الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[بَابُ سَتْرِ الْعَوْرَةِ]
ِ السَّتْرُ بِفَتْحِ السِّينِ مَصْدَرُ سَتَرَ، وَبِكَسْرِهَا: مَا يُسْتَرُ بِهِ (وَهِيَ) أَيْ الْعَوْرَةُ لُغَةً النُّقْصَانُ وَالشَّيْءُ الْمُسْتَقْبَحُ. وَمِنْهُ كَلِمَةٌ عَوْرَاءُ، أَيْ قَبِيحَةٌ. وَشَرْعًا (سَوْأَةُ الْإِنْسَانِ) أَيْ قُبُلُهُ أَوْ دُبُرُهُ (وَكُلُّ مَا يُسْتَحْيَا مِنْهُ) إذَا نُظِرَ إلَيْهِ، أَيْ مَا يَجِبُ سَتْرُهُ فِي الصَّلَاةِ أَوْ يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ.
سُمِّيَ بِذَلِكَ لِقُبْحِ ظُهُورِهِ (حَتَّى فِي نَفْسِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَهُوَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ (مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ) فَلَا تَصِحُّ صَلَاةُ مَكْشُوفِهَا مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى سَتْرِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31] وَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ» وَحَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أَكُونُ فِي الصَّيْدِ وَأُصَلِّي فِي الْقَمِيصِ الْوَاحِدِ قَالَ: نَعَمْ وَازِرْهُ وَلَوْ بِشَوْكَةٍ» رَوَاهُمَا ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ.
وَقَالَ فِيهِمَا: حَسَنٌ صَحِيحٌ وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ، فَلَوْ صَلَّى عُرْيَانًا خَالِيًا أَوْ فِي قَمِيصٍ وَاسِعِ الْجَيْبِ وَلَمْ يُزِرَّهُ وَلَمْ يَشُدَّ عَلَيْهِ وَسَطَهُ، وَكَانَ بِحَيْثُ يَرَى مِنْهُ عَوْرَةَ نَفْسِهِ فِي قِيَامِهِ أَوْ رُكُوعِهِ وَنَحْوِهِ: لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، كَمَا لَوْ رَآهَا غَيْرُهُ (وَيَجِبُ) سَتْرُ الْعَوْرَةِ (حَتَّى خَارِجَهَا، وَحَتَّى فِي خَلْوَةٍ، وَحَتَّى فِي ظُلْمَةٍ) لِحَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ؟ قَالَ: احْفَظْ عَوْرَتَكَ إلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ. قَالَ قُلْتُ: فَإِذَا كَانَ الْقَوْمُ بَعْضَهُمْ فِي بَعْضٍ قَالَ: إنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا يَرَاهَا أَحَدٌ فَلَا تُرِيَنَّهَا قُلْت: فَإِذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا؟ قَالَ: اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَحَسَّنَهُ.
و (لَا) يَجِبُ سَتْرُ الْعَوْرَةِ (مِنْ أَسْفَلَ) أَيْ مِنْ جِهَةِ الرِّجْلَيْنِ، وَإِنْ تَيَسَّرَ النَّظَرُ مِنْ أَسْفَلَ، كَمَنْ صَلَّى عَلَى حَائِطٍ (بِمَا لَا يَصِفُ الْبَشَرَةَ) مُتَعَلِّقٌ ب يَجِبُ، أَمَّا لَوْنُهَا مِنْ بَيَاضٍ أَوْ سَوَادٍ وَنَحْوِهِ.
وَلَوْ كَانَ السَّاتِرُ صَفِيقًا (وَلَوْ) كَانَ السِّتْرُ (ب) غَيْرِ مَنْسُوجٍ مِنْ (نَبَاتٍ وَنَحْوِهِ) كَوَرِقٍ وَلِيفٍ وَجِلْدٍ وَمَضْفُورٍ مِنْ شَعْرٍ أَوْ جُلُودٍ، وَلَوْ مَعَ وُجُودِ ثَوْبٍ.
(وَ) لَوْ كَانَ السِّتْرُ (مُتَّصِلًا بِهِ) أَيْ الْمُصَلِّي (كَيَدِهِ) إذَا وَضَعَهَا عَلَى خَرْقٍ فِي ثَوْبِهِ (وَلِحْيَتِهِ) الْمُسْتَرْسِلَةِ عَلَى جَيْبِ ثَوْبِهِ الْوَاسِعِ، وَلَوَلَاهَا لَبَانَتْ عَوْرَتُهُ وَ (لَا) يَجِبُ السَّتْرُ ب (بَارِيَةٍ) وَهِيَ شِبْهُ الْحَصِيرِ مِنْ قَصَبٍ.
(وَ) لَا (حَصِيرٍ) ، و (نَحْوِهِمَا مِمَّا يَضُرُّهُ) كَالشَّرِيجَةِ وَلَوْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا. لِأَنَّ الضَّرَرَ مَطْلُوبٌ زَوَالُهُ
شَرْعًا لَا حُصُولُهُ. وَرُبَّمَا لَا يَتَمَكَّنُ الْمُصَلِّي فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ مِنْ جَمِيعِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ (وَ) لَا يَجِبُ السَّتْرُ (لَا بِحَفِيرَةٍ وَطِينٍ وَمَاءٍ كَدِرٍ لِعَدَمِ) غَيْرِهَا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسُتْرَةٍ.
(وَيُبَاحُ كَشْفُهَا) أَيْ الْعَوْرَةِ (لِتَدَاوٍ وَتَخَلٍّ وَنَحْوِهِمَا) كَاغْتِسَالٍ وَحَلْقِ عَانَةٍ وَخِتَانٍ وَمَعْرِفَةِ بُلُوغٍ وَبَكَارَةٍ وَثُيُوبَةٍ، لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ.
(وَ) يُبَاحُ كَشْفُهَا مِنْ أُنْثَى (لِمُبَاحٍ) لَهَا مِنْ زَوْجِهَا وَسَيِّدِهَا (و) يُبَاحُ لِذَكَرٍ كَشْفُ عَوْرَتِهِ (لِمُبَاحَةٍ لَهُ) مِنْ زَوْجَةٍ وَأَمَةٍ لِحَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ.
وَتَقَدَّمَ وَلَا يَحْرُمُ نَظَرُ عَوْرَتِهِ حَيْثُ جَازَ كَشْفُهَا وَلَا لَمْسُهَا (وَعَوْرَةُ ذَكَرٍ وَخُنْثَى) حُرَّيْنِ كَانَا أَوْ رَقِيقَيْنِ أَوْ مُبَعَّضَيْنِ (بَلَغَا) أَيْ اسْتَكْمَلَا (عَشْرًا) مِنْ السِّنِينَ مَا بَيْنَ سُرَّةٍ وَرُكْبَةٍ لِحَدِيثِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا «لَا تُبْرِزْ فَخِذَك وَلَا تَنْظُرْ إلَى فَخِذِ حَيٍّ وَلَا مَيِّتٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ.
وَلِحَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ يَرْفَعُهُ «أَسْفَلَ السُّرَّةِ وَفَوْقَ الرُّكْبَتَيْنِ مِنْ الْعَوْرَةِ» وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا «مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ عَوْرَةٌ» رَوَاهُمَا الدَّارَقُطْنِيُّ.
قَالَ الْمَجْدُ: وَالِاحْتِيَاطُ لِلْخُنْثَى الْمُشْكِلِ: أَنْ يَسْتُرَ كَالْمَرْأَةِ.
(وَ) عَوْرَةُ (أَمَةٍ وَأُمِّ وَلَدٍ) وَمُدَبَّرَةٍ وَمُكَاتَبَةٍ (وَمُبَعَّضَةٍ) بَعْضُهَا حُرٌّ وَبَعْضُهَا رَقِيقٌ مَا بَيْنَ سُرَّةٍ وَرُكْبَةٍ ; لِأَنَّهَا دُونَ الْحُرَّةِ فَأُلْحِقَتْ بِالرَّجُلِ.
وَيُسْتَحَبُّ اسْتِتَارُهُنَّ كَالْحُرَّةِ الْبَالِغَةِ (وَ) عَوْرَةُ (حُرَّةٍ مُمَيِّزَةٍ) تَمَّ لَهَا سَبْعُ سِنِينَ.
(وَ) عَوْرَةُ (حُرَّةٍ مُرَاهِقَةٍ) قَارَبَتْ الْبُلُوغَ (مَا بَيْنَ سُرَّةٍ وَرُكْبَةٍ) لِمَفْهُومِ حَدِيثِ «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ» وَعُلِمَ مِنْهُ: أَنَّ السُّرَّةَ وَالرُّكْبَةَ لَيْسَا مِنْ الْعَوْرَةِ. وَهَذَا كُلُّهُ فِي الصَّلَاةِ.
