا هذا الذي أدركوه في المخلوق إلى فِعْلِ الله عز وجل فإنه أتى بابٌ كبير من أبواب الضلال - يعني حصل باب كبير من أبواب الضلال -.

كما حصل للقدرية من المعتزلة وأشباههم، فإنهم قاسوا أفعال الله بأفعال خلقه، فأوجبوا على الله عز وجل فعل الأصلح بما عهدوه من فعل الإنسان، وأوجبوا على الله عز وجل العدل ونفوا عنه الظلم بما عهدوه من فعل الإنسان.

ولهذا قالوا إنَّ الله عز وجل يجب عليه فعل الأصلح، وأنه يَحسُنُ في فعل الله كذا، ويقبح كذا، فما حسَّنَتْهُ عقولهم بما رأوه في البشر حَسَّنُوهُ في فعل الله، وما قبَّحَتْهُ عقولهم من أفعال المخلوقين قَبَّحُوهُ في فعل الله، فنفوا أشياء عن الله عز وجل ثابتة له لأجل هذه المسائل الثلاثة التي ذكرتها لكم:

- مسألة التحسين والتقبيح.

- مسألة الصالح والأصلح.

- مسألة الظلم والعدل.

فهذه المسائل الثلاث هي أعظم أبواب ضلال القدرية، ولهذا يجب أن لا يَدْخُلَ فيها المكلف إلا بما دلت عليه النصوص.

والأصل في هذا أَنَّ الله سبحانه لا يُشَبَّهُ بِخَلْقِهِ في أفعاله ولا في صفاته، كما قال سبحانه {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى:11] .

(1) المعجم الكبير (2/ 1427)

(2)

راجع (45)

ص: 68

3 -

الأمر الثالث: مما ينبغي مراعاته في بحث القَدَرْ وإذا قرأت في هذا الباب، أنَّ العلماء الذين تكلموا في مسائل القَدَرْ من المتقدمين من علماء السلف، فصنفوا فيه كابن أبي داوود، بل قبله ابن المبارك، ومن كَتَبَ في ذلك في مصنفات مستقلة، أو ضمن كتب السنة الأخرى، أو من صَنَّفَ من المتأخرين في هذا الأمر يجب أن تَنْظُرَ إلى كلامه على أنه قابل للأخذ والرد إذا دخل في أمرٍ عقلي لا دليل عليه.

إذا دخل في أمر عقلي لا دليل عليه من كلام الله عز وجل أو كلام رسوله صلى الله عليه وسلم فتوقف؛ لأننا وجدنا أَنَّ طائفة من الناس أخذوا كلام من وثقوا به من أهل العلم في مسائل القَدَرْ على أنه مُسَلَّمْ لَمَّا كان منتسبا إلى السنة؛ لكنه خاض باجتهاده في بعض المسائل من جهة العقل، فيأتي الناظر فلا يدرك كلامه على وجه التمام، أو يكون ذاك مخطئا فيتابعه هذا وينسبه إلى السنة.

والسنة في باب القَدَرْ هي ما دل عليه القرآن وحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم فحسب، وما زاد عنه فيجب الإمساك عنه.

قد يحتاج طالب العلم إلى التفصيل العقلي بما دلت عليه النصوص والالزامات، بما علم من النصوص في مقام الرد على المخالفين، لا في مقام التقرير.

فإذاً ينبغي أن يُفْهَمْ كلام أهل العلم على مرتبتين:

- المرتبة الأولى: مقام تقرير مسائل القَدَرْ. -هذا واحد-.

- والمرتبة الثانية: مقام الرد على الخصوم في القَدَرْ.

فإذا كان المقام مقام تقرير للاعتقاد الصحيح في القَدَرْ فلا يجوز أن يُتَجَاوَزَ القرآن والسنة، لا يجوز أن يُتَجَاوَزَ كلام الله عز وجل وحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ لأن القدر سر الله عز وجل.

ص: 69

[المسألة الثالثة] :

أنَّ الفِرَقْ في باب القَدَرْ -قبل أن نخوض أو نبحث هذا الموضوع نعطيك تصور عام وسيأتي له تفصيل-، فالفِرَقْ في هذا الباب المنتسبة للأمة ثلاث فِرَقْ:

- الفرقة الأولى: القَدَرِيَّة.

