الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الأسئلة:
س1/ هل إيمان أهل الكتاب بعيسى عليه السلام إيمانٌ ينفعهم أو إيمانُ إقرار لا ينفع؟
ج/ إذا نزل فكسر الصليب وقتل الخنزير ووضع الجزية فآمَنَ به أهل الكتاب واتَّبَعُوهُ، يعني اتَّبَعُوا ما أَمَرَ به من شريعة الإسلام فإنَّهُ ينفعهم؛ أما إذا آمنوا به يعني إيماناً بنزوله لا بما جاء به وإلى ما دعا إليه فهذا لا ينفع. المسألة ترجع إلى الأصول العامة.
س/ [.....] ؟
هل هذا في زمن عيسى أم في غيره؟ الحديث هذا صحيح كما هو معلوم، لكن هل هذا في زمن عيسى أم في غيره؟ أنا ما اتحدث وربما يكون قبل ذلك ثم تحدث فتنة وربما المقصود منه بعض البيوت لا كل بيوت الأرض.
س3/ ما رأيكم في القول بأنَّ قوله: {فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا} ، على نحو قول تعالى:{أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ} [النحل:1] ؟
ج/ إذا كان المراد بقوله: {فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا} ، الأشراط الكبرى فهو على نحو قوله:{أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ} ، يعني قَرُبَ المجيئ ودَنَا، {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ} يعني بقيام الساعة، {فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ} يعني قَرُبَ جداً، و {فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا} ، إذا كان المقصود بالأشراط الأشراط الكبرى يعني فُسِّرَتْ الأشراط بالأشراط الكبرى فيكون {جَاءَ} ، بمعنى قَرُبِ ودَنَا مجيؤها مثل {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ} هذا صحيح.
لكن التخصيص بأنَّ الأشراط هنا هي الأشراط الكبرى دون الصغرى يحتاج إلى دليل، والنبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل جاء ذكر أشراط الساعة وفسَّرَهَا بالأشراط الصغرى، قال (أخبرني عن الساعة) ، ثم قال له (أخبرني عن أشراطها)، قال:«أنْ تلد الأمة ربتها» إلخ
…
، كما ذكرت لك آنفاً وهذه من الأشراط الصغرى.
إذن حَمْلْ آية سورة محمد صلى الله عليه وسلم على الأشراط الكبرى دون الصغرى يحتاج إلى دليل، والأمران وشمول الآية للأمرين أولى.
س4/ إنَّ المسيح الدجال لم يكن حياً في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ألا يُعارِضْ هذا شك النبي صلى الله عليه وسلم في ابن صياد هل هو المسيح الدجال أم لا؟ وكذلك إقسام بعض الصحابة؟
ج/ المسألة معروفة من جهة البحث لكن في قصة ابن صائد أنَّهُ لما ذَهَبَ إليه النبي صلى الله عليه وسلم ليراه، قال «ما ترى؟» .
قال له: (إني أرى الدُّخْ) ولم يُكْمِلْ.
فقال له صلى الله عليه وسلم «اخسأ فلن تعدو قدرك» (1) .
لأنه علم أنَّهُ كاهن، لهذا الأظهر فيه أنَّهُ كاهن صفته كانت مقاربة للصفة، لكن الدجال أمره يختلف، وابن صائد مات ودُفِنْ بإجماع الناس في ذلك الزمان.
س5/ أين يوجد يأجوج ومأجوج؟
ج/ لا أعلم.
س6/ ما علاقة ابن الصيّاد بالدجال، وهل رأى الصحابة ابن صائد؟
ج/ نعم ابن صيّاد أو ابن صائد كان موجوداً في المدينة، وظَهَرَ عليه بعض العلامات وخُشِيَ أنْ يكون الدجال، لكن من المعلوم أنَّ الدجال لا يخرج من المدينة، الدجال يخرج من مكان هو فيه محبوس وهذا الرجل مات ودُفن إلخ، فالقول أنَّ الدجال هو ابن صائد ليس [......] ، الصحابة شَكُّوا ثم تبَيَّنْ لهم هذا الأمر، ومن أقسم على أنَّ ابن صياد هو الدجال هذا بحسب ظنه أو أنَّ المقصود أنَّهُ دجالٌ من الدجاجلة.
س7/ ما رأيكم في من قال أنَّ يأجوج ومأجوج هم شعوب الصين؟
ج/ هذا محتمل؛ لكن ما فيه ما يدل على الجزم به، لأنَّ بعض الصفات التي وردت منطبقة عليهم، في أشكالهم لأنهم قصيرو القامة جداً وبعض الصفات قد ما تنطبق من كل جهة، والتحديد ما الذي يفيد فيه؟
يعني كانوا شعوب الصين أو شعوب أخرى أو ناس يكثرون بقرب زمن خروج عيسى عليه السلام، يكثرون جداً، يتناسلون ثم يذهبون للناس، يعني ما الذي يختلف من ذلك؟
ويأجوج ومأجوج مثل ما ذكرنا لك سابقاً هم موجودون من زمن الأنبياء قبل {إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ} [الكهف:94] ، وأنهم يخرجون في زمن، فهم شَعْبان أو قبيلان أو قبيلتان كبيرتان موجودة، لكن ما المقصود بها؟
قد يكون الصين وقد يكون غير ذلك، أنا ما أعلم لأنَّ ما عندي ما يحدد ذلك بالدليل.
س8/ ورد حديث فيه التردد بين خروج الدابة وطلوع الشمس من مغربها، أيهما أول خروجاً فما الجواب عنه؟
ج/ يعني الحديث الذي في صحيح مسلم بأنها إذا خرجت إحداهما كانت الأخرى تليها، وهذا الحديث إذا كان فيه التَّرَدُّدْ، فإنَّ الأحاديث الأخرى دلت على أنَّ خروج الدابة تكون على الناس ضُحَى، طلوع الشمس، الطلوع ما يكون بعد الضحى، الطلوع يكون وقت الطلوع، يعني في أول إدبار الليل وإقبال الصباح، والصحيح أنَّ طلوع الشمس من مغربها أول ثُمَّ بعد ذلك خروج الدابة.