(وَ) عَوْرَةُ ذَكَرٍ وَخُنْثَى (ابْنِ سَبْعِ) سِنِينَ (الْفَرْجَانِ) لِقُصُورِهِ عَنْ ابْنِ عَشْرٍ ; لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ بُلُوغُهُ.
وَعُلِمَ مِنْهُ: أَنَّ مَنْ دُونَ سَبْعٍ لَا حُكْمَ لِعَوْرَتِهِ ; لِأَنَّ حُكْمَ الطُّفُولِيَّةِ مُنْجَرٌّ عَلَيْهِ إلَى التَّمْيِيزِ (وَالْحُرَّةُ الْبَالِغَةُ كُلُّهَا عَوْرَةٌ فِي الصَّلَاةِ) حَتَّى ظُفْرُهَا نَصًّا (إلَّا وَجْهَهَا) لِحَدِيثِ «الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَهُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِهَا تُرِكَ فِي الْوَجْهِ لِلْإِجْمَاعِ،
فَيَبْقَى الْعُمُومُ فِيمَا عَدَاهُ وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور: 31] قَالَا: (الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ) خَالَفَهُمَا ابْنُ مَسْعُودٍ. فَقَالَ: " الثِّيَابُ " وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ لَا تَدْعُو إلَى كَشْفِ الْكَفَّيْنِ كَمَا تَدْعُو إلَى كَشْفِ الْوَجْهِ، وَقِيَاسًا لَهُمَا عَلَى الْقَدَمَيْنِ. وَأَمَّا عَوْرَتُهَا خَارِجَ الصَّلَاةِ: فَيَأْتِي بَيَانُهَا فِي أَوَّلِ كِتَابِ النِّكَاحِ (وَيُسَنُّ صَلَاةُ رَجُلٍ) حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ (فِي ثَوْبَيْنِ) كَقَمِيصٍ وَرِدَاءٍ أَوْ إزَارٍ
وَسَرَاوِيلَ،
ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ إجْمَاعًا. قَالَ جَمَاعَةٌ: مَعَ سَتْرِ رَأْسِهِ وَالْإِمَامُ أَبْلَغُ ; لِأَنَّهُ يُقْتَدَى بِهِ. وَلِأَحْمَدَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: «قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَتَسَرْوَلَونَ وَلَا يَأْتَزِرُونَ، فَقَالَ: تَسَرْوَلُوا وَاتَّزِرُوا، وَخَالِفُوا أَهْلَ الْكِتَابِ» وَلَا تُكْرَهُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَالْقَمِيصُ أَوْلَى لِأَنَّهُ أَبْلَغُ
ثُمَّ الرِّدَاءُ، ثُمَّ الْمِئْزَرُ أَوْ السَّرَاوِيلُ (وَيَكْفِي سَتْرُ عَوْرَتِهِ) أَيْ الرَّجُلِ (فِي نَفْلٍ) لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم «أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ بَعْضُهُ عَلَى أَهْلِهِ» وَالثَّوْبُ الْوَاحِدُ لَا يَتَّسِعُ لِذَلِكَ مَعَ سَتْرِ الْمَنْكِبَيْنِ. وَلِأَنَّ عَادَةَ الْإِنْسَان فِي بَيْتِهِ وَخَلَوَاتِهِ قِلَّةُ اللِّبَاسِ وَتَخْفِيفُهُ.
وَغَالِبُ نَفْلِهِ يَقَعُ فِيهِ، فَسُومِحَ فِيهِ لِذَلِكَ، كَمَا سُومِحَ فِيهِ بِتَرْكِ الْقِيَامِ وَنَحْوِهِ (وَشُرِطَ فِي فَرْضٍ) ظَاهِرَةٌ وَلَوْ فَرْضَ كِفَايَةٍ، مَعَ سَتْرِ عَوْرَةٍ (سَتْرُ جَمِيعِ أَحَدِ عَاتِقَيْهِ) أَيْ الرَّجُلِ، وَمِثْلُهُ الْخُنْثَى (بِلِبَاسٍ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَا يُصَلِّي الرَّجُلُ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالْعَاتِقُ: مَوْضِع الرِّدَاءِ مِنْ الْمَنْكِبِ
وَلَا فَرْقَ فِي اللِّبَاسِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مِمَّا سَتَرَ بِهِ عَوْرَتَهُ أَوْ غَيْرَهُ (وَلَوْ وَصَفَ) اللِّبَاسُ (الْبَشَرَةَ) لِعُمُومِ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» فَإِنَّهُ يَعُمُّ مَا يَسْتُرُ الْبَشَرَةَ وَمَا لَا يَسْتُرُ (وَتُسَنُّ صَلَاةُ حُرَّةٍ) بَالِغَةٍ (فِي دِرْعٍ) وَهُوَ الْقَمِيصُ (وَخِمَارٍ) وَهُوَ مَا تَضَعُهُ عَلَى رَأْسِهَا وَتُدِيرُهُ تَحْتَ حَلَقِهَا (وَمِلْحَفَةٍ) بِكَسْرِ الْمِيمِ ثَوْبٌ تَلْتَحِفُ بِهِ، وَتُسَمَّى جِلْبَابًا.
لِمَا رَوَى سَعِيدٌ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا " كَانَتْ تَقُومُ إلَى الصَّلَاةِ فِي الْخِمَارِ وَالْإِزَارِ وَالدِّرْعِ فَتُسْبِلُ الْإِزَارَ، فَتَتَجَلْبَبُ بِهِ، وَكَانَتْ تَقُولُ: ثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ لَا بُدَّ لِلْمَرْأَةِ مِنْهَا فِي الصَّلَاةِ إذَا وَجَدَتْهَا: الْخِمَارُ وَالْجِلْبَابُ وَالدِّرْعُ " وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ أَوْفَى عَوْرَةً مِنْ الرَّجُلِ (وَتُكْرَهُ) صَلَاتُهَا (فِي نِقَابٍ وَبُرْقُعٍ) لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِمُبَاشَرَةِ الْمُصَلِّي بِالْجَبْهَةِ وَالْأَنْفِ، وَيُغَطِّي الْفَمَ. وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الرَّجُلَ عَنْهُ (وَيُجْزِئُ) امْرَأَةً (سَتْرُ عَوْرَتِهَا) قَالَ أَحْمَدُ: اتَّفَقَ عَامَّتُهُمْ عَلَى الدِّرْعِ وَالْخِمَارِ.
وَمَا زَادَ فَهُوَ خَيْرٌ وَأَسْتَرُ (وَإِذَا انْكَشَفَ) بِلَا قَصْدٍ (لَا عَمْدًا فِي صَلَاةٍ مِنْ عَوْرَةِ) ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى أَوْ خُنْثَى (يَسِيرٌ لَا يَفْحُشُ عُرْفًا) لِأَنَّهُ لَا تَحْدِيدَ فِيهِ شَرْعًا فَرُجِعَ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ كَالْحِرْزِ، فَإِنْ فَحُشَ وَطَالَ الزَّمَنُ بَطَلَتْ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْفَرْجَيْنِ (وَغَيْرِهِمَا) لَكِنْ يُعْتَبَرُ (الْفُحْشُ فِي كُلِّ عُضْوٍ بِحَسَبِهِ،) إذْ يَفْحُشُ مِنْ الْمُغَلَّظَةِ مَا لَا يَفْحُشُ مِنْ غَيْرِهَا (فِي النَّظَرِ) مُتَعَلِّقٌ ب يَفْحُشُ، أَيْ لَوْ نُظِرَ إلَيْهِ.
(وَلَوْ) كَانَ الِانْكِشَافُ زَمَنًا (طَوِيلًا) لَمْ
تَبْطُلْ. لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ الْجَرْمِيِّ قَالَ «انْطَلَقَ أَبِي وَافِدًا إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ فَعَلَّمَهُمْ الصَّلَاةَ، وَقَالَ: يَؤُمُّكُمْ أَقْرَؤُكُمْ فَكُنْت أَقْرَأَهُمْ، فَقَدَّمُونِي فَكُنْت أَؤُمُّهُمْ، وَعَلَيَّ بُرْدَةٌ لِي صَفْرَاءُ صَغِيرَةٌ، فَكُنْت إذَا سَجَدْت انْكَشَفَتْ عَنِّي فَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ النِّسَاءِ: وَارُوا عَنَّا عَوْرَةَ قَارِئِكُمْ فَاشْتَرَوْا لِي قَمِيصًا عُمَانِيًّا فَمَا فَرِحْت بَعْدَ الْإِسْلَامِ بِشَيْءٍ فَرَحِي بِهِ» .
