الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الثامن عشر
274 ـ عن عبد الله بن عباسٍ رضي الله عنه ، قال: قدم النبيّ صلى الله عليه وسلم المدينة، وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين والثلاث، فقال: من أسلف في شيءٍ، فليسلف في كيلٍ معلومٍ، ووزنٍ معلومٍ، إلى أجلٍ معلومٍ. (1)
قوله: (قدم النبيّ صلى الله عليه وسلم المدينة) القدوم كان في شهر ربيع الأوّل بلا خلاف.
وفي صحيح البخاري " فتلقّوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهر الحرة ، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف ، وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول " وهذا هو المعتمد.
وشذّ مَن قال يوم الجمعة، وفي رواية موسى بن عقبة عن ابن شهاب " قدِمَها لهلال ربيع الأوّل " أي: أوّل يوم منه.
وفي رواية جرير بن حازم عن ابن إسحاق " قدمها لليلتين خلتا من شهر ربيع الأوّل " ونحوه عند أبي معشر، لكن قال ليلة الاثنين، ومثله عن ابن البرقيّ، وثبت كذلك في أواخر صحيح مسلم.
وفي رواية إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق " قدمها لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأوّل ".
(1) أخرجه البخاري (2124 ، 2125 ، 2126 ، 2135) ومسلم (1604) من طرق عن ابن أبي نجيح عن عبد الله بن كثير عن أبي المنهال عن ابن عباس رضي الله عنه.
وعند أبي سعيد في " شرف المصطفى " من طريق أبي بكر بن حزم " قدم لثلاث عشرة من ربيع الأوّل ". وهذا يجمع بينه وبين الذي قبله بالحمل على الاختلاف في رؤية الهلال.
وعنده من حديث عمر " ثمّ نزل على بني عمرو بن عوف يوم الاثنين لليلتين بقيتا من ربيع الأوّل " كذا فيه ، ولعله كان فيه " خلتا " ليوافق رواية جرير بن حازم، وعند الزّبير في " أخبار المدينة " عن ابن شهاب: في نصف ربيع الأوّل.
وقيل: كان قدومه في سابعه، وجزم ابن حزم: بأنّه خرج من مكّة لثلاث ليالٍ بقين من صفر، وهذا يوافق قول هشام بن الكلبيّ: إنّه خرج من الغار ليلة الاثنين أوّل يوم من ربيع الأوّل.
فإن كان محفوظاً. فلعلَّ قدومه قباء كان يوم الاثنين ثامن ربيع الأوّل، وإذا ضمّ إلى قول أنس: إنّه أقام بقباء أربع عشرة ليلة ، خرج منه أنّ دخوله المدينة كان لاثنين وعشرين منه.
لكنّ الكلبيَّ جزم: بأنّه دخلها لاثنتي عشرة خلت منه ، فعلى قوله تكون إقامته بقباء أربع ليالٍ فقط.
وبه جزم ابن حبّان فإنّه قال: أقام بها الثّلاثاء والأربعاء والخميس ، يعني: وخرج يوم الجمعة، فكأنّه لَم يعتدّ بيوم الخروج.
وكذا قال موسى بن عقبة: إنّه أقام فيهم ثلاث ليالٍ. فكأنّه لَم يعتدّ بيوم الخروج، ولا الدّخول.
وعن قوم من بني عمرو بن عوف ، أنّه أقام فيهم اثنين وعشرين
يوماً. حكاه الزّبير بن بكّار، وفي مرسل عروة بن الزّبير ما يقرُب منه.
والأكثر أنّه قدم نهاراً، ووقع في رواية مسلم ليلاً، ويجمع بأنّ القدوم كان آخر الليل فدخل نهاراً.
قوله: (وهم يُسلفون في الثمار السنتين والثلاث) وللبخاري من طريق ابن علية عن ابن أبي نجيح " العام والعامين أو قال: عامين أو ثلاثة شك إسماعيل " يعني ابن عليّة. ولَم يشكّ سفيان (1) فقال " وهم يسلفون في التّمر السّنتين والثّلاث ".