- الفرقة الثانية: الجبرية.

- الفرقة الثالثة: أهل السنة والجماعة.

والقدرية طوائف كثيرة منهم الغلاة، ومنهم المتوسطون.

وقولنا عنهم قَدَرِيَّة، نعني به نفاة القَدَرْ، ننسبهم للقدر؛ لأنهم نفوه، قال أهل العلم عنهم قَدَرِيَّة لأنهم نفوا القَدَرْ:

- منهم من نفى العلم

- منهم من نفى عموم المشيئة.

- أو عموم خلق الله عز وجل لكل شيء

- ومنهم الجبرية الذين قالوا إنّ العبد مجبور.

* وهؤلاء الذين قالوا إنَّ العبد مجبور:

- منهم الغلاة كالجهمية وغلاة الصوفية الذين يقولون هو كالريشة في مهب الريح.

- ومنهم المتوسطون الذين قالوا هو مجبور في الباطن ومختار في الظاهر وهم الماتريدية والأشاعرة.

والمؤلف الطحاوي ينتمي في الجملة في المسائل المُشْكِلَة إلى الماتريدية، ولهذا ينبغي أن يُنتبه لكلامه في المواطن ذات الزلل كمسألة القَدَرْ، هل قرَّرَهَا على وجه الجبر أم على وجه كلام أهل السنة والجماعة كما سيأتي.

ص: 70

[المسألة الرابعة] :

نختم بها قوله (قَدَّرَ لهمْ أَقْدَارًا) أنَّ هناك ألفاظاً تستعملها الطوائف جميعا في مبحث القَدَرْ، ولكل طائفة قصد ومصطلح في استعمالها، وهذه يجب عليك أن تنتبه لها.

مثال ذلك - ستأتي مفصّلة في موضعها إن شاء الله تعالى -.

مثال ذلك (مسألة الكَسْبْ) ، فإنَّ الكسب عند أهل السنة له معنى، وعند الأشاعرة والماتريدية له معنى، وعند المعتزلة له معنى.

فَلَفْظٌ واحد يرد في كتب أهل السنة، ويرد في كتب الأشاعرة والماتريدية، ويرد في كتب المعتزلة، وكل له في هذا المقام اصطلاحه ومعناه.

كذلك (نفوذ المشيئة، مشيئته نافذة) ، هذا عند المعتزلة له معنى، وعند الأشاعرة والماتريدية له معنى، وعند أهل السنة له معنى، نفوذ المشيئة، عموم المشيئة، شمول المشيئة.

فالقدرية يعنون بذلك معنى - يعني المعتزلة ومن نفوا القَدَرْ - والجبرية يصرفونه لمعتقدهم، وأهل السنة يذكرونه على ما دلت عليه النصوص.

المقصود من هذه المقدمات دخول لك في هذه المباحث المهمة؛ لأننا في تقرير هذه العقيدة الطحاوية نريد أن ننتقل بكَ من سرد المعلومات التفصيلية فقط في معتقد أهل السنة إلى ما يفتح لك آفاقا في رؤية كتب أهل العلم في الاعتقاد بعامة؛ لأننا الأصل أنَّ الذين يحضرون معنا سبق أن حضروا كتب كثيرة يعني كالواسطية وما قبلها في تقرير عقيدة أهل السنة والجماعة.

فتنتبه إلى أَنَّ الألفاظ في باب القَدَرْ متشابهة لكن المعاني مختلفة.

إذا قرأت كتاباً من كتب التفسير في الآيات التي فيها عموم المشيئة، في الهدى والضلال، في عموم خلق الله عز وجل، الله خالق كل شيء، في التفضيل، إذا قرأت كلاما لمفسر سلفي قد يستعمل العبارات التي يستعملها الأشعري أو يستعملها المعتزلي، وكل له اصطلاحه، ولهذا قال من قال عن كتاب "الكشّاف" للزمخشري إنه دسّ فيه مذهب المعتزلة في الصفات وفي القَدَرْ وهو أعظم بحيث لا يدركه إلا الناقد البصير.