وهذا يقتضيه أيضاً المعنى، لأنَّ طلوع الشمس من مغربها، هذا خلاص فاصلة الإيمان، يعني من لم يؤمن من قبل لا ينفعه إيمانه، ثمّ الدابة التي تَسِمْ الناس وتَكْلِمَهُمْ.
س9/ ألا يكون مفرد أشراط هو شَرَطْ؟ أما شَرْطْ فجمعه شروط؟
(1) البخاري (1354) / مسلم (7529)
ج/ هذا صحيح لكن هو يصح شَرْطٌ وشَرَطْ، وهذا كثير، أعني شَرْطْ وشَرَطْ في المفرد يتبادلان، يعني من حيث القياس ومن حيث النقل، مثل نَهْرْ ونَهَرْ، وسَمْعْ وسَمَعْ، وفي القرآن في القراءات في كثير تناويع بين فَعْل وفَعَلْ في المفرد الذي جمعه أفعال، والنهر:{وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهْراً} [الكهف:33]، وفي القراءة الأخرى:{ [وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً} ، اللي هو قراءتنا، وجمع نَهْرْ، أنهار وأنْهُر.
فالمسألة صحيح شَرْطٌ وشَرَطْ، ولا يعني استعمال الشَرْطْ فيما ذُكر أنَّه.
المقصود أنها صحيح شَرْطٌ وشَرَطْ كلها.
س10/ كيف تكون أطوار حياة الدجال الأولى؟
ج/ الله أعلم، الله يعيذنا من فتنتة.
هم حذروا من الفتنة، خوفوا الناس من الفتنة، من فتنة المسيح الدجال.
وبالمناسبة لم أذَكُرْ: في المسيح الدجال والمسيح عيسى ابن مريم، اشتركا في اسم المسيح والمعنى مختلف.
المسيح الدجال: فعيل بمعنى مفعول، يعني لأنَّهُ ممسوح العين اليسرى وعينه الأخرى كأنها عنبةٌ طافية، يعني بالية، فمسيح بمعنى ممسوح، يعني إحدى العينين غير موجودة، أعور.
وأما المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام: فهو مسيح بمعنى ماسح فاعل لأنَّهُ كان إذا مَسَحَ على مريضٍ أو من يشتكي أبرأه الله عز وجل كما جاء في القرآن في سورة آل عمران والمائدة: {وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي} [المائدة:110] .
في بعض الكتب يقولون المسيخ، أو لا؟
هذه أنا ما أعرف إيش أصلها، المسيخ يعني بمعنى ممسوخ! هل هو ممسوخ هو؟
هل جاء في الأحاديث ممسوخ أو مسيخ؟
أنا ما أعلم فيها، ولكن الأحاديث كلها اللي في السنن اللي في الصحيح، اللي في السنن كلها المسيح بالحاح لا بالخاء.
س11/ حبذا لو أبَنْتَ لي معنى قول بعض العلماء إنَّ القدرة لا تتعلق بالمستحيل، بل لا تتعلق القدرة إلا بالممكن بخلاف العلم، وهل هذا القول صحيح؟
ج/ يحتاج تَأَمُّلْ، ما أستحضر يعني، لكن كأنها من كلمات الأشاعرة، القدرة لا تتعلق بالمستحيل بل تتعلق القدرة بالممكن، قدرة الله عز وجل تتعلق بكل شيء كما هو نص القرآن:{وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً} ، {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ، {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ، {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً} [الكهف:45] ، ونحو ذلك، فالقُدْرَةْ متعلقة بكل شيء.
وكل شيء هذه تشمل ما أَذِنَ الله عز وجل بوقوعه وما لم يأذن بوقوعه.
أما تَعَلُّقْهَا بالممكن، من قال تَتَعَلَّقْ بالممكن، فالممكن وقوعاً أو الممكن إذناً؟
فهذا الكلام فيه صلة بكلام الأشاعرة والماتريدية ونحوهم ممن يُعَلِّقُونَ القدرة بما يشاؤه الله عز وجل وما يأذن به.
والقرآن فيه الرد على هذا القول من جهتين:
- الأولى: في عموم كل شيء في الآيات التي ذكرت لك.
- الثانية: في آية سورة الأنعام، في قوله:{قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً} [الأنعام:65]، قال عز وجل:{هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ} ، هل حصل هذا العذاب من فوق؟
قال صلى الله عليه وسلم لما قرأها «أعوذ بوجهك» ، {أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} قال «أعوذ بوجهك» ، {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً} قال «هذه أهون» (1) . وهذه وقعت كما في الحديث الثاني أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم سأل ربه ثلاثاً فأعطاه اثنتين ومَنَعَهُ واحدة.
فهناك أشياء كما في نص الآية الله عز وجل قادرٌ عليها ولم يأذن بوقوعها، فهي من جهة الوقوع ما دام أنَّهُ لم يأذن الله عز وجل بها ولم تقع لكن تعلّقت بها قدرته، فإذاً دلت الآية على أنَّ قدرته عز وجل متعلقة بكل شيء بما يشاء أنْ يقع وبما لم يشأ أنْ يقع، وهذا هو قول أهل السنة خلافاً لقول الآخرين.