وقوله " عامين " وقوله " السّنتين " منصوب إمّا على نزع الخافض ، أو على المصدر.
قوله: (من أسلف في شيءٍ) وفي رواية ابن عليّة " من سلَّف في تمر " بالتشديد ، والأُولى أشمل.
وقوله " في شيء " أخذ منه جواز السّلم في الحيوان إلحاقاً للعدد بالكيل. والمخالف فيه الحنفيّة.
وقال بصحته الحسن. فأخرج سعيد بن منصور من طريق يونس بن عبيد عن الحسن ، أنّه كان لا يرى بأساً بالسّلف في الحيوان إذا كان شيئاً معلوماً إلى أجل معلوم.
(1) هو كما الشارح ففي البخاري لَم يشك سفيان ، لكن في صحيح مسلم (1604) حدثنا يحيى بن يحيى وعمرو الناقد (واللفظ ليحيى) قال عمرو: حدثنا. وقال يحيى: أخبرنا سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين.
قوله: (في كيلٍ معلومٍ ووزنٍ معلومٍ) أي: فيما يوزن ، والواو بمعنى أو. والمراد اعتبار الكيل فيما يكال ، والوزن فيما يوزن.
واتّفقوا على اشتراط تعيين الكيل فيما يسلم فيه من المكيل كصاع الحجاز وقفيز العراق وإردبّ مصر، بل مكاييل هذه البلاد في نفسها مختلفة ، فإذا أطلق صرف إلى الأغلب.
قال ابن بطّال: أجمعوا على أنّه إن كان في السّلم ما يكال أو يوزن فلا بدّ فيه من ذكر الكيل المعلوم والوزن المعلوم، فإن كان فيما لا يكال ولا يوزن فلا بدّ فيه من عدد معلوم.
قلت: أو ذرع معلوم، والعدد والذّرع ملحق بالكيل والوزن للجامع بينهما وهو عدم الجهالة بالمقدار، ويجري في الذّرع ما تقدّم شرطه في الكيل والوزن من تعيين الذّراع لأجل اختلافه في الأماكن.
وأجمعوا على أنّه لا بدّ من معرفة صفة الشّيء المسلم فيه صفة تميّزه عن غيره، وكأنّه لَم يذكر في الحديث ، لأنّهم كانوا يعملون به ، وإنّما تعرّض لذكر ما كانوا يهملونه.
قوله: (إلى أجلٍ معلومٍ) أخرج الشّافعيّ من طريق أبي حسّان الأعرج عن ابن عبّاس قال: أشهد أنّ السّلف المضمون إلى أجل مسمّىً قد أحله الله في كتابه وأذن فيه. ثمّ قرأ (يا أيّها الذين آمنوا إذا تداينتم بدينٍ إلى أجلٍ مسمّىً فاكتبوه). وأخرجه الحاكم من هذا الوجه وصحَّحه.
وروى ابن أبي شيبة من وجه آخر عن عكرمة عن ابن عبّاس قال:
لا تسلف إلى العطاء ، ولا إلى الحصاد ، واضرب أجلاً. ومن طريق سالم بن أبي الجعد عن ابن عبّاس بلفظٍ: إذا سمّيت في السّلم قفيزاً وأجلاً فلا بأس.
وأخرج عبد الرّزّاق من طريق نبيح - بنونٍ وموحّدة ومهملة مصغّر - وهو العنزيّ - بفتح المهملة والنّون ثمّ الزّاي - الكوفيّ عن أبي سعيد الخدريّ قال: السّلم بما يقوم به السّعر رباً، ولكن أسلف في كيل معلوم إلى أجل معلوم.
