الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث السابع (*): أزمة الخلافة وانتقال مركز الخلافة إلى العراق
كانت خلافة عثمان رضي الله عنه نتيجة لاجتماعات مجلس شورى عمر رضي الله عنه، حيث أجمع عليه المسلمون دون خلاف، وقد اتسمت سياسته بالتسامح والتوسع على الناس في العطاء والاستمرار في حركة الفتوح، فظهرت آثار الغنى والازدهار الاقتصادي بتدفق الأموال على الدولة، حيث توسع الناس في معايشهم ومأكلهم وملبسهم (1)، وحظى المهاجرون والأنصار وأصحاب السابقة
الترمذي، وابن حجر: فتح الباري 13: 182 ونقل تصحيح ابن حبان له. والألباني: السلسلة الصحيحة 1: 742 - 749.
(1)
عمر بن شبة: تأريخ المدينة 3: 1023 - 1024 بسند صحيح حيث يصف الحسن البصري- وهو شاهد عيان- كثرة الخيرات من الحلل والأرزاق. وورد في (الأوائل) لأبي هلال العسكري 1: 246 من طريق المدائني أن جباية السواد في خلافة عثمان بلغت مائة وعشرين ألف ألف درهم، وذكر اليعقوبي في تاريخه 2: 152 أنها بلغت مائة وعشرين ألف ألف درهم بينما ذكر ابن خرداذبة (المسالك والممالك 14) أنها بلغت مائة وثمانية وعشرين ألف ألف درهم. ولعل اختلاف المبالغ يرجع إلى أن كلاً منها يخص جباية عام بعينه، والزيادة والنقصان ترجع إلى حالة المحاصيل وزيادة السكان. وزادت جباية مصر من الجزية والخراج إلى الضعف حيث كانت تجبى في خلافة عمر رضي الله عنه ألفي ألف دينار، فصارت تجبى في خلافة عثمان رضي الله عنه أربعة آلاف ألف دينار في ولاية عبد الله بن سعد بن أبي سرح عليها (البلاذري: فتوح البلدان 217، وقدامه بن جعفر: الخراج وصناعة الكتابة 179، 184).
(*) قال معد الكتاب للشاملة: صوابها: "السادس"، كما في فهرس الكتاب، والله أعلم.
والجهاد بما لم يحظ به الروادف الذين التحقوا بالجهاد في مرحلة متأخرة (1)، وكثير منهم من القبائل التي استقرت في الأمصار الجديدة (الكوفة والبصرة والفسطاط) وأسهمت في الفتوح لاحقا.
وقد ظهرت نواة المعارضة في الكوفة والبصرة ومصر في الوسط القبلي (2) وقام بالتحريض عبد الله بن سبأ وهو يهودي من صنعاء أسلم في خلافة عثمان وتبنى نشر دعاية واسعة تنتقد شرعية الخليفة وسياسته وتؤكد على أحقية علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالخلافة وأن من سبقه إليها اغتصبها منه، وتنسب إليه صفات إلهية. وقد دار جدل طويل حول شخصية ابن سبأ التأريخية، ولكن تنوع مصادر الأخبار
ولكن ابن عبد الحكم ذكر رقماً مغايراً فذكر أن جباية مصر بلغت اثني عشر ألف ألف دينار في خلافة عمر، وأربعة عشر ألف ألف دينار في خلافة عثمان (فتوح مصر والمغرب 64 - 70 عن الليث بن سعد وبه أخذ المقريزي: خطط 1: 79). ولعل ما ذكره البلاذري يخص الخراج وما ذكره ابن عبد الحكم يخص الجزية.
(1)
الروادف هم الأعراب الذين وفدوا على الكوفة والبصرة، وليس لهم سابقة في الجهاد، ويبدو أنهم قسموا إلى أربع مجموعات تبعا لتواريخ التحاقهم بالجهاد فثمة رادفة أولى وثانية وثالثة ورابعة (تاريخ الطبري 4: 49، 279) وكانت أعلى مرتباتهم تبلغ خمسمائة درهم، وأدناها يبلغ مائتي درهم (تاريخ الطبري 3: 614) في حين يبلغ راتب البدريين من المهاجرين من قريش والعرب والموالي خمسه آلاف درهم ومن الأنصار ومواليهم أربعة آلاف درهم (ابن سعد: الطبقات الكبرى 3: 304 بسند حسن).
(2)
بلغ عددهم 1800 رجل، 600 لكل مصر حسب الطبري (تاريخ 4: 348 - 349، 369) وأقل من هذا العدد حسب البلاذري (أنساب الأشراف 5: 59، 61).
من سنية وشيعية يجعل من الصعب القبول بنفي الوجود التاريخي له (1).
