الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب الشروط في البيع
الحديث التاسع عشر
275 -
عن عائشة رضي الله عنها، قالت: جاءتني بريرة، فقالت: كاتبت أهلي على تسع أواقٍ، في كل عام أوقيّةٌ، فأعينيني، فقلت: إن أحبّ أهلك أن أعدّها لهم، ويكون ولاؤكِ لي فعلت، فذهبت بريرة إلى أهلها، فقالت: لهم، فأبوا عليها، فجاءت من عندهم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالسٌ، فقالت: إني عرضت ذلك عليهم فأبوا إلَّا أن يكون لهم الولاء، فسمع النبيّ صلى الله عليه وسلم فأخبرت عائشة النبيّ صلى الله عليه وسلم ، فقال: خذيها واشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق، ففعلت عائشة، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فما بال رجالٍ يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله؟ ما كان من شرطٍ ليس في كتاب الله فهو باطلٌ، وإن كان مائة شرطٍ، قضاء الله أحقّ، وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق. (1)
(1) أخرجه البخاري (2047 ، 2060 ، 2399 ، 2421 ، 2422 ، 2424 ، 2568 ، 2579) ومسلم (1504) من طريق هشام بن عروة وكذا الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها.
وأخرجه البخاري (444 ، 2425 ، 2584) من طريق عمرة ، و (2426 ،2576) من طريق أيمن الحبشي كلاهما عن عائشة نحوه.
تنبيه: هذا الحديث يختلف عن حديث عائشة الآتي برقم (304) فمخارج الحديثين مختلفة. كما سيأتي تخريجه. وعليه فذِكر أطراف الحديث الآتي مع هذا الحديث لا يصحّ كما صنع الدكتور البغا ومحمد عبد الباقي.
قوله: (جاءتني بريرة) هي بفتح الموحّدة بوزن فعيلة، مشتقّة من البرير وهو ثمر الأراك.
وقيل: إنّها فعيلة من البرّ بمعنى مفعولة كمبرورةٍ، أو بمعنى فاعلة كرحيمةٍ، هكذا وجّهه القرطبيّ.
والأوّل أولى ، لأنّه صلى الله عليه وسلم غيّر اسم جويرية. وكان اسمها برّة (1). وقال: لا تزكّوا أنفسكم. (2) فلو كانت بريرة من البرّ لشاركتها في ذلك.
وكانت بريرة لناسٍ من الأنصار كما وقع عند أبي نعيم، وقيل: لناسٍ من بني هلال. قاله ابن عبد البرّ، ويمكن الجمع.
وكانت تخدم عائشة قبل أن تعتق كما في حديث الإفك، وعاشت إلى خلافة معاوية، وتفرّست في عبد الملك بن مروان أنّه يلي الخلافة فبشّرته بذلك. وروى هو ذلك عنها (3).
(1) أخرجه مسلم (2140) من حديث ابن عباس رضي الله عنه. وقوله (لا تزكوا أنفسكم) قاله في بنت زينب كما سيأتي.
(2)
أخرجه مسلم (2142) من حديث زينب بنت أبي سلمة رضي الله عنها.
(3)
أخرج الطبراني في " الكبير "(24/ 205) وأبونعيم في " المعرفة "(7538) من طريق عبد الخالق بن زيد بن واقد حدثني أبي أن عبد الملك بن مروان حدثهم، قال: كنت أجالس بريرة بالمدينة قبل أنْ أَلِي هذا الأمر. فكانت تقول: يا عبد الملك. إني لأرى فيك خصالاً لخليق أن تلي هذه الأمة. فإن وليته فاحذر الدماء ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الرجل ليدفع عن باب الجنة أن ينظر إليها على محجمة من دم يريقه مِن مسلم بغير حق.
قال الهيثمي في " المجمع "(3/ 298): وفيه عبد الخالق بن زيد بن واقد. وهو ضعيف.
قوله: (كاتبت أهلي على تسع أواقٍ) وللبخاري معلقاً. وقال الليث عن يونس عن ابن شهابٍ، قال عروة: قالت عائشة: وعليها خمسة أواقٍ نجّمت عليها في خمس سنين .. " (1).
وقد وقع في هذه الرّواية المعلَّقة مخالفة للرّوايات ، فالمشهور ما في رواية هشام بن عروة عن أبيه " أنّها كاتبت على تسع أواقٍ في كلّ عام أوقيّة " وكذا في رواية ابن وهب عن يونس عند مسلم.
وقد جزم الإسماعيليّ ، بأنّ الرّواية المعلَّقة غلطٌ.
ويمكن الجمع: بأنّ التّسع أصلٌ ، والخمس كانت بقيت عليها، وبهذا جزم القرطبيّ والمحبّ الطّبريّ.
ويعكّر عليه قوله في رواية قتيبة عن الليث عند البخاري " ولَم تكن أدّت من كتابتها شيئاً ".
ويجاب: بأنّها كانت حصلت الأربع أواقٍ قبل أن تستعين عائشة، ثمّ جاءتها وقد بقي عليها خمس.
(1) قال الحافظ في " الفتح "(5/ 230): وصله الذهلي في الزهريات عن أبي صالح كاتب الليث عن الليث ، والمحفوظ رواية الليث له عن ابن شهاب نفسه بغير واسطة ، وأخرجه البخاري ومسلم كلاهما عن قتيبة عن الليث ، وكذلك أخرجه النسائي والطحاوي وغيرهما من طريق ابن وهب عن رجالٍ من أهل العلم. منهم يونس والليث كلهم عن ابن شهاب ، وهذا هو المحفوظ أنَّ يونس رفيق الليث فيه لا شيخه ، ووقع التصريح بسماع الليث له من ابن شهاب عند أبي عوانة من طريق مروان بن محمد ، وعند النسائي من طريق ابن وهب كلاهما عن الليث. انتهى
وقال القرطبيّ: يجاب. بأنّ الخمس هي التي كانت استحقّت عليها بحلول نجومها من جملة التّسع الأواقي المذكورة في حديث هشام، ويؤيّده قوله في رواية عمرة عن عائشة عند البخاري " فقال أهلها: إن شئت أعطيت ما يبقى ".
وذكر الإسماعيليّ: أنّه رأى في الأصل المسموع على الفربريّ في هذه الطّريق أنّها كاتبت على خمسة أوساق ، وقال: إن كان مضبوطاً فهو يدفع سائر الأخبار.
قلت: لَم يقع في شيءٍ من النّسخ المعتمدة التي وقفنا عليها إلَّا الأواقي، وكذا في نسخة النّسفيّ عن البخاريّ، وكان يمكن على تقدير صحّته أن يجمع بأنّ قيمة الأوساق الخمسة تسع أواقٍ، لكن يعكّر عليه قوله " في خمس سنين " فيتعيّن المصير إلى الجمع الأوّل.