(1) سبق ذكره (65)
الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:
الأسئلة:
س1/ هل هذا [.....] عمار يعني، يقول صلى الله عليه وسلم لعمار:«تقتلك الفئة الباغية» (1) ، هل هذا معناه أنَّ فرقة معاوية فرقة باغية؟
ج/ قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمار بن ياسر «تقتلك الفئة الباغية» هذا حديثٌ صحيح، وأهل العلم يستدلون به على أنَّ الحق مع علي رضي الله عنه وأصحابه، وأنَّ معاوية رضي الله عنه ومن معه أنهم كانوا متأولون وبغوا على علي رضي الله عنه، وإنما فعلوا ذلك باجتهاد كما هو معلوم.
ولهذا لما قيل لمعاوية هذا الحديث: (إنَّ عماراً تقتله الفئة الباغية)، قال:(إنما قتله الذين أخرجوه)(2) ، يعني ما قتلناه، قتله الذين أخرجوه في أمرٍ ليس بحق، فتأوَّلَ حتى الحديث وجعل علياً رضي الله عنه ومن معه الذين بغوا على أولياء بني عثمان رضي الله عنه.
والصواب في ذلك هو ما عليه مُعتَقَد أهل السنة والجماعة من الترضي عن الجميع، واعتقاد أنَّ الصواب والحق مع علي رضي الله عنه وأصحابه، وأنَّ معاوية رضي الله عنه بَغَى على عليٍ في ما ذهب إليه وأنه لم يكن أيضاً كل ما حصل باختيار معاوية رضي الله عنه، بل كان ثَمَّ من يفسد بين الفئتين وهم الخوارج قاتلهم الله.
فالمقصود من ذلك أنَّ محبة الجميع فرض، ومعاوية رضي الله عنه كاتب وحي النبي صلى الله عليه وسلم ولا يجوز التَّنَقُّص منه، وولايته كانت من خير الولايات، يعني هو خير ملِكٍ مَلَكْ لأنه صحابي وأقام الجهاد واجتمعت عليه الأمة في وقته، وعلي رضي الله عنه من هذه الجهة لم تجتمع عليه الأمة، فلذلك حصل من الخير ومراغمة الأعداء وقتال أعداء الله وجهاد المشركين وسَعَةْ انتشار الإسلام في وقت معاوية ما لم يحصل في خلافة علي رضي الله عنه. فلهذا الله أعلم بمواقع حكمته وقدَرِهِ ولكن علي رضي الله عنه هو المصيب وهو الحق وهو الخليفة الراشد وهو رابع الخلفاء ورابع المبشرين بالجنة وهو أفضل وأعلى مقاماً من معاوية رضي الله عنهم جميعاً بلا شك، ولكن معاوية كان في ذلك متأولاً وكان في عهده من الخير ما يُحمد له.
س2/ ما رأيكم بموسى الموسوي؟ قرأت له ردوداً على الإمامية وقيل إنَّهُ شيعي؟
ج/ هذا موسى الموسوي أحد الإمامية الرافضة، نَقَمَ ما على الخميني دعوته في ولاية الفقيه وفي بعض أمور السياسة فرحل إلى أمريكا وأنشأ له هناك داراً ومركزاً، وألَّفَ بعض الكتب باللغة الإنجليزية والبعض باللغة العربية، وبعض كتبه كـ:(الشيعة والتصحيح) و (التشيع والتشيع) ، و (يا شيعة العالم استيقضوا) ونحو هذه الكتب مفيدة في الرّد على الشيعة وبيان أنَّ منهم من يردُّ عليهم من كتبهم وأنهم متناقضون، وأنَّ الحقّ ليس معهم وأنَّ عندهم من التناقض وعندهم من مخالفة ما عليه أكابرهم المتقدمون ما يدل على فساد ما ذهبوا إليه، فكتبه مفيدة في ذلك.
لكنه هو يذهب إلى شيء يجب أنْ تنتبه إليه، وهو أنَّ الشيعة حق وأنَّ التشيع حق وأنَّ الجعفرية حق، وأنه لا يجوز أنْ يُتَعَدَّى على التشيع من حيث هو، وأنَّ السنة والشيعة فرقتان من فرق الإسلام لا ينبغي أنْ يكون بينهما كبير فرق، ومع هذا فهو رَدْ على الشيعة في مواضع كثيرة.
مَثَلَاً أذكر له في كتابه (الشيعة والتصحيح) ذَكَرَ عدة مسائل منها مسألة العصمة، مسألة ترك يوم الجمعة وزواج المتعة.
وأيضاً ذَكَرَ وهي مسألة مهمة عقد لها باباً سماه (الشيعة ومراقد الأئمة) ، وذَكَرَ في هذا نقداً واضحاً وتضليلاً للذين يُقَدَّسُون الأئمة ويتجهون إلى مراقدهم بالحج يعني إلى قبورهم، وقال حتى في صدر هذا الباب إنْ صح حفظي يقول في أول أسطر منه (يحلو لبعض الفئات أنْ تجعل مُعَظَّمَهُم مُقَدَّسَاً ويجعلون عليه خِلَعَاً من صفات الإله كما فعل الناس من المسلمين بمُعَظَّمِيْهِمْ، فلدى السنة مُعَظَّمُونْ خلعوا عليهم من صفات الإله وجعلوا يذهبون إليهم بالذبائح والنذور والطلبات والاستغاثات، وللشيعة أيضاً مُقَدَّسُون ومُعَظَّمُون خلعوا عليهم من صفات الإله ولم يَنْجُ -هذه عبارته- ولم ينجُ من هذا التخريف إلا الطائفة الموسومة بالسلفية)(3) .
فعلى العموم عنده ما عنده وكتبه تستفيد منها، يستفيد منها طالب العلم في بعض الأمور وخاصة في مسألة متى بدأ القول بالعصمة؟، ومتى بدأ انحراف الشيعة عن أقوال الأوائل؟
أرَّخَهَا في كتبه تَأْرِيْخَاً جيداً، وبَيَّنَ أَنَّ بداية الانحراف كانت في أوائل المائة الرابعة بدأ القول بالعصمة وبدأ الانحراف عن طريقة أئمتهم الأولين، فيُرَدُّ عليهم من كلام بعضهم (4) .
