الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الخارجية كثرت هذه المكاتبات واحتاجت إلى الحفظ. وقد دون عمر رضي الله عنه الديوان، وكان يحفظ في تابوت كل معاهدة كانت بينه وبين أحد ممن عاهده (1).
المبحث الثالث: موضوعات التعليم
لم يقتصر التعليم في عصر السيرة والراشدين على المراحل الأولية لتعليم الكتابة والقراءة، بل عرف أنماطاً أخرى عالية وتخصصات دقيقة، لم تكن مرتبطة في الغالب بمعرفة الكتابة، وإنما كانت تتم عن طريق السماع والمشافهة، فهو وسيلة التثقيف الأولى في ذلك العصر، وقد برز عدد من الصحابة المتخصصين في فن بعينه كما جمع بعضهم بين فنون عدة.
وقد قام هؤلاء العلماء بمسؤوليتهم في نشر العلم وتفتيح العقول عليه، وتنمية أعداد طلبته، وإمداد الدولة بما تحتاج إليه من العناصر القيادية.
وكانت موضوعات التعليم تتمثل في القرآن وعلومه، والحديث، والفقه، واللغة العربية، والتاريخ، والأنساب، والشعر، والقصص، والحكم، والأمثال، والتنجيم واللغات والثقافات الأجنبية.
وفيما يلي عرض لهذه الموضوعات مع الإشارة إلى أبرز المتخصصين فيها في ذلك العصر وفقا لما انتهى إلينا من المعلومات:
أ- القرآن وعلومه:
لا شك في أن حفظ القرآن وإقراءه وتفسيره، يتقدم بقية الموضوعات، فهو
(1) المقريزي: الخطط 1: 295.
الكتاب الوحيد المدون كاملاً في ذلك العصر، وقد بدأ المسلمون تدوينه أثناء نزوله مفرقاً على الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم جمعت من هذه المدونات المفرقة نسخة واحدة في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وقام على هذه المهمة زيد بن ثابت بأمر أبي بكر الصديق رضي الله عنه، تنفيذاً لما أشار به عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وقد انتقلت هذه النسخة إلى عمر في خلافته، ثم أودعت عند حفصة بنت عمر أم المؤمنين رضي الله عنهما.
وقد أعيد جمع القرآن في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه من قبل لجنة رباعية كونها عثمان، كلفت القيام بهذه المهمة، وتتألف اللجنة من زيد بن ثابت رضي الله عنه إذ تم اختياره نتيجة عوامل منها: استماعه إلى العرضة الأخيرة للقرآن من النبي صلى الله عليه وسلم نفسه بنصه الكامل الخالد دون الآيات التي نسخت تلاوتها من ناحية، وقيامه بالجمع الأول في خلافة أبي بكر رضي الله عنه، ومن قبل عمله كاتباً للوحي زمن الرسول صلى الله عليه وسلم.
والثلاثة الآخرون في هذه اللجنة هم: عبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأعضاء اللجنة كلهم من قريش إلا زيد فهو أنصاري. وقد وضع عثمان رضي الله عنه للجنة قاعدة العمل بقوله:"ما اختلفتم فيه أنتم وزيد فاكتبوه بلسان قريش، فإنه نزل بلسانهم". وقد أتمت اللجنة عملها وأقرهم عليه الصحابة آنذاك، حيث تم نسخ ستة مصاحف وزعت أربعة منها على الأمصار، مكة والشام والكوفة والبصرة، وبقيت النسخة الخامسة في المدينة، واحتفظ عثمان بالنسخة السادسة. ثم نقلت سائر المصاحف عبر القرون التالية عن مصحف عثمان رضي الله عنه الذي عرف بالمصحف الإمام، وسمي رسمه بالرسم العثماني.
وكان النص القرآني خالياً من النقط والحركات، تحتاج قراءته إلى السليقة اللغوية، وأدى نزوله على سبعة أحرف إلى نشوء بعض الاختلافات في قراءته، وكان ما فيه من الإجمال والعموم والناسخ والمنسوخ بحاجة إلى معرفة أسباب النزول
وتحديد القراءات الصحيحة وتفسير المعاني وبيان الأحكام التشريعية، وذلك كله يحتاج إلى تخصص دقيق، وقد برز في القراءات عدد من الصحابة منهم عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وكان يمتلك مصحفاً مدوناً حمله معه إلى الكوفة، وقدر له أن يسمع سبعين سورة بلفظ الرسول صلى الله عليه وسلم (1)، كما كان مطلعاً بدقة على تفسير القرآن. وقد وضح تلميذه مسروق طريقته في التعليم بقوله:"كان عبد الله يقرأ علينا السورة، ثم يحدثنا فيها ويفسرها عامة النهار"(2).
كذلك برز زيد بن ثابت رضي الله عنه، وأبي بن كعب رضي الله عنه الذي كان ممن يعلِّم الناس القرآن (3).
وقد أوصى الرسول صلى الله عليه وسلم الصحابة بأخذ القرآن من أربعة، هم: عبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وسالم مولى أبي حذيفة رضي الله عنهم (4).
وقد حفظ علي بن أبي طالب رضي الله عنه القرآن كاملاً بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة (5). ووردت أحاديث كثيرة في الحث على حفظ القرآن وقراءته وتدبر معانيه، ومعرفة مقاصده، منها حديثه صلى الله عليه وسلم "تعلموا القرآن"(6).
(1) ابن سعد: الطبقات 3: 151، وأحمد: المسند 1: 389.
(2)
الطبري: تفسير، رقم 84 (ط. أحمد شاكر).
(3)
البيهقي: السنن 6 - : 126.
(4)
الخزاعي: تخريج الدلالات السمعية 133.
(5)
المتقي الهندي: كنز العمال 13: 128.
(6)
الألباني: سلسلة الأحاديث الصحيحة، رقم 258.