إن المعارضة تلمست حججها من أعمال الخليفة عثمان، ولم تقتصر على الاحتجاج على سياسته المالية في السماح بمبادلة ملكية الأراضي بين العراق والحجاز مما أتاح لأغنياء الحجاز تملك مساحات واسعة في السواد، ولا على الاحتجاج على إدارة الدولة بالاعتماد على أقرباء عثمان الأكفاء وعزله بعض الولاة من الصحابة، بل امتدت إلى النواحي الايجابية الواضحة مثل جمع القرآن الكريم الذي وحد مصحف الأمة وحفظه حيث احتجت المعارضة على إحراق المصاحف الأخرى.
وقد قدم المعارضون من الأمصار إلى المدينة فمكثوا فيها أربعين يوما، واستعتبوا عثمان رضي الله عنه فأعتبهم وأرضاهم، ثم رحلوا إلى أمصارهم، لكنهم لم يصلوها إذ عادوا إلى المدينة وحاصروا دار عثمان أربعين يوما (2) لإجباره على تلبية مطالبهم، ثم تطور الأمر إلى المطالبة بخلعه فلما رفض قتلوه- وكان قد منع أنصاره من القتال دفاعا عنه- مما أثار أزمة كبرى في الضمير المسلم وأدى إلى انشقاق المجتمع على أسس مبدئية تدل على الاستعداد للانتصار للحق والتضحية من أجل القيم.
وهكذا لم يحظ علي رضي الله عنه بالإجماع على خلافته حيث خرج عليه أصحاب الجمل (عائشة، الزبير، طلحة رضي الله عنهم مطالبين بالاقتصاص من قتلة عثمان ورفض معاوية مبايعته لنفس السبب. ورأى الخليفة الجديد علي أن إنفاذ القصاص يولد فتنة كبيرة في أوساط القبائل التي تؤيده، وأن على معارضيه مبايعته تحقيقا لوحدة الأمة وطاعة للخليفة الشرعي.
(1) سعدي مهدي الهاشمي: ابن سبأ حقيقة لا خيال.
(2)
البلاذري: أنساب 5: 63 والطبري: تأريخ 4: 335.
وحول هذين المبدأين، إنفاذ الحكم الشرعي، وطاعة الحاكم الشرعي انقسم عشرات الألوف من المقاتلة في البصرة والكوفة والشام حيث ثقل القوات الإسلامية التي تكون أعظم جيوش العالم آنذاك (1).
وكان خروج علي رضي الله عنه من المدينة مع سبعمائة رجل (2) إلى البصرة لقتال المعارضين أصحاب الجمل- الذين غادروا مكة قبله وهم في حدود ألف مقاتل ثم انضم إليهم معظم مقاتلة البصرة- (3) بالاعتماد على مقاتلة الكوفة (4) الذين تلاحموا مع قضيته وحافظوا على ولائهم بعد ذلك عقودا كثيرة كانوا خلالها نواة المعارضة
(1) يقارب 000 و 200 مقاتل، فقد كان بوسع الكوفة وحدها أن تجند 000 و 60 مقاتل فضلا عن رجال الخدمات (الطبري: تأريخ 5: 79 والبلاذري: أنساب ج 2، 1 ص 384 - 385). وكان بوسع البصرة أن تجند 000 و 60 مقاتل، وبوسع مصر أن تجند 000 و 30 مقاتل. وبوسع الشام أن تجند 000 و 80 مقاتل.
(2)
الطبري: تأريخ 4: 455 من طريق سيف، والبلاذري: أنساب الأشراف ج 2، 1 ص 233.
(3)
كان مقاتلة البصرة في حدود 000 و 60 مقاتل بقي كثير منهم معتزلا للقتال، وانضم معظمهم إلى أصحاب الجمل، في حين انضم 6000 رجل من قبيلة عبد القيس البصرية إلى علي رضي الله عنه (الطبري: تأريخ 4: 489) كما انضم إليه مقاتلون من قبيلة بكر بن ربيعة عددهم 3000 مقاتل (البلاذري: أنساب الأشراف ج 2، 1 ص 237).
(4)
كان عدد مقاتلة الكوفة أكثر من 000 و 40 مقاتل (الطبري: تأريخ 5: 79 من طريق أبي مخنف) التحق منهم بعلي تسعة آلاف مقاتل حسب رواية سيف (الطبري: تأريخ 4: 485، 488) لكن عمر بن شبة ذكر أنهم 12000 رجل (ابن حجر: فتح الباري 13: 58 نقلا عن تأريخ
الصلبة للحكم الأموي وكانت ملحمة الجمل (1) تجلي عقائدية المجتمع بشقيه (الحكومة والمعارضة) ومدى فاعلية القيم الإسلامية في توجيهه
…
وتجلت من خلالها أحكام شرعية تتصل بقتال البغاة (الفتن الداخلية) وانقسمت القبائل على نفسها بين الطرفين (2). وانتهت المعركة لصالح على رضي الله عنه، وأمر بعدم مطاردة الفارين وعدم الإجهاز على الجرحى، وعدم استحلال أموال المعارضة وأعراضها، معلنا العفو العام. ولم تنته المواجهة العسكرية مع المعارضة، فقد كان معاوية والي الشام منذ خلافة عمر رضي الله عنه يقود معارضة أقوى يدعمها جيش قوي بعدده وتدريبه الذي اكتسبه من مجابهة الجيوش البيزنطية .. وهكذا انتقل علي رضي الله عنه إلى الكوفة ليعد قواته أمام المعارضة الشامية وكانت المواجهة في صفين رهيبة كادت أن تفني رجالات القبائل وشجعانها لولا جنوح القوتين إلى التحكيم (3) بعد رفع الشاميين
البصرة لابن شبة).