(1) سبق ذكره (798)
(2)
المسند (6499) / المستدرك (2663) / المعجم الكبير (758)
(3)
رفع الله لواءها
(4)
نهاية الشريط الثامن والأربعين.
: [[الشريط التاسع والأربعون]] :
وَلَا نُصَدِّقُ كَاهِنًا وَلَا عَرَّافُا، وَلَا مَنْ يَدَّعِي شَيْئًا يُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَإِجْمَاعَ الْأُمَّةِ.
هذه الجملة منه في عقيدته يريد بها تقرير أصلٍ من أصول أهل السنة والجماعة؛ وهو أنهم لا يُصَدِّقُونَ من يَدَّعِي شيئاً من علم الغيب أو يَدَّعِي حالاً مخالفةً لما دل عليه القرآن وسنة النبي صلى الله عليه وسلم وما أجمعت عليه الأمة في صدرها الأول.
وسبب إيرادها في العقيدة أنَّ زَمَنَهُ كَثُرَ فيه من ينتسب إلى الأولياء ويكون له أحوال شيطانية ويكون له هَدْيْ يخالف به ما يجب على الأولياء من طاعة الله ورسوله ومعاداة الشياطين، وربما كان منهم من يَدَّعِي بعض علم الغيب فيكون كاهناً، أو يُخبِرَ ببعض المُغَيَّبَاتِ فيكون عرَّافاً، أو يكون على حال لم يكن عليها السلف ولا ما أجمعت عليه الأمة فيكون مُدَّعِيَاً لشيءٍ يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة.
وهذا كما أَنَّهُ كان في الدجالين كذلك كان في السحرة والكهنة حقيقةً، وكذلك في بعض من ينتسب إلى الصلاح والطاعة ظاهراً وهو في الباطن من إخوان الشياطين ومُوَاليهم.
وما ذكره ظاهر الدليل من كتاب الله عز وجل ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
ونذكر تحت هذه الجملة مسائل:
[المسألة الأولى] :
الله جل جلاله هو المختص بعلم الغيب فلا يعْلَمُ أحدٌ الغيب، بل الله عز وجل هو الواحد الأحد وهو العالم بغيب السماوات والأرض وما فيهن ومن فيهن، قال عز وجل {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَاّ هُوَ} [الأنعام:59] ، وقال عز وجل في سورة النمل {قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} [النمل:65] ، وقال عز وجل {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27) لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ} [الجن:26-28] ، الآية وكذلك في قوله عز وجل {إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} [لقمان:34] ، فدَلَّتْ هذه الآيات أنَّ علم الغيب مختصٌ بالله عز وجل، والمقصود به علم الغيب المُسْتَقْبَلْ؛ يعني ما سيكون في الأرض أو في السماء هذا لا يعلمه على اليقين والحقيقة إلا الله عز وجل، وإنما الناس يَخْرُصونَ في ذلك فواجبٌ اعتقاد أنَّ الله عز وجل يعلم الغيب وحده جل جلاله وتقدست أسماؤه.
ومن ادَّعَى شيئاً من علم الغيب فإنما هو من الشياطين أو من إخوان الشياطين كما قال عز وجل {وَيَوْمَ نحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا} [الأنعام:128] ، فذكر أَنَّ الجني يستمتع بالإنسي بعبادته له وتقرُّبِهِ له، وأنَّ الإنس يستمتع بالجني بما يخبره من المُغَيَّبَاتْ وما يكون.
هذا دلَّتْ عليه أيضاً عدد من الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت الكهانة وهي ادِّعَاء ما يُسْتَقْبَلْ من الأمور من الغيبيات، أو العِرَافَةْ -سيأتي تفسيرها- كانت من الأمور الشائعة في زمنه صلى الله عليه وسلم وقبل ذلك من أمور الجاهلية.
وقد روى مسلمٌ في الصحيح (أنَّ معاوية بن الحكم السُّلَمِي أتى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له إنَّ رجالاً يَتَكَهَّنُونَ فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك)(1) ، وقد جاء أيضاً في الحديث (ليس منَّا من تَكَهَّنَ أو تُكُهِّنَ له)(2) ، وسيأتي باقي الأحاديث في الكهانة.
وسبب ادِّعاءْ علم الغيب في الناس من قبيل الكُّهَانْ أو العَرَّافِين أو المُنَجِّمِين أو من شابههم هو أنَّ الشياطين تُمِدُّهُم بالمعلومات.
والشياطين قد تُمِدُّهُم بمعلوماتٍ كاذبة، وقد تُمِدُّهُم بمعلومات فيها صدق، وقد يكذب الكاهن أو العراف أو المنجم مع ما أَتَاهُ من المعلومات مائة كذبة أو أكثر.
وما يَصْدُقُونَ فيه من الإخبار بالمعلومات سببه أنَّ الله عز وجل إذا أوحى بالأمر في السماء وأَمَرَ ملائكته به مما يُنْفِذُهُ في خلقه -لأنَّ الملائكة مُنَفِّذُونَ لأوامر الله عز وجل- فإنَّ الشياطين أعطاهم الله عز وجل القدرة على الاستماع وعلى الصعود وأن يَعْلُوَ بعضهم بعضاً فيما أَقْدَرَهُمْ الله عليه.
فربما استمعوا إلى بعض ما يوحيه الله عز وجل لملائكته وما يُلْقيه الملائكة بعضُهُمْ إلى بعض.
ولأجل هذا مُلِئَتْ السماء بالشهب وحُرِسَتْ بالنجوم التي تقتل من يسترق السمع، كما قال عز وجل {إِلَاّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ} [الحجر:18] ، وقال عز وجل {فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ} [الصافات:10] وقال عز وجل {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} [النجم:1] في بعض التفاسير.
