المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

أهدى لنا تشرين زهر رياضه … كرما وفتح وسطها أزهاره وأباحنا، - فوات الوفيات - جـ ٤

[ابن شاكر الكتبي]

فهرس الكتاب

- ‌الشمس الدهان

- ‌كمال الدين ابن الزملكاني

- ‌المنصور صاحب حماة

- ‌الشيخ صدر الدين ابن الوكيل

- ‌ابن اللبانة

- ‌ماني الموسوس

- ‌الملك الناصر

- ‌الحافظ ابن النجار

- ‌شمس الدين الأصفهاني

- ‌ابن المكرم

- ‌ابن الدجاجية

- ‌شرف الدين القدسي

- ‌أمير المؤمنين الأمين

- ‌أمير المؤمنين المعتصم

- ‌أمير المؤمنين المهتدي

- ‌الخالدي الشاعر

- ‌أبو الوليد ابن حزم

- ‌مجير الدين ابن تميم

- ‌التلعفري الشاعر

- ‌أثير الدين أبو حيان

- ‌محمود الوراق

- ‌شهاب الدين محمود

- ‌غازان المغلي

- ‌صفي الدين القرافي

- ‌ كشاجم

- ‌ ابن قادوس

- ‌ شمس الدين الكوفي

- ‌ابن الملحي الواعظ

- ‌تاج الدين الصرخدي

- ‌ المختار الثقفي

- ‌أبو الفوارس ابن منقذ

- ‌ مروان بن الحكم

- ‌مروان الحمار

- ‌أبو الشمقمق

- ‌ والد أسامة

- ‌مزبد المدني

- ‌ابن قسيم الحموي

- ‌ صريع الغواني

- ‌مصعب ابن الزبير

- ‌أبو العرب الصقلي

- ‌مطيع بن إياس

- ‌ مظفر الذهبي

- ‌أبو المظفر الأنباري

- ‌مقدار المطاميري

- ‌أبو سعد الآبي

- ‌أمير العرب بهاء الدولة

- ‌النمري الشاعر

- ‌الراشد بالله

- ‌ المستنصر بالله

- ‌النيري الواسطي

- ‌الخليفة الهادي

- ‌الرئيس موسى القرطبي

- ‌ المؤمل المحاربي

- ‌حرف النون

- ‌البديهي الشاعر

- ‌المطرزي شارح المقامات

- ‌ابن صورة الكتبي

- ‌ابن الشقيشقة الصفار

- ‌ابن حواري الحنفي

- ‌فخر القضاة ابن بصاقة

- ‌أبو صالح الجيلي

- ‌أبو طاهر الحلي الشاعر

- ‌أبو سعد الدينوري

- ‌نصيب الأكبر

- ‌نصيب الأصغر

- ‌ النصير الحمامي

- ‌النصير الأذفودي

- ‌حرف الهاء

- ‌هارون الرشيد

- ‌ الواثق بالله

- ‌ابن المصلي الارمنتي

- ‌الجرذ الكاتب

- ‌الصائن ابن عساكر

- ‌أبو الحسين الحاجب

- ‌ هشام بن عبد الملك

- ‌ملك التتار

- ‌أبو حية النميري

- ‌حرف الواو

- ‌ والبة الأسدي

- ‌ أبو حليقة

- ‌ولادة بنت المستكفي

- ‌أمير المؤمنين الوليد

- ‌الوليد بن يزيد

- ‌حرف الياء

- ‌ياقوت المستعصمي

- ‌ أبو زكريا النواوي الحافظ

- ‌ابن أبي طي

- ‌ابن أبي حصينة رضي الدين

- ‌ابن مجبر الاشبيلي

- ‌أبو الحسين الجزار

- ‌أبو زكريا يحيى صاحب إفريقية

- ‌رشيد الدين العطار

- ‌أبو جعفر العلوي

- ‌الصرصري

- ‌ابن أبي خالد الكاتب الاشبيلي

- ‌ يزيد بن عبد الملك

- ‌ابن صقلاب

- ‌الراضي ابن عباد

- ‌يزيد بن معاوية

- ‌رجعنا إلى الأصل:

- ‌يزيد بن الوليد أمير المؤمنين

- ‌يعقوب النيسابوري

- ‌الخازن الشافعي

- ‌أبو البشر البندنيجي

- ‌الحافظ اليغموري

- ‌علم الدين القناوي

- ‌الحافظ ابن بكار

- ‌جمال الدين الشاعر

- ‌مهمندار العرب

- ‌محيي الدين ابن الجوزي

- ‌الشيخ جمال الدين المزي

- ‌سبط ابن الجوزي

- ‌ابن طملوس المغربي

- ‌المستنجد بالله

- ‌الملك الناصر صاحب الشام

- ‌فخر الدين ابن الشيخ

- ‌ بدر الدين الذهبي

- ‌ محيي الدين ابن زيلاق

- ‌الملك الجواد

الفصل: أهدى لنا تشرين زهر رياضه … كرما وفتح وسطها أزهاره وأباحنا،

أهدى لنا تشرين زهر رياضه

كرما وفتح وسطها أزهاره

وأباحنا، والله يجعل عمره

عمر الزمان، شميمه وثماره

وسرى على أيلول وهو مصمم

والجو ملتهب فأطفأ ناره

فصل تشابه فجره وعشاؤه

وحكت صدور نهاره أسحاره

وعلى السماء قباء غيم أدكن

سرت الشمال فحللت أزراره

وتراه ينثر من ذيول قبائه

درا (1) أطال على الرياض نثاره

فاستجلها حمراء من يد أبيض

بالمسك خط له الشباب عذاره

ممن يرى دين المسيح مهفهف

كالغصن يشبه خصره زناره

فالراح أخت الروح إن مزجت بها

وقضى الكريم فقد قضى أمطاره 575 (2)

‌الصرصري

يحيى بن يوسف بن يحيى بن منصور بن المعمر بن عبد السلام، جمال الدين الشيخ العلامة الزاهد الضرير، أبو زكريا الصرصري البغدادي الحنبلي اللغوي الأديب الناظم، صاحب المدائح النبوية السارة في الآفاق، لا أعلم شاعرا أكثر من مدائح النبي صلى الله عليه وسلم أشعر منه، وشعره طبقة عالية. وكان فصيحا بليغا، شعره يدخل في ثمان مجلدات، وكله جيد (3) ؛

(1) ص: درراً.

(2)

الزركشي: 345 والبدر السافر: 235 وذيل ابن رجب 2: 262 ونكت الهميان: 308 والشذرات 5: 285 وذيل مرآة الزمان 1: 258 - 332 وعبر الذهبي 5: 237 والبداية والنهاية 13: 211 والنجوم الزاهرة 7: 66 ومرآة الجنان 4: 147؛ والصرصري نسبة إلى صرصر وهي قرية قريبة من بغداد؛ ولم ترد هذه الترجمة في المطبوعة.

(3)

ص: جيدا.

ص: 298

وله قصائد التزم في كل حرف منها طاء، وأخرى في كل كلمة منها ضاد، وأخرى في كل كلمة زاي، وأخرى في كل بيت حروف المعجم، وهذا دليل القدرة والاطلاع والتمكن.

ولد سنة ثمان وثمانين وخمسمائة وتوفي شهيدا في واقعة بغداد سنة ست وخمسين وستمائة، رحمه الله تعالى.

قال الشيخ شمس الدين الذهبي: حكى لنا شيخنا ابن الدباهي، وكان خال أمه، قال: دخل عليه التتار وكان ضريرا فطعن بعكازه بطن واحد فقتله ثم قتل شهيدا.

فمن شعره يمدح سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أوجهك أم ضوء الصباح تبلجا

أم البدر في برج الكمال جلا الدجى

أم الشمس يوم الصحو في برج سعدها

وفرعك أم ليل المحب إذا سجا

وبرق سرى أم نور ثغرك باسما

ونشرك أم مسك ذكي تأرجا

أتتك جنود الحسن طوعا بأسرها

فصرت مليكا في الجمال متوجا

فأضحت أبيات القلوب أسرة

لديك فلم يملكن عنك معرجا

فطوبى لعبد أنت سيده لقد

سما بين أرباب البصائر والحجى

فهل تجلب الأحلام لي منك نظرة

فتكشف بعض الهم عني وتفرجا

فقد نال مني منع طيفك مثلما

شجاني من البيت المطوح ما شجا

حثثنا إليك العيس حتى تبوأت

لديك مقيلا ناضر (1) الروض مبهجا

فما كان أدنى قربنا من بعادنا

وأقرب أفراح الفؤاد من الشجى

فلله قلبي يوم زمت ركابنا

وفارقت ظلا من جنابك سجسجا

رجوت بقرب الدار أن أطفىء الأسى

فما زاد وقد الشوق إلا تأججا

فهل للركاب القود نحوك مرجع

يجبن بنا وعرا ويطوين مدرجا

(1) ص: ناظر.

