المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الحديث الواحد والثلاثون - فتح السلام شرح عمدة الأحكام من فتح الباري - جـ ٥

[عبد السلام العامر]

فهرس الكتاب

- ‌كتاب البيوع

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌باب ما يُنهي عنه من البيوع

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌الحديث التاسع

- ‌الحديث العاشر

- ‌الحديث الحادي عشر

- ‌الحديث الثاني عشر

- ‌باب العرايا وغير ذلك

- ‌الحديث الثالث عشر

- ‌الحديث الرابع عشر

- ‌الحديث الخامس عشر

- ‌الحديث السادس عشر

- ‌الحديث السابع عشر

- ‌باب السّلم

- ‌الحديث الثامن عشر

- ‌باب الشروط في البيع

- ‌الحديث التاسع عشر

- ‌الحديث العشرون

- ‌الحديث الواحد والعشرون

- ‌باب الربا والصرف

- ‌الحديث الثاني والعشرون

- ‌الحديث الثالث والعشرون

- ‌الحديث الرابع والعشرون

- ‌الحديث الخامس والعشرون

- ‌الحديث السادس والعشرون

- ‌باب الرهن وغيره

- ‌الحديث السابع والعشرون

- ‌باب الحوالة

- ‌الحديث الثامن والعشرون

- ‌باب الفلس

- ‌الحديث التاسع والعشرون

- ‌باب الشفعة

- ‌الحديث الثلاثون

- ‌باب الوقف

- ‌الحديث الواحد والثلاثون

- ‌باب الهبة

- ‌الحديث الثاني والثلاثون

- ‌الحديث الثالث والثلاثون

- ‌الحديث الرابع والثلاثون

- ‌باب الحرث والمزارعة

- ‌الحديث الخامس والثلاثون

- ‌الحديث السادس والثلاثون

- ‌الحديث السابع والثلاثون

- ‌باب العُمرى

- ‌الحديث الثامن والثلاثون

- ‌باب المظالم

- ‌الحديث التاسع والثلاثون

- ‌الحديث الأربعون

- ‌باب اللقطة

- ‌الحديث الواحد والأربعون

- ‌كتاب الوصايا

- ‌الحديث الثاني والأربعون

- ‌الحديث الثالث والأربعون

- ‌الحديث الرابع والأربعون

- ‌كتاب الفرائض

- ‌الحديث الخامس والأربعون

- ‌الحديث السادس والأربعون

- ‌الحديث السابع والأربعون

- ‌الحديث الثامن والأربعون

- ‌كتاب النكاح

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌الحديث التاسع

- ‌الحديث العاشر

- ‌الحديث الحادي عشر

- ‌الحديث الثاني عشر

- ‌الحديث الثالث عشر

- ‌باب الصّداق

- ‌الحديث الرابع عشر

- ‌الحديث الخامس عشر

- ‌الحديث السادس عشر

الفصل: ‌الحديث الواحد والثلاثون

‌باب الوقف

‌الحديث الواحد والثلاثون

287 -

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: أصاب عمرُ أرضاً بخيبر، فأتى النبيّ صلى الله عليه وسلم يستأمره فيها، فقال: يا رسولَ الله، إني أصبت أرضاً بخيبر. لَم أصب مالاً قطّ هو أنفس عندي منه، فما تأمرني به؟ قال: إن شئتَ حبَّست أصلها وتصدَّقتَ بها، قال: فتصدَّق بها عمر، غير أنّه لا يُباعُ أصلُها، ولا يُورث، ولا يُوهب، قال: فتصدَّق بها عمر في الفقراء، وفي القربى، وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل، والضيف، لا جناح على من ولِيها، أن يأكل منها بالمعروف، أو يطعم صديقاً، غير متموّلٍ فيه. (1) وفي لفظ: غير متأثّلٍ. (2)

قوله: (عن ابن عمر رضي الله عنه قال: أصاب عمر) كذا لأكثر الرّواة عن نافع، ثمّ عن ابن عون جعلوه في مسند ابن عمر.

(1) أخرجه البخاري (2586 ، 2613، 2620، 2621، 2625) ومسلم (1632) من طرق عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنه.

