الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني: مصارف الغنائم والفيء
يقصد بالغنائم تلك الأموال التي حازها المسلمون بالقوة، أما الأموال التي أخذت دون قتال فهي الفيء.
وقد بيَّن القرآن أن خمس الغنائم هي حصة الدولة، ولكنه حدد أوجه صرف الخمس:(واعلموا أن ما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل)(1). وأما أربعة أخماس الغنائم الأخرى فإنها توزع على المقاتلين الذين شهدوا القتال، وبذلك فإن معظم الغنائم يتصرف بها الأفراد مما يرفع مستوى معيشتهم.
وأما الفيء فقد حدد القرآن أوجه صرفه: (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم)(2). وهكذا فإن أموال الفيء كلها للدولة تتصرف في إنفاقها في التكافل الاجتماعي والتقريب بين فئات المجتمع الاقتصادية. ولما تولى أبو بكر رضي الله عنه الخلافة جعل سهم الرسول صلى الله عليه وسلم من الخمس في الجهاد (سبيل الله)(3)، وأما سهم ذوي القربى، وهم بنو هاشم وبنو المطلب، فولى عليه
(1) الأنفال 41.
(2)
الحشر 7.
(3)
عبد الرزاق: المصنف 5: 238، وابن أبي شيبة: المصنف 12: 471 مختصراً، والبلاذري: أنساب الأشراف 1: 516، والطبري: جامع البيان 10: 7 من مرسل ابراهيم وقتادة، والنسائي: السنن 7: 133 من مرسل الحسن بن محمد بن الحنفية، والبيهقي: السنن الكبرى 6: 342
علياً رضي الله عنه ليقوم بقسمته (1)، ووردت روايات أخرى ضعيفة بأن أبا بكر رضي الله عنه "لم يكن يعطي قربى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان النبي يعطيهم"(2) أو أنه أسقط سهم ذوي القربى وجعله في الجهاد (3).
وقد ظهرت قضية ميراث الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان يتصرف في حياته بأموال الفيء وفق التوجيه القرآني، فلما توفي عليه الصلاة والسلام طالبت فاطمة رضي الله عنها بنصيبها مما ترك من سهامه من خيبر وفدك وصدقاته بالمدينة (4)، وهي أموال عظيمة، وقد أوضح أبو بكر أن هذه الأموال لا تورث وفق وصية النبي صلى الله عليه وسلم:"لا نورث ما تركنا صدقة"(5)، و"لا يقتسم ورثتي ديناراً،
(1) - أحمد: المسند 1: 84 - 85، وابن أبي شيبة: المصنف 12: 470، وفي إسنادهم حسين بن ميمون الخندقي لين الحديث. وأبو داؤد: السنن 3: 147، والبيهقي: السنن الكبرى 6: 343 والأثر يقوى بطرقه إلى الحسن لغيره.
(2)
- أبو داؤد: السنن 3: 145، وأحمد: المسند 4: 83، والبيهقي: السنن الكبرى 6: 342 وإسناده صحيح، ولكن العبارة المقتبسة أعلاه مرسل الزهري أدرجت في كلام عثمان بن عفان وجبير بن مطعم (ابن حجر: فتح الباري 6: 245) فلا تثبت.
(3)
- عبد الرزاق: المصنف 5: 238، 239، وابن زنجويه: الأموال 2: 730، والحاكم: المستدرك 3: 138 وإسناد الأثر ضعيف. والطبري: تفسير 10: 7 وفي الإسناد علي بن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس، وعبد الله بن صالح كاتب الليث صدوق كثير الغلط وفيه غفلة، لكنه ثبت في كتابه (ابن حجر: تهذيب التهذيب 7: 339).
(4)
- هي حدائق خمس وهبها له مخيريق.
(5)
- البخاري: الصحيح 4: 96، ومسلم: الصحيح 3: 1381.
ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة" (1).