وَفِي لَفْظٍ «كُنْت أَؤُمُّهُمْ فِي بُرْدَةٍ مُوَصَّلَةٍ فِيهَا فَتْقٌ فَكُنْت إذَا سَجَدْت فِيهَا خَرَجَتْ اسْتِي» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَانْتَشَرَ وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم أَنْكَرَهُ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَلِأَنَّهُ يَشُقُّ الِاجْتِزَازُ مِنْهُ إذْ ثِيَابُ الْفُقَرَاءِ لَا تَخْلُو غَالِبًا مِنْ خَرْقٍ وَثِيَابُ الْأَغْنِيَاءِ مِنْ فَتْقٍ (أَوْ) انْكَشَفَتْ لَا عَمْدًا مِنْ عَوْرَةٍ (كَثِيرَةٍ فِي) زَمَنٍ (قَصِيرٍ) كَمَا لَوْ أَطَارَتْ الرِّيحُ سُتْرَتَهُ فَأَعَادَهَا سَرِيعًا (لَمْ تَبْطُلْ) الصَّلَاةُ قِيَاسًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ، فَإِنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ. بَطَلَتْ. لِأَنَّهُ لَا عُذْرَ.
(وَمَنْ صَلَّى فِي غَصْبٍ) أَيْ مَغْصُوبٍ عَيْنًا أَوْ مَنْفَعَةً، وَمِثْلُهُ مَسْرُوقٌ وَنَحْوُهُ، وَمَا ثَمَنُهُ الْمُعَيَّنُ حَرَامٌ (وَلَوْ) كَانَ الْمَغْصُوبُ (بَعْضُهُ) مُشَاعًا أَوْ مُعَيَّنًا، فِي مَحَلِّ الْعَوْرَةِ أَوْ غَيْرِهَا ; لِأَنَّهُ يَتْبَعُ بَعْضُهُ بَعْضًا فِي الْبَيْعِ (ثَوْبًا) كَانَ الْمَغْصُوبُ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ (أَوْ بُقْعَةٍ) لَمْ تَصِحَّ. وَيُلْحَقُ بِهِ لَوْ صَلَّى فِي سَابَاطٍ لَا يَحِلُّ إخْرَاجُهُ، أَوْ غَصَبَ رَاحِلَةً وَصَلَّى عَلَيْهَا، أَوْ لَوْحًا فَجَعَلَهُ سَفِينَةً.
أَوْ صَلَّى فِي مَنْسُوجٍ (ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، أَوْ) فِي حَرِيرٍ) كُلُّهُ (أَوْ) فِيمَا (غَالِبُهُ) حَرِيرٌ (حَيْثُ حُرِّمَ) الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَالْحَرِيرُ، بِأَنْ كَانَ عَلَى ذَكَرٍ، وَلَمْ يَكُنْ الْحَرِيرُ لِحَاجَةٍ لَمْ تَصِحَّ (أَوْ حَجَّ بِغَصْبٍ) أَيْ بِمَالٍ مَغْصُوبٍ، أَوْ عَلَى حَيَوَانٍ مَغْصُوبٍ (عَالِمًا) بِأَنَّ مَا صَلَّى فِيهِ أَوْ حَجَّ بِهِ مُحَرَّمٌ (ذَاكِرًا) لَهُ وَقْتَ الْعِبَادَةِ (لَمْ يَصِحَّ) مَا فَعَلَهُ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» أَخْرَجُوهُ
وَلِأَحْمَدَ «مَنْ صَنَعَ أَمْرًا عَلَى غَيْرِ أَمْرِنَا فَهُوَ مَرْدُودٌ» وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ وَالْحَجَّ قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ، وَقِيَامُهُ وَقُعُودُهُ وَسَيْرُهُ بِمُحَرَّمٍ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، فَلَا يَكُونُ مُتَقَرِّبًا بِمَا هُوَ عَاصٍ بِهِ. وَلَا مَأْمُورًا بِمَا هُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ. فَإِنْ كَانَ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا لِلْغَصْبِ وَنَحْوِهِ صَحَّ. ذَكَرَهُ الْمَجْدُ إجْمَاعًا.
فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَحَدُهُمَا مُحَرَّمٌ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ أَيْضًا. لِأَنَّ الْمُبَاحَ لَمْ يَتَعَيَّنْ سَاتِرًا، تَحْتَانِيًّا كَانَ أَوْ فَوْقَانِيًّا، إذْ أَيُّهُمَا قُدِّرَ عَدَمُهُ كَانَ الْآخَرُ سَاتِرًا (وَإِنْ غَيَّرَ هَيْئَةَ مَسْجِدٍ) غَصَبَهُ (فَكَغَصْبِهِ) لِمَكَانِ غَيْرِهِ فِي صَلَاتِهِ فِيهِ (لَا إنْ مَنَعَهُ) أَيْ الْمَسْجِدَ (غَيْرَهُ) بِأَنْ مَنَعَ الصَّلَاةَ فِيهِ وَأَبْقَاهُ عَلَى هَيْئَتِهِ فَلَيْسَ كَغَصْبِهِ
فَتَصِحُّ صَلَاتُهُ فِيهِ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الْمَنْعُ، وَكَذَا لَوْ زَحَمَهُ وَصَلَّى مَكَانَهُ. وَيَأْتِي فِي الْجُمُعَةِ إذَا أَقَامَ غَيْرَهُ وَصَلَّى مَكَانَهُ
(وَلَا يُبْطِلُهَا) أَيْ الصَّلَاةَ (لُبْسُ عِمَامَةٍ وَخَاتَمٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُمَا) كَعِمَامَةِ حَرِيرٍ وَخَاتَمِ ذَهَبٍ، أَوْ غَصْبٌ (وَنَحْوِهِمَا) كَخُفٍّ وَتِكَّةٍ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ النَّهْيَ لَا يَعُودُ إلَى شَرْطِ الصَّلَاةِ، فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهَا، كَمَا لَوْ غَصَبَ ثَوْبًا وَوَضَعَهُ بِكُمِّهِ وَيَصِحُّ الْأَذَانُ وَالصَّوْمُ وَالْوُضُوءُ وَالْبَيْعُ وَنَحْوُهُ بِغَصْبٍ، وَكَذَا صَلَاةُ مَنْ طُولِبَ بِرَدِّ وَدِيعَةٍ وَنَحْوِهَا قَبْلَهُ، وَعِبَادَةُ مَنْ تَقَوَّى عَلَيْهَا بِمُحَرَّمٍ (وَتَصِحُّ) الصَّلَاةُ (مِمَّنْ حُبِسَ بِغَصْبٍ) بِهِ.
(وَكَذَا) مِمَّنْ حُبِسَ (بِنَجِسَةٍ) وَيَرْكَعُ وَيَسْجُدُ بِيَابِسَةٍ لِأَنَّ السُّجُودَ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ وَمُجْمَعٌ عَلَى فَرِيضَتِهِ وَعَدَمِ سُقُوطِهِ بِخِلَافِ مُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ (وَيُومِئُ) مَنْ حُبِسَ بِبُقْعَةٍ نَجِسَةٍ (بِرَطْبَةٍ غَايَةَ مَا يُمْكِنُهُ، وَيَجْلِسُ عَلَى قَدَمَيْهِ) تَقْلِيلًا لِلنَّجَاسَةِ لِحَدِيثِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» وَعُلِمَ مِنْهُ: صِحَّةُ صَلَاتِهِ لِعَجْزِهِ عَنْ شَرْطِهَا وَهُوَ إبَاحَةُ الْبُقْعَةِ وَطَهَارَتُهَا.
(وَيُصَلِّي) عَاجِزٌ عَنْ سُتْرَةٍ مُبَاحَةٍ (عُرْيَانًا مَعَ) ثَوْبِ (غَصْبٍ) لِأَنَّهُ يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ بِكُلِّ حَالٍ، وَلِأَنَّ تَحْرِيمَهُ لِحَقٍّ آدَمِيٍّ أَشْبَهَ مَنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا مَاءً مَغْصُوبًا.