(2)

هذه الرواية وقعت في البخاري (2586) من طريق الأنصاري ، ومسلم (1632) من طريق سليم بن أخضر كلاهما عن ابن عون عن نافع. فذكر الحديث. ثم قال: فحدَّثت بهذا الحديث محمد بن سيرين. فلمَّا بلغتُ هذا المكان " غير متمول فيه " قال محمد: غير متأثل مالاً.

وللبخاري (2189) عن عمرو بن دينار ، قال: في صدقة عمر رضي الله عنه: ليس على الولي جناح أن يأكل ويؤكل صديقا غير متأثل مالاً. فكان ابن عمر هو يلي صدقة عمر يهدي لناسٍ من أهل مكة كان ينزل عليهم.

ص: 267

لكن أخرجه مسلم والنّسائيّ من رواية سفيان الثّوريّ ، والنّسائيّ من رواية أبي إسحاق الفزاريّ كلاهما عن عبد الله بن عون، والنّسائيّ من رواية سعيد بن سالم عن عبيد الله بن عمر كلاهما عن نافع عن ابن عمر عن عمر. جعله من مسند عمر، والمشهور الأوّل.

قوله: (أرضاً بخيبر) وللبخاري في رواية صخر بن جويرية عن نافع ، أنّ اسمها ثَمْغ، وكذا لأحمد من رواية أيّوب " أنّ عمر أصاب أرضاً من يهود بني حارثة يقال لها ثَمْغ " ونحوه في رواية سعيد بن سالم المذكورة، وكذا للدّارقطنيّ من طريق الدّراورديّ عن عبد الله بن عمر، وللطّحاويّ من رواية يحيى بن سعيد.

وروى عمر بن شبّة بإسنادٍ صحيح عن أبي بكر بن محمّد بن عمرو بن حزم ، أنّ عمر رأى في المنام ثلاث ليالٍ أن يتصدّق بثمغ.

وللنّسائيّ من رواية سفيان عن عبد الله بن عمر ، جاء عمر فقال: يا رسولَ الله إنّي أصبت مالاً لَم أصب مالاً مثله قطّ ، كان لي مائة رأس فاشتريت بها مائة سهم من خيبر من أهلها.

فيحتمل: أن تكون ثمغ من جملة أراضي خيبر ، وأنّ مقدارها كان مقدار مائة سهم من السّهام التي قسمها النّبيّ صلى الله عليه وسلم بين من شهد خيبر.

وهذه المائة السّهم غير المائة السّهم التي كانت لعمر بن الخطّاب بخيبر التي حصلها من جزئه من الغنيمة وغيره.

وسيأتي بيان ذلك في صفة كتاب وقف عمر من عند أبي داود وغيره.

ص: 268

وذكر عمر بن شبّة بإسنادٍ ضعيف عن محمّد بن كعب ، أنّ قصّة عمر هذه كانت في سنة سبع من الهجرة.

وثَمْغ: بفتح المثلثة وسكون الميم بعدها معجمة.

ومنهم من فتح الميم. حكاه المنذريّ.

قال أبو عبيد البكريّ: هي أرض تلقاء المدينة كانت لعمر.

قوله: (أنفس عندي منه) أي: أجود، والنّفيس الجيّد المغتبط به، يقال: نفس بفتح النّون وضمّ الفاء نفاسة.

وقال الدّاوديّ: سمّي نفيساً ، لأنّه يأخذ بالنّفس.

وفي رواية صخر بن جويرية " إنّي استفدت مالاً وهو عندي نفيس ، فأردت أن أتصدّق به " وقد تقدّم في مرسل أبي بكر بن حزم ، أنّه رأى في المنام الأمر بذلك.

ووقع في رواية للدّارقطنيّ إسنادها ضعيف ، أنّ عمر قال: يا رسولَ الله إنّي نذرت أن أتصدّق بمالي. ولَم يثبت هذا.

وإنّما كان صدقة تطوّع كما سأوضّحه من حكاية لفظ كتاب الوقف المذكور إن شاء الله تعالى.

قوله: (فما تأمرني به) في رواية يحيى بن سعيد " أنّ عمر استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن يتصدّق ".

قوله: (إن شئت حبست أصلها وتصدّقت بها) أي: بمنفعتها، وبيّن ذلك ما في رواية عبيد الله بن عمر " احبس أصلها وسبّل ثمرتها " وفي رواية يحيى بن سعيد " تصدّق بثمره وحبّس أصله ".

