المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[المسألة الرابعة] :أننا مع ذلك كله فإننا نرجو للمحسن ونخاف على المسيء - شرح العقيدة الطحاوية - صالح آل الشيخ = إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل

[صالح آل الشيخ]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة:

- ‌الأسئلة:

- ‌ قوله (وَلا شيءَ مِثْلُهُ، وَلا شَيْءَ يُعْجزُهُ، وَلا إلهَ غَيْرُهُ)

- ‌ قوله (وَلا شَيْءَ يُعْجزُهُ)

- ‌قوله (وَلا إلهَ غَيْرُهُ)

- ‌[المسألة الرابعة] :في إعراب كلمة التوحيد (لا إله إلا الله)

- ‌الأسئلة:

- ‌ قوله (قَديمٌ بلا ابتدَاء، دَائمٌ بلا انْتهاء)

- ‌[المسألة الثانية] :ما ضابط كون الاسم من الأسماء الحسنى

- ‌ قوله (لا يَفنَى ولا يَبيدُ)

- ‌قوله (ولا يكونُ إلا ما يُريدُ)

- ‌ قوله (لا تَبلُغُه الأوْهَامُ، ولا تُدْرِكُهُ الأفْهَامُ)

- ‌الأسئلة:

- ‌ قوله (حَيٌّ لا يَمُوتُ، قَيُّومٌ لا يَنَامُ)

- ‌الأسئلة:

- ‌الأسئلة:

- ‌ قولَه (وَإِنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ المصطَفى، ونبيُّه المجْتَبى، ورَسُولُهُ المُرْتَضَى)

- ‌[المسألة الثالثة] :نبوة الأنبياء أو رسالة الرسل بما تَحْصُل؟ وكيف يُعْرَفُ صدقهم؟ وما الفرق ما بين النبي والرسول وبين عامة الناس أو من يَدَّعِي أَنَّهُ نبي أو رسول

- ‌الأسئلة:

- ‌ قوله (وإنَّه خَاتِمُ الأنبياءِ)

- ‌[المسألة الرابعة] :أنَّ ادِّعَاء الوحي كفر كدعوى النبوة، وهذا باتفاق أهل السنة

- ‌[المسألة الأولى] :أنَّ التفضيل بين الأنبياء جاء به النص كما قال عز وجل {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [

- ‌الأسئلة:

- ‌الأسئلة:

- ‌الأسئلة:

- ‌[المسألة الخامسة] :أنَّ رؤية المؤمنين في الجنة لربهم عز وجل عامة بالإنس والجن، للرجال وللنساء، وللملائكة أيضاً

- ‌الأسئلة

- ‌الأسئلة

- ‌الأسئلة

- ‌قوله (فَإِنَّ رَبَّنَا عز وجل مَوْصُوفٌ بِصِفَاتِ الْوَحْدَانِيَّةِ، مَنْعُوتٌ بِنُعُوتِ الْفَرْدَانِيَّةِ، لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ أَحَدٌ مِنَ الْبَرِيَّةِ

- ‌الأسئلة:

- ‌[المسألة الثانية] :متى وقع الإسراء والمعراج

- ‌الأسئلة:

- ‌[المسألة الأولى] :أنَّ الحوض دلَّ عليه القرآن باحتمال، ودلَّت عليه السنة بقطع:

- ‌الأسئلة:

- ‌ قوله (وَالشَّفَاعَةُ الَّتِي ادَّخَرَهَا لَهُمْ حَقٌّ، كَمَا رُوِيَ فِي الْأَخْبَارِ)

- ‌الأسئلة:

- ‌ قوله (وَالْمِيثَاقُ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ آدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ حَقٌّ)

- ‌الأسئلة:

- ‌الأسئلة

- ‌الأسئلة:

- ‌الأسئلة:

- ‌ قوله (وَالْعَرْشُ

- ‌ قوله (وَفَوْقَهُ)

- ‌الأسئلة:

- ‌الأسئلة:

- ‌[المسألة الخامسة] :الإيمان بالملائكة تَبَعٌ للعلم، وكلما زَادَ العِلْمُ بالعقيدة وبالنصوص زَادَ الإيمان بالملائكة لمن وفَّقَهُ الله

- ‌ الأسئلة

- ‌[المسألة الثانية] :الأنبياءُ والرُّسُلُ درجات في الفضل والمنزلة عند الله

- ‌[المسألة الخامسة] :من كَذَّبَ برسول بعد العلم به فإنه مُكَذِّبٌ بجميع الأنبياء والمرسلين

- ‌(وَالْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى الْمُرْسَلِينَ)

- ‌ الأسئلة

- ‌الأسئلة:

- ‌[المسألة الحادية عشرة] :قوله (وَلَا نَقُولُ: لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ ذَنْبٌ لِمَنْ عَمِلَهُ) هذا فيه مخالفة للمرجئة

- ‌الأسئلة:

- ‌نَرْجُو لِلْمُحْسِنِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ، وَيُدْخِلَهُمُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ، وَلَا نَأْمَنُ عَلَيْهِمْ، وَلَا نَشْهَدُ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ، وَنَسْتَغْفِرُ لِمُسِيئِهِمْ، وَنَخَافُ عَلَيْهِمْ، وَلَا نُقَنِّطُهُمْ

- ‌[المسألة الأولى] :أنَّ الرجاء للمحسن بالعفو وعدم الأمن والاستغفار للمسيء والخوف عليه، هذا عقيدة يتعامل بها المرء مع نفسه وكذلك مع المؤمنين:

- ‌[المسألة الثانية] :الرجاء للمحسن من المؤمنين بالعفو هذا يشمل كل أحد حتى من لم يَعْرِفْ لنفسه ذنباً

- ‌[المسألة الثالثة] :الجمع ما بين الرجاء للمحسن والاستغفار للمسيء هذا تَبَعْ لأصل عظيم وهو الجمع في العبادة ما بين الخوف والرجاء

- ‌الأسئلة:

- ‌[المسألة الثالثة] :الله عز وجل وليٌّ للعبد، والعبد أيضاً وليٌّ لله عز وجل

- ‌[المسألة الرابعة] :الأولياء قسمان فيما دَلَّتْ عليه الأدلة:- مقتصدون.- وسابقون مُقَرَّبون

- ‌الأسئلة:

- ‌الأسئلة

- ‌[المسألة الخامسة] :من لم يُغْفَرْ له ممن لم يتب فإنه يُشتَرَطُ لعدم خلوده في النار شرطان:

- ‌[المسألة السادسة] :الخلود في النار نوعان: خلودٌ أمدي إلى أجل، وخلودٌ أبدي

- ‌قوله (اللَّهُمَّ يَا وَلِيَّ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ ثَبِّتْنَا عَلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى نَلْقَاكَ بِهِ)

- ‌[المسألة الثالثة] :قوله (خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ) هذا إذا كان إماماً مُرَتَّبَاً، ولم يكن بوسع المرء أن يختار الأمثل

- ‌الأسئلة

- ‌[المسألة الرابعة] :أننا مع ذلك كله فإننا نرجو للمحسن ونخاف على المسيء

- ‌الأسئلة:

- ‌[المسألة الأولى] :لفظ الأئمة وولاة الأمور مما جاء به الكتاب والسنة

- ‌الأسئلة:

- ‌الأسئلة:

- ‌[المسألة الثانية] :قوله (إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ) هذا المقصود منه إلى قرب قيام الساعة

- ‌[المسألة الخامسة] :في قوله (أَرْوَاحِ الْعَالَمِينَ) لفظ (الْعَالَمِينَ) يريد به هنا من له رُوحْ من المُكَلَّفين

- ‌[المسألة الأولى] :أنّ سؤال الملكين يقع عن ثلاثة أشياء:أولاً: عن ربه.ثانيا: عن دينه.ثالثا: عن نبيه

- ‌الأسئلة:

- ‌الأسئلة:

- ‌الأسئلة:

- ‌الأسئلة:

- ‌الأسئلة:

- ‌الأسئلة:

- ‌[المسألة الثانية] :لا يُشْتَرَطُ في العالم أنْ لا يُخْطِئ

- ‌[المسألة الثانية] :عقيدة خَتْمْ الوَلَايَةَ

- ‌الأسئلة:

- ‌[المسألة التاسعة] :الكرامة إذا أعطاها الله عز وجل الولي فإنَّهُ ليس معنى ذلك أنَّهُ مُفَضَّلٌ وأعلى منزلة على من لم يُعْطَ الكرامة

- ‌الأسئلة:

- ‌الأسئلة:

- ‌الأسئلة:

- ‌ قوله (وَلَا مَنْ يَدَّعِي شَيْئًا يُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَإِجْمَاعَ الْأُمَّةِ)

- ‌قوله (والفُرْقَةَ زَيْغاً وَعَذَاباً) :

- ‌الأسئلة:

- ‌الأسئلة:

- ‌[المسألة الأولى] :عِظَمِ شأن الدعاء

- ‌الأسئلة:

الفصل: ‌[المسألة الرابعة] :أننا مع ذلك كله فإننا نرجو للمحسن ونخاف على المسيء

[المسألة الرابعة] :

أننا مع ذلك كله فإننا نرجو للمحسن ونخاف على المسيء

.

أهل السنة أهل رحمة لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان رحيماً بهذه الأمة، فيرِثُ أهل السنة الرحمة من صفاته صلى الله عليه وسلم، فيرحمون هذه الأمة، ومن رحمتهم لها أنهم يرجون لأهل الإحسان ويخافون على أهل الإساءة.

ورجاؤُهُم لأهل الإحسان يحمِلُهُم على أن يَدْعُو لهم وأن يُصَلُّوا عليهم إذا ماتوا؛ لأنَّ حق المسلم على مسلم ست ومنها أنه إذا مات يُصَلِّي عليه ويدعو له.

وتَحْمِلُهُم الرحمة للمسيء أنه إذا مات على الإساءة أنه يُخافُ عليه الإساءة، فيُسْأَلْ الرب عز وجل أن يغفر له ذنبه وأن يتجاوز عن خطيئته وأن يبارك له في قليل عمله، ونحو ذلك من آثار الرحمة.

ولهذا يدعو المسلم لجميع المسلمين لمن كان منهم صالحاً ومن كان منهم غير صالح؛ بل من الدعاء الذي تداوله أهل السنة والعلماء أن يُسأَلْ الرب عز وجل أن يُشَفَّعَ المحسن في المسيء، وأن يُوهَبْ المسيء للمحسن، مثل ما في دعاء القنوت الذي يتداوله الأكثرون: وهب المسيئين منا للمحسنين، (هب المسيئين) يعني من كان مُسيئَاً عاصياً عنده ذنوب هبه للمحسن فَشَفِّعْ المُحْسِنَ فيه في هذا المقام بالدعاء.

وهذا كله من آثار الرحمة التي كان عليها صلى الله عليه وسلم، فإنه كان بهذه الأمة رحيماً؛ بل كان رحمةً للعالمين صلى الله عليه وسلم.

فإذاً نرجو للمحسن ونخاف على المسيء، ولرجائنا للمحسن آثار، ولخوفنا على المسيء آثار.

فرجاؤنا للمحسن يحمِلُنَا على توليه وكثرة الدعاء له ونُصْرَتِهِ واقتفاء أثره.

وخوفنا على المسيء يحملنا على الدعاء له والاستغفار ونحو ذلك، فكان أسيراً للشيطان، ونسأل الله عز وجل له المغفرة الرضوان.

ص: 461

[المسألة الخامسة] : (1)

وهي مسألة الشهادة بما يدل على الشهادة بالجنة، مثل أن يقال فلان شهيد، إذا كان شهيداً فالله عز وجل ذكر ونَصَّ على أن الشهداء بالجنة.

وكذلك الشهادة له بالمغفرة، المغفور له، المرحوم، النفس المطمئنة، ونحو ذلك، مما هو من أسباب دخول الجنة.