ص: 299

يحثحثها الحادي العجول مهجرا

إليك ويطوي شقة البيد مدلجا

يخوض بها آل الضحى فكأنما

يخوض بها البحر الخضم ملججا

إذا ما تعالت في الهواجر في السرى

تخال نعاماً في السباسب هدجا

عليها رجال تشتكي ألم الجوى

كما تشتكي في سيرها ألم الوجى

لهم حنة عند الصباح وحنة

إليك إذا ما الليل غيهبه دجا

يؤمون ربعا أفيح الجو زاهراً

أضاء بوجه منك أزهر أبلجا

حمى بك عنا كل مظلمة محا

وكل رجا منه ثمال لمن رجا

رحيب الذرى غض القطاف لمن جنى

إذا ما نحاه من جنى عائذا (1) نجا

إذا لجأ (2) العافي إليه مؤملاً

جلا ضر معتر إلى بابه لجا

إليك رسول الله أهدي مدائحي

فتكسب من رياك نشرا مؤرجا

وتلبسها أوصافك الزهر حلة ال

بهاء وروضا من حلاك مدبجا

أسوت بما بينت داء قلوبنا

كما كنت تأسو قبل أوسا وخزرجا

وكنت نبيا قبل آدم مرتجى

لتفتح باباً للهداية مرتجا

فجئت ورسم الرشد بالغي منهج

فأوضحت فيه للبرية منهجا

وشيدت أعلام الرشاد مجددا

وكنت كميا في الجهاد مدججا

وثقفت سهم الدين حتى أقمته

وقد كان ملوي المغامز أعوجا

فصبح وجه الحق أبلج ظاهرا

بنورك والبطلان أزور مخدجا

وأدخلك الرحمن بالصدق مدخلا

خرجنا به من دارة الشرك مخرجا

فيا خير من زم النياق لحجة

وألجم خيلا للجهاد وأسرجا

ومن إن أحاط الكرب بالناس كلهم

فعاذوا به ألفوه عنهم مفرجا

وإن صلي النار العصاة غدا غدا

لأمته من هوة النار مخرجا

أجرني فقد أصبحت في زمن له

عرام لأهل الحلم أصبح مزعجا

(1) ص: عائداً.

(2)

الزركشي: إذا ما لجا.

ص: 300

وقد أبلت السبعون برد شبيبتي

فأضحى بتكرار الأهلة منهجا

وعندي حاجات بها الله عالم

أبيت بها من كارث الهم محرجا

ولست أرى خلا معينا أبثه

شجوني فما أزداد إلا توهجا

وما لي في يومي غيرك مسعد

إذا القلب للخطب الفظيع (1) تلجلجا

لأنك عند الله أنجح شافع

لدفع الملمات الشدائد ترتجى

عليك سلام الله ما أظلم الدجى

وما فلق الصبح المنير تبلجا

وعم به أصحبك الزهر ما سرى

إلى ربعك السامي مشوق وأدلجا وقال أيضا يمدح سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ذكر العقيق فهاجه تذكاره

صب عن الأحباب شط مزاره

وهفت إلى سلع نوازع قلبه

فتضرمت بين الجوانح ناره

كلف برامة ما تألق بارق

من نحوها إلا بدا إضماره

يشتاق واديها ولولا حبها

لم يصبه واد زهت أزهاره

شغفا بمن ملك الفؤاد بأسره

وبوده أن لا يفك إساره

لولا هواه لما ثنى أعطافه

بان الحجاز ورنده وعراره

يا من ثوى بين الجوانح والحشا

مني وإن بعدت علي دياره

عطفا على قلب بحبك هائم

إن لم تصله تصدعت أعشاره

وارحم كئيبا فيك يقضي نحبه

أسفا علي وما انقتض أوطاره

لا يستفيق من الغرام وكلما

حجبوك عنه تهتكت أستاره

ما اعتاض عن سمر الحمى ظلا ولا

طابت بغير حديثكم أسماره

هل عائد زمن تضوع نشره

أرجا ورقت بالرضى أسحاره

في مربع بقباب سلع مونق

بالأنس تهتف بالمنى أطياره

فاق البسيطة عزة ومهابة

فسما وعز من البرية جاره

(1) ص: الفضيع.