ص: 269

قوله: (فتصدّق بها عمر ، أنّه لا يباع أصلها ولا يورث ولا يوهب) زاد في رواية مسلم من هذا الوجه " ولا تبتاع ". زاد الدّارقطنيّ من طريق عبد الله بن عمر عن نافع " حبيس ما دامت السّماوات والأرض ".

كذا لأكثر الرّواة عن نافع، ولَم يختلف فيه عن ابن عون إلَّا ما وقع عند الطّحاويّ من طريق سعيد بن سفيان الجحدريّ عن ابن عون. فذكره بلفظ صخر بن جويرية الآتي، والجحدريّ إنّما رواه عن صخر لا عن ابن عون.

قال السّبكيّ: اغتبطت بما وقع في رواية يحيى بن سعيد عن نافع عند البيهقيّ " تصدّق بثمره وحبّس أصله. لا يباع ولا يورث " وهذا ظاهره أنّ الشّرط من كلام النّبيّ صلى الله عليه وسلم بخلاف بقيّة الرّوايات. فإنّ الشّرط فيها ظاهره أنّه من كلام عمر.

قلت: رواه البخاري من طريق صخر بن جويرية عن نافع بلفظ: فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: تصدّق بأصله، لا يباع ولا يوهب ولا يورث، ولكن ينفق ثمره.

وهي أتمّ الرّوايات وأصرحها في المقصود. فعزوها إلى البخاريّ أولى، وقد علَّقه البخاريّ في المزارعة بلفظ: قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم لعمر: تصدّق بأصله لا يباع ولا يوهب ، ولكن لينفق ثمره فتصدّق به.

وحكيت هناك. أنّ الدّاوديّ الشّارح أنكر هذا اللفظ، ولَم يظهر لي إذ ذاك سبب إنكاره، ثمّ ظهر لي أنّه بسبب التّصريح برفع الشّرط إلى

ص: 270

النّبيّ صلى الله عليه وسلم، على أنّه ولو كان الشّرط من قول عمر فما فعله إلَّا لِمَا فهمه من النّبيّ صلى الله عليه وسلم حيث قال له: احبس أصلها وسبّل ثمرتها.

وقوله: " تصدّق " صيغة أمر ، وقوله:" فتصدّق " بصيغة: الفعل الماضي.

قوله: (فتصدق بها عمر في الفقراء، وفي القربى، وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل، والضيف) جميع هؤلاء الأصناف إلَّا الضّيف هم المذكورون في آية الزّكاة.

وقوله " وفي القربى " يحتمل: أن يكون فيمن ذكر في الخمس.

ويحتمل: أن يكون المراد بهم قربى الواقف، وبهذا الثّاني جزم القرطبيّ.

والضّيف معروف: وهو من نزل بقومٍ يريد القِرَى.

قوله: (أن يأكل منها بالمعروف) قال القرطبيّ: جرت العادة بأنّ العامل يأكل من ثمرة الوقف، حتّى لو اشترط الواقف أنّ العامل لا يأكل منه يستقبح ذلك منه.

والمراد بالمعروف القدر الذي جرت به العادة.

وقيل: القدر الذي يدفع به الشّهوة.

وقيل: المراد أن يأخذ منه بقدر عمله، والأولى أولى.

قوله: (أو يطعم) في رواية صخر " أو يؤكل " بإسكان الواو وهي بمعنى يطعم. زاد البخاري عن عمرو بن دينار: فكان ابن عمر هو يلي صدقة عمر، يهدي لناسٍ من أهل مكّة كان ينزل عليهم.

ص: 271

وإنّما كان ابن عمر يهدي منه أخذاً بالشّرط المذكور ، وهو أن يطعم صديقه.

ويحتمل: أن يكون إنّما يطعمهم من نصيبه الذي جعل له أن يأكل منه بالمعروف فكان يوفّره ليهدي لأصحابه منه.

قوله: (غير متموّل فيه) في رواية الأنصاريّ عند البخاري " غير متموّل به "(1) والمعنى غير متّخذ منها مالاً. أي: ملكاً، والمراد أنّه لا يتملك شيئاً من رقابها، و " مالاً " منصوب على التّمييز.