هذه المسائل بتفصيلاتها تأتي إن شاء الله تعالى في مواضعها.

ص: 71

قال رحمه الله بعد ذلك (وَضَرَبَ لهم آجَالاً)

ضرب لهم آجالاً، الآجال جمع أجل.

وضَرْبُ الآجال معناه: أنه عز وجل جعل لكل شيء أجلاً ينتهي إليه فما من شيء إلا وله أجل ينتهي إليه المراد من خلقه.

فالسماوات لها أجل والأرض لها أجل تنتهي إليه، وهكذا مخلوقات الله عز وجل، ومنها ما جعل الله عز وجل له أجل يعلمه سبحانه ولا يعلمه العباد قد يطول جدا وقد لا يكون له نهاية، بعلم الله سبحانه وتعالى له.

الآجال غير الأعمار فالعمر أخص من الأجل، ولهذا قال من قال من أهل العلم إنَّ الأجل في القرآن لا يقبل التغيير {إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} [يونس:49] ، {لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ} [يونس:49] في الأمم، وقال عز وجل في العمر {وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ} [فاطر:11] ، وهذا يدلك على أنَّ الله سبحانه وتعالى ضَرَبَ آجَالاً وجعل أعماراً.

والجمع بين هذا وهذا عند طائفة من المحققين من أهل العلم أنَّ الأجل لا يقبل التعديل ولا التغيير، وأما الأعمار فهي قابلة لذلك، بأسباب أناط الله عز وجل بها التغيير في قَدَرِهِ السابق، كما قال سبحانه {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} [الرعد:38] ، {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد:39] .

فإذاً أجَلْ العباد، أجَلْ المخلوقات، أجَلْ الأمم هذا هو الذي في اللوح المحفوظ، لا يقبل التغيير، ولا يقبل التبديل، جعله الله عز وجل على هذا النحو على ما اقتضته حكمته سبحانه وتعالى، وأما الأعمار فإنها تقبل التغيير.

وقَبُولها للتغيير لما في التقدير السنوي للعباد؛ لأنَّ القَدَرْ منه قدر عام وهو الأصل العظيم، وهو ما جاء في قوله ? (قدر مقادير الخلائق قبل أن يخل السماوات والأرض بخمسين ألف سنة)(1) هذا التقدير العام في اللوح المحفوظ.

ومنه تقدير خاص، التقدير الخاص يختلف فيه تقدير لكل مخلوق في رحم أمه، وثَمَّ تقدير سنوي في ليلة القدر، وثَمَّ تقدير يومي أيضا لما يفعله العباد.

إذا تبين ذلك فإنَّ التقدير الذي يقبل التغيير هو ما في صحف الملائكة.

وهذا الذي يُحْمَلُ عليه قول الله عز وجل {وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ} [فاطر:11] .

بعض أهل العلم في التفسير فَهِمَ الآية أنَّ معناها وما يعمر من مُعَمَّرٍ ولا يُنقص من عمر مُعَمَّرٍ آخر إلا في كتاب، وأنّ تعمير المعمر يكون بسببٍ قد قُدِّر هو والتعمير معا، فيكون قد عُمِّر، لا بالنسبة إلى أنه كان عمره ليس بطويل فأطيل فيه.

وهذا يخالف ما جاءت به السنة الصحيحة من قول المصطفي ? (من سرَّه أن يُبسط له في رزقه ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه)(2) ، وبقوله ? فيما صح عنه (ولا يزيد العمر إلاّ البِر)(3) .

قال هنا (من سرّه أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره) يعني أنَّ زيادة الأرزاق منوطة بسبب، وأن تعمير المعمَّر زيادة في عمره، نَسْءُ الأثر هذا مربوط بسبب، وهذا هو الذي ارتبط بالأعمار، بالآثار.

أما الآجال فلا، الآجال لا تقبل تغييراً، لأنها هي الموافقة لما في اللوح المحفوظ، يعني الأجل الذي إليه النهاية، أما العمر فهذا يقبل التغيير.