فائدة: روى ابن إسحاق عن خاله عبد الله بن صبيح - بفتح المهملة - عن أبيه قال: كنت مملوكاً لحويطب بن عبد العزّى، فسألته الكتابة فأبى، فنزلت:(والذين يبتغون الكتاب) الآية " أخرجه ابن السّكن وغيره في ترجمة صبيح في الصّحابة.
قوله: (فأعينيني) كذا للأكثر بصيغة الأمر للمؤنّث من الإعانة، وفي رواية الكشميهنيّ " فأعيتني " بصيغة الخبر الماضي من الإعياء، والضّمير للأواقي، وهو متّجه المعنى، أي: أعجَزَتني عن تحصيلها.
وفي رواية حمّاد بن سلمة عن هشام عند ابن خزيمة وغيره " فأعتقيني " بصيغة الأمر للمؤنّث بالعتق، إلَّا أنّ الثّابت في طريق
مالك وغيره عن هشام الأوّل.
قوله: (فقلت: إنْ أحبّ أهلكِ أنْ أعدّها لهم، ويكون ولاؤكِ لي فعلتُ) كذا في هذه الرّواية، وهي نظير رواية الليث عن ابن شهاب في الصحيحين " ارجعي إلى أهلك. فإن أحبّوا أن أقضي عنك كتابتك ويكون ولاؤك لي فعلت " وظاهره أنّ عائشة طلبت أن يكون الولاء لها إذا بذلت جميع مال المكاتبة. ولَم يقع ذلك إذ لو وقع ذلك لكان اللوم على عائشة بطلبها ولاء من أعتقها غيرها.
وقد رواه أبو أسامة عن هشام بلفظٍ يزيل الإشكال ، فقال بعد قوله " أن أعدّها لهم عدّةً واحدةً: وأعتقك ويكون ولاؤك لي فعلت ". وكذلك رواه وهيب عن هشام.
فعرف بذلك أنّها أرادت أن تشتريها شراء صحيحاً ثمّ تعتقها إذ العتق فرع ثبوت الملك، ويؤيّده قوله في بقيّة حديث الليث عن الزّهريّ " فقال صلى الله عليه وسلم: ابتاعي فأعتقي " وهو يفسّر قوله في رواية مالك عن هشام " خذيها ".
ويوضّح ذلك أيضاً قوله في طريق أيمن عن عائشة عند البحاري: دخلت على بريرة وهي مكاتبة ، فقالت: اشتريني وأعتقيني، قالت: نعم. وقوله في حديث ابن عمر عند البخاري أيضاً " أرادت عائشة أن تشتري جاريةً فتعتقها ".
وبهذا يتّجه الإنكار على موالي بريرة، إذ وافقوا عائشة على بيعها ، ثمّ أرادوا أن يشترطوا أن يكون الولاء لهم.
ويؤيّده قوله في رواية أيمن المذكورة " قالت: لا تبيعوني حتّى تشترطوا ولائي " ، وفي رواية الأسود في البخاري عن عائشة " اشتريت بريرة لأعتقها، فاشترط أهلُها ولاءَها " ، وفي الصحيحين من طريق القاسم عن عائشة ، أنّها أرادت أن تشتري بريرة ، وأنّهم اشترطوا ولاءها.
والمراد بالأهل هنا السّادة، والأهل في الأصل الآل، وفي الشّرع من تلزم نفقته على الأصحّ عند الشّافعيّة.
قوله: (فذهبت بريرة إلى أهلها، فقالت: لهم، فأبوا عليها) في رواية الليث " فأبوا ، وقالوا: إن شاءت أن تحتسب عليك فلتفعل ، ويكون ولاؤك لنا.
هو من الحسبة بكسر المهملة. أي: تحتسب الأجر عند الله ، ولا يكون لها ولاءٌ.
قوله: (فجاءت من عندهم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالسٌ، فقالت: إني عرضت ذلك عليهم ، فأبوا إلَّا أن يكون لهم الولاء، فسمع النبيّ صلى الله عليه وسلم) في رواية الليث " فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم " وفي رواية هشام " فسمع بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألني فأخبرته ".
وفي رواية أيمن عند البخاري " فسمع بذلك النّبيّ صلى الله عليه وسلم أو بلغه " زاد البخاري من هذا الوجه فقال: ما شأن بريرة؟.
ولمسلمٍ من رواية أبي أسامة، ولابن خزيمة من رواية حمّاد بن سلمة كلاهما عن هشام " فجاءتني بريرة والنّبيّ صلى الله عليه وسلم جالس ، فقالت
لي فيما بيني وبينها: ما أراد أهلها؟ فقلت: لاها الله إذاً، ورفعت صوتي وانتهرتها، فسمع ذلك النّبيّ صلى الله عليه وسلم فسألني فأخبرته " لفظ ابن خزيمة. وكأن عائشة عرفت الحكم في ذلك.
قوله: (خذيها واشترطي لهم الولاء) في رواية الليث " ابتاعي فأعتقي " وهو كقوله في حديث ابن عمر: " لا يمنعك ذلك "(1).
وليس في ذلك شيءٌ من الإشكال الذي وقع في رواية هشام عن أبيه في الصحيحين " خذيها فأعتقيها واشترطي لهم الولاء "
قال ابن عبد البرّ وغيره: كذا رواه أصحاب هشام عن عروة وأصحاب مالك عنه عن هشام.
واستشكل صدور الإذن منه صلى الله عليه وسلم في البيع على شرطٍ فاسدٍ. واختلف العلماء في ذلك:
فمنهم. من أنكر الشّرط في الحديث، فروى الخطّابيّ في " العالم " بسنده إلى يحيى بن أكثم ، أنّه أنكر ذلك.
وعن الشّافعيّ في " الأمّ " الإشارة إلى تضعيف رواية هشام المصرّحة بالاشتراط لكونه انفرد بها دون أصحاب أبيه، وروايات غيره قابلة للتّأويل. وأشار غيره إلى أنّه روي بالمعنى الذي وقع له، وليس كما ظنّ.
(1) أخرجه البخاري في " صحيحه "(2562) من حديث ابن عمر ، قال: أرادت عائشة أم المؤمنين أن تشتري جارية لتعتقها، فقال أهلها: على أن ولاءها لنا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يمنعك ذلك، فإنما الولاء لمن أعتق.
وأثبت الرّواية آخرون ، وقالوا: هشام ثقةٌ حافظٌ، والحديث متّفقٌ على صحّته فلا وجه لردّه.
