الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الرابع والأربعون
300 -
عن عبد الله بن عباسٍ رضي الله عنه ، قال: لو أنّ الناس غضّوا من الثلث إلى الرّبع، فإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الثلث، والثلث كثيرٌ. (1)
قوله: (لو أنّ الناس غضّوا) وللبخاري " لو غضّ النّاس " بمعجمتين. أي: نقص، و " لو " للتّمنّي فلا يحتاج إلى جواب، أو شرطيّة والجواب محذوف.
وقد وقع في رواية ابن أبي عمر في " مسنده " عن سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه عن ابن عباس بلفظ " كان أحبّ إليّ " أخرجه الإسماعيليّ من طريقه ، ومن طريق أحمد بن عبدة أيضاً ، وأخرجه من طريق العبّاس بن الوليد عن سفيان بلفظ " كان أحبّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قوله: (إلى الرّبع) زاد الحميديّ " في الوصيّة " وكذا رواه أحمد عن وكيع عن هشام بلفظ " وددت أنّ النّاس غضّوا من الثّلث إلى الرّبع في الوصيّة " الحديث.
قوله: (فإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال) وللبخاري " لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم " هو كالتّعليل لِمَا اختاره من النّقصان عن الثّلث.
(1) أخرجه البخاري (2592) ومسلم (1629) من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنه.
وكأنّ ابن عبّاس أخذ ذلك من وصفه صلى الله عليه وسلم الثّلث بالكثرة.
وقد قدّمنا الاختلاف في توجيه ذلك في الحديث الذي قبله، ومن أخذ بقول ابن عبّاس في ذلك كإسحاق بن راهويه، والمعروف في مذهب الشّافعيّ استحباب النّقص عن الثّلث.
وفي شرح مسلم للنّوويّ: إن كان الورثة فقراء استحبّ أن ينقص منه. وإن كانوا أغنياء فلا.
قوله: (والثّلث كثير) في رواية مسلم " كثير أو كبير " بالشّكّ. هل هي بالموحّدة أو بالمثلثة؟.
واستقرّ الإجماع على منع الوصيّة بأزيد من الثّلث.
لكن اختلف فيمن كان له وارث.
فأخرج أبو داود والتّرمذيّ وغيرهما من حديث أبي أُمامة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته في حجّة الوداع: إنّ الله قد أعطى كل ذي حقّ حقّه فلا وصيّة لوارثٍ.
وفي إسناده إسماعيل بن عيّاش، وقد قوّى حديثه عن الشّاميّين جماعة من الأئمّة منهم أحمد والبخاريّ، وهذا من روايته عن شرحبيل بن مسلم - وهو شاميّ ثقة - وصرّح في روايته بالتّحديث عند التّرمذيّ. وقال التّرمذيّ: حديث حسن.
وفي الباب عن عمرو بن خارجة عند التّرمذيّ والنّسائيّ، وعن أنس عند ابن ماجه، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه عند الدّارقطنيّ ، وعن جابر عند الدّارقطنيّ أيضاً. وقال: الصّواب
إرساله، وعن عليّ عند ابن أبي شيبة.
ولا يخلو إسناد كلٍ منها عن مقال، لكن مجموعها يقتضي أنّ للحديث أصلاً.
بل جنح الشّافعيّ في " الأمّ " إلى أنّ هذا المتن متواتر ، فقال: وجدنا أهل الفتيا ومن حفظنا عنهم من أهل العلم بالمغازي من قريش وغيرهم لا يختلفون في أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال عام الفتح: لا وصيّة لوارثٍ. ويؤثرون عمّن حفظوه عنه ممّن لقوه من أهل العلم، فكان نقل كافّة عن كافّة، فهو أقوى من نقل واحد.
وقد نازع الفخر الرّازيّ في كون هذا الحديث متواتراً ، وعلى تقدير تسليم ذلك ، فالمشهور من مذهب الشّافعيّ. أنّ القرآن لا ينسخ بالسّنّة ، لكنّ الحجّة في هذا الإجماع على مقتضاه كما صرّح به الشّافعيّ وغيره.
والمراد بعدم صحّة وصيّة الوارث عدم اللزوم ، لأنّ الأكثر على أنّها موقوفة على إجازة الورثة كما سيأتي بيانه.
