المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الأسئلة: س1/ ذكرتم أنَّ مسائل الصحابة ليست في الأصل من مسائل - شرح العقيدة الطحاوية - صالح آل الشيخ = إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل

[صالح آل الشيخ]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة:

- ‌الأسئلة:

- ‌ قوله (وَلا شيءَ مِثْلُهُ، وَلا شَيْءَ يُعْجزُهُ، وَلا إلهَ غَيْرُهُ)

- ‌ قوله (وَلا شَيْءَ يُعْجزُهُ)

- ‌قوله (وَلا إلهَ غَيْرُهُ)

- ‌[المسألة الرابعة] :في إعراب كلمة التوحيد (لا إله إلا الله)

- ‌الأسئلة:

- ‌ قوله (قَديمٌ بلا ابتدَاء، دَائمٌ بلا انْتهاء)

- ‌[المسألة الثانية] :ما ضابط كون الاسم من الأسماء الحسنى

- ‌ قوله (لا يَفنَى ولا يَبيدُ)

- ‌قوله (ولا يكونُ إلا ما يُريدُ)

- ‌ قوله (لا تَبلُغُه الأوْهَامُ، ولا تُدْرِكُهُ الأفْهَامُ)

- ‌الأسئلة:

- ‌ قوله (حَيٌّ لا يَمُوتُ، قَيُّومٌ لا يَنَامُ)

- ‌الأسئلة:

- ‌الأسئلة:

- ‌ قولَه (وَإِنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ المصطَفى، ونبيُّه المجْتَبى، ورَسُولُهُ المُرْتَضَى)

- ‌[المسألة الثالثة] :نبوة الأنبياء أو رسالة الرسل بما تَحْصُل؟ وكيف يُعْرَفُ صدقهم؟ وما الفرق ما بين النبي والرسول وبين عامة الناس أو من يَدَّعِي أَنَّهُ نبي أو رسول

- ‌الأسئلة:

- ‌ قوله (وإنَّه خَاتِمُ الأنبياءِ)

- ‌[المسألة الرابعة] :أنَّ ادِّعَاء الوحي كفر كدعوى النبوة، وهذا باتفاق أهل السنة

- ‌[المسألة الأولى] :أنَّ التفضيل بين الأنبياء جاء به النص كما قال عز وجل {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [

- ‌الأسئلة:

- ‌الأسئلة:

- ‌الأسئلة:

- ‌[المسألة الخامسة] :أنَّ رؤية المؤمنين في الجنة لربهم عز وجل عامة بالإنس والجن، للرجال وللنساء، وللملائكة أيضاً

- ‌الأسئلة

- ‌الأسئلة

- ‌الأسئلة

- ‌قوله (فَإِنَّ رَبَّنَا عز وجل مَوْصُوفٌ بِصِفَاتِ الْوَحْدَانِيَّةِ، مَنْعُوتٌ بِنُعُوتِ الْفَرْدَانِيَّةِ، لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ أَحَدٌ مِنَ الْبَرِيَّةِ

- ‌الأسئلة:

- ‌[المسألة الثانية] :متى وقع الإسراء والمعراج

- ‌الأسئلة:

- ‌[المسألة الأولى] :أنَّ الحوض دلَّ عليه القرآن باحتمال، ودلَّت عليه السنة بقطع:

- ‌الأسئلة:

- ‌ قوله (وَالشَّفَاعَةُ الَّتِي ادَّخَرَهَا لَهُمْ حَقٌّ، كَمَا رُوِيَ فِي الْأَخْبَارِ)

- ‌الأسئلة:

- ‌ قوله (وَالْمِيثَاقُ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ آدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ حَقٌّ)

- ‌الأسئلة:

- ‌الأسئلة

- ‌الأسئلة:

- ‌الأسئلة:

- ‌ قوله (وَالْعَرْشُ

- ‌ قوله (وَفَوْقَهُ)

- ‌الأسئلة:

- ‌الأسئلة:

- ‌[المسألة الخامسة] :الإيمان بالملائكة تَبَعٌ للعلم، وكلما زَادَ العِلْمُ بالعقيدة وبالنصوص زَادَ الإيمان بالملائكة لمن وفَّقَهُ الله

- ‌ الأسئلة

- ‌[المسألة الثانية] :الأنبياءُ والرُّسُلُ درجات في الفضل والمنزلة عند الله

- ‌[المسألة الخامسة] :من كَذَّبَ برسول بعد العلم به فإنه مُكَذِّبٌ بجميع الأنبياء والمرسلين

- ‌(وَالْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى الْمُرْسَلِينَ)

- ‌ الأسئلة

- ‌الأسئلة:

- ‌[المسألة الحادية عشرة] :قوله (وَلَا نَقُولُ: لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ ذَنْبٌ لِمَنْ عَمِلَهُ) هذا فيه مخالفة للمرجئة

- ‌الأسئلة:

- ‌نَرْجُو لِلْمُحْسِنِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ، وَيُدْخِلَهُمُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ، وَلَا نَأْمَنُ عَلَيْهِمْ، وَلَا نَشْهَدُ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ، وَنَسْتَغْفِرُ لِمُسِيئِهِمْ، وَنَخَافُ عَلَيْهِمْ، وَلَا نُقَنِّطُهُمْ

- ‌[المسألة الأولى] :أنَّ الرجاء للمحسن بالعفو وعدم الأمن والاستغفار للمسيء والخوف عليه، هذا عقيدة يتعامل بها المرء مع نفسه وكذلك مع المؤمنين:

- ‌[المسألة الثانية] :الرجاء للمحسن من المؤمنين بالعفو هذا يشمل كل أحد حتى من لم يَعْرِفْ لنفسه ذنباً

- ‌[المسألة الثالثة] :الجمع ما بين الرجاء للمحسن والاستغفار للمسيء هذا تَبَعْ لأصل عظيم وهو الجمع في العبادة ما بين الخوف والرجاء

- ‌الأسئلة:

- ‌[المسألة الثالثة] :الله عز وجل وليٌّ للعبد، والعبد أيضاً وليٌّ لله عز وجل

- ‌[المسألة الرابعة] :الأولياء قسمان فيما دَلَّتْ عليه الأدلة:- مقتصدون.- وسابقون مُقَرَّبون

- ‌الأسئلة:

- ‌الأسئلة

- ‌[المسألة الخامسة] :من لم يُغْفَرْ له ممن لم يتب فإنه يُشتَرَطُ لعدم خلوده في النار شرطان:

- ‌[المسألة السادسة] :الخلود في النار نوعان: خلودٌ أمدي إلى أجل، وخلودٌ أبدي

- ‌قوله (اللَّهُمَّ يَا وَلِيَّ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ ثَبِّتْنَا عَلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى نَلْقَاكَ بِهِ)

- ‌[المسألة الثالثة] :قوله (خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ) هذا إذا كان إماماً مُرَتَّبَاً، ولم يكن بوسع المرء أن يختار الأمثل

- ‌الأسئلة

- ‌[المسألة الرابعة] :أننا مع ذلك كله فإننا نرجو للمحسن ونخاف على المسيء

- ‌الأسئلة:

- ‌[المسألة الأولى] :لفظ الأئمة وولاة الأمور مما جاء به الكتاب والسنة

- ‌الأسئلة:

- ‌الأسئلة:

- ‌[المسألة الثانية] :قوله (إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ) هذا المقصود منه إلى قرب قيام الساعة

- ‌[المسألة الخامسة] :في قوله (أَرْوَاحِ الْعَالَمِينَ) لفظ (الْعَالَمِينَ) يريد به هنا من له رُوحْ من المُكَلَّفين

- ‌[المسألة الأولى] :أنّ سؤال الملكين يقع عن ثلاثة أشياء:أولاً: عن ربه.ثانيا: عن دينه.ثالثا: عن نبيه

- ‌الأسئلة:

- ‌الأسئلة:

- ‌الأسئلة:

- ‌الأسئلة:

- ‌الأسئلة:

- ‌الأسئلة:

- ‌[المسألة الثانية] :لا يُشْتَرَطُ في العالم أنْ لا يُخْطِئ

- ‌[المسألة الثانية] :عقيدة خَتْمْ الوَلَايَةَ

- ‌الأسئلة:

- ‌[المسألة التاسعة] :الكرامة إذا أعطاها الله عز وجل الولي فإنَّهُ ليس معنى ذلك أنَّهُ مُفَضَّلٌ وأعلى منزلة على من لم يُعْطَ الكرامة

- ‌الأسئلة:

- ‌الأسئلة:

- ‌الأسئلة:

- ‌ قوله (وَلَا مَنْ يَدَّعِي شَيْئًا يُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَإِجْمَاعَ الْأُمَّةِ)

- ‌قوله (والفُرْقَةَ زَيْغاً وَعَذَاباً) :

- ‌الأسئلة:

- ‌الأسئلة:

- ‌[المسألة الأولى] :عِظَمِ شأن الدعاء

- ‌الأسئلة:

الفصل: ‌ ‌الأسئلة: س1/ ذكرتم أنَّ مسائل الصحابة ليست في الأصل من مسائل

‌الأسئلة:

س1/ ذكرتم أنَّ مسائل الصحابة ليست في الأصل من مسائل الاعتقاد، وفي الحديث «حب الأنصار إيمان وبغضهم نفاق» فهل ثَمَّ فرق بين كونهم من الإيمان وكونها أنها ليست مسائل الاعتقاد؟

ج/الإيمان شُعَبُهُ كثيرة «الإيمان بضع وستون شعبة أو بضع وسبعون شعبة» (1) فمنها ما يدخل في مسائل الاعتقاد ومنها ما لا يدخل.