فإذا شُهِدَ له بهذه الأوصاف بأنه غُفِرَ له فقد شُهِدَ له بأمر غيبي، فإذا شُهِدَ له بأنه مرحوم فقد شُهِدَ له بأمر غيبي، إذا شُهِدَ له بأن نفسه مطمئنة {ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي} [الفجر:28-30] ، فقد شُهِدَ له بالجنة.

فإذاً الشهادة للمُعَيَّنِ بالجنة ممنوعة، وكذلك بما يَدُلُّ على أنه يُشهَدُ له بالجنة، مثل هذه الأسباب ونحوها.

من ذلك الشهادة له بأنه شهيد وقد جاء في صحيح البخاري بحث هذه المسألة، وبَوَّبَ عليها هل يقال فلان شهيد؟ وذكَرْ أثر عمر (إنكم تقولون لمن مات في معارككم فلانٌ شهيد فلانٌ شهيد، والله أعلم بمن يُكْلَمُ في سبيله، والله أعلم بمن يقتل في سبيله)(2) .

لأنه هل كان يُقَاتِلُ يريد أن تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى؟

هذا أمر غيبي فلذلك لا تجوز الشهادة لمعين؛ لكن نرجوا له، من مات في أرض المعركة نرجوا له الشهادة، نقول نرجوا له أن يكون شهيداً وهذا تبع للأصل أننا نرجو للمحسن ونخاف على المسيء.

نسأل الله سبحانه لنا جميعاً أن يغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وأن يجزل لنا الأجر على قليل عملنا، وأن يغفر لنا كثرة الذنب والخطايا فإنه سبحانه جوادٌ كريم، اللهم فأجب واغفر جماً إنك على كل شيء قدير.

(1) هذه المسألة لم يذكرها الشيخ وإنما وردت في سؤال فقال الشيخ هذه كان ينبغي أن نذكرها في الشرح فتُضَافْ عليه.

(2)

سبق ذكره (211)

ص: 462

قال رحمه الله (وَلَا نَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِكُفْرٍ وَلَا بِشِرْكٍ وَلَا بِنِفَاقٍ، مَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَنَذَرُ سَرَائِرَهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى.)

هذه الجملة مثل الأولى في تقرير هذه العقيدة المباركة وهي أنَّ الأمر ما دام تَبَعْ للخاتمة، والخاتمة مُغَيَّبَة وهذا أمر غيبي فلا نَقْفُ ما ليس لنا به علم، ولا نتجَرَأْ على الله عز وجل في وصف شيءٍ والحكم يَتَعَلَّقُ به والحكم على عباده بدون دليل.

لهذا نعتبر الظاهر من كل أحد، فمن كان ظاهره السلامة في الدنيا ومات على ذلك، فإننا نحْكُمُ بالظاهر، والله يتولى السرائر، ومن كان ظاهره الكفر أو ظاهره الشرك أو ظاهره النفاق فإننا نحكم بالظاهر؛ ولأنه ظهر منه ذلك وأمره إلى الله عز وجل.

وفيها بعض المسائل (1) :

_________

(1)

انتهى الوجه الأول من الشريط الثالث والثلاثين.

ص: 463

[المسألة الأولى] :

قوله (وَلَا نَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِكُفْرٍ وَلَا بِشِرْكٍ وَلَا بِنِفَاقٍ) يعني على المُعَيَّن من أهل القبلة، وهذا يدلُّ على أنَّ المُعَيَّن من أهل القبلة قد يجتمع فيه إيمان وكفر، ويجتمع فيه إسلام وشرك، ويجتمع فيه طاعة وإسلام وإيمان ونفاق، وهذا هو المُتَقَرِّرْ عند الأئمة تَبَعَاً لما دلَّ عليه الدليل، فإنَّ المُعَين قد يجتمع فيه الإيمان فيكون مؤمناً ويكون عنده بعض خصال الكفر؛ يعني من الكبائر مما لا يُخرجه من الإيمان.