(وَ) يُصَلِّي (فِي) ثَوْبِ (حَرِيرٍ لِعَدَمِ) غَيْرِهِ وَلَوْ مُعَارًا، لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِي لُبْسِهِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ، كَالْحَكَّةِ وَضَرُورَةِ الْبَرْدِ وَعَدَمِ سُتْرَةٍ غَيْرِهِ، فَقَدْ زَالَتْ عِلَّةُ تَحْرِيمِ الصَّلَاةِ فِيهِ (وَلَا إعَادَةَ) عَلَى مَنْ صَلَّى عُرْيَانًا مَعَ غَصْبٍ أَوْ فِي حَرِيرٍ، لِعَدَمٍ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَ) يُصَلِّي (فِي) ثَوْبٍ (نَجِسٍ لِعَدَمِ) غَيْرِهِ مَعَ عَجْزٍ عَنْ تَطْهِيرِهِ فِي الْوَقْتِ. لِأَنَّ السُّتْرَةَ آكَدُ مِنْ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ، لِوُجُوبِهِ فِي الصَّلَاةِ وَخَارِجِهَا.
وَتَعَلُّقِ حَقِّ الْآدَمِيِّ بِهِ (وَيُعِيدُ) مَنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ نَجِسٍ لِعَدَمٍ. لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى اجْتِنَابِهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ الْآكَدَ عِنْدَ التَّزَاحُمِ، فَإِذَا زَالَ الْمُزَاحِمُ بِوُجُودِ ثَوْبٍ طَاهِرٍ وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ لِاسْتِدْرَاكِ مَا حَصَلَ مِنْ الْخَلَلِ، بِخِلَافِ الْمَحْبُوسِ بِمَكَانٍ نَجِسٍ، فَإِنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الِانْتِقَالِ عَنْهُ بِكُلِّ حَالٍ. وَمَنْ عِنْدَهُ ثَوْبَانِ نَجِسَانِ صَلَّى فِي أَقَلِّهِمَا نَجَاسَةً، وَإِنْ كَانَ طَرَفُ الثَّوْبِ نَجِسًا وَأَمْكَنَهُ السَّتْرُ بِالطَّاهِرِ لَزِمَهُ (وَلَا يَصِحُّ نَفْلُ) صَلَاةِ (آبِقٍ) لِأَنَّ زَمَنَهُ مَغْصُوبٌ، بِخِلَافِ فَرْضِهِ فَإِنَّ زَمَنَهُ مُسْتَثْنًى شَرْعًا.
(وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ) أَوْ مَنْكِبَهُ فَقَطْ وَأَرَادَ الصَّلَاةَ سَتَرَهَا، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «مَنْ كَانَ لَهُ ثَوْبَانِ فَلْيَتَّزِرْ وَلْيَرْتَدِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ثَوْبَانِ فَلْيَتَّزِرْ ثُمَّ لِيُصَلِّ،» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا
«وَإِذَا كَانَ الثَّوْبُ وَاسِعًا فَخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاشْدُدْهُ عَلَى حِقْوِكَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَلِأَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ وَاجِبٌ خَارِجَ الصَّلَاةِ فَفِيهَا أَوْلَى (أَوْ) لَمْ يَجِدْ إلَّا (مَا يَسْتُرُ الْفَرْجَيْنِ) سَتَرَهُمَا ; لِأَنَّهُمَا عَوْرَةٌ بِلَا خِلَافٍ وَأَفْحَشُ فِي النَّظَرِ (أَوْ) لَمْ يَجِدْ إلَّا مَا يَسْتُرُ (أَحَدَهُمَا سَتَرَهُ، وَالدُّبُرُ أَوْلَى) مِنْ الْقُبُلِ ; لِأَنَّهُ أَفْحَشُ.
وَيَنْفَرِجُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ (إلَّا إذَا كَفَتْ) السُّتْرَةُ عَوْرَتَهُ فَقَطْ، أَوْ (مَنْكِبَهُ وَعَجُزَهُ فَقَطْ) دُونَ دُبُرِهِ، قَالَهُ فِي شَرْحِهِ، وَالظَّاهِرُ دُونَ قُبُلِهِ (فَيَسْتُرُهُمَا) أَيْ الْمَنْكِبَ وَالْعَجُزَ وُجُوبًا ;. لِأَنَّ سَتْرَ الْمَنْكِبِ لَا بَدَلَ لَهُ، وَصَحَّ الْحَدِيثُ بِالْأَمْرِ بِهِ فَمُرَاعَاتُهُ أَوْلَى (وَيُصَلِّي جَالِسًا) نَدْبًا لِسَتْرِ الْعَوْرَةِ الْمُغَلَّظَةِ (وَيَلْزَمُهُ) أَيْ الْعُرْيَانَ (تَحْصِيلُ سُتْرَةٍ بِثَمَنِ مِثْلِهَا) فِي مَكَانِهَا مَعَ الْقُدْرَةِ.
وَكَذَا لَوْ وَجَدَهَا تُؤَجَّرُ، وَقَدَرَ عَلَى الْأُجْرَةِ فَاضِلَةً عَنْ حَاجَتِهِ (فَإِنْ زَادَ) ثَمَنُهَا عَنْ قِيمَةِ مِثْلِهَا فِي مَكَانِهَا (فَكَمَاءِ وُضُوءٍ) إنْ كَانَتْ يَسِيرَةً لَزِمَتْهُ، وَإِلَّا فَلَا. وَيَلْزَمُهُ (قَبُولُهَا عَارِيَّةً) إنْ بُذِلَتْ لَهُ. لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى سَتْرِ عَوْرَتِهِ بِمَا لَا تَكْثُرُ فِيهِ الْمِنَّةُ.
وَعُلِمَ مِنْهُ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ اسْتِعَارَتُهَا، و (لَا) قَبُولُهَا (هِبَةً) لِعِظَمِ الْمِنَّةِ فِيهِ (فَإِنْ عَدِمَ) السُّتْرَةَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا بِبَيْعٍ وَلَا إجَارَةٍ، وَلَمْ تُبْذَلْ لَهُ عَارِيَّةٌ (صَلَّى جَالِسًا نَدْبًا، يُومِئ) بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ (وَلَا يَتَرَبَّعُ) فِي جُلُوسِهِ (بَلْ يَنْضَمُّ) أَيْ يَضُمُّ إحْدَى فَخِذَيْهِ إلَى الْأُخْرَى. لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا فِي قَوْمٍ انْكَسَرَتْ بِهِمْ مَرَاكِبُهُمْ فَخَرَجُوا عُرَاةً قَالَ: «يُصَلُّونَ جُلُوسًا يُومِئُونَ بِرُءُوسِهِمْ» وَلَمْ يُنْقَلْ خِلَافُهُ.
وَلِأَنَّ السَّتْرَ آكَدُ مِنْ الْقِيَامِ، لِأَنَّهُ لَا يَسْقُطُ فِي فَرْضٍ، وَلَا نَفْلٍ وَلَا يَخْتَصُّ بِالصَّلَاةِ، فَإِنْ صَلَّى قَائِمًا جَازَ، وَيَرْكَعُ وَيَسْجُدُ بِالْأَرْضِ (وَإِنْ وَجَدَهَا) أَيْ السُّتْرَةَ (مُصَلٍّ) عُرْيَانًا (قَرِيبَةً) مِنْهُ (عُرْفًا) أَيْ بِحَيْثُ تُعَدُّ فِي الْعُرْفِ قَرِيبَةً (سَتَرَ) بِهَا مَا وَجَبَ عَلَيْهِ سَتْرُهُ (وَبَنَى) عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ، قِيَاسًا عَلَى أَهْلِ قُبَاءَ، لَمَّا عَلِمُوا بِتَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ اسْتَدَارُوا إلَيْهَا وَأَتَمُّوا صَلَاتَهُمْ (وَإِلَّا) إنْ كَانَتْ بَعِيدَةً وَلَا يُمْكِنُهُ السَّتْرُ بِهَا إلَّا بِعَمَلٍ كَثِيرٍ وَزَمَنٍ طَوِيلٍ سَتَرَ، و (ابْتَدَأَ) صَلَاتَهُ لِبُطْلَانِهَا (وَكَذَا مَنْ عَتَقَتْ) فِيهَا أَيْ الصَّلَاةِ (وَاحْتَاجَتْ إلَيْهَا) أَيْ السُّتْرَةِ بِأَنْ لَمْ تَكُنْ مُسْتَتِرَةً كَحُرَّةٍ،
فَإِنْ كَانَ الْخِمَارُ قَرِيبًا تَخَمَّرَتْ وَبَنَتْ، وَإِلَّا تَخَمَّرَتْ وَابْتَدَأَتْ، وَكَذَا مَنْ أَطَارَتْ الرِّيحُ ثَوْبَهَا فِيهَا، فَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ بِالْعِتْقِ أَوْ وُجُوبِ السَّتْرِ، أَوْ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهَا مَعَ كَشْفِ مَا يَجِبُ سَتْرُهُ وَقُدْرَتِهَا عَلَيْهِ (وَيُصَلِّي الْعُرَاةُ جَمَاعَةً وَإِمَامُهُمْ وَسَطًا) أَيْ لَا
يَتَقَدَّمُهُمْ (وُجُوبًا فِيهِمَا) أَيْ فِي مَسْأَلَتَيْ وُجُوبِ الْجَمَاعَةِ عَلَيْهِمْ، وَكَوْنِ إمَامِهِمْ وَسَطَهُمْ،
أَمَّا الْأُولَى: فَلِأَنَّهُمْ قَدَرُوا عَلَى الْجَمَاعَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ. أَشْبَهُوا الْمُسْتَتِرِينَ وَكَحَالِ الْخَوْفِ وَأَوْلَى، وَلَا تَسْقُطُ الْجَمَاعَةُ بِفَوْتِ سُنَّةِ الْمَوْقِفِ، وَأَمَّا الثَّانِيَة، فَلِأَنَّهُ سِتْرٌ مِنْ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَيْهِمْ، فَإِنْ تَقَدَّمَهُمْ بَطَلَتْ، إنْ لَمْ يَكُونُوا عُمْيَانًا أَوْ فِي ظُلْمَةٍ.