ثمّ اختلفوا في توجيهها:
الوجه الأول: زعم الطّحاويّ: أنّ المزنيّ حدّثه به عن الشّافعيّ بلفظ " وأشرطي " بهمزة قطع بغير تاءٍ مثنّاة، ثمّ وجّهه بأنّ معناه: أظهري لهم حكم الولاء. والإشراط الإظهار.
قال أوس بن حجر: فأشرط فيها نفسه وهو معصمٌ. أي: أظهر نفسه. انتهى
وأنكر غيره الرّواية. والذي في " مختصر المزنيّ " و " الأمّ " وغيرهما عن الشّافعيّ كرواية الجمهور " واشترطي " بصيغة أمر المؤنّث من الشّرط.
الوجه الثاني: حكى الطّحاويّ أيضاً: تأويل الرّواية التي بلفظ " اشترطي " وأنّ اللام في قوله: " اشترطي لهم " بمعنى " على " كقوله تعالى: (وإن أسأتم فلها) وهذا هو المشهور عن المزنيّ. وجزم به عنه الخطّابيّ، وهو صحيحٌ عن الشّافعيّ أسنده البيهقيّ في " المعرفة " من طريق أبي حاتمٍ الرّازيّ عن حرملة عنه.
وحكى الخطّابيّ عن ابن خزيمة: أنّ قول يحيى بن أكثم غلط، والتّأويل المنقول عن المزنيّ لا يصحّ.
وقال النّوويّ: تأويل اللام بمعنى على هنا ضعيف، لأنّه صلى الله عليه وسلم أنكر الاشتراط، ولو كانت بمعنى على لَم ينكره.
فإن قيل: ما أنكر إلَّا إرادة الاشتراط في أوّل الأمر، فالجواب: أنّ سياق الحديث يأبى ذلك. وضعّفه أيضاً ابن دقيق العيد ، وقال: اللام لا تدل بوضعها على الاختصاص النّافع، بل على مطلق الاختصاص، فلا بدّ في حملها على ذلك من قرينةٍ.
الوجه الثالث: الأمر في قوله: " اشترطي " للإباحة، وهو على جهة التّنبيه على أنّ ذلك لا ينفعهم فوجوده وعدمه سواءٌ، وكأنّه يقول: اشترطي أو لا تشترطي فذلك لا يفيدهم.
ويقوّي هذا التّأويل. قوله في رواية أيمن عند البخاري " اشتريها ودعيهم يشترطون ما شاؤوا "
الوجه الرابع: قيل: كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم أعلمَ النّاسَ بأنّ اشتراط البائع الولاء باطل، واشتهر ذلك بحيث لا يخفى على أهل بريرة، فلمّا أرادوا أن يشترطوا ما تقدّم لهم العلم ببطلانه أطلق الأمر مريداً به التّهديد على مآل الحال كقوله:(وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله) وكقول موسى: (ألقُوا ما أنتم ملقون) أي: فليس ذلك بنافعكم، وكأنّه يقول: اشترطي لهم فسيعلمون أنّ ذلك لا ينفعهم.
ويؤيّده قوله حين خطبهم " ما بال رجال يشترطون شروطاً إلخ " فوبّخهم بهذا القول مشيراً إلى أنّه قد تقدّم منه بيان حكم الله بإبطاله، إذ لو لَم يتقدّم بيان ذلك لبدأ ببيان الحكم في الخطبة لا بتوبيخ الفاعل، لأنّه كان يكون باقياً على البراءة الأصليّة.
الوجه الخامس: قيل: الأمر فيه بمعنى الوعيد الذي ظاهره الأمر
وباطنه النّهي كقوله تعالى: (اعملوا ما شئتم)
الوجه السادس: قال الشّافعيّ في " الأمّ ": لَمَّا كان من اشترط خلاف ما قضى الله ورسوله عاصياً ، وكانت في المعاصي حدود وآداب ، وكان من أدب العاصين أن يعطّل عليهم شروطهم ليرتدعوا عن ذلك ويرتدع به غيرهم كان ذلك من أيسر الأدب.
الوجه السابع: وقال غيره: معنى " اشترطي " اتركي مخالفتهم فيما شرطوه ولا تظهري نزاعهم فيما دعوا إليه مراعاة لتنجيز العتق لتشوّف الشّارع إليه، وقد يعبّر عن التّرك بالفعل كقوله تعالى:(وما هم بضارّين به من أحدٍ إلَّا بإذن الله) أي: نتركهم يفعلون ذلك، وليس المراد بالإذن إباحة الإضرار بالسّحر.
قال ابن دقيق العيد: وهذا وإن كان محتملاً. إلَّا أنّه خارج عن الحقيقة من غير دلالة على المجاز من حيث السّياق.
الوجه الثامن: قال النّوويّ: أقوى الأجوبة أنّ هذا الحكم خاصٌّ بعائشة في هذه القضيّة ، وأنّ سببه المبالغة في الرّجوع عن هذا الشّرط لمخالفته حكم الشّرع، وهو كفسخ الحجّ إلى العمرة كان خاصّاً بتلك الحجّة مبالغة في إزالة ما كانوا عليه من منع العمرة في أشهر الحجّ.
ويستفاد منه ارتكاب أخفّ المفسدتين إذا استلزم إزالة أشدّهما. وتعقّب: بأنّه استدلال بمختلفٍ فيه على مختلفٍ فيه.
وتعقّبه ابن دقيق العيد: بأنّ التّخصيص لا يثبت إلَّا بدليلٍ، ولأنّ الشّافعيّ نصّ على خلاف هذه المقالة.
الوجه التاسع: قال ابن الجوزيّ: ليس في الحديث أنّ اشتراط الولاء والعتق كان مقارناً للعقد. فيحمل على أنّه كان سابقاً للعقد فيكون الأمر بقوله: " اشترطي " مجرّد الوعيد ولا يجب الوفاء به.
وتعقّب: باستبعاد أنّه صلى الله عليه وسلم يأمر شخصاً أن يعد مع علمه بأنّه لا يفي بذلك الوعد.
الوجه العاشر: أغرب ابن حزم فقال: كان الحكم ثابتاً بجواز اشتراط الولاء لغير المعتق، فوقع الأمر باشتراطه في الوقت الذي كان جائزاً فيه، ثمّ نسخ ذلك الحكم بخطبته صلى الله عليه وسلم وبقوله: إنّما الولاء لمن أعتق.
ولا يخفى بُعدُ ما قال، وسياق طرق هذا الحديث تدفع في وجه هذا الجواب. والله المستعان.