وزاد الأنصاريّ وسليم (2). قال: فحدّثت به ابن سيرين فقال: غير متأثّل مالاً. والقائل " فحدّثت به " هو ابن عون راويه عن نافع، بيّن ذلك الدّارقطنيّ من طريق أبي أسامة عن ابن عون ، قال: ذكرت حديث نافع لابن سيرين فذكره، زاد سليم: قال ابن عون: وأنبأني من قرأ هذا الكتاب أنّ فيه " غير متأثّل مالاً ".

وفي رواية التّرمذيّ من طريق ابن عليّة عن ابن عون ، حدّثني رجلٌ

(1) كذا قال الشارح. والذي في رواية الأنصاري - وهو محمد بن عبد الله - في آخر الشروط (2737) في ط البغا. وفي فتح الباري ط السلفية " غير متموّل " فقط ، أما زيادة " به " فهي في رواية صخر بن جويرية في البخاري (2764).

ولا أدري أهو وهمٌ من الحافظ. أم اختلاف في الرواية.

قال الشارح في الفتح (6/ 489): الأنصاري المذكور أحد شيوخ البخاري أخرج عنه عدة أحاديث بغير واسطة منها حديث أبي بكر في أنصبة الزكاة ، وأخرج عنه في مواضع بواسطة ، وكان الأنصاري المذكور قاضي البصرة ، وقد تمذهب للكوفيين في الأوقاف ، وصنَّف في الكلام على هذا الحديث جزءاً مفرداً. انتهى

(2)

أي: ابن أخضر. وروايته عند مسلم كما تقدَّم في التخريج.

ص: 272

أنّه قرأها في قطعة أديم أحمر ، قال ابن عليّة: وأنا قرأتها عند ابن عبيد الله بن عمر كذلك.

وقد أخرج أبو داود صفة كتاب وقف عمر من طريق يحيى بن سعيد الأنصاريّ ، قال: نسخها لي عبد الله بن عبد الحميد بن عبد الله بن عمر. فذكره. وفيه " غير متأثّل "

والمتأثّل. بمثنّاةٍ ثمّ مثلثة مشدّدة بينهما همزة هو المتّخذ، والتّأثّل اتّخاذ أصل المال حتّى كأنّه عنده قديم، وأثلة كلّ شيء أصله.

قال الشّاعر: وقد يدرك المجد المؤثّل أمثالي (1)

واشتراط نفي التّأثّل يقوّي ما ذهب إليه مَن قال: المراد من قوله: " يأكل بالمعروف " حقيقة الأكل ، لا الأخذ من مال الوقف بقدر العمالة. قاله القرطبيّ.

وزاد أحمد من طريق حمّاد بن زيد عن أيّوب فذكر الحديث، قال حمّاد: وزعم عمرو بن دينار ، أنّ عبد الله بن عمر ، كان يهدي إلى عبد الله بن صفوان من صدقة عمر. وكذا رواه عمر بن شبّة من طريق حمّاد بن زيد عن عمر.

وزاد عمر بن شبّة عن يزيد بن هارون عن ابن عون في آخر هذا الحديث " وأوصى بها عمر إلى حفصة أمّ المؤمنين ، ثمّ إلى الأكابر من آل عمر " ونحوه في رواية عبيد الله بن عمر عند الدّارقطنيّ، وفي

(1) البيت لامرئ القيس. وصدره. ولكنّما أسعى لمجدٍ مؤثّلٍ ..

ص: 273

رواية أيّوب عن نافع عند أحمد " يليه ذوو الرّأي من آل عمر ".

فكأنّه كان أوّلاً شرَطَ أنّ النّظر فيه لذوي الرّأي من أهله ، ثمّ عيّن عند وصيّته لحفصة، وقد بيّن ذلك عمر بن شبّة عن أبي غسّان المدنيّ ، قال: هذه نسخة صدقة عمر أخذتها من كتابه الذي عند آل عمر فنسختها حرفاً حرفاً.

هذا ما كتب عبدُ الله - عمرُ (1) أمير المؤمنين - في ثَمْغ، أنّه إلى حفصة ما عاشت تنفق ثمره حيث أراها الله، فإن توفّيت فإلى ذوي الرّأي من أهلها.

قلت: فذكر الشّرط كلّه نحو الذي تقدّم في الحديث المرفوع.