فَإِنْ كَانَ الْعُرَاةُ أَكْثَرَ مِنْ نَوْعٍ كَنِسَاءٍ وَرِجَالٍ، صَلَّى (كُلُّ نَوْعٍ جَانِبًا) لِأَنْفُسِهِمْ، حَتَّى لَا يَرَى بَعْضُهُمْ عَوْرَةَ بَعْضٍ إنْ اتَّسَعَ الْمَحَلُّ (فَإِنْ شَقَّ) ذَلِكَ لِنَحْوِ ضِيقٍ (صَلَّى الْفَاضِلُ) وَهُمْ الرِّجَالُ (وَاسْتَدْبَرَ مَفْضُولٌ) وَهُمْ النِّسَاءُ (ثُمَّ عَكَسَ) فَيُصَلِّي النِّسَاءُ وَيَسْتَدْبِرْهُنَّ الرِّجَالُ، لِأَنَّ النِّسَاءَ إنْ وَقَفْنَ مَعَ الرِّجَالِ صَفًّا مَعَ سَعَةِ الْمَحَلِّ أَخْطَأْنَ سُنَّةَ الْمَوْقِفِ،
وَإِنْ صَلَّيْنَ خَلْفَهُمْ شَاهَدْنَ عَوْرَاتِهِمْ، وَرُبَّمَا اُفْتُتِنَّ بِهِمْ (وَمَنْ أَعَارَهُ) وَنَحْوُهُ (سُتْرَتَهُ) لِمَنْ يُصَلِّي فِيهَا (وَصَلَّى) أَيْ صَاحِبُهَا (عُرْيَانًا لَمْ تَصِحَّ) صَلَاتُهُ لِتَرْكِهِ السَّتْرَ مَعَ الْقُدْرَةِ. (وَتُسَنُّ) إعَارَةُ السُّتْرَةِ لِلصَّلَاةِ (إذَا صَلَّى) رَبُّهَا لِتَكْمُلَ صَلَاةُ الْمُسْتَعِيرِ (وَيُصَلِّي بِهَا) بَعْدَ رَبِّهَا، إنْ تَعَدَّدَ الْعُرَاةُ (وَاحِدٌ فَآخَرُ) حَتَّى يَنْتَهُوا مَعَ سَعَةِ الْوَقْتِ، لِقُدْرَتِهِمْ عَلَى الصَّلَاةِ بِشَرْطِهَا.
(وَيُقَدَّمُ إمَامٌ مَعَ ضِيقِ الْوَقْتِ) وَيَقِفُ قُدَّامَهُمْ لِاسْتِتَارِ عَوْرَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّهَا صَلَّى وَصَلَحَ لِلْإِمَامَةِ صَلَّى بِهِمْ (وَالْمَرْأَةُ) الْعَارِيَّةُ (أَوْلَى) بِالسُّتْرَةِ تُعَارُ مِنْ الرَّجُلِ حَتَّى الْإِمَامِ ; لِأَنَّ عَوْرَتَهَا أَفْحَشُ وَسَتْرُهَا أَبْعَدُ مِنْ الْفِتْنَةِ.
فَصْلٌ فِي جُمْلَةٍ مِنْ أَحْكَامِ اللِّبَاسِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا (كُرِهَ فِي صَلَاةٍ) فَقَطْ (سَدْلٌ وَهُوَ طَرْحُ ثَوْبٍ عَلَى كَتِفَيْهِ) أَيْ الْمُصَلِّي (وَلَا يَرُدُّ طَرَفَهُ) أَيْ الثَّوْبِ (عَلَى) الْكَتِفِ (الْأُخْرَى) سَوَاءٌ كَانَ تَحْتَهُ ثَوْبٌ أَوْ لَا. وَالنَّهْيُ فِيهِ صَحِيحٌ عَنْ عَلِيٍّ وَخَبَرُ أَبِي هُرَيْرَةَ نُقِلَ هُنَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لَكِنْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ لَمْ يُضَعِّفْهُ أَحْمَدُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ.
وَإِنْ رَدَّ طَرَفَهُ عَلَى الْكَتِفِ الْأُخْرَى. وَفِي الْإِقْنَاعِ وَغَيْرِهِ: أَوْ ضَمَّ طَرَفَيْهِ بِيَدَيْهِ لَمْ يُكْرَهْ، وَلَا بَأْسَ بِطَرْحِ الْقَبَاءِ عَلَى كَتِفَيْهِ بِلَا إدْخَالِ يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهِ.
(وَ) كُرِهَ أَيْضًا فِي صَلَاةٍ (اشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ وَهُوَ أَنْ يَضْطَبِعَ بِثَوْبٍ لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «نَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ، وَأَنْ يَشْتَمِلَ الصَّمَّاءَ بِالثَّوْبِ الْوَاحِدِ، لَيْسَ عَلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ مِنْهُ، يَعْنِي شَيْءٌ» أَخْرَجُوهُ.
وَالِاضْطِبَاعُ: أَنْ يَجْعَلَ وَسَطَ الرِّدَاءِ تَحْتَ عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ وَطَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ. فَإِنْ كَانَ تَحْتَهُ ثَوْبٌ فَلَا كَرَاهَةَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَبَدَتْ عَوْرَتُهُ فِي الصَّلَاةِ بَطَلَتْ، إلَّا أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا، وَإِنْ احْتَبَى وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ جَازَ، وَإِلَّا حَرُمَ.
(وَ) كُرِهَ أَيْضًا فِي صَلَاةٍ (تَغْطِيَةُ وَجْهٍ، وَتَلَثُّمٌ عَلَى فَمٍ وَأَنْفٍ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «نَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُغَطِّيَ الرَّجُلُ فَاهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى كَرَاهَةِ تَغْطِيَةِ الْوَجْهِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى تَغْطِيَةِ الْفَمِ، وَقِيَاسُهُ: تَغْطِيَةُ الْأَنْفِ، وَفِي تَغْطِيَةِ الْوَجْهِ تَشَبُّهٌ بِالْمَجُوسِ عِنْدَ عِبَادَتِهِمْ النِّيرَانَ، وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا مَنَعَ تَحْقِيقَ الْحُرُوفِ.
(وَ) كُرِهَ أَيْضًا فِي صَلَاةٍ (لَفُّ كُمٍّ) لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «وَلَا أَكُفَّ شَعَرًا وَلَا ثَوْبًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. زَادَ فِي الرِّعَايَةِ: وَتَشْمِيرُهُ وَمَحَلُّ كَرَاهَةِ تَغْطِيَةِ وَجْهٍ وَمَا بَعْدَهُ: إنْ كَانَ (بِلَا سَبَبٍ) قَالَ أَحْمَدُ: لَا بَأْسَ بِتَغْطِيَةِ الْوَجْهِ لِحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ. وَقِيَاسُهُ: كَفُّ الْكُمِّ وَنَحْوِهِ،
فَإِنْ كَانَ السَّدْلُ وَمَا بَعْدَهُ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ لَمْ يُكْرَهْ.
(وَ) كُرِهَ (مُطْلَقًا) فِي صَلَاةٍ وَغَيْرِهَا (تَشَبُّهٌ بِكُفَّارٍ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَقَلُّ أَحْوَالِهِ أَيْ هَذَا الْحَدِيث أَنْ يَقْتَضِيَ تَحْرِيمَ التَّشَبُّهِ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي كُفْرَ الْمُتَشَبَّهِ بِهِمْ.