الوجه الحادي عشر: قال الخطّابيّ: وجه هذا الحديث أنّ الولاء لَمَّا كان كلحمة النّسب، والإنسان إذا ولد له ولدٌ ثبت له نسبه ولا ينتقل نسبه عنه ولو نسب إلى غيره، فكذلك إذا أعتق عبداً ثبت له ولاؤه ولو أراد نقل ولائه عنه أو أذن في نقله عنه لَم ينتقل، فلم يعبأ باشتراطهم الولاء.
الوجه الثاني عشر: قيل: اشترطي ودعيهم يشترطون ما شاءوا ونحو ذلك ، لأنّ ذلك غير قادح في العقد ، بل هو بمنزلة اللغو من الكلام، وأخّر إعلامهم بذلك ليكون ردّه وإبطاله قولاً شهيراً يخطب به على المنبر ظاهراً، إذ هو أبلغ في النّكير وأوكد في التّعبير. انتهى
وهو يؤوّل إلى أنّ الأمر فيه. بمعنى الإباحة كما تقدّم.
قوله: (فما بال رجالٍ) أي: ما حالهم.
قوله: (يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله) المراد بكتاب الله في الحديث المرفوع حكمه، وهو أعمّ من أن يكون نصّاً أو مستنبطاً، وكلّ ما كان ليس من ذلك فهو مخالف لِما في كتاب الله.
وقال ابن بطّال: المراد بكتاب الله هنا حكمه من كتابه أو سنّة رسوله أو إجماع الأمّة.
وقال ابن خزيمة: ليس في كتاب الله. أي: ليس في حكم الله جوازه أو وجوبه، لا أنّ كل من شرط شرطاً لَم ينطق به الكتاب يبطل، لأنّه قد يشترط في البيع الكفيل فلا يبطل الشّرط، ويشترط في الثّمن شروط من أوصافه أو من نجومه ونحو ذلك فلا يبطل.
وقال النّوويّ: قال العلماء الشّروط في البيع أقسامٌ.
أحدها: يقتضيه إطلاق العقد كشرط تسليمه.
الثّاني: شرطٌ فيه مصلحة كالرّهن وهما جائزان اتّفاقاً.
الثّالث: اشتراط العتق في العبد. وهو جائزٌ عند الجمهور لحديث عائشة وقصّة بريرة.
الرّابع: ما يزيد على مقتضى العقد ولا مصلحة فيه للمشتري كاستثناء منفعته فهو باطلٌ.
وقال القرطبيّ: قوله: " ليس في كتاب الله " أي: ليس مشروعاً في كتاب الله تأصيلاً ولا تفصيلاً، ومعنى هذا أنّ من الأحكام ما يؤخذ
تفصيله من كتاب الله كالوضوء، ومنها ما يؤخذ تأصيله دون تفصيله كالصّلاة، ومنها ما أصّل أصله كدلالة الكتاب على أصليّة السّنّة والإجماع وكذلك القياس الصّحيح، فكل ما يقتبس من هذه الأصول تفصيلاً فهو مأخوذٌ من كتاب الله تأصيلاً.
وقال الخطّابيّ: ليس المراد أنّ ما لَم ينصّ عليه في كتاب الله فهو باطل، فإنّ لفظ " الولاء لمن أعتق " من قوله صلى الله عليه وسلم لكنّ الأمر بطاعته في كتاب الله فجاز إضافة ذلك إلى الكتاب.
وتعقّب: بأنّ ذلك لو جاز لجازت إضافة ما اقتضاه كلام الرّسول صلى الله عليه وسلم إليه، والجواب عنه: أنّ تلك الإضافة إنّما هي بطريق العموم لا بخصوص المسألة المعيّنة، وهذا مصيرٌ من الخطّابيّ إلى أنّ المراد بكتاب الله هنا القرآن، ونظير ما جنح إليه ما قاله ابن مسعود لأمّ يعقوب في قصّة الواشمة: مالي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله. ثمّ استدل على كونه في كتاب الله بقوله تعالى (وما آتاكم الرّسول فخذوه)(1).
ويحتمل: أن يكون المراد بقوله هنا " في كتاب الله " أي: في حكم الله، سواء ذكر في القرآن أم في السّنّة. أو المراد بالكتاب المكتوب. أي: في اللوح المحفوظ.
قوله: (ما كان من شرطٍ ليس في كتاب الله فهو باطلٌ) في رواية
(1) قصة أم يعقوب مع ابن مسعود رضي الله عنه ، أخرجها الشيخان.
الليث " من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فليس له "
قوله: (وإن كان مائة شرطٍ) في رواية الليث " وإن شرط مائة مرّة ".
قال النّوويّ: معنى قوله: " ولو اشترط مائة شرط " أنّه لو شرط مائة مرّة توكيداً فهو باطلٌ.
ويؤيّده قوله رواية: " وإنْ شرط مائة مرّة " وإنّما حمله على التّأكيد ، لأنّ العموم في قوله:" كلّ شرط " وفي قوله: " من اشترط شرطاً " دالٌ على بطلان جميع الشّروط المذكورة ، فلا حاجة إلى تقييدها بالمائة ، فإنّها لو زادت عليها كان الحكم كذلك لِما دلت عليها الصّيغة.
نعم. رواية أيمن عن عائشة في البخاري بلفظ " فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: الولاء لمن أعتق وإن اشترطوا مائة شرط " وإن احتمل التّأكيد ، لكنّه ظاهرٌ في أنّ المراد به التّعدّد، وذِكر المائة على سبيل المبالغة. والله أعلم.
وقال القرطبيّ: قوله " ولو كان مائة شرط ": خرج مخرج التّكثير، يعني أنّ الشّروط الغير المشروعة باطلة ولو كثرت، ويستفاد منه أنّ الشّروط المشروعة صحيحة.
وسيأتي التّنصيص على ذلك في كتاب إن شاء الله تعالى. (1)
(1) انظر حديث جابر رضي الله عنه الآتي ، وكذا حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه الآتي في النكاح رقم (312)
قوله: (قضاء الله أحقّ) أي: بالاتّباع من الشّروط المخالفة له.
قوله: (وشرط الله أوثق) أي: باتّباع حدوده التي حدّها، وليست المفاعلة هنا على حقيقتها إذ لا مشاركة بين الحقّ والباطل، وقد وردت صيغة أفعل لغير التّفضيل كثيراً.
ويحتمل أن يقال: ورد ذلك على ما اعتقدوه من الجواز.
قوله: (ونّما الولاء لمن أعتق) يستفاد منه أنّ كلمة " إنّما " للحصر، وهو إثبات الحكم للمذكور ونفيه عمّا عداه. ولولا ذلك لَمَا لزم من إثبات الولاء للمعتق نفيه عن غيره.