فمثلا قتال المسلم كفر وسبابه فسوق كما ثبت في الحديث الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» (1) ، فسِبَابُ المسلم فسوق وقتاله كفر فيجتمع في المسلم فسوقٌ وطاعة وكفرٌ وإيمان، كذلك قال صلى الله عليه وسلم «ثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت» (2) ونحو ذلك من خصال الكافرين، فلا يعني وجود بعض خصال الكُفْرْ في المُعين أن يُحْكَمْ عليه بالكفر، الحكم بغير ما أنزل الله في حق القاضي أو في حق المُعَين إذا حَكَمَ بغير ما أنزل الله وهو لا يعتقد جواز ذلك أو يعلَمْ أنَّ بحكمه عاص، يعني حَكَمَ وهو يعلم أنه بحكمه عاصٍ ومُخطِئ فإنه اجتمع فيه كفر وطاعة.

فلا يُخرَج أحد من الإيمان بخصلة من خصال الكفر وُجِدَتْ فيه، أو خصلة من خصال الشرك وُجِدَتْ فيه، أو خصلة من خصال النفاق وُجِدَتْ فيه، فإن المؤمن يجتمع فيه هذا وهذا.

ولهذا قال (وَلَا نَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِكُفْرٍ وَلَا بِشِرْكٍ وَلَا بِنِفَاقٍ) إذا كان مُسْتَسِرَّاً بذلك (مَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ) ، فإن ظَهَرْ تَشْهَدُ عليه بقدر ما ظَهَرْ، والشهادة عليه جوازاً لا وجوباً كما سيأتي في المسألة التي بعدها.

كذلك الشرك يكون مؤمن ويكون عنده شرك أصغر، يكون عنده حلف بغير الله مما هو من الشرك الأصغر، أو تعليق التمائم واعتقاد أنها أسباب، أو نسبة النِعَمْ إلى غير الله عز وجل أو نحو ذلك من أمور الشرك الأصغر أو الشرك الخفي من يسير الرياء ونحوه، فيجتمع في المؤمن هذا وهذا.

وكذلك بعض خصال النفاق يكون المؤمن مطيعاً مسلماً؛ لكن عنده خصال النفاق إذا وعد أخلف، وإذا حدَّثَ كذب، وإذا أؤتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر، ونحو ذلك من خصال النفاق.

(1) البخاري (6044) / مسلم (230)

(2)

مسلم (236)

ص: 464

[المسألة الثانية] :

أنَّ قوله (وَلَا نَشْهَدُ عَلَيْهِمْ مَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُمْ) يعني أنَّه إذا ظَهَرَ منهم فإننا قد نشهد عليهم، يعني يجوز لنا الشهادة إذا ظهر منهم شيء من ذلك، وجواز الشهادة عليهم منوطٌ بالمصلحة؛ لأنها من باب التعزير، فقد يجوز أن يُشْهَدَ على مُعَيَّنْ ببعض خصاله؛ خصال الكبائر التي فيه أو الشرك الأصغر الذي فيه أو بعض خصال النفاق الذي فيه إذا كانت الشهادة عليه بذلك عَلَنَاً فيها مصلحة مُتَعَدِّيَة، أما إذا لم يكن فيها مصلحة، فإنَّ الأصل على المسلم أنه لا يُشْهَدُ عليه بل يُسْتَرُ عليه.

وهذا يدل على أنَّ الأصل في المؤمن ما دام اسم الإيمان باقياً عليه الأصل فيه أن يكون على اسم الإسلام وعلى اسم الإيمان وعلى اسم الطاعة، فلا يُنْتَقَلْ عن الأصل في الثناء عليه وفي الشهادة له بالإسلام والإيمان والتسديد إلاّ إذا كانت فيها مصلحة.

فإذاً ليس الأصل الشهادة على المُخَالف أو على من فيه كُفْرْ (خصلة من كفر أو شرك) نشهد عليه بهذه الأشياء؛ بل هذه منوطة بالمصلحة المتَوَخَّاة؛ لأنها من باب التعزير، ويدل على ذلك أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم ما شَهِدَ على هؤلاء الذين فعلوا هذه الأشياء إلا على مُعَيَّنِيْنْ قِلَّة، وأما الأكثر فإنه صلى الله عليه وسلم حَمَلَهُمْ على الظاهر، وأهل النفاق الذين باطنهم نفاق ما أعلن أسماءهم صلى الله عليه وسلم ولا شهد عليهم لكل أحد لأن المصلحة بخلاف ذلك.