وروى الدّارقطنيّ من طريق ابن جريجٍ عن عطاء عن ابن عبّاس مرفوعاً: لا تجوز وصيّة لوارثٍ إلَّا أن يشاء الورثة. ورجاله ثقات إلَّا أنّه معلول. فقد قيل: إنّ عطاءً هو الخراسانيّ. والله أعلم.
واستدل بحديث " لا وصيّة لوارثٍ " بأنّه لا تصحّ الوصيّة للوارث أصلاً، وعلى تقدير نفاذها من الثّلث لا تصحّ الوصيّة له ولا لغيره بما زاد على الثّلث. ولو أجازت الورثة، وبه قال المزنيّ وداود،
وقوّاه السّبكيّ.
واحتجّ له بحديث عمران بن حصينٍ في الذي أعتق ستّة أعبد ، فإنّ فيه عند مسلم: فقال له النّبيّ صلى الله عليه وسلم: قولاً شديداً.
وفسّر القول الشّديد في رواية أخرى بأنّه قال: لو علمتُ ذلك ما صليتُ عليه. ولَم ينقل أنّه راجع الورثة فدلَّ على منعه مطلقاً.
وبقوله في حديث سعد بن أبي وقّاص: وكان بعد ذلك الثّلث جائزاً (1).
فإنّ مفهومه أنّ الزّائد على الثّلث ليس بجائزٍ، وبأنّه صلى الله عليه وسلم منع سعداً من الوصيّة بالشّطر. ولَم يستثن صورة الإجازة.
واحتجّ من أجازه بالزّيادة المتقدّمة وهي قوله " إلَّا أن يشاء الورثة ". فإن صحّت هذه الزّيادة ، فهي حجّة واضحة.
واحتجّوا من جهة المعنى: بأنّ المنع إنّما كان في الأصل لحقّ الورثة، فإذا أجازوه لَم يمتنع.
واختلفوا فيمن لَم يكن له وارث خاصّ.
القول الأول: منعه الجمهور.
القول الثاني: جوّزه الحنفيّة وإسحاق وشريك وأحمد في رواية ، وهو قول عليّ وابن مسعود.
(1) أخرج هذه اللفظة مسلم في " صحيحه "(4299) ، وفي رواية للبخاري " فأوصى الناس بالثلث فجاز ذلك لهم "
واحتجّوا: بأنّ الوصيّة مطلقة بالآية. فقيّدتها السّنّة بمن له وارث فيبقى من لا وارث له على الإطلاق.
وقد تقدّم في الحديث الذي قبله توجيه لهم آخر.
واختلفوا أيضاً هل يعتبر ثلث المال حال الوصيّة أو حال الموت؟.
على قولين، وهما وجهان للشّافعيّة. أصحّهما الثّاني.
فقال بالأوّل: مالك وأكثر العراقيّين. وهو قول النّخعيّ وعمر بن عبد العزيز.
وقال بالثّاني: أبو حنيفة وأحمد والباقون. وهو قول عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه وجماعة من التّابعين.
وتمسّك الأوّلون: بأنّ الوصيّة عقد والعقود تعتبر بأوّلها، وبأنّه لو نذر أن يتصدّق بثلث ماله اعتبر ذلك حالة النّذر اتّفاقاً.
وأجيب: بأنّ الوصيّة ليست عقداً من كل جهة ولذلك لا تعتبر بها الفوريّة ولا القبول، وبالفرق بين النّذر والوصيّة بأنّها يصحّ الرّجوع عنها والنّذر يلزم.
وثمرة هذا الخلاف تظهر فيما لو حدث له مال بعد الوصيّة.
واختلفوا أيضاً: هل يحسب الثّلث من جميع المال ، أو تنفذ بما علمه الموصي دون ما خفي عليه أو تجدّد له ولَم يعلم به؟.
وبالأوّل قال الجمهور، وبالثّاني قال مالك.
وحجّة الجمهور: أنّه لا يشترط أن يستحضر تعداد مقدار المال حالة الوصيّة اتّفاقاً - ولو كان عالماً بجنسه - فلو كان العلم به شرطاً
لَمَا جاز ذلك.
فائدة: أوّل من أوصى بالثّلث في الإسلام البراء بن المعرور بمهملاتٍ، أوصى به للنّبيّ صلى الله عليه وسلم. وكان قد مات قبل أن يدخل النّبيّ صلى الله عليه وسلم المدينة بشهرٍ، فقبِله النّبيّ صلى الله عليه وسلم وردّه على ورثته.
أخرجه الحاكم وابن المنذر من طريق يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه عن جدّه.