واستدل بمفهومه على أنّه لا ولاء لمن أسلم على يديه رجل أو وقع بينه وبينه محالفة خلافاً للحنفيّة، ولا للملتقط خلافاً لإسحاق.
ويستفاد من منطوقه إثبات الولاء لمن أعتق سابيه خلافاً لمَن قال: يصير ولاؤه للمسلمين، ويدخل فيمن أعتق عتق المسلم للمسلم وللكافر، وبالعكس ثبوت الولاء للمعتق.
تنبيهٌ: زاد النّسائيّ من طريق جرير بن عبد الحميد عن هشام بن عروة في آخر هذا الحديث " فخيّرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين زوجها وكان عبداً " وهذه الزّيادة أخرجها البخاري من حديث ابن عبّاس.
ويأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى، مع ذكر الخلاف في زوجها هل كان حرّاً أو عبداً؟. (1)
(1) انظر حديث عائشة رضي الله عنها آخر حديثٍ في البيوع. رقم (304).
وفي حديث بريرة هذا من الفوائد سوى ما سبق.
جواز المكاتبة بالسّنّة تقريرًا لحكم الكتاب، وقد روى ابن أبي شيبة في " الأوائل " بسندٍ صحيح ، أنّها أوّل كتابة كانت في الإسلام.
ويردّ عليه قصّة سلمان، فيجمع بأنّ أوّليّته في الرّجال وأوّليّة بريرة في النّساء.
وقد قيل: إنّ أوّل مكاتب في الإسلام أبو أُميَّة عبد عمر، وادّعى الرّويانيّ أنّ الكتابة لَم تكن تعرف في الجاهليّة وخولف.
وفيه جواز كتابة الأمة كالعبد، وجواز كتابة المتزوّجة ولو لَم يأذن الزّوج، وأنّه ليس له منعها من كتابتها ولو كانت تؤدّي إلى فراقها منه، كما أنّه ليس للعبد المتزوّج منع السّيّد من عتق أمته التي تحته وإن أدّى ذلك إلى بطلان نكاحها.
ويستنبط من تمكينها من السّعي في مال الكتابة أنّه ليس عليها خدمته.
وفيه جواز سعي المكاتبة وسؤالها واكتسابها وتمكين السّيّد لها من ذلك، ولا يخفى أنّ محلّ الجواز إذا عرفت جهة حلّ كسبها.
وفيه البيان بأنّ النّهي الوارد عن كسب الأمة محمول على من لا يعرف وجه كسبها، أو محمول على غير المكاتبة.
وفيه أنّ للمكاتب أن يسأل من حين الكتابة ، ولا يشترط في ذلك عجَزَه خلافاً لمن شرطه.
وفيه جواز السّؤال لمن احتاج إليه من دينٍ أو غرمٍ أو نحو ذلك.
وفيه أنّه لا بأس بتعجيل مال الكتابة.
وفيه جواز المساومة في البيع وتشديد صاحب السّلعة فيها، وأنّ المرأة الرّشيدة تتصرّف لنفسها في البيع وغيره ولو كانت مزوّجةً خلافاً لمن أبى ذلك، وأنّ من لا يتصرّف بنفسه فله أن يقيم غيره مقامه في ذلك، وأنّ العبد إذا أذن السّيّد له في التّجارة جاز تصرّفه.
وفيه جواز رفع الصّوت عند إنكار المنكر، وأنّه لا بأس لمن أراد أن يشتري للعتق أن يظهر ذلك لأصحاب الرّقبة ليتساهلوا له في الثّمن ، ولا يعدّ ذلك من الرّياء. وفيه إنكار القول الذي لا يوافق الشّرع وانتهار الرّسول فيه.
وفيه أنّ الشّيء إذا بيع بالنّقد كانت الرّغبة فيه أكثر ممّا لو بيع بالنّسيئة، وأنّ للمرء أن يقضي عنه دينه برضاه. وفيه جواز دخول النّساء الأجانب بيت الرّجل سواءٌ كان فيه أم لا وفيه أنّ المكاتبة لا يلحقها في العتق ولدها ولا زوجها.
وفيه جواز الشّراء بالنّسيئة، وأنّ المكاتب لو عجّل بعض كتابته قبل المحلّ على أن يضع عنه سيّده الباقي لَم يجبر السّيّد على ذلك. وجواز الكتابة على قدر قيمة العبد وأقلّ منها وأكثر، لأنّ بين الثّمن المنجّز والمؤجّل فرقاً، ومع ذلك فقد بذلت عائشة المؤجّل ناجزاً فدلَّ على أنّ قيمتها كانت بالتّأجيل أكثر ممّا كوتبت به وكان أهلها باعوها بذلك.
وفيه أنّ المراد بالخير في قوله تعالى: (إن علمتم فيهم خيراً) القوّة
على الكسب، والوفاء بما وقعت الكتابة عليه، وليس المراد به المال.
ويؤيّد ذلك أنّ المال الذي في يد المكاتب لسيّده. فكيف يكاتبه بماله؟، لكن من يقول: إنّ العبد يملك. لا يَرِدُ عليه هذا.
وقد نقل عن ابن عبّاس: أنّ المراد بالخير المال مع أنّه يقول إنّ العبد لا يملك، فنسب إلى التّناقض، والذي يظهر أنّه لا يصحّ عنه أحد الأمرين.
واحتجّ غيره: بأنّ العبد مال سيّده والمال الذي معه لسيّده. فكيف يكاتبه بماله؟ وقال آخرون: لا يصحّ تفسير الخير بالمال في الآية ، لأنّه لا يقال فلان لا مال فيه ، وإنّما يقال لا مال له أو لا مال عنده، فكذا إنّما يقال فيه وفاء وفيه أمانةٌ وفيه حسن معاملةٍ. ونحو ذلك.
وفي الحديث أيضاً جواز كتابة من لا حرفة له. وفاقاً للجمهور، واختلف عن مالك وأحمد ، وذلك أنّ بريرة جاءت تستعين على كتابتها ولَم تكن قضت منها شيئاً، فلو كان لها مال أو حرفة لَما احتاجت إلى الاستعانة ، لأنّ كتابتها لَم تكن حالة.
كذا قيل. وفيه نظرٌ ، لأنّه لا يلزم من طلبها من عائشة الإعانة على حالها أن يكون لا مال لها ولا حرفة، وقد وقع عند الطّبريّ من طريق أبي الزّبير عن عروة ، أنّ عائشة ابتاعت بريرة مكاتبة وهي لَم تقض من كتابتها شيئاً. وتقدّمت الزّيادة من وجه آخر.