ص: 465

[المسألة الثالثة] :

هذا كله في أهل القبلة، أما من خَرَجَ من الإسلام بكفرٍ أكبر أو بشركٍ أكبر أو بردةٍ وقامت عليه الحجة في ذلك فإنه يُشهَدُ عليه بعينه لأنه ظهر منه ذلك واستبان.

ص: 466

وَلَا نَرَى السَّيْفَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم إِلَّا مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ السَّيْفُ.

وَلَا نَرَى الْخُرُوجَ عَلَى أَئِمَّتِنَا وَوُلَاةِ أُمُورِنَا وَإِنْ جَارُوا، وَلَا نَدْعُو عَلَيْهِمْ، وَلَا نَنْزِعُ يَدًا مِنْ طَاعَتِهِمْ، وَنَرَى طَاعَتَهُمْ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ عز وجل فَرِيضَةً، مَا لَمْ يَأْمُرُوا بِمَعْصِيَةٍ، وَنَدْعُو لَهُمْ بِالصَّلَاحِ وَالْمُعَافَاةِ.

قال رحمه الله أيضاً (وَلَا نَرَى السَّيْفَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم إِلَّا مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ السَّيْفُ)

يريد بهذه الجملة أنَّ أهل الحديث والأثر والسنة والجماعة لا يعتقدون جواز الخروج على هذه الأمة وتفريق الجماعة بالسيف، وأيضا لا يرون جواز قتل أحد من هذه الأمة لغير الإمام الذي بيده الأمر.

وهذا منهم اتِّبَاعَاً لما دَلَّتْ عليه الأدلة من حفظ دم المسلم وعدم جواز إراقته وأنَّ «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه» (1) ونحو ذلك من الأصول، والأدلة التي سيأتي ذكر بعضها إن شاء الله.

وأرادوا بذلك أيضاً مخالفة الطوائف التي استباحت دم المسلمين رأت الخروج على جماعة المسلمين بعامة بالخروج على الإمام ولي الأمر أو بجواز قتل من حكموا هم بردته أو بكفره.

وهم طوائف الخوارج والمعتزلة، وطائفة ممن يُنْسَبُ إلى الفقه من أتباع المذاهب فإنَّ طائفةً من أتباع المذاهب أيضاً - وهم في الجملة منسوبون إلى السنة- تَأَثَّرُوا بمذهب الخوارج في هذا والمعتزلة ونحو ذلك فَرَأَوا جواز الخروج -كما سيأتي- ورأوا جواز قتل المعين للعامة ولا يُخصُّ ذلك بولي الأمر.

فيريد من ذلك تقرير القول الحق والمنهج العام لأهل السنة الذي صاحوا به وأعلنوه وصاحوا بالمخالف فيه من أنه لا يجوز لأحدٍ أن يخرج على أحد من هذه الأمة بالسيف ولا أن تُستباح الدماء ولا دم أحد إلا ببرهان من الله عز وجل.

وفيها مسائل:

_________

(1)

مسلم (6706) / أبو داود (4882) الترمذي (1927)

ص: 467

[المسألة الأولى] :

قوله (وَلَا نَرَى السَّيْفَ) هذه الكلمة مصطلح شائع عند العلماء والناس في القرون الثاني والثالث والرابع، فكان يُمَيَّزْ مَنْ من يُحَبِّذْ الخروج ولو لم يدخل فيه بِفِعْلِهِ وإنما يَسْتَحْسِنُهُ لفظاً ويُؤَيِّدُ من يَفْعَلُهُ، كان يُوصم عند الأئمة بأنه كان يرى السيف، ويُوصَفْ من خالفهم ثناءً عليه بأنه كان لا يرى السيف.

وقد ضَعَّفَ الأئمة جمعاً من الرواة وقدحوا فيهم بقولهم كان يرى السيف.

