الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث السادس والثلاثون
292 -
عن رافع بن خديج رضي الله عنه ، قال: كنا أكثر الأنصار حقلاً، قال: وكنا نكري الأرض على أنّ لنا هذه، ولهم هذه، فربما أخرجت هذه ولَم تخرج هذه، فنهانا عن ذلك، وأما الورق فلم ينهنا. (1)
الحديث السابع والثلاثون
293 -
ولمسلم عن حنظلة بن قيسٍ: قال: سألت رافع بن خديجٍ عن كراء الأرض بالذهب والورق، فقال: لا بأس به، إنما كان الناس يؤاجرون على عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم بما على الماذيانات، وأقبال الجداول، وأشياء من الزرع، فيهلك هذا ويسلم هذا، ويسلم هذا، ويهلك هذا، ولَم يكن للناس كراءٌ إلَّا هذا، فلذلك زجر عنه، فأما شيءٌ معلومٌ مضمونٌ، فلا بأس به. (2)
قال المصنف: الماذيانات: الأنهار الكبار. والجداول: نهر صغير.
قوله: (عن رافع بن خديج رضي الله عنه) بن رافع الأنصاري. (3)
(1) أخرجه البخاري (2202 ، 2207 ، 2573) ومسلم (1547) من طرق عن يحيى بن سعيد عن حنظلة بن قيس الزرقي عن رافع بن خديج رضي الله عنه.
وللحديث طرق أخرى عن رافع في البخاري (2214 ، 2218 ، 3789) ومسلم (1547 ، 1548). زاد بعضهم: عن رافع عن عمه ظهير.
(2)
أخرجه مسلم (1547) والبخاري أيضاً (2220) من طريق ربيعة بن عبد الرحمن عن حنظلة به. واللفظ لمسلم. واختصره البخاري ، لكن قال عن رافع حدّثني عماي.
(3)
أبو عبد اللَّه. أو أبو خديج. عُرض على النّبيّ صلى الله عليه وسلم يوم بدر فاستصغره، وأجازه يوم أحد، فخرج بها وشهد ما بعدها. استوطن المدينة إلى أن انتقضت جراحته في أول سنة 74 فمات، وهو ابن 86 سنة ، وكان عريف قومه بالمدينة. كذا قال الواقديّ في وفاته.
وقد ثبت ، أنَّ ابن عمر صلّى عليه، وصرَّح بذلك الواقديّ. وابن عمر في أول سنة أربع كان بمكة عقب قتل ابن الزبير، ثم مات من الجرح الّذي أصابه من زجّ الرمح، فكأن رافعاً تأخّر حتى قدم ابن عمر المدينة فمات فصلّى عليه، ثم مات ابن عمر بعده، أو مات رافع في أثناء سنة ثلاث قبل أن يحجّ ابن عمر، فإنه ثبت أن ابن عمر شهد جنازته. وقال يحيى بن بكير: مات أول سنة 73، فهذا شبه.
وأما البخاريّ فقال: مات في زمن معاوية. وهو المعتمد، وما عداه واه ، وأرّخه ابن قانع سنة 59.
وأخرج ابن شاهين من طريق محمد بن يزيد عن رجاله: أصاب رافعاً سهم يوم أحد فقال له رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: إنْ شئت نزعت السّهم وتركت القطيفة، وشهدت لك يوم القيامة أنّك شهيد. فلمَّا كانت خلافة عثمان انتقض به ذلك الجرح فمات منه.
كذا قال. والصّواب خلافة معاوية كما تقدم، ويحتمل أن يكون بين الانتقاض والموت مدّة.
قوله: (كنا أكثر الأنصار حقلاً) وللبخاري " أكثر أهل المدينة " وقوله فيه " حقلا " هو بفتح المهملة وسكون القاف.
وأصل الحقل القراح الطّيّب، وقيل: الزّرع إذا تشعّب ورقه من قبل أن يغلظ سوقه، ثمّ أطلق على الزّرع.
واشتقّ منه المحاقلة فأطلقت على المزارعة.
قوله: (وكنا نكري الأرض على أنّ لنا هذه، ولهم هذه ، فربما أخرجت هذه ولَم تخرج هذه، فنهانا عن ذلك) وللبخاري " فربّما أخرجتْ ذِه ، ولَم تخرج ذِه " بكسر المعجمة وسكون الهاء إشارة إلى القطعة.