وفيه جواز أخذ الكتابة من مسألة النّاس، والرّدّ على من كره ذلك وزعم أنّه أوساخ النّاس.
وفيه مشروعيّة معونة المكاتبة بالصّدقة، وعند المالكيّة رواية ، أنّه لا يجزئ عن الفرض.
وفيه جواز الكتابة بقليل المال وكثيره، وجواز التّأقيت في الدّيون في كلّ شهر مثلاً كذا من غير بيان أوّله أو وسطه، ولا يكون ذلك مجهولاً ، لأنّه يتبيّن بانقضاء الشّهر الحلول.
كذا قال ابن عبد البرّ ، وفيه نظرٌ ، لاحتمال أن يكون قول بريرة:" في كلّ عام أوقيّة " أي: في غرّته مثلاً، وعلى تقدير التّسليم فيمكن التّفرقة بين الكتابة والدّيون، فإنّ المكاتب لو عجَزَ حل لسيّده ما أخذ منه بخلاف الأجنبيّ.
وقال ابن بطّال: لا فرق بين الدّيون وغيرها، وقصّة بريرة محمولة على أنّ الرّاوي قصّر في بيان تعيين الوقت وإلا يصير الأجل مجهولاً. وقد نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن السّلف إلَّا إلى أجل معلوم.
وفيه أنّ العدّ في الدّراهم الصّحاح المعلومة الوزن يكفي عن الوزن، وأنّ المعاملة في ذلك الوقت كانت بالأواقي، والأوقيّة أربعون درهماً كما تقدّم في الزّكاة.
وزعم المحبّ الطّبريّ: أنّ أهل المدينة كانوا يتعاملون بالعدّ إلى مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ثمّ أمروا بالوزن.
وفيه نظرٌ. لأنّ قصّة بريرة متأخّرة عن مقدمه بنحوٍ من ثمان سنين، لكن يحتمل قول عائشة " أعدّها لهم عدّة واحدة " أي: أدفعها لهم، وليس مرادها حقيقة العدّ.
ويؤيّده قولها في طريق عمرة عن عائشة في البخاري " أن أصبّ لهم ثمنك صبّة واحدة ".
وفيه جواز البيع على شرط العتق بخلاف البيع بشرط أن لا يبيعه لغيره ولا يهبه مثلاً، وأنّ من الشّروط في البيع ما لا يبطل ولا يضرّ البيع.
في الحديث.
وهو القول الأول: جواز بيع المكاتب إذا رضي وإن لَم يكن عاجزاً عن أداء نجم قد حلَّ عليه، لأنّ بريرة لَم تقل إنّها عجَزَت ولا استفصلها النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو قول أحمد وربيعة والأوزاعيّ والليث وأبي ثور وأحد قولي الشّافعيّ ومالك، واختاره ابن جريجٍ وابن المنذر وغيرهما على تفاصيل لهم في ذلك.
القول الثاني: منعه أبو حنيفة والشّافعيّ في أصحّ القولين وبعض المالكيّة.
وأجابوا عن قصّة بريرة بأنّها عجَزَت نفسها.
واستدلوا باستعانة بريرة عائشة في ذلك، وليس في استعانتها ما يستلزم العجَزَ، ولا سيّما مع القول بجواز كتابة من لا مال عنده ولا حرفة له.
قال ابن عبد البرّ: ليس في شيء من طرق حديث بريرة أنّها عجَزَت عن أداء النّجم، ولا أخبرت بأنّه قد حل عليها شيء، ولَم يرد في شيء من طرقه استفصال النّبيّ صلى الله عليه وسلم لها عن شيء من ذلك.
ومنهم من أوّل قولها: " كاتبت أهلي " فقال: معناه راودتهم واتّفقت معهم على هذا القدر ، ولَم يقع العقد بعد، ولذلك بيعت، فلا حجّة فيه على بيع المكاتب مطلقاً، وهو خلاف ظاهر سياق الحديث. قاله القرطبيّ.
ويقوّي الجواز أيضاً: أنّ الكتابة عتق بصفةٍ فيجب أن لا يعتق إلَّا بعد أداء جميع النّجوم، كما لو قال أنت حرٌّ إن دخلت الدّار فلا يعتق إلَّا بعد تمام دخولها، ولسيّده بيعه قبل دخولها.
ومن المالكيّة من زعم أنّ الذي اشترته عائشة كتابة بريرة لا رقبتها وقد تقدّم ردّه، وقيل: إنّهم باعوا بريرة بشرط العتق، وإذا وقع البيع بشرط العتق صحّ على أصحّ القولين عند الشّافعيّة والمالكيّة، وعن الحنفيّة يبطل.
وفيه جواز مناجاة المرأة دون زوجها سرّاً إذا كان المناجي ممّن يؤمن، وأنّ الرّجل إذا رأى شاهد الحال يقتضي السّؤال عن ذلك سأل وأعان، وأنّه لا بأس للحاكم أن يحكم لزوجته ويشهد.
وفيه قبول خبر المرأة ولو كانت أمة، ويؤخذ منه حكم العبد بطريق الأولى. وفيه أنّ عقد الكتابة قبل الأداء لا يستلزم العتق، وأنّ بيع الأمة ذات الزّوج ليس بطلاقٍ.
وفيه البداءة في الخطبة بالحمد والثّناء، وقول أمّا بعد فيها، والقيام فيها، وجواز تعدّد الشّروط لقوله:" مائة شرط " وأنّ الإيتاء الذي أمر به السّيّد ساقط عنه إذا باع مكاتبه للعتق.
وفيه أن لا كراهة في السّجع في الكلام إذا لَم يكن عن قصد ولا متكلفاً. وفيه أنّ للمكاتب حالة فارق فيها الأحرار والعبيد.
وفيه أنّه صلى الله عليه وسلم كان يظهر الأمور المهمّة من أمور الدّين ويعلنها ويخطب بها على المنبر لإشاعتها، ويراعي مع ذلك قلوب أصحابه، لأنّه لَم يعيّن أصحاب بريرة بل قال:" ما بال رجال " ، ولأنّه يؤخذ من ذلك تقرير شرع عامّ للمذكورين وغيرهم في الصّورة المذكورة وغيرها. وهذا بخلاف قصّة عليّ في خِطبته بنت أبي جهل فإنّها كانت خاصّة بفاطمة فلذلك عيّنها (1).