وَقَالَ: وَلَمَّا صَارَتْ الْعِمَامَةُ الصَّفْرَاءُ وَالزَّرْقَاءُ مِنْ شِعَارِهِمْ: حَرُمَ لُبْسُهُمَا.
(وَ) كُرِهَ أَيْضًا مُطْلَقًا جَعْلُ صِفَةِ (صَلِيبٍ فِي ثَوْبٍ وَنَحْوِهِ) كَعِمَامَةٍ وَخَاتَمٍ ; لِأَنَّهُ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالنَّصَارَى. وَظَاهِرُ نَقْلِ صَالِحٍ: تَحْرِيمُهُ، وَصَوَّبَهُ فِي الْإِنْصَافِ.
(وَ) كُرِهَ أَيْضًا مُطْلَقًا (شَدُّ وَسَطٍ) بِفَتْحِ السِّينِ (ب) شَيْءٍ (شِبْهِ) شَدِّ (زُنَّارٍ) بِوَزْنِ تُفَّاحٍ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالْيَهُودِ وَقَدْ نَهَى صلى الله عليه وسلم النَّبِيُّ عَنْ التَّشَبُّهِ بِهِمْ.
فَقَالَ «لَا تَشْتَمِلُوا اشْتِمَالَ الْيَهُودِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. فَأَمَّا شَدُّ الرَّجُلِ وَسَطَهُ بِمَا لَا يُشْبِه ذَلِكَ. فَقَالَ أَحْمَدُ: لَا بَأْسَ بِهِ. أَلَيْسَ قَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ «لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ إلَّا وَهُوَ مُحْتَزِمٌ» وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ الرَّجُلِ يُصَلِّي وَعَلَيْهِ الْقَمِيصُ، يَأْتَزِرُ بِالْمِنْدِيلِ؟ قَالَ: نَعَمْ فَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ.
(وَ) كُرِهَ شَدُّ وَسَطِ (أُنْثَى مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ يُشْبِهُ شَدَّ زُنَّارٍ أَوْ لَا ; لِأَنَّهُ يُبَيَّنُ بِهِ حَجْمُ عَجِيزَتِهَا، وَتُبَيَّنُ بِهِ تَقَاطِيعُ بَدَنِهَا. وَحَمَلَهُ صَاحِبُ الْإِقْنَاعِ عَلَى مَا إذَا كَانَتْ فِي الصَّلَاةِ فَقَطْ، دُونَ خَارِجِهَا.
وَاسْتَدَلَّ لَهُ (وَ) كُرِهَ أَيْضًا (مَشْيٌ بِنَعْلٍ وَاحِدَةٍ) لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا يَمْشِي أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَنَصُّهُ: وَلَوْ يَسِيرًا، لِإِصْلَاحِ الْأُخْرَى لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ
«إذَا انْقَطَعَ شِسْعُ نَعْلِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَمْشِ فِي الْأُخْرَى حَتَّى يُصْلِحَهَا» وَأَيْضًا عَنْ جَابِرٍ، وَفِيهِ «وَلَا خُفٍّ وَاحِدٍ» وَلِأَنَّهُ مِنْ الشُّهْرَةِ.
وَيُسَنُّ كَوْنُ النَّعْلِ أَصْفَرَ وَالْخُفِّ أَحْمَرَ وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي مِنْ أَصْحَابِنَا أَوْ أَسْوَدَ. وَيُسَنُّ تَعَاهُدُهَا عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ لِنَعْلِهِ صلى الله عليه وسلم قِبَالَانِ بِكَسْرِ الْقَافِ وَهُوَ السَّيْرُ بَيْنَ الْوُسْطَى وَاَلَّتِي تَلِيهَا، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَاسْتَحَبَّ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَغَيْرُهُ: الصَّلَاةَ فِي النَّعْلِ الطَّاهِرِ. وَقَالَ صَاحِبُ النَّظْمِ: الْأَوْلَى حَافِيًا. وَفِيَ الْإِقْنَاعِ: لَا يُكْرَهُ الِانْتِعَالُ قَائِمًا.
وَفِي النَّظْمِ: يُكْرَهُ لُبْسُ خُفٍّ وَإِزَارٍ وَسَرَاوِيلَ قَائِمًا، وَلَعَلَّهُ جَالِسًا أَوْلَى (وَ) كُرِهَ أَيْضًا مُطْلَقًا (لُبْسُهُ) أَيْ الرَّجُلِ لَا الْمَرْأَةِ (مُعَصْفَرًا) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «رَأَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ، فَقَالَ: إنَّ هَذِهِ مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ، فَلَا تَلْبَسْهَا» وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَأَى عَلَيْهِ رَيْطَةً مُضَرَّجَةً بِالْعُصْفُرِ. فَقَالَ: مَا هَذِهِ؟ قَالَ: فَعَرَفْتُ مَا كَرِهَ. فَأَتَيْت أَهْلِي وَهُمْ يَسْجُرُونَ تَنُّورَهُمْ، فَقَذَفْتهَا فِيهِ. ثُمَّ أَتَيْته فَأَخْبَرْته، فَقَالَ: أَلَا كَسَوْتهَا بَعْضَ أَهْلِك؟ فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ لِلنِّسَاءِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ.
(فِي غَيْرِ إحْرَامٍ) فَلَا يُكْرَهُ الْمُعَصْفَرُ فِيهِ نَصًّا (وَ) كُرِهَ أَيْضًا لُبْسُ رَجُلٍ (مُزَعْفَرًا) لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم «نَهَى الرِّجَالَ عَنْ التَّزَعْفُرِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَ) كُرِهَ أَيْضًا لُبْسُ رَجُلٍ (أَحْمَرَ مُصْمَتًا) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ عَلَيْهِ بُرْدَانِ أَحْمَرَانِ، فَسَلَّمَ فَلَمْ يَرُدَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَيْهِ» وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ بِطَانَةً،
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُصْمَتًا أَيْ مُنْفَرِدًا، فَلَا كَرَاهَةَ وَعَلَيْهِ حُمِلَ لُبْسُهُ صلى الله عليه وسلم الْحُلَّةَ الْحَمْرَاءَ.
(وَ) كُرِهَ أَيْضًا لُبْسُ رَجُلٍ (طَيْلَسَانًا، وَهُوَ الْمُقَوَّرُ) لِأَنَّهُ يُشْبِهُ لُبْسَ رُهْبَانِ الْمَلَكِيِّينَ مِنْ النَّصَارَى. وَلَا يُكْرَهُ لُبْسُ غَيْرِ الْمُقَوَّرِ.
(وَ) يُكْرَهُ أَيْضًا لُبْسُهُ (جِلْدًا مُخْتَلَفًا فِي نَجَاسَتِهِ وَافْتِرَاشُهُ) مَعَ الْحُكْمِ بِطَهَارَتِهِ، خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ، وَمَعَ الْحُكْمِ بِنَجَاسَتِهِ يَحْرُمُ، إلَّا مَا نَجِسَ بِمَوْتِهِ وَدُبِغَ، كَمَا سَبَقَ.
و (لَا) يُكْرَهُ (إلْبَاسُهُ) أَيْ الْجِلْدِ الْمُخْتَلَفِ فِي نَجَاسَتِهِ (دَابَّتَهُ) لِأَنَّ حُرْمَتَهَا لَيْسَتْ كَحُرْمَةِ الْآدَمِيِّ، وَيَحْرُمُ إلْبَاسُهَا ذَهَبًا وَفِضَّةً، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَحَرِيرًا.
(وَ) يُكْرَهُ (كَوْنُ ثِيَابِهِ) أَيْ الرَّجُلِ (فَوْقَ نِصْفِ سَاقِهِ) نَصًّا. وَلَعَلَّهُ لِئَلَّا تَبْدُوَ عَوْرَتُهُ (أَوْ تَحْتَ كَعْبِهِ بِلَا حَاجَةٍ) لِلْخَبَرِ. فَإِنْ كَانَ ثَمَّ حَاجَةٌ كَحُمُوشَةِ سَاقِهِ
لَمْ يُكْرَهْ، إنْ لَمْ يَقْصِدْ التَّدْلِيسَ (وَ) يُبَاحُ (لِلْمَرْأَةِ زِيَادَةُ) ذَيْلِهَا (إلَى ذِرَاعٍ) لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ
«يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تَصْنَعُ النِّسَاءُ بِذُيُولِهِنَّ؟ قَالَ: يُرْخِينَ شِبْرًا، فَقَالَتْ: إذَنْ تَنْكَشِفُ أَقْدَامُهُنَّ قَالَ: فَيُرْخِينَ ذِرَاعًا لَا يَزِدْنَ عَلَيْهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ (وَحَرُمَ أَنْ يُسْبِلَهَا) أَيْ ثِيَابَ الرَّجُلِ (بِلَا حَاجَةٍ خُيَلَاءَ) قَمِيصًا كَانَتْ أَوْ إزَارًا أَوْ سَرَاوِيلَ أَوْ عِمَامَةً، فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، لِحَدِيثِ «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرْ اللَّهُ إلَيْهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ لِحَاجَةٍ بِلَا خُيَلَاءَ (فِي غَيْرِ حَرْبٍ) وَفِيهِ: لَا يَحْرُمُ لِإِرْهَابِ الْعَدُوِّ.