والنّهي الوارد عن كراء الأرض محمولٌ على ما إذا أكريت بشيءٍ مجهول وهو قول الجمهور، أو بشيءٍ ممّا يخرج منها ولو كان معلوماً،
وليس المراد النّهي عن كرائها بالذّهب أو الفضّة.
وبالغ ربيعة. فقال: لا يجوز كراؤها إلَّا بالذّهب أو الفضّة.
وخالف في ذلك طاووس (1) وطائفة قليلة. فقالوا: لا يجوز كراء الأرض مطلقاً، وذهب إليه ابن حزم ، وقوّاه.
واحتجّ له بالأحاديث المطلقة في ذلك. (2)
وحديث الباب دالٌ على ما ذهب إليه الجمهور.
(1) هذا ذهول من الشارح رحمه الله ، فقد نقل الشارح نفسه عن طاووس ما رواه النسائي (3873) عن عمرو بن دينار، قال: كان طاووس يكره أن يؤاجر أرضه بالذهب والفضة، ولا يرى بالثلث والربع بأساً، فقال له مجاهد: اذهب إلى ابن رافع بن خديج فاسمع منه حديثه، فقال: إني والله لو أعلم أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنه ما فعلته، ولكن حدثني من هو أعلم منه ابن عباس، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لَم ينه عنها ، إنما قال: لأنْ يمنح أحدكم أخاه أرضه خيرٌ من أن يأخذ عليها خراجاً معلوماً.
وأصله في صحيح البخاري (2330) ومسلم (1550) بلفظ: كان طاوس يخابر .. مختصراً
قلتُ: وهذا ظاهر أنَّ طاوساً يرى كراهته بالذهب والفضة وجوازه بالثلث والربع. وعليه فيصلح أن يكون قولاً رابعاً. والله أعلم
(2)
أي: الأحاديث التي أطلقت النهي عن كراء الأرض دون تفصيل.
فمنها ما أخرجه البخاري (2165) ومسلم (1547) عن نافع. قال: ذهبت مع ابن عمر إلى رافع بن خديج حتى أتاه بالبلاط ، فأخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن كراء المزارع.
ومنها ما أخرجه البخاري (2215) ومسلم (1536) عن جابر رضي الله عنه قال: كانت لرجالٍ منا فُضُول أرضين ، فقالوا: نؤاجرها بالثلث والربع والنصف. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه، فإن أبى فليمسك أرضه.
ولمسلم (1549) عن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه ، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المزارعة. وغيرها. وقد أجاب عنها الشارح.
وقد أطلق ابن المنذر. أنّ الصّحابة أجمعوا على جواز كراء الأرض بالذّهب والفضّة، ونقل ابن بطّال اتّفاق فقهاء الأمصار عليه.
وقد روى أبو داود عن سعد بن أبي وقّاص قال: كان أصحاب المزارع يكرونها بما يكون على المساقي من الزّرع، فاختصموا في ذلك، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُكروا بذلك ، وقال: أكروا بالذّهب والفضّة. ورجاله ثقات، إلَّا أنّ محمّد بن عكرمة المخزوميّ لَم يرو عنه إلَّا إبراهيم بن سعد.
وأمّا ما رواه التّرمذيّ من طريق مجاهد عن رافع بن خديج. في النّهي عن كراء الأرض ببعض خراجها أو بدراهم. فقد أعلَّه النّسائيّ ، بأنّ مجاهداً لَم يسمعه من رافع.
قلت: وراويه أبو بكر بن عيّاش في حفظه مقال، وقد رواه أبو عوانة - وهو أحفظ منه - عن شيخه فيه. فلم يذكر الدّراهم.
وقد روى مسلم من طريق سليمان بن يسار عن رافع بن خديج في حديثه " ولَم يكن يومئذٍ ذهبٌ ولا فضّةٌ "
ثمّ اختلف الجمهور في جواز كرائها بجزءٍ ممّا يخرج منها.
فمَن قال بالجواز حمل أحاديث النّهي على التّنزيه.
وعليه يدلّ قول ابن عبّاس في البخاري ، إنّ النّبىّ صلى الله عليه وسلم لَم ينه عنه ، ولكن قال: أَنْ يمنح أحدكم أخاه خيرٌ له من أَنْ يأخذ شيئاً معلوماً. وللترمذي: ولكن أراد أن يرفق بعضهم ببعض.