وفيه حكاية الوقاع لتعريف الأحكام، وأنّ اكتساب المكاتب له لا لسيّده، وجواز تصرّف المرأة الرّشيدة في مالها بغير إذن زوجها، ومراسلتها الأجانب في أمر البيع والشّراء كذلك، وجواز شراء السّلعة للرّاغب في شرائها بأكثر من ثمن مثلها ، لأنّ عائشة بذلت ما قرّر نسيئة على جهة النّقد مع اختلاف القيمة بين النّقد والنّسيئة.
وفيه جواز استدانة من لا مال له عند حاجته إليه.
ويؤخذ من مشروعيّة نجوم الكتابة البيع إلى أجلٍ والاستقراض
(1) أخرجه البخاري (3729) مسلم (2449) عن المسور بن مخرمة رضي الله عنه قال: إن علياً خطب بنت أبي جهل. فسمعتْ بذلك فاطمة. فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يزعم قومك أنك لا تغضب لبناتك، وهذا عليٌ ناكح بنت أبي جهل، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعته حين تشهد، يقول: أما بعد أنكحت أبا العاص بن الربيع، فحدثني وصدقني، وإن فاطمة بضعة مني. وإني أكره أن يسوءها، والله لا تجتمع بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبنت عدو الله، عند رجلٍ واحدٍ. فترك عليٌ الخطبةَ.
ونحو ذلك، وفيه إلحاق الإماء بالعبيد لأنّ الآية طاهرة في الذّكور، وفيه جواز كتابة أحد الزّوجين الرّقيقين، ويلحق به جواز بيع أحدهما دون الآخر.
ويؤخذ منه أنّ المكاتب عبد ما بقي عليه شيء، فيتفرّع منه إجراء أحكام الرّقيق كلّها في النّكاح والجنايات والحدود وغيرها. وقد أكثر بسردها من جمعوا الفوائد المستنبطة من حديث بريرة.
ومن ذلك أنّ من أدّى أكثر نجومه لا يعتق تغليبًا لحكم الأكثر، وأنّ من أدّى من النّجوم بقدر قيمته يعتق، وأنّ من أدّى بعض نجومه لَم يعتق منه بقدر ما أدّى، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أذن في شراء بريرة من غير استفصال.
وروى ابن أبي شيبة وابن سعد من طريق عمرو بن ميمون عن سليمان بن يسار قال: استأذنت على عائشة فرفعت صوتي، فقالت: سليمان؟ فقلت: سليمان. فقالت: أدّيت ما بقي عليك من كتابتك؟ قلت: نعم. إلَّا شيئًا يسيرًا. قالت: ادخل، فإنّك عبد ما بقي عليك شيء.
وروى الطّحاويّ من طريق ابن أبي ذئب عن عمران بن بشير عن سالم هو مولى النّضريين أنّه قال لعائشة: ما أراك إلَّا ستحتجبين منّي، فقالت: ما لك؟ فقال: كاتبت، فقالت: إنّك عبد ما بقي عليك شيء.
وروى الشّافعيّ وسعيد بن منصور من طريق ابن أبي نجيح عن
مجاهد ، أنّ زيد بن ثابت قال في المكاتب: هو عبد ما بقي عليه درهم ".
وروى مالك عن نافع ، أنّ عبد الله بن عمر كان يقول في المكاتب: هو عبد ما بقي عليه شيء.
وقد روي ذلك مرفوعًا. أخرجه أبو داود والنّسائيّ من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه وصحَّحه الحاكم، وأخرجه ابن حبّان من وجهٍ آخر عن عبد الله بن عمرو. في أثناء حديث، وهو قول الجمهور.
ويؤيّده قصّة بريرة، لكن إنّما تتمّ الدّلالة منه لو كانت بريرة أدّت من كتابتها شيئًا فقد قرّرنا أنّها لَم تكن أدّت منها شيئًا.
وكان فيه خلاف عن السّلف:
فعن عليّ: إذا أدّى الشّطر فهو غريمٌ. وعنه: يعتق منه بقدر ما أدّى. وعن ابن مسعود: لو كاتبه على مائتين وقيمته مائة فأدّى المائة عتق. وعن عطاء: إذا أدّى ثلاثة أرباع كتابته عتق.
وروى النّسائيّ عن ابن عبّاس مرفوعًا: المكاتب يعتق منه بقدر ما أدّى. ورجال إسناده ثقات، لكن اختلف في إرساله ووصله.
وحجّة الجمهور حديث عائشة وهو أقوى، ووجه الدّلالة منه أنّ بريرة بيعت بعد أن كاتبت، ولو كان المكاتب يصير بنفس الكتابة حرًّا لامتنع بيعها.
وفيه جواز بيع المكاتب والرّقيق بشرط العتق، وأنّ سيّد المكاتب لا
يمنعه من الاكتساب ، وأنّ اكتسابه من حين الكتابة يكون له جواز سؤال المكاتب من يعينه على بعض نجومه وإن لَم تحلّ، وأنّ ذلك لا يقتضي تعجيزه.
وجواز سؤال ما لا يضطرّ السّائل إليه في الحال، وجواز الاستعانة بالمرأة المزوّجة، وجواز تصرّفها في مالها بغير إذن زوجها، وبذل المال في طلب الأجر حتّى في الشّراء بالزّيادة على ثمن المثل بقصد التّقرّب بالعتق، وجواز السّؤال في الجملة لمن يتوقّع الاحتياج إليه فتحمل الأخبار الواردة في الزّجر عن السّؤال على الأولويّة.
وفيه جواز سعي المرقوق في فكاك رقبته ولو كان بسؤال من يشتري ليعتق وإن أضرّ ذلك بسيّده لتشوّف الشّارع إلى العتق.
وفيه بطلان الشّروط الفاسدة في المعاملات وصحّة الشّروط المشروعة لمفهوم قوله صلى الله عليه وسلم: كلّ شرط ليس في كتاب الله فهو باطل.
ويؤخذ منه أنّ من استثنى خدمة المرقوق عند بيعه لَم يصحّ شرطه، وأنّ من شرط شرطًا فاسدًا لَم يستحقّ العقوبة إلَّا إن علم بتحريمه وأصرّ عليه، وأنّ سيّد المكاتب لا يمنعه من السّعي في تحصيل مال الكتابة. ولو كان حقّه في الخدمة ثابتًا، وأنّ المكاتب إذا أدّى نجومه من الصّدقة لَم يردّها السيّد وإذا أدّى نجومه قبل حلولها كذلك.
ويؤخذ منه أنّه يعتق أخذًا من قول موالي بريرة " إن شاءت أن تحتسب عليك " فإنّ ظاهره في قبول تعجيل ما اتّفقوا على تأجيله ومن لازمه حصول العتق، ويؤخذ منه أيضًا أنّ من تبرّع عن المكاتب بما
عليه عتق.