فجعل الله عز وجل في السماء رُجُومَاً للشياطين وهي هذه الشهب.
وإذا كان كذلك فإن مَلْءْ السماء بالشُهُبْ واستراق السمع له تفصيل سيأتي إن شاء الله تعالى في مسألةٍ لاحقة.
(1) مسلم (5949)
(2)
المعجم الكبير (355)
[المسألة الثانية] :
قال (وَلَا نُصَدِّقُ كَاهِنًا وَلَا عَرَّافُا) العلماء اختلفوا في معنى الكاهن والعَرَّافْ وتفسير هذا وهذا على عدة أقوال.
وظاهر صنيع المؤلف الطحاوي رحمه الله أنَّهُ يُفَرِّقُ بين العَرَّافْ وبين الكاهن.
وسبب التفريق أنَّ الأحاديث جاء فيها ذِكْرُ الكاهن مفرداً والعَرَّافْ مُفْرَداً، وجاء فيها ذِكْرُ الكاهن والعرَّافْ مَجْمُوعَينِ مما يَدُلُّ على الفرق بينهما.
لهذا إذا نظرت إلى أصل اللغة فإنَّ كلمة تَكَهَّنَ وكاهِنْ غير كلمة تَعَرَّفَ وعارِفَ وصيغة المبالغة عَرَّافْ.
لأنَّ التَكَهُّنْ هو رَجْمُ الإنسان بالغيب فيما لا يعلم، يعني أنَّهُ يستقبل ما سيأتي بما لا علم له به.
ويدخل في ذلك عموم الظن؛ لكن الظن ليس معه ادِّعاءْ لعلم الغيب، وأما التَّكَهُّنْ فصار فيه ظَنٌّ هو في الأصل يعني في اللغة وظَنٌ فيما سيحصل مُسْتَقْبَلَاً.
لهذا يجوز لغَةً أنْ يقول القائل تَكَهَّنْتُ أَنُّهُ سيكونُ كذا وكذا على اعتبار يعني في المستقبل أنَّهُ يظن أنَّه سيكون كذا وكذا.
ثم شاع هذا الاسم فيمن يَدَّعُونَ علم الغيب بواسطة الشياطين، فصار لَقَبَاً واسْمَاً على طائفةٍ مخصوصة وهم الذين يَتَوَلَّونَ هذه الصَّنْعَةْ ويُخْبِرُونَ الناس عمّا سيكونُ من أحوالهم فيما يستقبلون من الزّمان.
فإذاً صار الكاهن كما عَرَّفَهُ بعض العلماء على هذا الاعتبار هو من يقضي ويُخْبِرُ بالمُغَيَّبات.
وأما لفظ العَرَّافْ فهو في اللغة أَصْلُهُ من عَرَفَ أو تَعَرَّفَ يَتَعَرَّفُ فهو مُتَعَرَّفٌ أو عَرَّافْ.
فهو الذي يُعَرِّفُ بأمورٍ غيبية يَعْرِفُهَا فَيُخْبِرُ بها.
وهذا يشمل الأمور الغيبية في الزمان الماضي مما حدث أو مما سيكون؛ لأنَّ المعرفة والتَّعَرُّفْ تشمل الماضي والمستقبل.
لكن خُصَّ في بعض الاستعمالات بأنَّهُ من يُخْبِرُ عن الأمور التي حصلت وانتهت مما خَفِيَ عن الناس كالإخبار عن مكان المسروق أو الضَّالَةْ أو عن شيءٍ أَضَاعَهُ الإنسان أو عن شيءٍ حصل وخَفِيَ عن الناس ونحو ذلك من المسائل.
إذا نظرت إلى هذا الأصل اللغوي وارتباط ذلك بحال أهل الجاهلية، فالعلماء اختلفوا في ذلك على أقوال:
1 -
القول الأول:
أنَّ الكاهن: هو القاضي بالغيب، وهو الذي يُخْبِرُ عن أمورٍ مُسْتَقْبَلَةٍ من الغيب مستعيناً في ذلك بالشياطين.
والعراف: هو الذي يُخْبِرُ عما خَفِيَ مما حَدَثَ وغاب عن الناس بالاستعانة أيضاً بالشياطين.
2 -
القول الثاني:
أنَّ الكاهن يَعُمُّ الجميع، فالعراف أخص، والكاهن يدخل فيه من يُخْبِرُ باُمورٍ مُسْتَقْبَلَة أو ماضية غابت عن الناس، أو التنجيم أو نحو ذلك، فيجعلون:
الكاهن: اسماً عاماً لكل من يَدَّعِي شيئاً من علم الغيب، فيدخل في صور كثير من الضرب بالرمل ومن الوَدَعْ ومن الخشب والاستقسام بالأزلام، خشبة (آبا جاد) والطرق بالحصى ونثر السُّبَح، والخط في الرمل ونحو ذلك مما هو شائعٌ عندهم، وأدْخَلَ فيها طائفة من المعاصرين -كما سيأتي بيانه- التنويم المغناطيسي وما يجري مجراه.
والعراف أخص من هذا فيكون مخصوصاً باسْمٍ، والاسم العام الكاهن.
هذا القول الثاني هو المشهور عند أهل العلم والأكثر عليه.
3 -
القول الثالث:
أنَّ العراف أشمل والكاهن أخص منه.
لأنَّ الكاهن مخصوص بالعلم المسْتَقْبَلِي عل حسب قولهم.
والعراف لكل من يدَّعي شيئاً من علم الغيب.
وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية كما نقله عنه شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد.
* والراجح من هذه الثلاثة أنَّ الكاهن اسم غير اسم العَرَّافْ.
فالكهانة لها صفتها وأحكامها، والعَرَّاف له صفته وأحكامه على نحو ما ذكرنا في القول الأول.