وقوله: " لَم ينه عنه " أي: عن إعطاء الأرض بجزءٍ ممّا يخرج منها،
ولَم يرد ابن عبّاس بذلك نفي الرّواية المثبتة للنّهي مطلقاً، وإنّما أراد أنّ النّهي الوارد عنه ليس على حقيقته ، وإنّما هو على الأولويّة.
وقيل المراد: أنّه لَم ينه عن العقد الصّحيح ، وإنّما نهى عن الشّرط الفاسد، لكن قد وقع في رواية التّرمذيّ " أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لَم يحرّم المزارعة ". وهي تقوّي ما أوّلته.
ومن لَم يجز إجارتها بجزءٍ ممّا يخرج منها ، قال: النّهي عن كرائها محمول على ما إذا اشترط صاحب الأرض ناحية منها ، أو شرط ما ينبت على النّهر لصاحب الأرض لِمَا في كلّ ذلك من الغرر والجهالة.
وقال مالك: النّهي محمول على ما إذا وقع كراؤها بالطّعام أو التّمر ، لئلا يصير من بيع الطّعام بالطّعام.
قال ابن المنذر: ينبغي أن يحمل ما قاله مالك على ما إذا كان المكرى به من الطّعام جزءاً ممّا يخرج منها، فأمّا إذا اكتراها بطعامٍ معلوم في ذمّة المكتري أو بطعامٍ حاضر يقبضه المالك فلا مانع من الجواز. والله أعلم.
قوله: (سألت رافع بن خديجٍ عن كراء الأرض بالذهب والورق، فقال: لا بأس به .. إلخ). وللبخاري: عن حنظلة بن قيس عن رافع بن خديج، قال: حدثني عمَّايَ، أنهم كانوا يكرون الأرض على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بما ينبت على الأربعاء أو شيء يستثنيه صاحب الأرض. فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقلت لرافع: فكيف هي بالدينار والدرهم؟ فقال رافع: ليس بها بأس بالدينار والدرهم.
والإربعاء: جمع ربيع وهو النهر الصغير. والمعنى أنهم كانوا يكرون الأرض ويشترطون لأنفسهم ما ينبت على الأنهار.
وقول رافع: ليس به بأس.
يحتمل: أن يكون ذلك. قاله رافع باجتهاده.
ويحتمل: أن يكون علم ذلك بطريق التّنصيص على جوازه، أو علم أنّ النّهي عن كراء الأرض ليس على إطلاقه ، بل بما إذا كان بشيءٍ مجهول ونحو ذلك، فاستنبط من ذلك جواز الكراء بالذّهب والفضّة.
ويرجّح كونه مرفوعاً ما أخرجه أبو داود والنّسائيّ بإسنادٍ صحيح من طريق سعيد بن المسيّب عن رافع بن خديج قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المحاقلة والمزابنة ، وقال: إنّما يزرع ثلاثة: رجل له أرض، ورجل منح أرضاً، ورجل اكترى أرضاً بذهبٍ أو فضّة ".
لكن بيّن النّسائيّ من وجه آخر ، أنّ المرفوع منه النّهي عن المحاقلة والمزابنة ، وأنّ بقيّته مدرج من كلام سعيد بن المسيّب، وقد رواه مالك في " الموطّأ " والشّافعيّ عنه عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيّب.
قوله: (الماذيانات) بكسر الذال ويجوز فتحها.
قيل: هي السواقي الصغار ، وقيل: الأنهار الكبار
قوله: (وأقبال الجداول) أي: وقت سيلها. (1)
(1) قال النووي في " شرح مسلم "(10/ 198): الماذيانات بذال معجمة مكسورة ثم ياء مثناه تحت ثم الف ثم نون ثم الف ثم مثناة فوق. هذا هو المشهور ، وحكى القاضي عن بعض الرواة فتح الذال في غير صحيح مسلم ، وهي مسايل المياه.
وقيل: ما ينبت على حافتي مسيل الماء ، وقيل: ما ينبت حول السواقي.
وهي لفظة مُعربة ليست عربية.
وأما قوله " وإقبال " فبفتح الهمزة أي: أوائلها ورؤسها. والجداول جمع جدول وهو النهر الصغير كالساقية. انتهى كلامه رحمه الله.