فأصل حب الصحابة هي مسألة حب، موالاة، وهذه ليست من العقيدة لأنَّ أصل العقيدة ما يتعلق بمسائل الغيب ثُمَّ دخل فيها ما يتميز به أهل السنة عن غيره، فأصل العقيدة الذي يدخل في أركان الإيمان الستة: الاعتقاد في الله ربوبيته إلهيته الأسماء والصفات في الملائكة في الكتب والرسل اليوم الآخر والقدر هذه العقيدة، مسائل الإيمان في نفسها، أما المسائل الأخرى المُلْحَقَة هذه لأجل المُخَالفة، وصارت من العقيدة، وكونها من الإيمان هذا حق الإيمان ليست كل مسائله مسائل اعتقاد.

س2/ أراني أجد شيئاً في نفسي على معاوية رضي الله عنه من حيث موقفه، لا سيما ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعمار «تقتلك الفئة الباغية» (2) فهل عَلَيَّ في هذا إثم، مع العلم أني لا أتكلم بذلك ولا أتحدث به؟

ج/ نعم عليك إِثْمْ في ذلك إذا كان العلم سهلاً عليك أن تتحصل عليه وأن تَجْلُوَ هذه الشبهة، وتَبْقَى وأنت لا تَجْلُوَ هذه الشبهة عندك، كون الشيء يكون في نفس الإنسان وليس عنده وسيلة لكشفه ولا وسيلة لتعلم ما يدفع عنه هذه الشبهة وتسويل الشيطان، هذه قد يُعْذَرُ معه؛ لكن إذا كان العلم قريباً والكتب موجودة وأهل العلم الذين يكشفون الشُّبَه موجودون فهذا يأثم الإنسان بالتقصير ويأثم على بقاء هذا الشيء في نفسه.

ومعاوية رضي الله عنه فَعَلَ فيما فَعَلَ أداءً لواجب شرعي يراه أنَّهُ مُتَقَدِّم على مسألة البيعة، وهو أنَّ دَمَ عثمان سُفِك رضي الله عنه، وهو وليه، هو ولي الدم، هو ذو القرابة من عثمان، وولي الدم لا بد أن يُسَلَّمْ من قَتَلْ، تحقيقاً لقول الله عز وجل {وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا} [الإسراء:33] ، وكذلك الآيات التي فيها القصاص وأنَّ الولي {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} [البقرة:178] ، فمعاوية رضي الله عنه أراد أخذ الحق الذي جعله الله له والانتصار من قتلة عثمان، وسفك دم عثمان، لاشك أنَّ دم عثمان إذ ذاك هو أطهر دَمٍ لإنسان سُفِكْ، فالانتصار لعثمان رضي الله عنه واجب، وعلي رضي الله عنه أخَّرَّ بحث دم عثمان حتى لا تذهب بيضة الإسلام وبيضة أهل الإسلام لأنَّ هؤلاء الخوارج الذين جاؤوا أرادوا الفتنة العظيمة، فأراد أن يستقر الأمر ثم يُسَلِّمْ القَتَلَةْ لمعاوية؛ لكنه لم يفهم هذا؛ يعني اختلف الاجتهاد فلم يفهم هذا مع سعي الخوارج في الإعلام الفاسد، فَسَعَوا في التفريق ما بين هؤلاء، ينقلون لمعاوية أخبار عن علي ولعلي أخبار عن معاوية، والحققية الصحابة كلُّهُم هدفهم واحد في ذلك وهو حفظ بيضة الاسلام والانتصار من قتلة عثمان، لكن حصل ما حصل.

فمعاوية رضي الله عنه مجتهد يريد أن يأخذ بحقه الشرعي؛ لكن الصواب مع علي؛ لأنَّ بيعة علي واستقامة أمر الناس في الخلافة وعدم حصول القتال هذا هو الواجب والحق مع علي في ذلك، ومعاوية رضي الله عنه مجتهد مأجورٌ على اجتهاده ولكنه مُخْطِئ في ما اجتهد فيه في ذلك ولكن هو مأجور.

والإنسان لا يُبْغِضُ من اجْتَهَدَ أو يجد في نفسه شيئاً على من اجتهد في الحق، وإن كان أخطأ، فإنَّهُ إذا اجتهد في الحق وتَحَرَّاه، فإنَّ هذا هو الذي يجب عليه، ومعاوية رضي الله عنه به استقام المسلمون وحُفظت البيضة بعد علي رضي الله عنه، فالناس في زمن علي كانوا متفرقين ولم يستقم الأمر لعلي في الخلافة ولم يجتمع الناس عليه.

ثُمَّ لمَّا حصل تنازل الحسن ابن علي في الولاية لمعاوية رضي الله عنهم أجمعين وحصل هذا الاجتماع العظيم في سنة إحدى والأربعين في العام الذي سُمِيَّ عام الجماعة يعني عام اجتماع الناس، حصل غيظ العدو، حتى الخوارج هربوا بعد أن كانت لهم الصولة وكانوا يُفَرِّقُون وسُفِكَتْ من دماء الصحابة ودماء التابعين ما سُفِكْ؛ ولكنهم لما اجتمع الناس كان أول من اندحر هؤلاء الخوارج أخزاهم الله.

(1) سبق ذكره (402)

(2)

مسلم (7506) / الترمذي (3800)

ص: 632

فمعاوية رضي الله عنه له من الفضائل ما لَهُ، هو كاتب الوحي للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو من الصحابة الذين كانت لهم مواقف عظيمة في الجهاد، وجهاد الروم وجهاد الأعداء كما هو معلوم، ووَلِيَ الشام وكانت في سيرته في ولايته في عهد عثمان كان طيب السيرة، والاجتهاد في المال أو اجتهاد في بعض الأمور هذا إنما لا يمشي على وفق منهج الخوارج، أما الصحابة فكانوا يرون في ما اجتهد فيه أنه ما بين مصيبٍ وما بين مخطئ، والمخطئ لا يُعاب على ما اجتهد فيه إذا لم يكن مخالفاً للأصول، فمعاوية رضي الله عنه مكانته وحبه من الإيمان، ولا يجوز لمسلم أن يُبْقِيَ في نفسه شيئاً على صحابي من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

س3/ هل يُفرَّقْ بين سَبِّ الصحابة بعضهم لبعض وسَبِّ غيرهم لهم؟

ج/ ما سبَّ صحابِيٌّ صحابياً مطلقاً، وإنما قد يتسابون يعني مثل ما يحصل للبشر، يَتَرادُّونَ في موقف، لكن لا يَسُبُّهُم مطلقاً أو يذم صحابياً مطلقاً؛ لكن يكون بينهم تَرَادْ في مجلس لأجل ما يحصل بين البشر مقاتلة مؤقتة تحصل بينهم؛ لكن سَبْ الساب المطلق وانتقاص قدر فلان من الصحابة مطلقاً هذا لم يحصل عند الصحابة.

س4/ ما حكم تقديم بعض الصحابة على بعض مثل تقديم علي على أبي بكر وعمر وعثمان؟

ج/ الصحابة أفضلهم كما ذكرت لكم العَشَرَة وترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الذِّكر، ومُعْتَقَدْ أهل السنة والجماعة والذي دلَّتْ عليه النصوص ولا يجوز عليه خلافه أنَّ أفضل هذه الأمة أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي هؤلاء هم أفضل الصحابة وترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الذكر وكترتيبهم في الخلافة.

أما تقديم علي على أبي بكر وعمر فكما قال السَّخْتَيَاني (من فَضَّلَ علياً على أبي بكر عمر فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار)(1) ، كيف يكون أفضل ويُقَدِّمُونَ غيره عليه، فمعناه أنَّهُمْ خَوَنَةْ كما يَدَّعِي الرافضة، أو أنَّ لهم كذا وكذا.

والصحابة من المهاجرين والأنصار قدَّمُوا من هو الأفضل لهم في دينهم وفي أيضاً في الولاية، تقديم علي على جملة الثلاثة هذا صنيع الرافضة.

نكتفي بهذا وفقكم الله لما فيه رضاه وبارك فيكم.

(1) حلية الأولياء (7/27)

ص: 633

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

الأسئلة:

س1/ كثير من الإخوان -جزاهم الله خيرا- إذا ما وقع بينهم خلاف في مسألةٍ ما إما فقهية أو غيرها وأُنْكِرَ عليهم شِدَّةْ الخلاف بينهم، قالوا: الصحابة اختلفوا فما بالك بحالنا؟

ج/ أولاً هذا ليس مما يسوغ أن يُذْكَرْ هذا عن الصحابة ويُجْعَلْ اختلاف الصحابة حُجَّةً مُطْلَقَاً لاختلاف غيرهم.