ثمّ قال: والمائة وسق الذي أطعمني النّبيّ صلى الله عليه وسلم فإنّها مع ثمغ على سننه الذي أمرت به، وإن شاء وليُّ ثَمْغٍ أن يشتري من ثمره رقيقاً يعملون فيه فعل. وكتب معيقيب ، وشهد عبد الله بن الأرقم.

وكذا أخرج أبو داود في روايته نحو هذا. وذكرا جميعاً كتاباً آخر نحو هذا الكتاب، وفيه من الزّيادة " وصرمة بن الأكوع والعبد الذي فيه صدقة كذلك " وهذا يقتضي ، أنّ عمر إنّما كتب كتاب وقفه في خلافته ، لأنّ معيقيباً كان كاتبه في زمن خلافته، وقد وصفه فيه بأنّه أمير المؤمنين.

فيحتمل: أن يكون وقفه في زمن النّبيّ صلى الله عليه وسلم باللفظ ، وتولى هو

(1) عمر بدلٌ من (عبد اللهُ)

ص: 274

النّظر عليه إلى أن حضرته الوصيّة فكتب حينئذٍ الكتاب.

ويحتمل: أن يكون أخّر وقفيّته ، ولَم يقع منه قبل ذلك إلَّا استشارته في كيفيّته.

وقد روى الطّحاويّ وابن عبد البرّ من طريق مالك عن ابن شهاب قال: قال عمر: لولا أنّي ذكرتُ صدقتي لرسول الله صلى الله عليه وسلم لرددتُها.

فهذا يشعر بالاحتمال الثّاني ، وأنّه لَم ينجّز الوقف إلَّا عند وصيّته.

واستدل الطّحاويّ: بقول عمر هذا لأبي حنيفة وزفر ، في أنّ إيقاف الأرض لا يمنع من الرّجوع فيها، وأنّ الذي منع عمر من الرّجوع كونه ذكره للنّبيّ صلى الله عليه وسلم فكره أن يفارقه على أمر ثمّ يخالفه إلى غيره.

ولا حجّة فيما ذكره من وجهين:

أحدهما: أنّه منقطع ، لأنّ ابن شهاب لَم يدرك عمر.

ثانيهما: أنّه يحتمل ما قدّمته. ويحتمل: أن يكون عمر كان يرى بصحّة الوقف ولزومه إلَّا إن شرط الواقف الرّجوع فله أن يرجع.

وقد روى الطّحاويّ عن عليٍّ مثل ذلك فلا حجّة فيه لمَن قال: بأنّ الوقف غير لازم مع إمكان هذا الاحتمال.

وإن ثبت هذا الاحتمال كان حجّة لمَن قال: بصحّة تعليق الوقف. وهو عند المالكيّة ، وبه قال ابن سريج.

وقال: تعود منافعه بعد المدّة المعيّنة إليه ثمّ إلى ورثته، فلو كان التّعليق مآلاً صحّ اتّفاقاً كما لو قال: وقفته على زيد سنة ثمّ على الفقراء.

ص: 275

وحديث عمر هذا أصل في مشروعيّة الوقف.

قال أحمد: حدّثنا حمّاد - هو ابن خالد - حدّثنا عبد الله - هو العمريّ - عن نافع عن ابن عمر قال: أوّل صدقة - أي موقوفة - كانت في الإسلام صدقة عمر.

وروى عمر بن شبّة عن عمرو بن سعد بن معاذ. قال: سألنا عن أوّل حبس في الإسلام ، فقال المهاجرون: صدقة عمر، وقال الأنصار: صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي إسناده الواقديّ.

وفي " مغازي الواقديّ " ، أنّ أوّل صدقة موقوفة كانت في الإسلام أراضي مخيريق - بالمعجمة مصغّر - التي أوصى بها إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فوقفها النّبيّ صلى الله عليه وسلم.

قال التّرمذيّ: لا نعلم بين الصّحابة والمتقدّمين من أهل العلم خلافاً في جواز وقف الأرضين. انتهى

وجاء عن شُريح ، أنّه أنكر الحبس، ومنهم من تأوّله.