والحق أن هذه الأموال ليست ملكية شخصية للرسول صلى الله عليه وسلم مادام صرفها في أوجه يحددها القرآن، بل كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم بقسمتها بوصفه رئيساً للدولة، ومجال صرفها عام يهدف إلى تحقيق التكافل الاجتماعي بين المسلمين. ومن ثمَّ فإن الأموال تعود بعد وفاته إلى الدولة ويتولى مسؤوليتها الخليفة أو من ينيبه. لذلك قال أبو بكر لفاطمة رضي الله عنهما:"من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوله فأنا أعوله، ومن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق عليه فأنا أنفق عليه"(2). فكان أبو بكر ينفق على أهل الرسول صلى الله عليه وسلم من الفيء وما بقي يضعه في المصالح الأخرى (3). ولم تطالب أزواج الرسول صلى الله عليه وسلم بميراثهنَّ بعد أن ذكرتهن عائشة بحديث: "لا نورث ما تركنا صدقة"(4).
وقد شغلت هذه القضية أهل الأخبار، فملأوا الأسفار بالروايات المفتعلة (5). وفي خلافة عمر رضي الله عنه عرض على بني هاشم والمطلب أن يصرف عليهم من خمس ذوي القربى في مجالات محددة "يزوج أيمهم، ويقضي دين
(1) البخاري: الصحيح 4: 91، ومسلم: الصحيح 3: 1382. قال أبو داؤد: "ومؤنة عاملي يعني أكرة الأرض" السنن 3: 144 (ط. محمد محيي الدين عبد الحميد).
(2)
ابن حجر: فتح الباري 6: 203.
(3)
المصدر السابق.
(4)
البخاري: الصحيح 5: 115 و 8: 187، ومسلم: الصحيح 3: 1379.
(5)
ابن سعد: الطبقات 8: 29، وحماد بن اسحق: تركة النبي 86، وابن شبة: تأريخ المدينة 1: 199 - 200، والبلاذري: أنساب الأشراف الشيخان 57، والبيهقي: السنن الكبرى 4: 29
غريمهم، فأبوا إلا أن يسلمهم الخمس جميعاً، فأبى عمر رضي الله عنه" (1).
وقد أجلى عمر رضي الله عنه يهود خيبر إلى تيماء وأريحا (2)، وذلك تطبيقاً لحديث:"لا يجتمع في جزيرة العرب دينان"(3). وقد كثر العمال في أيدي المسلمين في خلافته، وقوي المسلمون على العمل في الأرض (4)، فلم تعد ثمة ضرورة لاستمرار عقد المزارعة معهم. فأجلى يهود خيبر وقسم ما كان بأيديهم من أرض خيبر بين من شهد خيبر في عهد النبوة (5). ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي زوجاته من خمس خيبر ثمانين وسقاً من التمر وعشرين وسقاً من الشعير، فقد خيَّرهنَّ عمر بين أن يقطع لهن من الأرض أو يعطيهنَّ مائة وسق، فاختارت عائشة
(1) - عبد الرزاق: المصنف 5: 238، وابن أبي شيبة: المصنف 6: 516، 517، وأحمد: المسند 1: 320، وابن زنجويه: الأموال 2: 735، 736، وأبو يعلى: المسند 4: 423، 424 و 5: 41، وأبو عوانة: المسند 4: 330، 331، وابن حبان: الإحسان 7: 157 والأثر صحيح.
(2)
- البخاري: الصحيح 2: 48، ومسلم: الصحيح 10: 212، وعبد الرزاق: المصنف 6: 55 و8: 98 و 10: 359، وابن زنجويه: الأموال 3: 1067، 1068، وابن الجارود: المنتقى 166، 167، 278، والبيهقي: دلائل النبوة 4: 234، والسنن 6: 114، 135.
(3)
- عبد الرزاق: المصنف 4: 125، 126 و 6: 56، والبزار: المسند 2: 94، 95، والبيهقي: السنن الكبرى 9: 208 والحديث صحيح.
(4)
- أبو عبيد: الأموال 61، 62، وابن شبة: تأريخ المدينة 1: 188، والبلاذري: 38، 39 والأثر إسناده ضعيف.
(5)
- البلاذري: فتوح البلدان 27، وابن حبان: الإحسان 11: 609، والبيهقي: السنن 6: 114