الصحابة رضوان الله عليهم أولاً لم يختلفوا ولله الحمد في بابٍ من أبواب العقيدة والتوحيد والأصول وإنما اختلفوا في بعض المسائل الاجتهادية كالمسائل الفقهية وبعض مسائل الإمامة التي كانت في زمنهم لها تأويلها.

ثُمَّ إنّ من القواعد المقررة عند أهل السنة كما كتبوا في عقائدهم أنَّنَا نحمل جميع أعمال الصحابة وأقوال الصحابة وأفعال الصحابة على إرادة الخير وعلى أنهم لم يقصدوا إحداث الخلاف ولا الانتصار للنفس، ولم ويذهبوا إلى النزعة القبلية أو نزعة علو الشأن أو نزعات الدنيا وإنما كان لهم في ذلك تأويلات، وربما دخل بعض هذه المطالب كشيءٍ من الدنيا دَخَلَ في تأويل الدين، ولم يكن يُقْصَدْ أساساً، فلم يكن في الصحابة ولله الحمد ممن يشار إليهم وحصل منهم الخلاف لم يكن منهم من يقصد الدنيا فقط محضة، وإنما يريدون الدين وربما يدخل في شيء من ذلك بعض استمساك بأمور الدنيا التي لهم فيها تأويل سائغ.

ولهذا لا يسوغ أن يحتج (1) أحد إذا اختلف مع غيره باختلاف الصحابة مطلقاً، وإنما في بعض الوسائل إذا اختلف فيها الصحابة فالخلاف يسع من بعدهم إذا كانت من المسائل التي ليس فيها دليل واضح، أما إذا كانت المسالة فيها نص أو فيها دليل ظاهر من الكتاب أو من السنة فأقوال الصحابة بين راجحٍ ومرجوح إذا اختلفوا، فالله عز وجل أمرنا أننا عند التنازع والاختلاف أن نرد إلى الله عز وجل وإلى الرسول {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} [النساء:59] ، وهذا هو الذي يجب أنَّهُ يُرَدْ للدليل، فإذا لم تظهر دلالة الدليل في المسائل فإنَّ في اختلاف الصحابة سعة إذا اختلفوا، وهم لم يختلفوا ولله الحمد في التوحيد ولم يختلفوا في العقيدة ولم يختلفوا في أصول الدين، وإنما اختلفوا في بعض مسائل اجتهادية معروفة، ولهم فيها تأويل وكل يقوم بحجته وأقوال ما بين راجح ومرجوح رضي الله عنهم وأرضاهم.

(1) نهاية الوجه الأول من الشريط الرابع والأربعين.

ص: 634

وَنُثْبِتُ الْخِلَافَةَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَوَّلًا لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه تَفْضِيلًا لَهُ وَتَقْدِيمًا عَلَى جَمِيعِ الْأُمَّةِ

بعد أنْ ذَكَرَ الطحاوي رحمه الله محبة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنَّنَا نتولاهم جميعاً، ولا نتبرأُ من أحدٍ منهم أتى إلى مسألةٍ عظيمة فارَقَ فيها جَمْعُ أهل السنة من عَدَاهم من الخوارج والرافضة وأشباههم في مسألة: الخلافة، ومن الأحق بالخلافة، ومن الأفضل، وترتيب هؤلاء على ما جاء في النصوص وعلى ما قَرَّرَهُ الصحابة والأئمة من بعدهم.

فقال (وَنُثْبِتُ الْخِلَافَةَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

ويعني بذلك أنَّ الخلافة يُثبِتُهَا أهل السنة لأبي بكر دون غيره استحقاقاً للخلافة أو تقديماً له أو تفضيلاً، كما عليه الرافضة وبعض الفئات الأخرى.

وهذا في الأصل كما ذكرت لكم قبل ذلك صار من العقيدة لأنَّهُ في أمر الخلافة التي بسببها وبسبب البحث في الخلافة افترقت الأمة إلى فِرَقٍ كثيرة.

فأولُ خلافٍ وَقَعَ في الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو من الذي يلي المسلمين بعده صلى الله عليه وسلم؟

فوقع الخلاف بين المهاجرين والأنصار ولم يَطُلْ، وأجمع المسلمون في وقتٍ قصير على استحقاق أبي بكر للخلافة كما سيأتي بيانه.

ويمكن أن نتحدث عن هذا في عدة مسائل.

ص: 635

[المسألة الأولى] :

أنَّ خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه أَجْمَعَ عليها أهل السنة والجماعة؛ بل وغيُرهُم من الخوارج والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية والمتكلمين وسائر الفرق عدا الرّافضة ومن نحا نحوهم.

فخلافة أبي بكر الصديق وأنَّهُ هو المستحق للخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرٌ أجْمَعَ عليه هؤلاء، واختلفوا في مأخَذِ الخلافة وأحقية أبي بكر بالخلافة:

هل لأنَّ خلافته ثبتت بالنص الجلي؟

أو أنها ثبتت بالنص الخفي؟

أو أنها ثبتت بالاختيار واتفاق واختيار الصحابة؟

على ثلاثة أقوال:

1-

القول الأول: أنَّ خلافة أبو بكر الصديق رضي الله عنه ثبتت بالنص الجلي، ويعنون بالنص الجلي أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أرشد إلى خلافته وأَوْضَحَ أنَّهُ الأحق بعبارات مختلفة وأدلةٍ متنوعة بدلالات قولية وفعلية يحصل من مجموعها التنصيص على أنَّ الذي يلي الناس بعده صلى الله عليه وسلم هو أبو بكر.

وهذا القول هو الذي عليه جماعة كثيرة من أهل الحديث، وهو قول الإمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل وأصحابه الحنابلة وطائفة كبيرة من الشافعية، وهو اختيار أيضاً ابن حزم وجماعة من الظاهرية.

وهو الذي حرَّرَهُ المحققون أيضاً كشيخ الإسلام ابن تيمية وكغيره فإنه قال:

والتحقيق أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم دلَّ على خلافة أبي بكرٍ الصديق بدلالات كثيرة من قوله وفِعْلِهْ صلى الله عليه وسلم وسيأتي ذكر بعضها إن شاء الله.

2-

القول الثاني: أنَّ خلافة أبي بكر ثبتت بالنص الخَفِيْ، يعني بالدليل الخفي والإشارة، فهذا هو الذي ذهب إليه الحسن البصري، فقال حينما سئل: هل كانت ولاية أبي بكر بالنص عليه؟

فقال (لقد كان أبو بكر الصديق اتقى لله من أن يَتَوَسَّدَ عليها) ، يعني الخلافة.

وذهب إلى هذا أيضاً جماعة من أهل الحديث بأنها ثبتت بالنص الخفي والإشارة والدليل، ويعنون بذلك ما أرشد إليه صلى الله عليه وسلم من تقديم أبي بكر في أمر الدنيا وفي أمر الدين في الصلاة وفي صحبته له وفي بيان فضله وعدم تقديم غيره عليه؛ يعني في الفضل.

3-

القول الثالث: أنها ثبتت بالاختيار ويُعْنَى بذلك اختيار المسلمين له رضي الله عنه في سقيفة بني ساعدة، وإلا فعند هؤلاء لم يكن ثمََّ نص وإلا لاحتجوا به عند الخلاف.

وهذا ذهب إليه أيضاً كثير من أهل الحديث وطائفة من الحنابلة وهو رواية عن الإمام أحمد.

وهو مذهب المعتزلة الأشاعرة والماتريدية وأهل الكلام فإنَّهُم يرون أنها إنما ثبتت بالاختيار.

* والصحيح من هذه الأقوال هو القول الأول، وهو أنها ثبتت بالنص الجلي الذي لا يحتَمِلُ غَيْرَهُ.

ويدلّ على هذا عدد من الأدلة:

& الدليل الأول: هو أنَّ أبا بكر رضي الله عنه هو أفضل الأمة حين مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصحابة جميعاً لم يكن أحد منهم يُقَدِّمُ أحداً من الصحابة على أبي بكر في الفضل.

ومعلومٌ أنَّ فضله رضي الله عنه كان بنص القرآن ونص السنة على تقديمه على غيره في الفضل وأنه اخْتُصَّ بالنبي صلى الله عليه وسلم في القرآن في قوله {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا} [التوبة:40] ، وفي قوله «هل أنتم تاركي لي صاحبي» (1) وفي قوله «لو اتخذت خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا» (2) وفي قوله «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» (3) -وهو دليل لمسألةٍ تأتي- ونحو ذلك من الأدلة التي فيها بيانُ فضله.

والمسلمون لمَّا مات النبي صلى الله عليه وسلم لم بكن أحدٌ منهم يُقَدِّم أحداً في الفضل في أبي بكر، ومعلومٌ أنَّ الإمامة تكون للأفضل.