والإمام أحمد حذَّرَ من عدد وكذلك سفيان وغيرهما ووكيع وجماعة كانوا يُحَذِّرُونَ من فلان؛ لأنه كان يرى السيف.

فإذاً مصطلح (لَا نَرَى السَّيْفَ) هذا يراد به أحد فئتين:

- الفئة الأولى: من يرى الخروج على الولاة بعامة، سواء أدخل في الخروج بلسانه ويده أم كان يراه عقيدة.

- الفئة الثانية: من رأى جواز قتل المعين إذا ثبت عِنده كفر منه أو ردة، ولا يكل ذلك إلى الإمام.

والسلف يُسَمُّونَ من كان على أحد هذين الوصفين يقولون (كان يرى السيف) .

وفي تهذيب التهذيب عِدَّةْ تراجم، كثير من التراجم ممن طَعَنَ فيهم الأئمة بهذا القول كان يرى السيف ونحو ذلك.

ص: 468

[المسألة الثانية] :

هذه الجملة دَلَّ عليها القرآن والسنة في مواضع كثيرةٍ منها:

قوله عز وجل {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التوبة:5]، وقوله {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} [التوبة:11] ، ومنها قوله عز وجل {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً} [النساء:92] ، يعني لا يكون لمؤمن أن يتجرأ ويسفك دم مؤمن واحد إلا خطأ، أَمَّا يَتَعَمَّدْ فهذا معه لا يستحق وصف الإيمان؛ لأنه ارتكب هذه الكبيرة العظيمة التي قال الله عز وجل فيها بعد ذلك {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} [النساء:93] .

وأيضاً قول الله عز وجل {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى} -يعني بالقتل- {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} [الحجرات:9] ، فدَلَّ على أنَّ من تَجَرَأَ على المُقَاتَلَةْ أنه ليس من أمر الله في شيء؛ بل خَرَجَ عن أمر الله وهو شريعته ودينه الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم.

ومنها أيضاً في السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث» ، وفي اللفظ الآخر «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث النفس بالنفس والثيب الزاني والتارك لدينه المفارق للجماعة» (1) ، فهذا يدل على أنَّ الأصل أنْ لا أحد يتجرأ ويسفك الدم أو يراه.

فلا يحل ذلك فِعْلاً، وكذلك لا يحل أن يُعْتَقَدَ جواز قتل مسلم باقٍ على اسم الإسلام وهو ليس من هذه الأصناف الثلاثة.

(1) البخاري (6878) / مسلم (4470)

ص: 469

[المسألة الثالثة] :

قوله (إِلَّا مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ السَّيْفُ.) يعني من الأمة.

ووجوب السيف (وَجَبَ عَلَيْهِ السَّيْفُ) هذا لمن بيده السيف وهو ولي الأمر المسلم.

فولي الأمر هو الذي بيده أن يسفك الدم تحقيقاً للشرع لا بمحض الهوى، فيقتل تحقيقاً للشرع لا بمحض الهوى، ويحكم ويأمر بالقتال أو يأمر بقتل معين أو بقتال طائفة ونحو ذلك، فهو الذي بيده السيف وهو الذي له هذا الحكم.

وليس لآحاد الناس من العلماء أو من العامة هذا الأمر، يعني أن يَقْتُلُوا؛ لأنَّ السيف ليس بيدهم وإنما السيف بيد ولي الأمر الذي بيده الحَلْ والأمر والنهي وبيده الأمور في القتال وفي إقامة الحدود وأشباهها.

* وهذا يبين أنَّ المسألة التي تظهر في بعض الأمكنة وهي مسألة الاغتيالات؛ أن يُغْتَالَ من ظاهره الإسلام، أو من لم يَحْكُمْ عليه ولاة الأمر -من العلماء في الأمر الديني والحكام والأمراء في الأمر العام- من لم يحكموا عليه بأنه يقتل، فلا يحل لأحد أن يتجرأ على قتله أو على اغتياله.