(وَ) حَرُمَ (حَتَّى عَلَى أُنْثَى لُبْسُ مَا فِيهِ صُورَةُ حَيَوَانٍ وَتَعْلِيقُهُ، وَسَتْرُ جُدُرٍ بِهِ، وَتَصْوِيرُهُ)
لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «إنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيُقَالُ: لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» وَقَالَ «إنَّ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ لَا تَدْخُلُهُ الْمَلَائِكَةُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَائِشَةَ.
وَعَنْ جَابِرٍ «نَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ الصُّورَةِ فِي الْبَيْتِ، وَنَهَى أَنْ يُصْنَعَ ذَلِكَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَإِنْ أُزِيلَ مِنْ الصُّورَةِ مَا لَا يَبْقَى مَعَهُ حَيَاةٌ لَمْ يُكْرَه. نَصًّا، وَمِثْلُهُ صُورَةُ شَجَرٍ وَنَحْوِهِ، وَكَذَا تَصْوِيرُهُ.
و (لَا) يَحْرُمُ (افْتِرَاشُهُ) أَيْ الْمُصَوَّرِ (وَجَعْلُهُ مِخَدًّا) وَلَا يُكْرَهُ، لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم «اتَّكَأَ عَلَى مِخَدَّةٍ فِيهَا صُورَةٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
(وَ) حَرُمَ (عَلَى غَيْرِ أُنْثَى) مِنْ رَجُلٍ وَخُنْثَى (حَتَّى كَافِرٍ لُبْسُ مَا كُلُّهُ وَمَا غَالِبُهُ ظُهُورًا حَرِيرٌ، وَلَوْ) كَانَ (بِطَانَةً) لِحَدِيثِ عُمَرَ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم «لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ، فَإِنَّهُ مَنْ لَبِسَهُ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسهُ فِي الْآخِرَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَكَوْنُ عُمَرَ «بَعَثَ بِمَا أَعْطَاهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إلَى أَخٍ لَهُ مُشْرِكٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي لُبْسِهَا. وَقَدْ «بَعَثَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إلَى عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَأُسَامَةَ» وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ إبَاحَةُ لُبْسِهِ، وَالْكُفَّارُ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ (وَ) وَحَرُمَ أَيْضًا عَلَى غَيْرِ أُنْثَى (افْتِرَاشُهُ) أَيْ الْحَرِيرِ
لِحَدِيثِ حُذَيْفَةَ «نَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ نَشْرَبَ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَأَنْ نَأْكُلَ فِيهَا أَوْ أَنْ نَلْبَسَ الْحَرِيرَ وَالدِّيبَاجَ، وَأَنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. و (لَا) يَحْرُمُ افْتِرَاشُهُ (تَحْتَ) حَائِلٍ (صَفِيقٍ) فَيَجُوزُ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى الْحَائِلِ (وَيُصَلِّيَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مُفْتَرِشٌ لِلْحَائِلِ، مُجَانِبٌ لِلْحَرِيرِ.
(وَ) يَحْرُمُ أَيْضًا عَلَى غَيْرِ أُنْثَى (اسْتِنَادٌ إلَيْهِ، وَتَعْلِيقُهُ) أَيْ الْحَرِيرِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ: بُشْخَانَةٌ وَخَيْمَةٌ وَنَحْوُهُمَا، وَحَرُمَ الْأَكْثَرُ اسْتِعْمَالَهُ مُطْلَقًا،
فَدَخَلَ فِيهِ: تِكَّةٌ وَشِرَابَةٌ مُفْرَدَةٌ، وَخَيْطُ مِسْبَحَةٍ.
(وَ) يَحْرُمُ أَيْضًا (كِتَابَةُ مَهْرٍ فِيهِ) أَيْ فِي الْحَرِيرِ. وَقِيلَ: يُكْرَهُ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ.
(وَ) يَحْرُمُ أَيْضًا (سَتْرُ جُدُرٍ بِهِ) أَيْ بِالْحَرِيرِ لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ لَهُ، أَشْبَهَ لُبْسَهُ (غَيْرَ الْكَعْبَةِ
الْمُشَرَّفَةِ) زَادَهَا اللَّهُ تَعْظِيمًا وَتَشْرِيفًا فَيَجُوزُ سَتْرُهَا بِالْحَرِيرِ. وَكَلَامُ أَبِي الْمَعَالِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَحَلُّ وِفَاقٍ
وَمَحَلُّ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ الْحَرِيرِ. إذَا كَانَ (بِلَا ضَرُورَةٍ) كَبَرْدٍ أَوْ حَكَّةٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ قَمْلٍ، لِحَدِيثِ أَنَسٍ «أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرَ شَكَوْا الْقَمْلَ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَرَخَّصَ لَهُمَا فِي قَمِيصِ الْحَرِيرِ وَرَأَيْتُهُ عَلَيْهِمَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَمَا ثَبَتَ فِي حَقِّ صَحَابِيٍّ يَثْبُتُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، إذْ لَا دَلِيلَ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِهِ، وَقِسْ عَلَى الْقَمْلِ غَيْرَهُ مِمَّا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى لُبْسِ الْحَرِيرِ.
(وَ) حَرُمَ أَيْضًا عَلَى غَيْرِ أُنْثَى ثَوْبٌ (مَنْسُوجٌ) بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ (وَمُمَوَّهٌ بِذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ) إلَّا خُوذَةً أَوْ مِغْفَرًا أَوْ جَوْشَنًا وَنَحْوَهَا بِفِضَّةٍ،
وَكَذَا مَا طُلِيَ أَوْ كُفِتَ أَوْ طُعِّمَ بِأَحَدِهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْآنِيَةِ، وَمَا حَرُمَ اسْتِعْمَالُهُ حَرُمَ تَمْلِيكُهُ وَتَمَلُّكُهُ لِذَلِكَ، وَعَمَلُ خِيَاطَتِهِ لِمَنْ حَرُمَ عَلَيْهِ وَأُجْرَتُهُ، نَصًّا. و (لَا) يَحْرُمُ (مُسْتَحِيلٌ لَوْنُهُ) مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ (وَلَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ شَيْءٌ) لَوْ عُرِضَ عَلَى النَّارِ، لِزَوَالِ عِلَّةِ التَّحْرِيمِ مِنْ السَّرَفِ وَالْخُيَلَاءِ، وَكَسْرِ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ.
(وَ) لَا يَحْرُمُ أَيْضًا (حَرِيرٌ سَاوَى مَا نُسِجَ مَعَهُ) مِنْ قُطْنٍ أَوْ كَتَّانٍ أَوْ صُوفٍ وَنَحْوِهِ (ظُهُورًا) بِأَنْ كَانَ ظُهُورُهُمَا عَلَى السَّوَاءِ، وَلَوْ زَادَ الْحَرِيرُ وَزْنًا فَلَا يَحْرُمُ، لِأَنَّ الْغَالِبَ لَيْسَ بِحَرِيرٍ، فَيَنْتَفِي دَلِيلُ الْحُرْمَةِ.
وَيَبْقَى أَصْلُ الْإِبَاحَةِ (وَ) لَا يَحْرُمُ أَيْضًا (خَزٌّ) أَيْ ثَوْبٌ يُسَمَّى الْخَزَّ (وَهُوَ مَا سُدِيَ بِإِبْرَيْسَمٍ) أَوْ حَرِيرٍ (وَأُلْحِمَ بِصُوفٍ، أَوْ وَبَرٍ وَنَحْوِهِ) كَقُطْنٍ وَكَتَّانٍ. لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «إنَّمَا نَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ الثَّوْبِ الْمُصْمَتِ مِنْ الْحَرِيرِ، أَمَّا عَلَمُ وَسَدَى الثَّوْبِ فَلَيْسَ بِهِ بَأْسٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْأَثْرَمُ.