والفضل له شُعَبْ منها الفضل في الدين، والفضل في العلم، والفضل في التقوى، ونحو ذلك، وكذلك أن يكون قرشياً في إمامة الاختيار وهذه كلها كانت موجودة في أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

فالتنصيص على أنَّ أبا بكر هو أفضل هذه الأمة بمجموع أدلة كثيرة بالتنصيص على فضله وأنَّهُ أفضل وعلى اختصاصه بالنبي صلى الله عليه وسلم يدلُّ على أنَّ الأفضل هو الأحق بالخلافة.

هذا تنصيص على أنّ أبا بكر هو الذي توجد فيه شروط الخلافة.

& الدليل الثاني: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لمَّا مرض مرضه الأخير أمَرَ الناس أن يُقَدِّمُوا أبا بكر فقال «مروا أبا بكر فليصلي بالناس» (4) قد قال بعض الصحابة: إذا ارتضاه رسول الله لديننا أفلا نرتضيه لدنيانا. يعني أنَّ تقديمه في الإمامة الصغرى وهي إمامة الصلاة دليل؛ بل هي نَصٌّ على أنَّهُ هو الأحق بالتقدم في الإمامة العظمى.

(1) البخاري (3661)

(2)

سبق ذكره ص (99)

(3)

الترمذي (3662) / ابن ماجه (97)

(4)

البخاري (664) / مسلم (967)

ص: 636

& الدليل الثالث: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أمَرَ الصحابة أن يأتوا بكتابْ ليَكْتُبَ لهم، فقال «يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر» (1) ثم إنه لما دَعَا بذلك الكتاب قال «إيتوني بكتابٍ أعهد إليكم عهداً لا تختلفوا بعده» قال عمر رضي الله عنه (عندنا كتاب ربنا وما أظنُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا غلب عليه الوَجَعْ)(2) .

وهذا اجتهادٌ من عمر رضي الله عنه حمَلَهُ عليه أنَّهُ ظَنَّ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم سيذكر غير أمر الخلافة، غير أمر الوِلاية؛ لأنَّ أمر الولاية الدليل عليه قام بأدلة كثيرة أخرى فلا تحتاج إلى عهدٍ مكتوبٍ خاص يعهد إليهم به، فخَشِيَ أن يقول شيئاً آخر ويكون ذلك فتنةً للناس لأنَّهُ صلى الله عليه وسلم في تلك الحال بشر، والناس قد لا يدركون كل شيء.

ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم أراد الكتابة بالعهد لأبي بكر، وعمر رضي الله عنه مَنَعَ أو رَأَى -كما قال بعض أهل العلم- أنه لا يُجْلَبْ الكتاب لأنَّهُ إن كان تنصيصاً بالولاية فهذا مدلولٌ عليه بغيره.

وقال بعض العلماء: ولا يُحْمَلُ قول عمر رضي الله عنه على أنَّهُ ظَنَّ أنّ النبي صلى الله عليه وسلم سيكتب شيئاً آخر، ولكن نَظَرَ في أنَّ الأمر لم يكن على الإيجاب وإنما كان على باب الشفقة والرحمة لهم، وباب الشفقة الرحمة لهم قال هؤلاء لا تلزم فيه الاستجابة وخاصَّةً في مثل مرضه صلى الله عليه وسلم.

* والأول هو الأظهر في تحليل قول عمر رضي الله عنه.

& الدليل الرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» .

& الدليل الخامس: أنَّ امرأةً أتت إلى النبي صلى الله عليه وسلم في حاجة لها فوعدها موعدةً أخرى، فقالت كأنها تُشِيْرْ: إن لم أجدك -يعني بالموت- قال «إن لم تجديني فأتي أبا بكر» (3) .

والأدلة على هذا كثيرة متنوعة في أنَّ أبا بكر رضي الله عنه كان منصوصاً على استحقاقه للخلافة بعدة أدلة يُؤْخَذُ منها أنَّهُ نصٌ جلي لا يحتمل التأويل.

أما القول الثاني وهو من قال أنها ثبتت بالإشارة، فهذا فيه نظر؛ لأنَّ الإشارة هي الشيءٍ الخفي، وهذه الأدلة ظاهرة في الدلالة.

وأما من قال بالاختيار فلاشك أنَّ أبا بكر الصديق رضي الله عنه اختاره المسلمون؛ بل أَجْمَعَ عليه السلمون، وقد نقل الحاكم في المستدرك وصححه أنَّ علي بن أبا طالب ذكر إجماع المسلمين على خلافة وولاية أبا بكر (4) ، ونُقِلَ ذلك أيضاً عن طلحة بن عبيد الله وعن الشافعي وعن جماعة حَكَوا الإجماع على اختيار المسلمين لأبي بكر الصديق رضي الله عنه.

وثُبُوتُهَا بالاختيار هذا لاشك فيه لكنه ليس ثبوتاً مستقلاً بل هو تبعٌ لتنصيص النبي صلى الله عليه وسلم على أبي بكر في بيان فضله ومنزلته وأنَّهُ هو الأحق بالتقدم في أمر الدين وفي الإمامة العظمى.

(1) مسلم (6332)

(2)

البخاري (114) / مسلم (4322)

(3)

البخاري (7360) / الترمذي (3676)

(4)

المستدرك (4426)

ص: 637

[المسألة الثانية] :

خلافة أبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه وبيعة أبي بكرٍ الصديق تمت في سقيفة بني ساعدة في القصة المعروفة حيث اختلف المهاجرون والأنصار، ثم آل الأمر إلى أن يكون الخليفة من قريش لقوله صلى الله عليه وسلم «الأئمة من قريش الخلافة فيكم» (1) يعني في قريش ثُمَّ قُدِّمَ أبو بكر للأدلة التي ذكرنا، واجتمع المسلمون على بيعة لأبي بكر.

ومنهم من المسلمين مِنَ الصحابة مَنْ حصلت منه البيعة التي هي التزام لهذا الإمام ولهذا الخليفة بالمبايعة اللفظية دون المبايعة بصفقة اليد، وهذا كما حصل من علي رضي الله عنه ومِنْ طلحة بن عبيد الله، فإنهما -وهناك معهم آخرون- لم يبايعوا مباشرة بصفقة اليد وإنما بايعوا لمَّا بايع أهل الحل والعقد.

ومعلومٌ أنَّ المبايعة قسمان:

- بيعة لأهل الحل والعقد ومن استطاع من المسلمين أن يبايع بصفقة اليد والعهد.

- والبقية يبايعون بيعةً شرعية باللسان أو باعتقاد القلب بالتزام طاعة هذا الخليفة وهذا الإمام.

وعلي رضي الله عنه ومن معه قال طائفة: إنهم لم يبايعوا إلا بعد ستة أشهر أو بعد بضعة أشهر أو ثلاثة أشهر أو أكثر أو أقل وأنَّهُم لم يكونوا يرتضون تلك البيعة الأولى.

وهذا غلطْ كبيرْ بل عليٌ رضي الله عنه قد بايع ولكنه لم يَقْدَمْ على أبي بكر حتى تُوُفِّيَتْ فاطمة، وكذلك طلحة بن عبيد الله تأخر في إعطاء أبي بكر الصديق ثمرة القلب وصفقة اليد في البيعة.

وهذا التأخر له أسباب من أهمها:

1-

السبب الأول: أنَّ علياً وطلحة من العشرة ومن المُقَدَّمِين وقد أُخِّرُوا أو لم يُدْعَوا أو لم يأتوا إلى الشورى -السقيفة- وفي اجتماع الأمر، فرأوا أنهم لمَّا لم يكن لهم الأمر في الشورى أنهم حينئذ ليسوا من أهل الحل والعقد فلا يلزم أن يستعجلوا في إعطاء البيعة بصفقة اليد.

2-

السبب الثاني: أنَّ علياً رضي الله عنه رَاعَى فاطمة فيما كان في شأنها -إن صَحَّتْ الحكاية- فيما كان في نفسها في تأخير بعض الميراث، وأبو بكر رضي الله عنه أخَذَ بقول النبي صلى الله عليه وسلم «إنا لا نُورَثْ ما تركناه صدقة» (2) وكان عليٌ رضي الله عنه يُراعي حال فاطمة لأنها بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان صلى الله عليه وسلم يقول في شأنها «إنما أنت بضعَةٌ مني يؤذيني ما يؤذيك» (3) ، فَتَأَخَّرَ عليٌ لسبب ليس براجع إلى أحقية أبي بكر بالخلافة ولا إلى أحقيته بالبيعة بل إلى مسألةٍ يرى أنَّهَا الأفضل في مراعاته لفاطمة أو لأنه لم يكن من أهل الشورى فلا تلزمه المبادرة مع حصول بيعته لأبي بكر، حيث ذكر هُوَ أنَّ المسلمين والصحابة أجمعوا على خلافة أبي بكر.

3-

السبب الثالث: أَنَّ التأخر قد يحصل، والتأخر أو التقدم ليس أمراً قادحاً في استحقاق أبي بكر للخلافة ولا إلى إجماع الناس عليه؛ لأنَّ التأخر -كما ذكرتُ لك- مَرَدُّهُ إلى ترك الأفضل من البَيعتَينْ وهو بيعة اليد، فإذا حصلت البيعة الواجبة وهي بيعة الاعتقاد، بيعة الالتزام بمبايعة المسلمين وارتضائهم، حصل القصد الشرعي، والأمر الثاني يمكن أن يكون له أكثر من سبب فلا يُجعَلْ قادحاً لا من جهةٍ علمية ولا من جهة أيضاً عملية.