ولهذا صح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في قوله تعالى في سورة الرعد {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ} [الرعد:39] أنه في صحف الملائكة، {وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد:39] يعني اللوح المحفوظ وهذا واضح.

فقول المؤلف رحمه الله (وَضَرَبَ لهم آجَالاً) يعني ما كان من التقدير السابق قبل خلق السماوات والأرض.

_________

(1)

سبق ذكره (61)

(2)

البخاري (2067) / مسلم (6687)

(3)

الترمذي (2139)

ص: 72

قال (ولم يَخْف عَليهِ شَيْءٌ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُم. وَعَلِمَ ما هُمْ عَامِلُونَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهُم

وأَمَرَهُم بِطَاعَتِهِ، ونَهَاهُم عَنْ مَعْصِيتِه)

(لم يَخْف عَليهِ شَيْءٌ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُم) هذا عام يعني من الطاعات ومن المعاصي، من الخير ومن الشر، مما سيعملون، ومما لم يعملوه لو عملوه كيف يكون، فإنه سبحانه وتعالى يعلم أحوال الخلق على وجه التفصيل، فيما سيعملون وفيما لم يعملوه، ومثاله قول الله عز وجل {وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) [فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا} [الكهف:80-81] .

إذاً فالله سبحانه وتعالى تَعَلق علمه بكل شيء.

قال (لم يَخْف عَليهِ شَيْءٌ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُم. وَعَلِمَ ما هُمْ عَامِلُونَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهُم) لم؟

لأنه سبحانه بكل شيء عليم، كما قال عز وجل {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} وقوله (كُلِّ شَيْءٍ) هذا عموم لا يخرج منه شيء، والأشياء كما فسّرناها لكم قبل ذلك جمع شيء، والشيء ما يصح أن يعلم أو يؤول إلى العلم.

{وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} يعني بكل ما يصح أن يُعْلَمْ أو ما يؤول إلى أن يُعْلَمْ (1)

: [[الشريط الخامس]] :

هو بكل شيء عليم سبحانه وتعالى، لهذا قال علماؤنا، عِلْمُ الله عز وجل متعلق بكل شيء:

عَلِمَ ما سيكون

عَلِمَ ما لا يكون.

عَلِمَ ما قَدَّرَ ألا يكون، لو حصل كيف يكون.

فهذه الثلاث فيها مخالفة للقدرية والمعتزلة في مذاهبهم.

عَلِمَ ما سيكون وما لم يكن، يعني والذي لا يكون أيضاً عَلِمَهُ عز وجل، لأنه اختار أن يكون الأمر على نحو كذا، وهو عَلِمَ ما سيكون والذي لا يكون أيضاً عَلِمَهُ عز وجل، وعَلِمَ ما لم يكن لو كان كيف كان يكون، كما قال عز وجل {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} [الأنفال:23] .

قال رحمه الله بعد ذلك (وأَمَرَهُم بِطَاعَتِهِ، ونَهَاهُم عَنْ مَعْصِيتِه)

هذا تعليق للأشياء بالأمور الشرعية.

يعني أنَّ الخَلْقَ والعِلْمْ والتقدير السابق وضَرْبْ الآجال هذا نافذ فيهم، ومع ذلك أَمَرَهُمْ سبحانه بطاعته ونهاهم عن معصيته عز وجل.

وهذا الأمر بالطاعة والنهي عن المعصية أراد منه مخالفة المعتزلة في أَنَّ الأمر بالطاعات والنهي عن المعاصي أنه جاء عقلياً وليس شرعياً، ولكن الحق أنَّهُ إنما جاء في الشرع لا في العقل.

لبسط هذه المسائل تفصيل يأتينا إن شاء الله في موضعه.

هذه كلها الذي قدمناه من أول العقيدة إلى الآن وإلى قوله (وإنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ المصطَفى) هذه كلها مقدمات ما دخلنا في تفصيل الكلام على معتقد أهل السنة والجماعة في مواضعه.

لذلك أنا أرجئ الكلام على تفصيلات القَدَرْ ومسائله في موضعه حتى يكون لك في مكانه مجتمعاً غير ما ذكرناه في هذا الموضع.

_________

(1)

انتهى الشريط الرابع.

ص: 73