وقد بلغ عدد جيش علي رضي الله عنه في معركة الجمل عشرين ألفا. في حين بلغ جيش أصحاب الجمل ثلاثين ألفا .. مما يوحي بقعود الأكثرية الساحقة من الجيش الإسلامي عن المشاركة حيث تقدر القوات الإسلامية آنذاك بأكثر من مائتي ألف مقاتل.
(1)
بلغ عدد قتلى الطرفين في التقدير المتوسط 6500 قتيل (راجع الأرقام في تاريخ الطبري 4: 529، 545 وأنساب الأشراف ج 2، 1 ص 264 وخليفة بن خياط 1: 166، 171).
(2)
انقسام القبائل يوضح ضعف العصبية القبلية، حيث يوجد رجال القبيلة الواحدة في المعسكرين دون مبالاة بالأواصر القبلية.
(3)
واجه (000و100 مقاتل) مائة ألف مقاتل (من الكوفة 000و40 ومن البصرة 000و60 مقاتل) مثلهم من أهل الشام (وهذا بني على ما ذكره الإخباريون من تقديرات للجيوش بعد صفين. راجع البلاذري: أنساب الأشراف 5: 136). أما قوات مصر فكانت دون هذه الأرقام ولم تشارك في الجمل وصفين. وبالطبع تختلف الأرقام بين المصادر، بل في المصدر الواحد
للمصاحف الخمسمائة (1). وقد جر قبول الخليفة علي للتحكيم إلى خروج بضعة ألوف من جيشه (2) معلنين رفضهم للتحكيم لما فيه من شك بالشرعية (3)، كانوا قراء حفظة لكتاب الله، لكن فهمهم لأحكام الشريعة كان محدودا فقد كفروا عليا ومن
حسب الإخباريين فالبلاذري (أنساب الأشراف ج 2، 1 ص 322) يذكر أن جيش علي 000و50 رجل، 000و70 رجل، 000و100 رجل.
(1)
الدينوري: الأخبار الطوال 189 وانظر الطبري: تأريخ 5: 48 والبلاذري: أنساب الأشراف ج 3، 1 ص 322.
(2)
سموا أولا بالمحكمة- لرفضهم التحكيم وقولهم "إن الحكم إلا لله"- ثم بالحرورية نسبة إلى قرية حروراء ثم بالخوارج لخروجهم على الخليفة الشرعي. وطالبوا عليا بالتوبة علنا، وقد ناقشهم عبد الله بن عباس وأرجع معظمهم إلى الكوفة تاركين حروراء التي بقي فيها ثلاثة آلاف أو أربعة آلاف خارجي من مجموع اثني عشر ألفا (الطبري: تأريخ 5: 65 - 66) منهم خمسمائة من البصرة (الطبري: تأريخ 5: 76).
(3)
إن حكم الله يتمثل بقتال البغاة وفق الآية "وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله" ومعاوية خارج على الخليفة الشرعي فلابد من قتاله.
معه وقاموا باستعراض الناس وقتل من ليس على رأيهم (1)، فاستحل علي قتالهم في النهروان وكاد أن يبيدهم، ولكن الجراح التي أصابت قبائلهم لم تندمل حيث واصلوا إمداد الحركة الخارجية المعارضة عدة قرون
…
أما التحكيم الذي انتهى إلى عزل علي ومعاوية والعودة إلى الشورى فلم يكتب له التنفيذ (2)، ومضى الطرفان في حشد القوات وعمليات الاختراق للأطراف، لكنهما لم يتواجها بكل ثقلهما بعد صفين .. وانتهت الملاحم عندما انقض خارجي بسيف مسموم على علي رضي الله عنه عند صلاة الفجر في رمضان 40 هـ وبايع الكوفيون للحسن بن علي الذي رأى أن يتنازل عن الخلافة لمعاوية حقنا للدماء وحفاظا على وحدة الأمة فكان عام 41 هـ هو عام الجماعة. وبذلك طويت الفتنة.
(1) الطبري: تأريخ 5: 81 - 82، والبلاذري: أنساب الأشراف ج 2، 1 ص 368.
(2)
عقد في أذرح -قرب البتراء- محرم سنة 38 هـ (البلاذري: أنساب الأشراف ج 2، 1 ص 341) قبل معركة النهروان التي جرت في 9 صفر 38 هـ (البلاذري: أنساب الأشراف ج 2، 1 ص362).