لهذا من نَقَلَ أَنَّ علياً رضي الله عنه أو طلحة أو نحو ذلك لم يكونوا يرتضون خلافة أبي بكر أو أنَّهُم جاملوا لمَّا رأوا الأمر استقر وأنَّ علياً كان الأحق ونحو ذلك، هذه كلها أقوال هي من أقوال أهل الرِّفْضْ والبدع الوخيمة.

ولا يصح في هذا شيء عن صحابي أصلاً في أنه يقدم نفسه لا في الفضل ولا في الخلافة على أبي بكر رضي الله عنه؛ بل المسلمون تبعٌ لأبي بكر رضي الله عنه وأرضاه.

(1) البخاري (3501) / مسلم (4807)

(2)

البخاري (4240) / مسلم (4679)

(3)

البخاري (3714) / مسلم (6461)

ص: 638

[المسألة الثالثة] :

خلافة أبو بكر الصديق طَعَنَ فيها الرّافضة، فلم يقتصروا على ذلك بل طعنوا في أبي بكر الصديق.

وطعنهم في الخلافة يريدون منها أنَّ أبا بكر وعمر اغتصبا الخلافة واغتصبا الولاية، وكان الأحق بها علي رضي الله عنه.

ويستدلون لذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم لِعَلِيٍ في حديث غدير قم المعروف أنه صلى الله عليه وسلم قال لِعَلِي «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنَّهُ لا نبي بعدي» (1) ومنزلة هارون من موسى أنَّهُ قال له {اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ} [الأعراف:142] ، وهذا الحديث وقد رواه مسلم في الصحيح -حديث غدير قم المعروف- حديثٌ صحيح.

و «أنت مني بمنزلة هارون من موسى» لا تدُلُّ على استحقاقه للخلافة مُطْلَقَاً، وإنّما على استحقاقه للولاية في تلك السَّفرة التي سافرها النبي صلى الله عليه وسلم، فهو لمَّا ذهب فإنَّ علياً صار منه بتلك المثابة وطَمَّنَّ خاطره وشرح صدره بهذه المنزلة إذ لم يرافقه صلى الله عليه وسلم، وهذا شيءٌ مؤقت لا يدل على التقديم في كل حال [.....]

لمَّا حَجَّ أبو بكر بالناس عام تسعٍ من الهجرة كان هو أمير الحج، وعلي رضي الله عنه كان معه ليقرأ على الناس أول سورة براءة، {بَرَاءةٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ (1) فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ} [براءة:1-2] الآيات.

وسبب إرسال علي رضي الله عنه مع أبي بكر أنَّهُ كان من عادة العرب أنها لا تقبل الأمر الجلل إلا من الرجل نفسه أو من ذي قرابَةٍ منه يقول بقوله، فَرِغِبَ صلى الله عليه وسلم في أن لا يحدث اختلاف في هذا الأمر وأن يُعْلِنْ البراءة من المشركين في أن لا يحج بعد العام مشرك، أن يُعْلِنَهَا أقرب الناس من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو علي ين أبي طالب ابن عمه وزوج بنته رضي الله عنه.

وهذا يدل على أنَّهُ كان مع أبي بكر تابعاً، وكان أبو بكر رضي الله عنه هو الأمير.

وما ذكروه من قوله «أنت مني بمنزلة هارون من موسى» إنما هذا في شيءٍ مؤقت لا يدل على منزلةٍ عامة.

ولهذا علي رضي الله عنه كان في الستة نفر الذين عهد إليهم عمر رضي الله عنه باختيار الخليفة، فكان من اختيارهم أن يختاروا عثمان رضي الله عنه خليفةً للمسلمين، ولهم في ذلك -يعني للرافضة في ذلك - أقوال في القدح من أبي بكر وفي القدح من عمر وعثمان معروفة عاملهم الله بما يستحقون.

[المسالة الرابعة] :

قال (تَفْضِيلًا لَهُ وَتَقْدِيمًا عَلَى جَمِيعِ الْأُمَّةِ) وهذا هو الذي ذكرت لك في أول الكلام من أنَّ تقديم أبي بكر لأجل تَفْضِيلِهِ، فهو الأفضل وهو المُقَدَّم، كذلك عمر هو الأفضل وهو المُقَدَّم، كذلك عثمان هو الأفضل وهو المُقَدَّم، ثم علي هو الأفضل وهو المُقَدَّم، رضي الله عنهم أجمعين.

فإثبات الخلافة فيها إثبات الفضيلة، وأيضاً المسألة تنعكس، إثبات فضل أبي بكر على جميع الأمة فيه إثبات الخلافة له رضي الله عنه وتقديم أبي بكر على جميع الأمة في الفضل هو تقديمٌ لأبي بكر على جميع الأمة في استحقاقه في الولاية والخلافة.

(1) البخاري (3706) / مسلم (6370)

ص: 639

قال بعدها (ثُمَّ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه

عمر بن الخطاب هو في الأفضل في هذه الأمة بعد أبي بكر الصديق وهو في الخلافة أيضاً هو الخليفة الثاني بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وخلافته بالإجماع ثبتت بالعهد من أبي بكر حيث إنَّ أبا بكر الصديق رضي الله عنه نَصَّ على عمر بالخلافة بعده.

لهذا لم يختلف المسلمون في أن يكون بعد أبي بكر عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

وفضائل عمر أكثر من أن تُحْصَرْ، ومناقبه كثيرة مبثوثة، وفي عهده رضي الله عنه اتسعت بلاد الإسلام وانتشر لواؤُهُ وكَثُرَ الداخِلُونَ في الدين، وأُرغمت أنوف الكفرة والمشركين وسار الصحابة والمسلمون إلى أمكنة بعيدة.

وكان في عهده يأخُذُ نفسه بالحزم والشدة على نفسه وعلى قرابته، حتى إنَّهُ قيل له في آخر أمره: ألا تعهد لعبد الله بن عمر بن الخطاب، فقال (يكفي أن يشقى بهذا الأمر واحدٌ من آل الخطاب)(1) .

وكان رضي الله عنه وهو عمر من أحزم الناس في أمر الوِلَايَة؛ بل كان أحزم هذه الأمة بعد أبي بكر الصديق في أمر الوِلاية.

ومع أنَّهُ كان متصفاً بالقوة والبأس والهيبة، وكان أبو بكر رضي الله عنه متصفاً بالرفقة والرّحمة والسعي في الحاجات عن قلبٍ رحيم، فإنَّ أبا بكر كان في الولاية أفضل منه وفي مقامه مقام أبي بكر في الوَلاية كان أفضل وأرفع من عمر رضي الله عنه في مقامه.

فأبو بكر الصديق رضي الله عنه هو الذي وقف في الردة ذلك الموقف العظيم الذي لم يثبت له عمر ولم يثبت له كثير من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.

فولاية عمر بالاتفاق والإجماع من أهل السنة أنها ثبتت بالنص وثبتت بالعهد من أبي بكر، وأنه هو المستحق لها إلا خلاف الرافضة المعروف.

_________

(1)

تاريخ الطبري (2/580)

ص: 640

قال بعدها (ثُمَّ لِعُثْمَانَ رضي الله عنه

وعثمان رضي الله عنه وَلِيَ الخلافة بالاختيار، فَعُمَرْ لمَّا وَلِيَ الخلافة وَلِيَهَا بِعَهْدْ، ثم استمر، فلما قَرُبَتْ وفاته وشهادته رضي الله عنه قال (إنْ أَعْهَدْ فقد عَهِدَ أبو بكر، وإن أترك فقد ترك النبي صلى الله عليه وسلم (1) ، وجعل الأمر شورى في الستة نفر فآل إليهم الأمر فاختاروا أفضلهم وأعظمهم صحبةً للنبي صلى الله عليه وسلم ومقامُ صدقٍ في الإسلام وهو عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه.

فخلافة عثمان ثبتت بالاتفاق ثبتت باختيار أهل الشورى الخاصِّينْ وهم الستة من العشرة رضي الله عنهم.

_________

(1)

البخاري (7218) / مسلم (4817)

ص: 641

(ثُمَّ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه

ونثبت الخلافة بعد عثمان لِعَلِيٍ رضي الله عنه، وعلي بن أبي طالب لم يُجْمِعْ عليه المسلمون في عهده لأنَّهُ -مع أنه الأحق من كل وجه من غيره- لأنه كان بعد مقتل عثمان، ومقتل عثمان سعى فيه المفسدون من الخوارج ونحوهم وأوغروا الصدور في هذا الشأن حتى وقع قَتْلْ عثمان، ثُمَّ وقع الخلاف بين الصحابة بسبب ذلك، فمعاوية رضي الله عنه في جهة وعلي رضي الله عنه في جهة، وطلحة والزبير وعائشة في جهة، وحدث من ذلك ما حدث.