وقال أبو حنيفة: لا يلزم، وخالفه جميع أصحابه إلَّا زفر بن الهذيل ، فحكى الطّحاويّ عن عيسى بن أبانٍ قال: كان أبو يوسف يجيز بيع الوقف، فبلغه حديث عمر هذا ، فقال: من سمع هذا من ابن عون؟ فحدّثه به ابن عليّة، فقال: هذا لا يسع أحداً خلافه، ولو بلغ أبا حنيفة لقال به ، فرجع عن بيع الوقف حتّى صار كأنّه لا خلاف فيه بين أحد. انتهى.

ومع حكاية الطّحاويّ هذا فقد انتصر كعادته ، فقال: قوله في قصّة

ص: 276

عمر " حبّس الأصل وسبّل الثّمرة " لا يستلزم التّأبيد، بل يحتمل أن يكون أراد مدّة اختياره لذلك. انتهى.

ولا يخفى ضعف هذا التّأويل، ولا يفهم من قوله:" وقفت وحبست " إلَّا التّأبيد حتّى يصرّح بالشّرط عند من يذهب إليه، وكأنّه لَم يقف على الرّواية التي فيها " حبيس ما دامت السّموات والأرض ".

قال القرطبيّ: ردّ الوقف مخالف للإجماع فلا يلتفت إليه، وأحسن ما يعتذر به عمّن ردّه ما قاله أبو يوسف ، فإنّه أعلم بأبي حنيفة من غيره.

وأشار الشّافعيّ إلى أنّ الوقف من خصائص أهل الإسلام، أي: وقف الأراضي والعقار، قال: ولا نعرف أنّ ذلك وقع في الجاهليّة، وحقيقة الوقف شرعاً ورود صيغة تقطع تصرّف الواقف في رقبة الموقوف الذي يدوم الانتفاع به، وتثبت صرف منفعته في جهة خير.

وفي حديث الباب من الفوائد:

جواز ذكر الولد أباه باسمه المجرّد من غير كنية ولا لقب.

وفيه جواز إسناد الوصيّة، والنّظر على الوقف للمرأة وتقديمها على من هو من أقرانها من الرّجال.

وفيه إسناد النّظر إلى من لَم يسمّ إذا وصف بصفةٍ معيّنة تميّزه، وأنّ الواقف يلي النّظر على وقفه إذا لَم يسنده لغيره.

قال الشّافعيّ: لَم يزل العدد الكثير من الصّحابة فمن بعدهم يلون

ص: 277

أوقافهم، نقل ذلك الألوف عن الألوف لا يختلفون فيه.

وفيه استشارة أهل العلم والدّين والفضل في طرق الخير سواء كانت دينيّة أو دنيويّة، وأنّ المشير يشير بأحسن ما يظهر له في جميع الأمور.

وفيه فضيلة ظاهرة لعمر لرغبته في امتثال قوله تعالى: (لن تنالوا البرّ حتّى تنفقوا ممّا تحبّون).

وفيه فضل الصّدقة الجارية، وصحّة شروط الواقف واتّباعه فيها، وأنّه لا يشترط تعيين المصرف لفظاً.

وفيه أنّ الوقف لا يكون إلَّا فيما له أصل يدوم الانتفاع به، فلا يصحّ وقف ما لا يدوم الانتفاع به كالطّعام.

وفيه أنّه لا يكفي في الوقف لفظ الصّدقة سواء قال: تصدّقت بكذا أو جعلته صدقة حتّى يضيف إليها شيئاً آخر لتردّد الصّدقة بين أن تكون تمليك الرّقبة أو وقف المنفعة فإذا أضاف إليها ما يميّز أحد المحتملين صحّ، بخلاف ما لو قال: وقفت أو حبست ، فإنّه صريح في ذلك على الرّاجح.

وقيل: الصّريح الوقف خاصّة.

وفيه نظرٌ. لثبوت التّحبيس في قصّة عمر هذه، نعم. لو قال: تصدّقت بكذا على كذا وذكر جهة عامّة صحّ.

وتمسّك: من أجاز الاكتفاء بقوله: تصدّقت بهذا بما وقع في حديث الباب من قوله " فتصدّق بها عمر " ولا حجّة في ذلك لِمَا قدّمته من أنّه

ص: 278

أضاف إليها " لا تباع ولا توهب ".