والنبي صلى الله عليه وسلم إنما أباح اغتيال كعب بن الأشرف في القصة المعروفة لمصلحة عامة ولأنه هو الإمام.

وإلا فالأصل العام بالشريعة أنَّ هذا الأمر للإمام أولاً ثُمَّ أنَّه لا يُؤَاخَذُ أحد إلا بظهور ذلك منه وحُكْمٍ شرعي عليه.

فمن ظَهَرَتْ منه زندقة أو كفر أو رِدَّةْ ولم يَحْكُمْ عليه ولي الأمر بذلك فلا يحل لأحد أن ينتهك دمه وأن يسفك دمه؛ لأنَّهُ حينئذ له حكم الزنادقة وله حكم المنافقين، والنبي صلى الله عليه وسلم سيرته مع المنافقين ظاهرة، والصحابة ربما عَلِمُوا أنَّ فلاناً منافق ولم يتجرؤوا على قتله حتى يستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستأذنوه في قتل عدد فلم يأذن لهم، قال لهم مرة «لا، لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه» وأولئك النفر الذي استهزؤوا ونزل فيهم قول الله عز وجل {قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [التوبة:65-66] ، والقصة المعروفة في سبب نزولها ولم يَرِد أن محمداً صلى الله عليه وسلم قتلهم.

ولمَّا حصلت القصة المعروفة قالوا له يا رسول الله: أنقتل هؤلاء؟

قال «لا، لا يُتحَدَّثْ أن محمدا يقتل أصحابه» (1) .

وكانوا يستأذنونه، فقال عمر لمَّا حَصَلَ من حاطب رضي الله عنهم ما حصل قال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، وهذا استئذان من النبي صلى الله عليه وسلم.

فإذاً القاعدة الماضية والتي دلَّتْ عليها الأدلة وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرة الصحابة، وكذلك ما قَرَّرَهُ الأئمة من أنَّ الحكم بقتل أحد أو تنفيذ ذلك ليس إلا لولي الأمر، وهذا فيه من المصالح العظيمة وتحقيق المقاصد الشرعية ما يجب معه الاعتناء بهذا الأصل، وأن لا يَدْخُلُ أحد من المسلمين في هذه التبعة العظيمة بقولٍ أو بفعل.

ولهذا جاء في الحديث وفي إسناده بحث لكن حسَّنَهُ عدد من أهل العلم رواه ابن ماجه وغيره «من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة لم يرح رائحة الجنة أو كان من أهل النار (2) » وهذا فيه الإعانة على قتل مسلم بشطر كلمة، فكيف من يتكلم بلسانه ويُعين على قتل مسلم أو يُفتي بذلك، وهو ليس من ولاة الأمر من العلماء أو القضاة أو ممن جُعِلَ لهم ذلك.

فالواجب في هذا الأمر رعاية هذا الأصل العظيم، والسلامة في هذا الأصل، ولا يَتَجَرأَ أحد على هذا المقام؛ لأنَّ الأصل حُرْمَةْ دم من أَظْهَرَ الإسلام، ومن حصل منه ردة أو عُلِمَتْ منه زندقة أو نفاق فيوكل إلى ولي الأمر، ولا يجوز لآحاد الناس منهم أن يفتئتوا على ولي الأمر وأن يقْتُلُوا، ولو جاز ذلك لتسابق الصحابة رضوان الله عليهم على قتل المنافقين الذين علموا نفاقهم؛ بل لَقَتَلَهُم الرسول صلى الله عليه وسلم.

والمسألة منوطة بالمصلحة وبإذن الإمام سواءٌ من القتل الابتدائي ممن عُلِمَ نفاقه أو رِدَّتُهُ أو زندقته، أو في الاغتيال الذي فيه قتل دون رجوع إلى الإمام.

نكتفي بهذا القدر، ونقف عند قوله (وَلَا نَرَى الْخُرُوجَ عَلَى أَئِمَّتِنَا وَوُلَاةِ أُمُورِنَا وَإِنْ جَارُوا) .

(1) البخاري (3518) / مسلم (6748)

(2)

ابن ماجه (2620)

ص: 470