فعلي رضي الله عنه خلافته ثابتة باختيار أهل الحل والعقد له في المدينة، فخلافته بالاختيار؛ ولأنَّهُ هو الأفضل من هذه الأمة بعد عثمان، وإذا كان هو الأفضل فهو الأحق بالولاية وهو الأحق بالخلافة.

لهذا كان الواجب على جميع المسلمين في وقته -يعني من الصحابة والتابعين- أن يعقدوا البيعة لِعَلِيٍ رضي الله عنه؛ لكن لم يجتمع الناس عليه وقضى في الخلافة رضي الله عنه سنين لم يكن السِّلْكُ فيها منتظماً ولا حبل الولاية فيها مستقيماً؛ بل كان زمن قتال وخلاف، وعلي رضي الله عنه لَقِيَ من الناس فيها الأمَرَّينْ.

لهذا خلافة علي -وإن لم تكن مُجْمَعَاً عليها- فهي ثابتةٌ بيعة أهل الحل والعقد له في المدينة، وأهل الحل والعقد هم الذين يُصارُ إليهم في مسائل البيعة، وبعدهم لا يجوز لأحدٍ أن يَتَخَلَّفْ لأنَّ انتظام تلك واجتماع الأمة هذا فرضٌ ومن الفرائض، إضافةً إلى أنَّ علياً هو الأفضل، وهو رضي الله عنه في مكانته من رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمكان الذي لا يخفى.

ص: 642

قال بعدها (وَهُمُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَالْأَئِمَّةُ الْمَهْدِيُّونَ.)

كلمة (الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ) مأخوذة من حديث النبي صلى الله عليه وسلم في وصفهم بالرّاشدين في قوله مثلاً في حديث العرباض بن سارية «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعظوا عليها بالنواجذ» (1) ووَصْفُ الخلافة ووَصْفُ الرُّشْدْ ليس مُخْتَصَّاً بهؤلاء، فقد يكون بعدهم من يكون خليفةً، ويكون بعدهم من يكون راشداً.

لكنهم اتَّصَفُوا بِوَصْفٍ زائدٍ على الخلافة الراشدة في أنَّهُم على خلافةٍ راشدة على منهاج النبوة كما صَحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال «الخلافة ثلاثون سنة على منهاج النبوة ثم يكون ملكاً» (2) إلى آخره.

فهم الخلفاء الأربعة الذين شَهِد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالخلافة وبالرُّشْدْ.

وهاهنا مسائل.

_________

(1)

سبق ذكره (5)

(2)

المسند (18430) / المعجم الكبير (368)

ص: 643

[المسألة الأولى] :

أَنَّ وصف الخليفة استمر بعدهم في وُلاةٍ بني أمية؛ لكنَّهُ مع تغير الاسم إلى أمير المؤمنين.

وهذا ابتدأ من عهد عمر رضي الله عنه لما قيل له: أنت (1)

: [[الشريط الخامس والأربعون]] :

(خليفة خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أنتم المؤمنون وأنا أميركم أو كما جاء عنه رضي الله عنه (2)

وإلا فَهُمْ خلفاء، فيَصِحُّ أن يُقَال الخليفة عمر، الخليفة عثمان، والخليفة الراشد علي وهكذا؛ لكنه اقْتُصِرْ على أمير المؤمنين عمر وأمير المؤمنين عثمان وأمير المؤمنين علي، ثمَّ بعده أمير المؤمنين معاوية إلى آخره.

وهؤلاء خلفاء لقول النبي «لا يزال هذا الدين عزيزاً إلى اثنتي عشر خليفة» (3) وهذا يَدُلّ على دخول ملوك بني أمية مع اتِّصَافِهِم بالمُلْكْ باسم الخليفة؛ لأنَّ لفظ الخليفة ليس فيه مزيد فضل؛ ولكن معناه أنَّهُ الذي يخْلُفُ من قبله، وقد يكون يخلف بحسن، وقد يكون يخلف بغير ذلك.

لكن قال صلى الله عليه وسلم «لا يزال هذا الدين عزيزا إلى اثنتي عشر خليفة» وهذا يدل أيضاً على أنَّ ما بعد الاثني عشر خليفة يصح أن يُسَمَّوا خلفاء لكن لم يَخْتَصُّوا بهذا الاسم ولكن اخْتُصُّوا بألقاب أخرى، وربما أُطْلِقَ هذا اللقب.

(1) نهاية الشريط الرابع والأربعين.

(2)

تاريخ الطبري (2/569) / تاريخ الخلفاء (1/124)

(3)

مسلم (4812)

ص: 644

[المسألة الثانية] :

لو كان ثَمَّ خليفة خامس بعد الخلفاء الأربعة الذين اخْتُصُّوا باسم الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين، لو كان ثَمَّ من يستحق الخليفة الخامس فالذي يستحقه الصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه.

وهذا هو الذي عليه أهل السنة بخلاف قول طائفة من أهل البدع في عمر بن عبد العزيز رحمه الله إنَّهُ خامس الخلفاء الراشدين، أو الخليفة الخامس، أو الخليفة الراشد الخامس ونحو ذلك.

هذا ليس من أقوال أئمة أهل السنة؛ بل لو كان ثَمَّ خامس فالأحق به معاوية بن أبي سفيان فهو أفضل من عمر بن عبد العزيز بلا شك لأنَّهُ:

- اجتمع عليه الناس.

- وصار في مدته إغاظة للكافرين.

- ولأنه هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكاتب الوحي، وقد قال ابن مسعود (لَمُقام أحدهم ساعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خير من عبادة أحدكم كذا وكذا سنة)(1) .

والنبي صلى الله عليه وسلم قال «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» (2)، وقد قال عز وجل أيضاً {لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} [الحديد:10] .

وعمر بن عبد العزيز لاشك أنَّهُ دون معاوية ولم يحصل له في ولايته الانتشار، وإنَّمَا أرادَ أشياء في نشر السنة، وفي الجهاد وفي إحقاق الحق والعدل بين الناس، وإزالة المظالم؛ لكن لم يستقم له الأمر فما عاش في ولايته إلا أقل من سنتين او نحو السنتين، ثم بعدها قُبِضْ.

لهذا فلا يُقَدَّمْ أحد من التابعين على أحد من الصحابة رضي الله عنهم.

(1) ابن ماجه (162)

(2)

سبق ذكره (414)

ص: 645

[المسألة الثالثة] :

الحسن بن علي رضي الله عنه ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وريحانة النبي صلى الله عليه وسلم، لما قُتِلَ علي بايعوه بالخلافة، فما استقام الأمر له، فأراد رضي الله عنه وأرضاه أن يحقن الدماء وأن يجمع كلمة المسلمين فتنازل بالخلافة والولاية إلى معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، وسُمِّيَ عام تنازله بعام الجماعة حيث اتفق المسلمون واجتمعوا، وهذا لشدّة ورعه وتقواه -أعني الحسن- فإنَّهُ هو الأحق بالأمر؛ لكن رأى أنَّ مصلحة العظمى للإسلام والمسلمين تقضي بأن يترك الأمر لمعاوية الصحابي.

وفي اختيار الحسن الخير والبركة وهكذا كان، فعاش المسلمون نحواً من عشرين سنة وهم في أمن وأمان وقوة على الأعداء ومَكَنَةٍ في أمر دينهم وفي أمر دنياهم.

ص: 646

قال رحمه الله بعدها (وَإِنَّ الْعَشَرَةَ الَّذِينَ سَمَّاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَبَشَّرَهُمْ بِالْجَنَّةِ، نَشْهَدُ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ عَلَى مَا شَهِدَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَقَوْلُهُ الْحَقُّ)

هذا فيه تخصيص هؤلاء العشرة بالفضل وبالشهادة لهم بالجنة.

ودخل هذا في العقائد مخالفةً للرافضة وبعض الخوارج الذين يتبرؤون من أكثر هؤلاء العشرة، ويرون أنَّ لفظ العشرة لفظٌ مشؤوم، وأنَّهُ لا يصح الشهادة لهؤلاء بالجنة، ولا أن يُتَوَلَّوا، فصار من عقيدة أهل السنة مع توليهم لجميع الصحابة أن يُشْهَدَ لهؤلاء العشرة بالجنة وأن يُتَوَلَّوا بخصوصهم لمزيد فضلهم وسابقتهم وحبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وجهادهم معه.

فأُدْخِلَتْ في العقيدة لأجل خلاف الرافضة في هذه المسألة وتَبَرُّئِهِم من أكثر العشرة ومن لفظ العشرة.

وفي هذه الجملة مسائل:

ص: 647

[المسألة الأولى]

هؤلاء العشرة سمَّاهُم الطحاوي هنا: أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم.