[المسألة الثالثة] :
دَلَّتْ الأدلة في سنة النبي صلى الله عليه وسلم على أنَّ تصديق الكاهن أو العراف محرَمٌ بل كفر، وعلى أنَّ إتيان الكهنة والعرافين فيها إثمٌ كبير.
فمن ذلك ما رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث حفصة -ولم يسمها مسلم-؛ بل قال عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وهي حفصة أم المؤمنين أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال «من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة» (1) .
وجاء في سنن أبي داوود حديث أبي هريرة أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال «من أتى كاهنا فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم» (2) .
وفي مسند الإمام أحمد أيضاً من حديث أبي هريرة أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال «من أتى كاهناً أو عرافاً فسأله عن شيء فصدقه لم تقبل له صلاة أربعين ليلة» (3) . وإسناده صحيح.
فَدَلَّت هذه الأحاديث على أنَّ:
- إتيان الكاهن أو العراف منهي عنه.
- وأنَّ سؤاله كبيرة من كبائر الذنوب إثمها عظيم يَتَرتَبْ عليها أن لا تقبل للمرء صلاة أربعين ليلة من عِظَمِ الإثم.
- وأنه إن سَأَلَ فَصَدَّقْ فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم.
إذا تبين ذلك فقوله صلى الله عليه وسلم «من أتى عرافا فسأله عن شيء» هذا فيه عموم، (سأله عن شيء) يعني عن أي شيء سواءٌ أكَانَ فيما مضى عن ضالة أو عن شيءٍ مفقود أو عن شيءٍ في المستقبل فإنه لا تُقْبَلُ له صلاة أربعين ليلة.
وسبب ذلك أنَّ العراف لا يستدل على ما غاب بأمورٍ ظاهرة أو بتجربة أو بأسبابٍ معلومة، وإنما يستعين بالجن، والاستعانة بالجن شرك لأنَّ الجن لا يُعينون الإنسان إلا إذا تَقَرَّبَ إليهم وأعطى بعض العبادة لهم ومَكَّنَهُم ليستمتعوا به، كما قال عز وجل {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} [الجن:6] ، يعني زاد الجنيُّ الإنسيَّ رهقاً وإثماً وبلاءً.
«لم تقبل له صلاة أربعين ليلة» اختلف العلماء هنا هل عدم القبول يعني الإجزاء ولكنه لا يثاب؟ أم أنها لا تقبل بمعنى أنها لا تُجْزِئُهُ لو صَلَّى ولكن يجب عليه أن يفعلها -يعني أن يقيمها-، وأنه لا يثاب عليها لأنها لم تُقْبَلْ منه؟
وهذا في نظائره في تفسيره (عدم القبول) هل عدم القبول يعني عدم الإجزاء أو عدم الثواب؟
والظاهر هنا أنَّ عدم القبول بمعنى عدم الثواب؛ لكنه إذا أَدَّاهَا سقط عنه الفرض، لإجماع الأمة أَنَّهُ لا يجب عليه أن يعيدها بعد اقتضاء الأربعين ليلة.
وأما تصديق الكاهن أو العراف -يعني إذا سَأَلَ كاهناً فَصَدَّقَه- فما في الحديث ظاهر وهو أنه قال «فقد كفر بما أنزل على محمد» هذا في حال السائل المُصَدِّقْ فكيف بحال الكاهن نفسه؟؟
يعني تُوُعِّدَ السائل الذي يسأل ويُصَدِّق أَنَّهُ قد كفر فكيف بالكاهن أو بالعراف؟
لهذا هنا مسألتان:
1 -
المسألة الأولى: في حكم الكاهن أو العراف؟
والصحيح أنهم إذا استعانوا بالشياطين في ذلك، يعني لم يكونوا دجَّالين وإنما فعلاً يُخْبِرُونَ عن اسْتِعَانَةٍ بالشياطين فإنَّ هذا كفر، ويجب استتابتهم إنْ تابوا وإلا قُتِلُوا عند كثير من أهل العلم، على تفصيلٍ مَرَّ معنا في حكم الزنديق وأمثاله.
2 -
المسألة الثانية: في حال السائل؟
قال صلى الله عليه وسلم «فقد كفر بما أنزل على محمد» وهنا الكفر هل هو كفرٌ أكبر مخرج من الملة أم كفرٌ أصغر دون كفر؟ أم يُتَوَقَّفْ فيه فلا يُقَالُ كفرٌ أكبر ولا كفرٌ أصغر لعدم الدليل على ذلك؟
ثلاثة أقوال لأهل العلم:
@ من أهل العلم من المعاصرين وممن قبلهم من قال أنه كفرٌ أكبر لظاهر قوله «فقد كفر» ، ويُفْتِي به عدد من مشايخنا هنا.
@ ومن أهل العلم من يقول هو كفرٌ دون كفر، وهذا أظهر من حيث الدليل لأمرين:
& الأمر الأول: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كما في رواية أحمد قال «من أتى كاهنا أو عرافا فسأله عن شيء فَصَدَّقَهْ لم تقبل له صلاة أربعين ليلة» فرتَّبَ عدم قبول الصلاة على السؤال والتصديق معاً ولو كان السائل الذي صَدَّقَ كافراً فإنه لا تقبل صلاة حتى يتوب دون تحديدٍ لمدةٍ معلومة.
& الأمر الثاني: أنَّ الناس يُصَدِّقُونَ العراف والكاهن لا على اعتبار أنهم يَدَّعُونَ علم الغيب وأنهم ينفُذُونَ على علم الغيب بأنفسهم؛ ولكن يقولون: هذا -يعني ربما قالوا- هذا ممن اخْتَرَقَتْهُ الشياطين.