ويحتمل أيضاً: أن يكون قوله " فتصدّق بها عمر " راجعاً إلى الثّمرة على حذف مضاف. أي: فتصدّق بثمرتها ، فليس فيه متعلق لمن أثبت الوقف بلفظ الصّدقة مجرّداً ، وبهذا الاحتمال الثّاني جزم القرطبيّ.

وفيه جواز الوقف على الأغنياء. لأنّ ذوي القربى والضّيف لَم يقيّد بالحاجة ، وهو الأصحّ عند الشّافعيّة.

وفيه أنّ للواقف أن يشترط لنفسه جزءاً من ريع الموقوف ، لأنّ عمر شرط لمن ولي وقفه أن يأكل منه بالمعروف ، ولَم يستثن إن كان هو النّاظر أو غيره فدلَّ عن صحّة الشّرط، وإذا جاز في المبهم الذي تعيّنه العادة كان فيما يعيّنه هو أجوز.

ويستنبط منه صحّة الوقف على النّفس. وهو قول ابن أبي ليلى وأبي يوسف وأحمد في الأرجح عنه، وقال به من المالكيّة ابن شعبان.

وجمهورهم (1) على المنع ، إلَّا إذا استثنى لنفسه شيئاً يسيراً بحيث لا يتّهم أنّه قصد حرمان ورثته، ومن الشّافعيّة ابن سريج وطائفة.

وصنّف فيه محمّد بن عبد الله الأنصاريّ شيخ البخاريّ جزءاً ضخماً ، واستدل له بقصّة عمر هذه، وبقصّة راكب البدنة. (2) وبحديث

(1) أي: المالكية.

(2)

انظر حديث أبي هريرة في الزكاة (240)

ص: 279

أنس في أنّه صلى الله عليه وسلم أعتق صفيّة ، وجعل عتقها صداقها. ووجه الاستدلال به أنّه أخرجها عن ملكه بالعتق ، وردّها إليه بالشّرط.

وسيأتي البحث فيه في النّكاح (1). وبقصّة عثمان الآتية (2).

واحتجّ المانعون: بقوله في حديث الباب " سبّل الثّمرة " وتسبيل الثّمرة تمليكها للغير والإنسان لا يتمكّن من تمليك نفسه لنفسه.

وتعقّب: بأنّ امتناع ذلك غير مستحيل ومنعه تمليكه لنفسه إنّما هو لعدم الفائدة والفائدة في الوقف حاصلة ، لأنّ استحقاقه إيّاه ملكاً غير استحقاقه إيّاه وقفاً ، ولا سيّما إذا ذكر له مالاً آخر فإنّه حكم آخر يستفاد من ذلك الوقف.

واحتجّوا أيضاً: بأنّ الذي يدلّ عليه حديث الباب ، أنّ عمر اشترط لناظر وقفه أن يأكل منه بقدر عمالته ، ولذلك منعه أن يتّخذ لنفسه منه مالاً ، فلو كان يؤخذ منه صحّة الوقف على النّفس لَم يمنعه من الاتّخاذ، وكأنّه اشترط لنفسه أمراً لو سكت عنه لكان يستحقّه

(1) انظره في باب الصداق برقم (320)

(2)

أي: ما ذكره البخاري معلقاً (2778). ووصله الدارقطني والإسماعيلي ، أنَّ عثمان رضي الله عنه حين حوصر أشرف عليهم، وقال: أنشدكم الله، ولا أنشد إلَّا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ألستم تعلمون أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من حفر رُومة فله الجنة؟ فحفرتها، ألستم تعلمون أنه قال: من جهَّز جيش العسرة فله الجنة؟ فجهزتهم، قال: فصدَّقوه بما قال.

وللترمذي من وجه آخر عنه قال: إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وليس فيها ماء يستعذب غير بئر رومة ، فقال: من يشتري بئر رومة يجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة؟ فاشتريتها من صلب مالي " الحديث

ص: 280

لقيامه، وهذا على أرجح قولي العلماء أنّ الواقف إذا لَم يشترط للنّاطر قدر عمله جاز له أن يأخذ بقدر عمله.

ولو اشترط الواقف لنفسه النّظر ، واشترط أجرة؟.

ففي صحّة هذا الشّرط عند الشّافعيّة خلاف، كالهاشميّ إذا عمل في الزّكاة. هل يأخذ من سهم العاملين.؟ والرّاجح الجواز.