وذكرت لكم مسألة قبل ذلك (1) وهي أنَّ هؤلاء العشرة قيل عنهم إنَّهُم المُبَشَّرُونَ بالجنة لا لأجل اختصاصهم بهذه الشهادة والبشارة بل النبي صلى الله عليه وسلم بَشَّرَ عدداً كبيراً من الصحابة بالجنة فبَشَّرَ بلال بالجنة، وبَشَّرَ خديجة بالجنة، وبَشَّرَ عائشة بالجنة، وبَشَّرَ عكاشة بن محصن بالجنة، وبَشَّرَ آخرين بالجنة، وإنما اخُتُصَّ هؤلاء لأنهم أفضل هذه الأمة؛ ولأنهم بُشِّرُوا بالجنة في مكانٍ واحد، في حديثٍ واحد، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال «أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد في الجنة، وأبو عبيدة في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة» أو كما جاء عنه صلى الله عليه وسلم، وجاء أيضاً في حديثٍ آخر أنَّهُ بَشَّرَهُم واحداً تلوى الآخر في دخولهم عليه في بستان فقال «أَدْخِلْهُ وبَشِّرْهُ بالجنة» لمَّا أَدْخَلَ أبا بكر، ثُمَّ دَخَلَ عمر فقال «أدخله وبشره بالجنة» ، ثُمَّ لما أتى عثمان قال «أدخله وبشره بالجنة على بلوى تصيبه» (2) ثُمَّ هكذا إلى آخره.

فالمقصود من ذلك أنَّ هؤلاء نُصَّ عليهم لمزيد فضلهم ولاختصاصهم بالنبي صلى الله عليه وسلم وكلّهم من المهاجرين.

(1) انظر (626)

(2)

البخاري (3693) / مسلم (6365)

ص: 648

[المسألة الثانية] :

الرافضة -خذلهم الله- ومن شابههم يتبَرَؤُونَ مِنْ أفْضَلِ هذه الأمة وهم هؤلاء العشرة ما عدا بعض المذكورين، ويرون أنَّ لفظ العشرة من الألفاظ المنكرة التي ينبغي التبرُؤْ منها، فيكرهون لفظ العشرة لأجل وروده في العشرة المبشرين، ولأجل مقتل الحسين في اليوم العاشر من محرم ونحو ذلك مما يعتقدونه.

والواجب أنَّ المسلم يتولى من تَوَلَّاهُ النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي تولى هؤلاء، وهو الذي أشار إلى فضلهم وهو الذي بَشَّرَهُم بالجنة، فأيُّ خيبةٍ بعد ذلك على من عاداهم ولم يتولهم، فبِحُبِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ونُصْرَتِهِم له أحببناهم ونصرناهم ودافعنا عنهم.

فالذين يُبْغِضُونَ مَنْ أَحَبَّ النبي صلى الله عليه وسلم ومن شَهِدَ له بالجنة هم الحقيقون بأن يُبْغَضُوا.

وأهل السنة لكمال عدهم وأنَّهُم هم الوسط الذين شُهِدَ لهم بذلك في قوله {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة:143] ، فأهل السنة هم الوسط فهم يتولون من توَلَّاهُ النبي صلى الله عليه وسلم.

والفرق على اختلافها الخوارج والنّواصب والشيعة والرافضة يتولَّونَ بعضاً ويكرهون بعضاً؛ بل ربما كَفَّرُوا بعضاً وحكموا بالإيمان على بعض.

وهذا كله من الاعتداء والحكم على ما ليس لهم الحكم فيه.

لهذا الواجب على كل مسلم في أي مكانٍ كان من الأرض أن يُعْلِنَ موالاته لهؤلاء العشرة لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة، يعلن موالاته لهؤلاء لأنَّ موالاتهم من الدين.

ومن موالاتهم أيضاً الشهادة لهم بالجنة، ومن موالاتهم أن يُنْصَرُوا في موضعٍ يُنالْ منهم، ومن موالاتهم ومحبتهم أن يُجَاهِدَ المسلم في سبيل دفع الشُّبَه عنهم، الشُّبَه التي ربما يكون مَرَدُّهَا إلى الإثارات العلمية.

فطالب العلم يَحْسُنُ به؛ بل هذا من الجهاد أن يكون عالماً بما أُثير على أبي بكر الصديق وكيف أجاب أهل العلم عن ذلك لأنه قد يحتاج، ثُمَّ على عمر، ثُمَّ على عثمان، ثُمَّ على البقية كأبي عبيدة بن الجراح الذي يزعم الرافضة أنه كان متفقاً مع أبي بكر وعمر أن يلي الأمر بعدهما ولكنه مات قبل ذلك، وهذه دعوى يكذبون بها.

فالواجب إذاً أن يكون مقتضى المحبة والوَلَايَة أن يكون المؤمن عالماً بفضائلهم وأن يكون مدافعاً عنهم لأنَّ هؤلاء هم الصفوة، والله عز وجل يقول {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة:71] ، وقال صلى الله عليه وسلم «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا» (1) وقال «المسلم أخو المسلم لا يخذله ولا يحقره» (2)

يخذله متى؟

في موضعٍ يحتاج فيه إلى نُصْرَتِهِ، فإذا وقع الناس في عرض خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو في عرض عائشة الصديقة بنت الصديق، أو في عرض عمر أو في عثمان أو أبي عبيدة أو نحوهم، فإنَّ الواجب أن يُنْتَصَرَ لهم، والانتصار لهم من الانتصار للدين لأنه انتصار لمن شهد الله عز وجل له وشهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(1) البخاري (481) / مسلم (6750)

(2)

مسلم (6706) / أبو داود (4882)

ص: 649

[المسألة الثالثة] :

أنَّ قوله (نَشْهَدُ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ عَلَى مَا شَهِدَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَقَوْلُهُ الْحَقُّ) فيه إشارة إلى المسالة التي مَرَّتْ معنا سالفاً وهي أنَّنَا أهْلَ السنة والجماعة لا نشهد لمعينٍ من أهل القبلة لا بجنةٍ ولا بنار إلا من شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فنشهد لهم بالجنة لا لأجل أنَّ لهم الفضائل السائرة وأنَّ لهم المنزلة بل لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم شَهِدَ لهم بالجنة، فنشهد لشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد ذكرت لكم (1) أنَّ أهل العلم في االشهادة بالجنة للمعين اختلفوا فيها على ثلاثة أقوال ذكرتها لكم سالفاً، ومنها:

أن يُشْهَدَ لمن استفاض عند الأمة الشهادة له بالخير والصلاح والتقوى؛ لأنَّ الله عز وجل وَعَدَ أهل الصلاح والخير والتقوى بالجنة، ووَعْدُهُ الحق، والأمة شُهُودُ الله عز وجل في الأرض كما جاء في الحديث الصحيح أنه لما مُرَّ بجنازة شَهِدُوا لها بالخير قال «وجبت» ثم مر بأخرى فأثنوا عليها شرا فقال «وجبت» ، قالوا: يا رسول الله، ما وجبت؟ قال «تلك أثنيتم عليها خيراً فوجبت لها الجنة، وهذه أثنيتم عليها شراً فوجبت لها النار أنتم شهداء الله في الأرض» (2) ، لهذا كان رواية عن الإمام أحمد واختيار ابن تيمية وجماعة أنه بالاستفاضة يُشْهَدْ.

وهؤلاء العشرة مع شهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم بالجنة فإنَّ الأمة أجمعت عليهم، فليس ثَمَّ في الأمة إلى وقْتِ خروج الخوارج إلَّا مَنْ يُحِبْ هؤلاء العشرة ويَتَوَلَّاهم ويَنْصُرُهُم؛ لأنهم الذين نصروا الدين.

فَكُلُّهُم ماتوا والأمة تشهد لهم بالخير والحق والصلاح ونُصْرَةْ النبي صلى الله عليه وسلم والجهاد معه.

(1) انظر (459)

(2)

سبق ذكره (459)

ص: 650

قال بعدها (وَمَنْ أَحْسَنَ الْقَوْلَ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَزْوَاجِهِ الطَّاهِرَاتِ مِنْ كُلِّ دَنَسٍ، وَذُرِّيَّاتِهِ الْمُقَدَّسِينَ مِنْ كُلِّ رِجْسٍ؛ فَقَدْ بَرِئَ مِنَ النِّفَاقِ.)

يريد بذلك أيضاً الردَّ على الروافض والزيدية والخوارج ومن شابههم في عدم تَوَلِّيهِم لجميع الصحابة ولجميع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وإنَّ من علامات الإيمان محبة الصحابة وزوجات النبي صلى الله عليه وسلم جميعاً، ومن علامات النفاق بُغْضْ بعض الصحابة وبغض بعض زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، أو الوقيعة في بعض زوجاته صلى الله عليه وسلم.

تَمَيَّزَ أهل السنة وفارقوا طوائف من أهلٍ الفرق الضالة بأنهم يُحْسِنُونَ القول في الصحابة وفي الزوجات الطاهرات وفي ذرية النبي صلى الله عليه وسلم أعني ذرية الحسن والحسين وبقية أولاد علي رضي الله عنهم وأرضاهم.

ويندرج الكلام في مسائل:

ص: 651

[المسألة الأولى] :

قوله (وَمَنْ أَحْسَنَ الْقَوْلَ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَعْنِي بإحسانْ القول هنا:

- ما يشملُ إحسان القول القلبي بما يُحَدِّثُ به المرء نفسه.

- وإحسان القول الكلامي، وهو ما يتكلم به المرء.

فمن لم يكن في نفسه شيءٌ على الصحابة والزَّوجات الطاهرات فقد بَرِئَ من النفاق.