وَأَمَّا مَا عُمِلَ مِنْ سَقَطِ الْحَرِيرِ وَمُشَاقَّتِهِ وَمَا يُلْقِيهِ الصَّانِعُ مِنْ فَمِهِ مِنْ تَقْطِيعِ الطَّاقَاتِ إذَا دُقَّ وَغُسِلَ وَنُسِجَ، فَهُوَ كَحَرِيرٍ خَالِصٍ فِي ذَلِكَ وَإِنْ سُمِّيَ الْآنَ خَزًّا، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ (أَوْ) أَيْ وَلَا يَحْرُمُ (خَالِصٌ) مِنْ حَرِيرٍ (لِمَرَضٍ أَوْ حَكَّةٍ) سَوَاءٌ أَثَّرَ فِي زَوَالِهَا أَوْ لَا لِمَا تَقَدَّمَ (أَوْ) خَالِصٌ (لِحَرْبٍ) مُبَاحٌ إذَا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ إلَى انْقِضَاءِ الْقِتَالِ (وَلَوْ بِلَا حَاجَةٍ) نَصًّا ; لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ لُبْسِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْخُيَلَاءِ، وَهُوَ غَيْرُ مَذْمُومٍ فِي الْحَرْبِ (وَلَا) يَحْرُمُ (الْكَلُّ) وَهُوَ مَا فِيهِ صُورَةٌ وَالْحَرِيرُ وَالْمَنْسُوجُ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ (لِحَاجَةٍ) بِأَنْ عُدِمَ غَيْرُهُ،
قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: مَنْ احْتَاجَ إلَى لُبْسِ الْحَرِيرِ لِحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ تَحَصُّنٍ مِنْ عَدُوٍّ وَنَحْوِهِ أُبِيحَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: يَجُوزُ مِثْلُ ذَلِكَ مِنْ الذَّهَبِ، كَدِرْعٍ مُمَوَّهٍ بِهِ لَا يُسْتَغْنَى عَنْ لُبْسِهِ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ (وَحَرُمَ تَشَبُّهُ رَجُلٍ بِأُنْثَى وَعَكْسِهِ) وَهُوَ تَشَبُّهُ أُنْثَى
بِرَجُلٍ (فِي لِبَاسٍ وَغَيْرِهِ) لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم «لَعَنَ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنْ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنْ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ «وَلَعَنَ أَيْضًا الرَّجُلَ يَلْبَسُ لُبْسَ الْمَرْأَةِ وَالْمَرْأَةَ تَلْبَسُ لُبْسَ الرَّجُلِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد.
قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: إسْنَادُهُ صَحِيحٌ. فَيَحْرُمُ عَلَيْهَا الْعَصَائِبُ الْكِبَارُ الَّتِي تُشْبِهُ عَمَائِمَ الرِّجَالِ.
(وَ) حَرُمَ أَيْضًا عَلَى وَلِيٍّ (إلْبَاسُ صَبِيٍّ مَا حَرُمَ عَلَى رَجُلٍ) فَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ فِيهِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي» وَلِقَوْلِ جَابِرٍ «كُنَّا نَنْزِعُهُ عَنْ الْغِلْمَانِ وَنَتْرُكُهُ عَلَى الْجَوَارِي» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَكَوْنِ الصِّبْيَانِ مَحَلًّا لِلزِّينَةِ مَعَ تَحْرِيمِ الِاسْتِمْتَاعِ بِهِمْ أَبْلَغَ فِي التَّحْرِيمِ (فَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ فِيهِ) ، أَيْ فِي الثَّوْبِ الْحَرِيرِ.
(وَيُبَاحُ مِنْ حَرِيرٍ كَيْسُ مُصْحَفٍ) تَعْظِيمًا لَهُ، وَلِأَنَّهُ يَسِيرٌ (وَ) يُبَاحُ أَيْضًا (أَزْرَارٌ وَخِيَاطَةٌ بِهِ) أَيْ الْحَرِيرِ. لِأَنَّهُ يَسِيرٌ.
(وَ) يُبَاحُ أَيْضًا مِنْ حَرِيرٍ (حَشْوُ جِبَابٍ وَفُرُشٍ) لِأَنَّهُ لَا فَخْرَ فِيهِ، وَلَا عُجْبَ وَلَا خُيَلَاءَ. وَلَيْسَ لُبْسًا لَهُ وَلَا افْتِرَاشًا (وَ) يُبَاحُ أَيْضًا مِنْ حَرِيرٍ (عَلَمُ ثَوْبٍ وَهُوَ طِرَازُهُ) لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَيُبَاحُ أَيْضًا مِنْ حَرِيرٍ (لَبِنَةُ جَيْبٍ، وَهُوَ الزِّيقُ) أَيْ الْمُحِيطُ بِالْعُنُقِ (وَالْجَيْبُ مَا يُفْتَحُ عَلَى نَحْرٍ أَوْ طَوْقٍ) .
وَفِي الْقَامُوسِ: وَجَيْبُ الْقَمِيصِ وَنَحْوُهُ بِالْفَتْحِ: طَوْقُهُ (وَ) يُبَاحُ أَيْضًا مِنْ حَرِيرٍ (رِقَاعٌ وَسِجْفُ فِرَاءٍ) وَنَحْوِهَا قَدْرَ أَرْبَعِ أَصَابِعَ فَمَا دُونُ.
و (لَا) يُبَاحُ مِنْ ذَلِكَ (فَوْقَ أَرْبَعِ أَصَابِعَ مَضْمُومَةٍ) لِحَدِيثِ عُمَرَ «نَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ الْحَرِيرِ إلَّا مَوْضِعَ أُصْبُعَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَإِذَا لَبِسَ ثِيَابًا فِي كُلِّ ثَوْبٍ مِنْ الْحَرِيرِ مَا يُعْفَى عَنْهُ وَلَوْ جُمِعَ صَارَ ثَوْبًا فَفِي الْمُسْتَوْعِبِ وَابْنِ تَمِيمٍ: لَا بَأْسَ بِهِ، وَفِي الرِّعَايَةِ. لَا يَحْرُمُ، بَلْ يُكْرَهُ.
" تَتِمَّةٌ " يُسَنُّ أَنْ يَأْتَزِرَ الرَّجُلُ فَوْقَ سُرَّتِهِ وَيَشُدَّ سَرَاوِيلَهُ فَوْقَهَا، وَسَعَةُ كَمِّ قَمِيصِ الْمَرْأَةِ يَسِيرًا وَقِصَرُهُ، وَطُولُ كَمِّ قَمِيصِ الرَّجُلِ عَنْ أَصَابِعِهِ قَلِيلًا دُونَ سَعَتِهِ كَثِيرًا، فَلَا تَتَأَذَّى الْيَدُ بِحَرٍّ وَلَا بَرْدٍ، وَلَا تَمْنَعُهَا خِفَّةَ الْحَرَكَةِ وَالْبَطْشِ. وَيُبَاحُ ثَوْبٌ مِنْ صُوفٍ وَوَبَرٍ وَشَعْرٍ مِنْ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ. وَيُكْرَهُ رَقِيقٌ يَصِفُ الْبَشَرَةَ وَخِلَافُ زِيِّ أَهْلِ بَلَدِهِ بِلَا عُذْرٍ، وَمُزْرِيَةٌ وَكَثْرَةُ الْإِرْفَاهِ. وَزِيُّ أَهْلِ الشِّرْكِ وَثَوْبُ شُهْرَةٍ مَا يَشْتَهِرُ بِهِ عِنْدَ النَّاسِ وَيُشَارُ إلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ لِئَلَّا يَحْمِلَهُمْ عَلَى غَيْبَتِهِ فَيُشَارِكَهُمْ فِي الْإِثْمِ.
وَيُبَاحُ لُبْسُ السَّوَادِ وَالْقَبَاءِ، حَتَّى لِلنِّسَاءِ وَالْمَشْيُ فِي قُبْقَابٍ خَشَبٍ.
قَالَ أَحْمَدُ: إنْ كَانَ حَاجَةً، وَيُكْرَهُ لُبْسُ نَعْلٍ صَرَّارَةٍ نَصًّا. وَقَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يُلْبَسَ لِلْوُضُوءِ. وُفِيَ الرِّعَايَةِ: يُسَنُّ التَّوَاضُعُ فِي اللِّبَاسِ، وَلُبْسُ الْبَيَاضِ وَالنَّظَافَةُ فِي بَدَنِهِ وَثَوْبِهِ،