واستدل به على عدم وجوب الوضع عن المكاتب لقول عائشة " أعدّها لهم عدّة واحدة " ولَم ينكر.
وأجيب بجواز قصد دفعهم لها بعد القبض.
وفيه جواز إبطال الكتابة وفسخ عقدها إذا تراضى السّيّد والعبد، وإن كان فيه إبطال التّحرير لتقرير بريرة على السّعي بين عائشة ومواليها في فسخ كتابتها لتشتريها عائشة.
وفيه أنّ من وقع منه ما ينكر استحبّ عدم تعيينه؛ وأنّ استعمال السّجع في الكلام لا يكره إلَّا إذا قصد إليه ووقع متكلفًا.
وفيه جواز اليمين فيما لا تجب فيه ولا سيّما عند العزم على فعل شيء، وأنّ لغو اليمين لا كفّارة فيه لأنّ عائشة حلفت أن لا تشترط ثمّ قال لها النّبيّ صلى الله عليه وسلم اشترطي ولَم ينقل كفّارة.
وفيه مناجاة الاثنين بحضرة الثّالث في الأمر يستحي منه المناجي ويعلم أنّ من ناجاه يعلم الثّالث به ، ويستثنى ذلك من النّهي الوارد فيه. وفيه جواز سؤال الثّالث عن المناجاة المذكورة إذا ظنّ أنّ له تعلقًا به ، وجواز إظهار السّرّ في ذلك ، ولا سيّما إن كان فيه مصلحة للمناجي.
وفيه جواز المساومة في المعاملة والتّوكيل فيها ولو للرّقيق، واستخدام الرّقيق في الأمر الذي يتعلق بمواليه وإن لَم يأذنوا في ذلك بخصوصه.
وفيه ثبوت الولاء للمرأة المعتقة فيستثنى من عموم الولاء لحمة كلحمة النّسب فإنّ الولاء لا ينتقل إلى المرأة بالإرث بخلاف النّسب.
وفيه أنّ الكافر يرث ولاء عتيقه المسلم وإن كان لا يرث قريبه المسلم، وأنّ الولاء لا يباع ولا يوهب (1).
ويؤخذ منه أنّ معنى قوله في الرّواية الأخرى " الولاء لمن أعطى الورق " أنّ المراد بالمعطى المالك لا من باشر الإعطاء مطلقًا فلا يدخل الوكيل.
ويؤيّده قوله في رواية الثّوريّ عند أحمد " لمن أعطى الورق وولي النّعمة "(2)
وفيه أنّه يجوز لمن سئل قضاء حاجةٍ أن يشترط على الطّالب ما يعود عليه نفعه ، لأنّ عائشة شرطت أن يكون لها الولاء إذا أدّت الثّمن دفعةً واحدةً.
وفيه جواز أداء الدّين على المدين وأنّه يبرأ بأداء غيره عنه وافتاء الرجل زوجته فيما لها فيه حظٌّ وغرضٌ إذا كان حقًّا ، وجواز حكم الحاكم لزوجته بالحقّ.
وجواز قول مشتري الرّقيق اشتريته لأعتقه ترغيبًا للبائع في تسهيل البيع ، وجواز المعاملة بالدّراهم والدّنانير عددًا إذا كان قدرها
(1) انظر حديث ابن عمر رضي الله عنه الآتي برقم (305)
(2)
تقدَّم ذكر هذه الرواية. وهي عند البخاري أيضاً.
بالكتابة معلومًا لقولها " أعدّها " ولقولها " تسع أواقٍ ".
ويستنبط منه جواز بيع المعاطاة ، وفيه جواز عقد البيع بالكتابة لقوله خذيها. ومثله قوله صلى الله عليه وسلم لأبي بكرٍ في حديث الهجرة: قد أخذتها بالثّمن. (1).
وفيه أنّ حقّ الله مقدّمٌ على حقّ الآدميّ لقوله " شرط الله أحقّ وأوثق " ، ومثله الحديث الآخر " دين الله أحقّ أن يقضى ".
وفيه جواز الاشتراك في الرّقيق لتكرّر ذكر أهل بريرة في الحديث ، وفي روايةٍ " كانت لناسٍ من الأنصار ".
ويحتمل: مع ذلك الوحدة وإطلاق ما في الخبر على المجاز.
وفيه أنّ الأيدي ظاهرةٌ في الملك وأنّ مشتري السّلعة لا يسأل عن أصلها إذا لَم تكن ريبةً.
وفيه استحباب إظهار أحكام العقد للعالم بها إذا كان العاقد يجهلها ، وفيه أنّ حكم الحاكم لا يغيّر الحكم الشّرعيّ. فلا يحلُّ حرامًا ولا عكسه.
وفيه قبول خبر الواحد الثّقة وخبر العبد والأمة وروايتهما.
وفيه أنّ البيان بالفعل أقوى من القول وجواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة والمبادرة إليه عند الحاجة.
وفيه أنّ الحاجة إذا اقتضت بيان حكمٍ عامٍّ وجب إعلانه أو ندب
(1) أخرجه البخاري في " صحيحه "(2138) ومواضع أخرى. من حديث عائشة.
بحسب الحال.
وفيه جواز الرّواية بالمعنى والاختصار من الحديث والاقتصار على بعضه بحسب الحاجة فإنّ الواقعة واحدةٌ ، وقد رويت بألفاظٍ مختلفةٍ. وزاد بعض الرّواة ما لَم يذكر الآخر ، ولَم يقدح ذلك في صحّته عند أحد من العلماء
وفيه تنبيه صاحب الحقّ على ما وجب له إذا جهله واستقلال المكاتب بتعجيز نفسه ، وإطلاق الأهل على السّادة وإطلاق العبيد على الأرقّاء ، وأنّ مال الكتابة لا حدّ لأكثره
قال ابن بطّال: أكثر النّاس في تخريج الوجوه في حديث بريرة حتّى بلغوها نحو مائة وجه.
وقال النّوويّ: صنّف فيه ابن خزيمة وابن جرير تصنيفين كبيرين أكثرا فيهما من استنباط الفوائد منها فذكرا أشياء.
قلت: ولَم أقف على تصنيف ابن خزيمة، ووقفت على كلام ابن جرير من كتابه " تهذيب الآثار " ولخّصت منه ما تيسّر بعون الله تعالى.
وقد بلغ بعض المتأخّرين الفوائد من حديث بريرة إلى أربعمائة أكثرها مستبعد متكلف، كما وقع نظير ذلك الذي صنّف في الكلام على حديث المجامع في رمضان فبلغ به ألف فائدة وفائدة.