ويُفْهَمُ من ذلك أنَّ من كان في نفسه شيء على بعض الصحابة أو لم يُحْسِنْ الظن أو لم يُحْسِنْ القول فيهم ظاهراً أو باطناً فإنه يُخْشَى عليه من النفاق بقدر ما فيه من الإساءة.

وهذا يدل على أنَّ الواجب على كل مسلم ومسلمة أن يكون اعتقادهم في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الاعتقاد وأن يُثْنُوا عليهم بالجميل وأن يكِلُوا أمرهم إلى الله فيما اختلفوا فيه وأن يعلموا أنهم إنما اختلفوا في أمر لهم فيه اجتهاد وتأويل لأجل الدين.

ص: 652

[المسألة الثانية] :

أزواج النبي صلى الله عليه وسلم الطاهرات تسع، ووَصَفَهُمْ هنا بأَنَّهُنَّ طاهرات.

ويعني بطاهرات: ما وَعَدَ الله عز وجل به أو ما وصفهم الله عز وجل به في قوله {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب:33] .

وتَطْهِيرْهنَّ وإِذْهَابْ الرجس يعني: أنَّهُنَّ مع بقية أهل البيت طاهرات مُطَهَّرات، فمن وَصَفَهُنَّ بغير الطهر وقذف بعض نساء النبي صلى الله عليه وسلم فإنه منافق وربما يكفر بقذفه أو بعدم تطهيره لهنّ.

والله عز وجل يقول {يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء} [الأحزاب:32]، وهذا في التفسير معناه أنَّهُنَّ رضي الله عنهن لَسْنَ مثل بقية نساء المؤمنين؛ لأنهن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا وزوجاته في الآخرة؛ ولأنهنَّ أيضاً أمهات المؤمنين وقال {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [الأحزاب:6] فأزواج النبي صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين، وهذا يدلُّ على فضلِهِنَّ على كل مؤمن وعلى تطهيرهِنَّ كما في آية الأحزاب السابقة، وعلى أنَّ الواجب نحوهُنَّ الموالاة التامة وأنَّهُ لا يجوز أن يُعْتَقَدْ في واحدةٍ منهن بغير الكمال في أمر دينها بحسب ما وَسِعَه.

ومعنى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ومعنى كون أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أُمَّهَات للمؤمنين أنَّهُنَّ بمنزلة الأمهات كما جاء في القراءة الأخرى أو في الحَرْفْ الآخَرْ {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَهُوَ أَبٌ لَهُمْ} يعني هو صلى الله عليه وسلم، فَهُنَّ أمهات المؤمنين في المنزلة وفي واجِبْ المحبة والتقدير وفي واجب النُّصْرَة وما يجب من الموالاة ونحو ذلك.

أما في المَحْرَمِيَّة فليس أفراد المؤمنين محارم لزوجات النبي صلى الله عليه وسلم؛ بل كان زوجات النبي صلى الله عليه وسلم يَحْتَجِبْنَ عن بقية المؤمنين، فهن أمهات المؤممنين في المكانة والمنزلة والفضل وليسوا أمهات في المَحْرَمِيَّة؛ لأنَّ المَحْرَمِيَّة أقسام ثلاثة، هذا القسم أحدها.

ص: 653

[المسألة الثالثة] :

في قوله (وَذُرِّيَّاتِهِ الْمُقَدَّسِينَ مِنْ كُلِّ رِجْسٍ) يعني بكلمة (الْمُقَدَّسِينَ) المُطَهَّرِين لأنَّ التَّقْديس معناه التَّطهير، (الأرض المُقَدَّسة) يعني الأرض المُطَهَّرَة.

وهنا نَوَّعْ العبارة مع أنَّهُ لم يأت في الكتاب ولا في السنة وصف ذرية النبي صلى الله عليه وسلم بالقُدْسِيَة أو أنَّهُم مُقَدَّسُون وإنما استعمل ذلك في المعنى لثبوت المعنى وهو التطهير في قوله {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} .

لهذا قال بعدها (الْمُقَدَّسِينَ مِنْ كُلِّ رِجْسٍ) إلْماحاً للآية وأنَّهُ يريد بالتقديس هنا التطهير من كل رجسٍ الذي هو الإثم والعيب.

وذُرِّيَات النبي صلى الله عليه وسلم:

- منهم من انقطع النَّسْلْ وهم أولاده صلى الله عليه وسلم وأولاد بناته الذين انقَطَعَ نسلهم.

- ومنهم من بَقِيَ نسله إلى اليوم وهم الذين يُسَمَّونَ بآل البيت.

وآل البيت الموجود الآن في الغالب من ذرية الحسن بن علي بن أبي طالب، ومنهم القليل من ذرية الحسين بن علي بن أبي طالب.

ومن ينتَسِبُ إلى الحسين أو إلى الحسن، فإنَّهُ في الغالب عندهم صكوك نسبة يَسْرِدُونَ فيها النِّسَبْ إلى الحسن أو الحسين، يعني إلى علي بن أبي طالب وإلى فاطمة الزهراء.

وهذه النِّسَبْ سواءٌ اطّلع عليها المسلم أو لم يَطَّلِعْ عليها فإنَّ اعتقاده في جنس الذرية الذين طَهَّرَهُمْ الله عز وجل من الرجس، ولا يُنْسَبُ لِمُعَيَّنٍ من الذرية بأنَّهُ مُطَهَّرٌ من كل رجس.

يعني أنَّ المسلم يُحْسِنُ القول في ذرية النبي صلى الله عليه وسلم الذين شُهِدَ لهم بالتطهير من الأرجاس في الآية، وهذه شهادةٌ عامة وهي خاصَّةٌ بأهل ذاك الزمان، وما تَسَلْسَلَ الزمان ما بَقُوا على سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وإلا فإنَّ مِنَ المعلوم أنَّ القَرَابَة وحدها ليست بسببٍ كافٍ في نزع الآثام أو ثبوت التَّوَلِّي فقد يرتد القريب وقد يفْسُقْ وقد يكون كذا وكذا.

لكن من كان منهم صالحاً فله حق التقديم وله حق التبجيل وله حق الاحترام -يعني أعظم من غيره- لمكانِهِ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يُبْحَثُ في مثل هذه المسائل في الأنساب؛ لأنَّهُ كما قال الإمام مالك رحمه الله (الناس مُؤْتَمَنُونَ على أنسابهم)(1) .

فلا يُبْحَثْ عن النَّسَبْ وإنَّمَا من كان صالحِاً فَيُصَدَّقُ بظاهره، ومعيار صِدْقِهِ المحافظة على سنة النبي صلى الله عليه وسلم في أصل الأصول وهو التوحيد والعقيدة ثُمَّ في البراءة من البدع ونحو ذلك.

قد صَحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أيضاً أنَّهُ قال «ثنتان أمتي من أمر الجاهلية لا يدعونهن: الطعن في الأنساب والنياحة على الميت» (2) وهذا يحصل كثيراً الحقيقة في اختلاط بمن يَنْتَسِبُ إلى آل البيت لأنَّهُ قد يأتي آتٍ ويطعن في النَّسَبْ.

وهذا لا يجوز شرعاً أن يُخَاضَ في مسألة النَّسَبْ إلَّا من شاعَ وانتَشَرْ وظَهَرْ أنَّهُ مقدوحٌ في نَسَبِهِ فهذا أمر آخر، لكن يُشَكَّكْ في النسب فهذا أمرٌ لا يعني.

المقصود الاستقامة والناس مؤتمنون على أنسابهم، ومن لم يكن مستقيماً منهم فله الحق أن يُدْعَى له بالاستقامة والهداية ومغفرة الذّنب ونحو ذلك لأجل منزلته من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(1) كشف الخفاء (2690)

(2)

البخاري (3850) / مسلم (236)

ص: 654

[المسألة الرابعة] :

قوله في آخر الجملة (فَقَدْ بَرِئَ مِنَ النِّفَاقِ) يعني به ما يشمل: النفاق العملي والنفاق الاعتقادي، لأنَّ ضد إحسان القول في الصحابة والزوجات والذرية هو الإساءة في القول ظاهراً أو باطناً، وهذه الإساءة قد تكون من النفاق العملي وقد تكون من النفاق الاعتقادي بحسب الحال.

ومن طَعَنْ مثلاً في عائشة رضي الله عنه بما بَرَّأَهَا الله منه فإنَّ نفاقه حينئذٍ نفاق اعتقادي كما قال عز وجل في وصف المنافق {وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور:11] .

وقد يكون نفاقاً عملياً بحسب إساءة الظن؛ لأنَّ آية الإيمان حُبْ الصحابة، وآية النفاق بُغْضْ الصحابة، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قال في الأنصار «آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار» (1) فإنَّ المهاجرين أفضل من حيث الجنس من الأنصار، فلهم الحق أعظم، كذلك زوجات النبي صلى الله عليه وسلم وعامة الصحابة لهم في ذلك المقام الأعظم.

لهذا نقول إنَّ النفاق العملي قد يدخل إلى القلب في الإساءة في القول أو في الظن في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو زوجاته أو ذرياته.

(1) سبق ذكره (629)

ص: 655