فيكون لهم شبهة في ما يُصَدِّقُونَ به، وهذه الشبهة تمنع من أن يعتقدوا فيهم أنهم يعلمون علم الغيب مطلقاً.
وهذا يكثر في حال من يُصَدِّقْ من ينتسبون إلى الصلاح أو يظهر عليهم الوَلَايَةْ والصلاح ويُخْبِرُونَ بالمغيبات، والناس يصدقونهم على اعتبار أنهم يُحَدَّثُونَ بذلك، ولهم في ذلك -كما ذكرنا- شبهة وهذه تمنع من إخراجهم من الملة والكفر الأكبر.
(1) مسلم (5957)
(2)
أبو داود (3904) / الترمذي (135) / ابن ماجه (639)
(3)
المسند (23270)
ولهذا صار الصحيح هو القول بأنَّ تصديق الكاهن يعني في الخبر المُغَيَّبْ بخصوصه، يعني (من أتى فسأل فصدق) بالخبر بعينه أنَّ هذا كفر دون كفر لا يُخْرِجُ من الملة؛ لكن يجب معه التعزير البليغ والردع حتى ينتهي عمَّا سَمَّاهُ النبي صلى الله عليه وسلم كفراً.
@ القول الثالث وهو رواية عن الإمام أحمد أنَّه يُتَوَقَّف فيه، فلا يقال هو كفر أكبر ولا أصغر لأنَّ الحديث أطلق ثم لبقاء الردع في الناس والتخويف في هذا الباب.
[المسألة الرابعة] :
الشبهة التي ذكرنا من اسْتِرَاقْ السمع هي التي جاءت فيها الآيات أنَّ الشهاب يُرْسَلُ على الشيطان أو على الشياطين الذين يسترقون السمع.
واستراق السمع له ثلاثة أزمنة:
1-
الزمن الأول: ما كان قبل البعثة، قبل أن يُوحَى إلى محمد صلى الله عليه وسلم، يعني في حال أهل الجاهلية، وهذا كان استراق السمع كثيراً لحكمةٍ لله عز وجل في ذلك،، ولذلك كان ما يُخْبِرُ به الكُّهَان ويصدقهم الناس فيه كثيراً.
2-
الزمن الثاني: بعد أن أُوحِيَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإنَّ السماء مَلَأَهَا الله عز وجل حرساً شديداً وشُهُبَاً، كما قال عز وجل في سورة الجن مخبرا عن قول الجن في صدر السورة {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا} [الجن:1] إلى أنْ قال {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا} [الجن:8] فَدَلَّ على أَنَّهَا مُلِئَتْ، ولم يَعْهَدُوا ذلك من قبل؛ يعني أنَّ الله عز وجل جَعَلَهَا محروسةً لأجل وقت تَنَزُّلِ وحيه على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم حكمةً منه، وإلا فالله سبحانه قادر على أن لا يأذن بشيء من استراق السمع لكن لله عز وجل الحكمة والابتلاء لعباده.
فمُنِعُوا من الاستماع، ومُنِعُوا من استراق السمع وبَقِيَ ما ينفذ القليل جداً بالنسبة إلى ما سبق.
3-
الزمن الثالث: هو ما بعد عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فإنَّ ظاهر الأدلة يدلُّ على أَنَّها لم تَخْلُ بعد ذلك من الشهب ومن حراستها في ذلك لئلا يَدَّعِّيَ أحدٌ النبوة وتكثر الشبهة معه فيما يخبِرُ بالمغيبات ممن يدَّعِي النبوة.
وإذا كان الأمر كذلك في هذه الأحوال الثلاثة فإنَّ ادِّعاء علم الغيب كفر:
- إما لتَهَجُّمِهِ على ما يختص الله عز وجل به.
- أو لأَنَّهُ لا يدَّعِي علم الغيب إلا من يستعين بالجن ويتقرب إليهم.
وأما الذي يُصَدِّقُ من يَدَّعِي علم الغيب في بعض الأحوال مثل ما ذكرنا هذه لها تفاصيل ذلك.
والواجب أن يُعْتَقَدَ أَنَّ الغيب كما قدَّمْتُ لك في أول المسائل مختصٌ بالله عز وجل {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا} هذا يعمّ لأنَّ أحداً نكرة في سياق النفي، فتعم كل أحد، ثم استثنى الله عز وجل فقال {إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا} [الجن:26-28] فاستثنى الله عز وجل الرسول الملكي والرسول البشري فيما يُطْلِعُهُم عليه من علم الغيب لدليل صدقهم أو لحكمةٍ لله عز وجل في ذلك.
[المسألة الخامسة] :
الكِهَانَة والعِرَافَة متنوعة الصور.
ففي الزمن الأول كان لها صور متعددة مثل: الضرب بالحصى، ومثل الخط، هذه لو كانت توجد لَوْحَة لَبَيَّنْتُ لكم كيف يضربون بالحصى وكيف يَخُطُّونْ ويَصِلُون إلى النتيجة بزعمهم ويَتَّضِحْ لك أَنَّهُ دَجَلْ؛ لأنَّهُ لا دليل منطقي ولا سبب كوني ولا شرعي يَدُلُّ على النتيجة التي يَدَّعُونَها.
لكن يُدَجِّلْ على الناس بأن يجعل شيئاً لا يفهمه الناس يَدَّعِي الكاهن أو العَرَّاف أو الضارب بالحصى والرمل إلى آخره يَدَّعِي أنها تَدُلُّهُ على المعلومة، وهو في الحقيقة لا يستدل عليها بالخط ولا يستدل عليها بالخشبة التي يكتب عليها، ولا يستدل عليها بالحصى وإنما هي من الشياطين.
وهذه الأشياء، الصور المختلفة منها ما هو قديم ومنها ما هو حديث في أنحاء شتى لكن كُلُّهَا يُظْهِرُونَ أَنَّهَا سبب وليست بسبب.