وأخرج مالك في " الموطّأ " عن نافع عن ابن عمر قال: لا بأس أن يسلف الرّجل في الطّعام الموصوف بسعرٍ معلوم إلى أجل معلوم ، ما لَم يكن ذلك في زرع لَم يبد صلاحه أو ثمرة لَم يبد صلاحها. وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع نحوه.
وروى ابن أبي شيبة من طريق الثّوريّ عن أبي إسحاق عن الأسود قال: سألته عن السّلم في الطّعام ، فقال: لا بأس به، كيل معلوم إلى أجل معلوم.
وأجاز السّلمَ الحالَّ الشّافعيّة، وذهب الأكثر إلى المنع.
وحمل مَن أجاز الأمر في قوله " إلى أجل معلوم " على العلم بالأجل فقط، فالتّقدير عندهم من أسلم إلى أجل فليسلم إلى أجل معلوم لا مجهول، وأمّا السّلم لا إلى أجل فجوازه بطريق الأولى ، لأنّه إذا جاز مع الأجل وفيه الغرر. فمع الحال أولى لكونه أبعد عن الغرر.
وتعقّب: بالكتابة.
وأجيب: بالفرق ، لأنّ الأجل في الكتابة شرع لعدم قدرة العبد غالباً.
واستدلَّ بقول ابن عبّاس الماضي " لا تسلف إلى العطاء " لاشتراط تعيين وقت الأجل بشيءٍ لا يختلف، فإنّ زمن الحصاد يختلف ولو بيومٍ ، وكذلك خروج العطاء ، ومثله قدوم الحاجّ، وأجاز ذلك مالك ووافقه أبو ثور.
واختار ابن خزيمة من الشّافعيّة تأقيته إلى الميسرة.
واحتجّ بحديث عائشة ، أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بعث إلى يهوديّ ابعث لي ثوبين إلى الميسرة. وأخرجه النّسائيّ، وطعن ابن المنذر في صحّته بما وهم فيه.
والحقّ أنّه لا دلالة فيه على المطلوب ، لأنّه ليس في الحديث إلَّا مجرّد الاستدعاء فلا يمتنع أنّه إذا وقع العقد قيّد بشروطه ، ولذلك لَم يصف الثّوبين.
فائدة: أخرج البخاري عن أبي البختريّ سألت ابن عمر رضي الله عنه عن السّلم في النّخل ، فقال: نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن بيع الثّمر حتّى يصلح .. ، وسألت ابن عبّاسٍ ، فقال: نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن بيع النّخل حتّى يأكل أو يؤكل وحتّى يوزن ، قلت: وما يوزن؟ قال رجلٌ عنده: حتّى يحرز.
واستدل به على جواز السّلم في النّخل المعيّن من البستان المعيّن ، لكن بعد بدوّ صلاحه. وهو قول المالكيّة.
وقد روى أبو داود وابن ماجه من طريق النّجرانيّ عن ابن عمر قال: لا يُسلم في نخل قبل أن يطلع، فإنّ رجلاً أسلم في حديقة نخلٍ قبل أن تطلع فلم تطلع ذلك العام شيئاً، فقال المشتري: هو لي حتّى تطلع، وقال البائع: إنّما بعتك هذه السّنة، فاختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: اردد عليه ما أخذت منه ، ولا تسلموا في نخلٍ حتّى يبدو صلاحه. وهذا الحديث فيه ضعف.
ونقل ابن المنذر اتّفاق الأكثر على منع السّلم في بستان معيّن ، لأنّه غرر.
وقد حمل الأكثر الحديث المذكور على السّلم الحال، وقد روى ابن حبّان والحاكم والبيهقيّ من حديث عبد الله بن سلام في قصّة إسلام زيد بن سعنة - بفتح السّين المهملة وسكون العين المهملة بعدها نون - أنّه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هل لك أن تبيعني تمراً معلوماً إلى أجل معلوم من حائط بني فلان؟. قال: لا أبيعك من حائط مسمّىً، بل أبيعك أوسقاً مسمّاة إلى أجل مسمّىً.