ويؤيّده حديث عثمان (1)

واستدل به على جواز الوقف على الوارث في مرض الموت ، فإن زاد على الثّلث ردّ ، وإن خرج منه لزم، وهو إحدى الرّوايتين عن أحمد ، لأنّ عمر جعل النّظر بعده لحفصة وهي ممّن يرثه ، وجعل لمن ولي وقفه أن يأكل منه.

وتعقّب: بأنّ وقف عمر صدر منه في حياة النّبيّ صلى الله عليه وسلم ، والذي أوصى به إنّما هو شرط النّظر.

واستدل به على أنّ الواقف إذا شرط للنّاظر شيئاً أخذه وإن لَم يشترطه له لَم يجز إلَّا إن دخل في صفة أهل الوقف كالفقراء والمساكين. فإن كان على معيّنين ورضوا بذلك جاز.

واستدل به على أنّ تعليق الوقف لا يصحّ ، لأنّ قوله:" حبّس الأصل " يناقض تأقيته. وعن مالك وابن سريج: يصحّ.

واستدل بقوله: " لا تباع " على أنّ الوقف لا يناقل به.

(1) انظر التعليق السابق.

ص: 281

وعن أبي يوسف: أنّ شرط الواقف أنّه إذا تعطّلت منافعه بيع وصرف ثمنه في غيره ويوقف في ما سمّي في الأوّل، وكذا إن شرط البيع إذا رأى الحظّ في نقله إلى موضع آخر.

واستدل به على وقف المشاع ، لأنّ المائة سهم التي كانت لعمر بخيبر لَم تكن منقسمة.

وفيه أنّه لا سراية في الأرض الموقوفة بخلاف العتق ، ولَم ينقل أنّ الوقف سرى من حصّة عمر إلى غيرها من باقي الأرض.

وحكى بعض المتأخّرين عن بعض الشّافعيّة أنّه حكم فيه بالسّراية. وهو شاذّ منكر.

واستدل به على أنّ خيبر فتحت عنوة.

وقد اختلف هل كان عنوة أو صلحاً؟.

وفي حديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال: سبى النبي صلى الله عليه وسلم صفية فأعتقها وتزوّجها " (1) التّصريح بأنّه كان عنوة ، وبه جزم ابن عبد البرّ، ورَدّ على مَن قال فتُحت صلحاً.

قال: وإنّما دخلت الشّبهة على مَن قال: فتحت صلحاً بالحصنين اللذين أسلمهما أهلهما لحقن دمائهم، وهو ضربٌ من الصّلح ، لكن لَم يقع ذلك إلَّا بحصارٍ وقتالٍ. انتهى.

والذي يظهر. أنّ الشّبهة في ذلك قول ابن عمر ، إنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قاتل

(1) حديث أنس في عتق صفيّة سيأتي إن شاء الله في النكاح.

ص: 282

أهل خيبر فغلب على النّخل وألجأهم إلى القصر ، فصالحوه على أن يجلوا منها وله الصّفراء والبيضاء والحلقة ، ولهم ما حملت ركابهم على أن لا يكتموا ولا يغيّبوا " الحديث. وفي آخره " فسبى نساءهم وذراريّهم، وقسم أموالهم للنّكث الذي نكثوا، وأراد أن يجليهم ، فقالوا: دعنا في هذه الأرض نصلحها " الحديث أخرجه أبو داود والبيهقيّ وغيرهما، وكذلك أخرجه أبو الأسود في " المغازي " عن عروة.

فعلى هذا كان قد وقع الصّلح، ثمّ حدث النّقض منهم فزال أثر الصّلح، ثمّ منّ عليهم بترك القتل وإبقائهم عمّالاً بالأرض ليس لهم فيها ملكٌ، ولذلك أجلاهم عمر كما في البخاري، فلو كانوا صولحوا على أرضهم لَم يجلوا منها. والله أعلم.

وقد احتجّ الطّحاويّ على أنّ بعضها فتح صلحاً: بما أخرجه هو وأبو داود من طريق بشير بن يسارٍ ، أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا قسم خيبر ، عزل نصفها لنوائبه وقسم نصفها بين المسلمين ".

وهو حديث اختلف في وصله وإرساله، وهو ظاهرٌ في أنّ بعضها فتح صلحاً، والله أعلم.

ص: 283