وبخصوص الخط فإنهم يَدَّعُون دَجَلاً وكَذِبَاً أَنَّ هذا من عِلْمِ الله لبعض أنبيائه.
وهذا قد يَذْكُرُ عليه بعضهم قول النبي صلى الله عليه وسلم لما سُئِلَ عن الخط كما رواه مسلم في الصحيح قال «كان نَبِيٌّ يَخُطْ فمن وافق خطه فذاك» (1) يعني أَنَّ أصل الخط آية لنبيٍ من الأنبياء، عَلَّمَهُ الله عز وجل نبياً من الأنبياء ليكون دِلالَةً على ما يُعَلِّمُهُ الله عز وجل، وبقي في الناس لكن لا يوافقون آية النبي؛ لأنَّ آية النبي لا يستطيع أحد أن يفعلها؛ لأنها آية مُخْتَصَّة به، ولو كانت آية نبي تكون لكل أحد لما خُصَّ النبي بالآية.
لهذا كان قال «كان نبي يخط» ثم قال «فمن وافق خطه فذاك» .
قوله «فمن وافق خطه فذاك» هذا من الإحالة على مستحيل؛ يعني أنَّ أَحَدَاً من هؤلاء الذين يَخُطُّونْ والكهنة والعرافين ومن نحا نحوهم لا يمكن لأحدٍ أن يقول هكذا خَطَّ ذاك النبي أو أَنَّ هذه آية من جنس آية ذاك النبي [
…
] الكهنة والذين يَخُطُّونْ ويَدَّعُون علم الغيب من أنَّ الخط كان عند الأنبياء فَيُرَدُّ عليهم بهاتين الجهتين:
- الأول: أنَّهُ آية وآية النبي لا يمكن لأحدٍ أن يدركها.
- الثاني: أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أحَالَ على مستحيلٍ قال «فمن وافق خطه فذاك» ، وهذا لا يمكن لأحد أنْ يُدْرِكَهْ.
لهذا الخط في الرمل والضرب بالحصى والخشب وأنواع ذلك هذه من الصور القديمة وهي موجودة الآن في بعض البلاد، وهي كلها من وسائل الكُهَّان ومن نَحَا نحوهم.
ومن الصور الحديثة التي اختلف فيها العلماء، هل تدخل من الكهانة أم لا تدخل؟، وهل هي من استخدم الجن وعلم الغيب أم لا تدخُل؟ ما يُسَمَّى بالتنويم المغناطيسي.
وهذا له صفته وثَمَّ كتب كثيرة مُؤَلَّفَةْ في ذلك من مختصين في هذا في أوربا وفي مصر وفي لبنان وفيه معاهد تُعَلِّمْ هذا الذي يَدَّعُونَ أَنَّهُ فَنٌ أو علم من العلوم.
وقد أفتت اللّجنة الدائمة عندنا في فتوىً مشهورة مُطَوَّلَة بأنَّ التنويم المغناطيسي ضَرْبٌ من ضروب الكهانة واستخدام الجن ليتسلَّطَ -بحسب ما عَبَّرُوا- الجني على الإنسي فيَحْمِلُهُ ويَرْتَفِعْ عن الأرض ويُخْبِرْ بأمورٍ مُغَيَّبَة ويتسلط على نفسه وعلى روحه فيكون له عليها سلطان.
وثَمَّ صور كثيرة، واليوم في عدد من البلاد -والعياذ بالله- ثَمَّ معاهد لتعليم عددٍ من هذه الأمور المنكرة، والواجب على المسلمين جميعاً أن يُنْكِرُوا هذا أشد الإنكار، لأنه:
- أولاً: تَهَجُّمٌ على ما يختص الله عز وجل به.
- ثانياً: لأنَّهُ لا يكون إلا بالإشراك بالله عز وجل إذا صَدَقَ استخدامهم للجن.
- ثالثاً: إنه فتحٌ لباب الدَّجَلْ وباب الكذب على الناس وأخذ أموال الناس بالباطل.
وما يأخُذُهُ المُتَكَهِّنْ من المال فهو حرامٌ عليه وخبيث كما جاء في الحديث الصحيح «حُلْوانُ الكاهن خبيث» (2) يعني أنه كَسْبٌ مُحَرَّمٌ خبيث.
(وقد جاء غلام عند أبو بكر الصديق رضي الله عنه فأعطاه طعاماً فأكله أبو بكر رضي الله عنه، ثم قال الغلام: أتدري من أين هذا؟
قال: لا.
قال: كنت تَكَهَّنْتُ -يقول غلام أبي بكر لبي بكر رضي الله عنه يقول: كنت تَكَهَّنْتُ لرجلٍ في الجاهلية فأعطاني هذا الحلوان، فجعل أبو بكر الصديق رضي الله عنه يُدْخِلُ أصبعه في فيه حتى قَاءَ كل ما في بطنه) (3)
فهذا من حيث الكسب حرام، ومن حيث السؤال حرام، وذلك لعِظَمِ هذا الذنب، فإنه لا يجوز إقْرَارُهْ ويجب على من يقدر على إنكاره أن يُنْكِرْ، وعلى أهل الحسبة ومن يلي هذا الأمر بخصوصه أن لا يتساهلوا في ذلك، وكذلك على الدعاة إلى الله عز وجل وأهل العلم أن يُبَيِّنُوا ذلك لأنه من مسائل التوحيد.
نكتفي بهذا القدر، وثَمَّ مسائل أخرى متعلقة بالجملة الأخرى هي قوله (وَلَا مَنْ يَدَّعِي شَيْئًا يُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَإِجْمَاعَ الْأُمَّةِ.) نرجئها إن شاء الله تعالى إلى الدرس القادم.
(1) مسلم (1227)
(2)
ذكره شاح الطحاوية ولم أجده
(3)
البخاري (3842)