ص: 301

يحمي النزيل وكيف لا يحمي وقد

حفت بجاه المصطفى أقطاره

أضحى ثرى عرصاته إذ حلها

يشفي من الداء العضال غباره

سبحان من جمع المحاسن كلها

فيه فتم بهاؤه وفخاره

جبلت على التشريف طينته فما

نشأت على غير العلى أطواره

وصفت خلائقه وطهر صدره

فزكا وطاب أديمه ونجاره

حملته آمنة الحصان فلم تجد

ثقلا إلى أن حان منه بداره

ورأت قصور الشام حين تشعشعت

أنواره وتباشرت حضاره

وضعته مختونا وأهوى ساجدا

وكساه حسنا باهرا مختاره

لا بالطويل ولا القصير وإن مشى

بين الطوال سمتهم أنواره

وإذا تكلل بالجمان جبينه

عرقا لأمر عظمت أسراره

فلريحه أذكى وأطيب مخبرا

من ريح مسك فضه عطاره

فالشمس بعد الصحو مشرقة السنا

والبدر في فلك الكمال مداره

متقلدا بالسيف ليس مباليا

بمن التقى عزت به أنصاره

حلل السكينة والثبات لباسه

والبر والإخلاص فيه شعاره

وضميره التقوى وأوتي حكمة

فازداد منها عقله ووقاره

والصدق منه والوفاء طبيعة

والعفو والصفح الجميل دثاره

وشريعة الإسلام ملته وبال

حق المبين إلى الورى إظهاره

ختم النبوة فهو درة تاجها

وطراز حلتها الثمني عباره

أبقى بسنته طريقا واضحا

رحبا سواء ليله ونهاره

فخرت به خير القبائل هاشم

وحوى به المجد الأثيل نزاره

زهرت نجوم السعد في بدر به

وتبلجت يوم الرضى أقماره

وشموسه في فتح مكة أشرقت

فانجاب عن وجه العلاء قتاره

سعدت به أولاده ونساؤه

وصحابه وزكت به أصهاره

ص: 302

وسمت به غلمانه وإماؤه

وجواده وبعيره وحماره

وحوى الفخار سريره وفراشه

وخيامه وقبابه وجداره

وتضوعت أردان بردته به

طيبا وطاب رداؤه وإزاره

شهد الكتاب الموسوي بفضله

وتحققته وأيقنت أخباره

هو شاهد متول ومبشر

هو منذر متيقن إنذاره

أضحى لأميين حرزا مانعا

وضعت به عن وقته آصاره

بالشام دولته ومكة ربه ال

حرمات مولده وطيبة داره

عجبا لذي لب رآه وكيف لم

ينبت عنه لوقته زناره

يا من جلا قتر الضلال ومن إذا

ما أمه العافي انجلى إقتاره

يا من تساوى في المكارم والندى

كلتا يديه: يمينه ويساره

أنت الملي بكشف ضر مخلف

ذي عسرة بندى يديك يساره

جعل الثناء على علاك شعاره

فحلت به وتعطرت أشعاره

يرجو النجاة بفضل جاهك في غد

في موقف يخشى التوى أبراره وقال يمدح النبي صلى الله عليه وسلم أيضا:

بين العقيق وبين سلع مربع

للقلب فيه وللنوظر مرتع

عطر الثرى أرج كأن لطيمة

من مسك دارين به تتضوع

بدر السعادة كامل بسمائه

وببرجه شمس الحقائق تطلع

حلو الجنى عذب الموارد عنده

من كل شرب معنوي منبع

يا منزلا فيه لأرباب الهوى

مرأى يروق من الجمال ومسمع

ما بال وردك ماؤه يشفي الصدى

وأنا المحب وغلتي لا تنقع

لي فيك عهد هوى قديم ليس لل

عذال في الاقلاع عنه مطمع

لك أن تزيد على المدى يا جنتي

عزاً ولي أني أذل واخضع

لولا اذكارك لم يهز معاطفي

برق على شعب الأبارق يلمع

ص: 303

ولما أرقت (1) وهاج شوقي في الضحى

ورقاء في فنن الأراكة تسجع

وكذاك لولا سر قصدك لم أكن

ألتاع إن ذكر الغوير ولعلع

ويعرض الحادي بجرعاء الحمى

والسفح من وادي الأراك فأجزع

كلفي ببانات العقيق وإنما

وجه اشتياقي بالحجاز مبرقع

عجبا لجسم بالعراق مخلف

وفؤاده مغرى بطيبة مولع

ولكيف لا تجف الأضالع نحوها

شوقا وتذرف في هواها الأدمع

وبها رسول الله خير مؤمل

تخدي الركاب إلى حماه وتوضع

أزكى البرية عنصرا وأعزهم

بيتا وأولى بالفخار وأجمع

وأمد كفا بالندى وأتمهم

حلما وأصدق في المقل وأسرع

وأشدهم بأسا إذا التظت الوغى

والسمهرية بالأسنة تشرع

جمعت له غر المناقب فهي كال

عقد النظيم لديه لا تتوزع

هو صفوة ارحم وهو حبيبه

وله المقامات التي لا تدفع

حلاه من أنواره وكساه من

أسنى المواهب حلة لا تنزع

وجلاه في ملكوته وأباحه

ما كان يطلبه سواه فيمنع

يا خير من برأ المهيمن وارتضى

لبلاغ حجته التي لا تقطع

أشكو إليك وأنت تعلم فتنة

كادت لها الصم الصلاب تصدع

فبمن أعزك واصطفاك فأجزل ال

نعمى عليك فحوض فضلك مترع

سل جبر أمتك الكسيرة إنه

لم يبق في قوس التجلد منزع

محقت طغاة الترك أطراف القرى

فالمال نهب والمنازل بلقع

واشفع إلى الرحمن في غفران ما

هذي عقوبته فأنت مشفع وقال من قصيدة:

والمستهام عن المودة لم يحل

حاشا لذراه من النسيان

لو قيل ما تهوى لقال مبادراً

أهوى زيارتكم على أجفاني

(1) ص: رقت.

ص: 304

ويهزه طرب إذا ذكر الحمى

هز الشمول شمائل النشوان

تالله إن سمح الزمان بقربكم

وحللت منكم بالمحل الداني

لأقبلن لأجلكم ذاك الثرى

وأعفر الخدين بالصوان

يا خير من وخدت إليه نجيبة

من كل مرمى نازح الأحضان

يطوي إليك بها السباسب ساهم

بيد السمائم منهج الدرسان

يهفو إذا ذر العقيق فؤاده

ويبيت من سلع على أشجان

شوقاً إلى عرصات حضرتك التي

نسمت بنشرك أطيب النسمان

فيها لحزن سلوة ولخائف

أمن وللطلاب نيل أماني

اشكوا إليك تخلفي عن رفقة

كانوا على الطاعات من أعواني

رحلوا وصدتني الموانع عنهم

فنكرت قلبي بعدهم وزماني

أصبحت في وقت كثير هرجه

متدارك الآفات والافتان

يمسي الفتى فيه يروم زيادة

ترضى فيصبح وهو في نقصان

فبمن كسا عطفيك أحسن حلة

ليست على ملك ولا إنسان

سل في ربك أن يوفق باطني

لرضاه في سري وفي إعلاني

قل رب صل يحيى بن يوسف ال

مقطوع عنك أضيعف العبدان

فلأنت أكرم شافع علقت به

لمروع يوم النجاة يدان وقال أيضا:

أقل عثرتي واعف يا حسن العفو

عن العمد من مسطور ذنبي والهفو

وصف من الأكدار قلبي واهدني

من البر والتقوى إلى المورد الصفو

فكم لي من سوء اجتراح نسيته

وأحصاه محروس الحفاظ من السهو

شقيت به أيام أمرح في الصبا

وأسحب أذيال البطالة والزهو

فيا ملكا زان السماء بأنجم

على الفلك الأعلى طفت أحسن الطفو

وسخر ما بين السماء وأرضه

سحائب يخفو برقها أحسن الخفو

ص: 305

وأبقى على شمس النهار ضياءها

وخص بنقص آية الليل بالمحو

ولما دحا الأرض اقتدارا وحكمة

على الماء أرسى الشم في أثر الدحو

وأحيا بفضل ميت الأرض بالحيا

وزينها من بعد ذل بالصحو

أغثني بتوفيق ينور باطني

وينحو إلى الخيرات بي أحسن النحو

فإني مقر أنك الله ربنا

تعاليت عن شرك الطغاة أولي العدو

برأت جميع الكائنات بقدرة

على غير أمثال تضاهى ولا حذو

تميت وتحيي والمقادير كلها

بأمرك في مر الصروف وفي الحلو

وأعددت جنات النعيم لأهلها

لترحمهم والنار أعددت للسطو

وأرسلت بالحق المبين محمدا

أجل الورى من حاضرين ومن بدو

وشرفت فضلا آله وصحابه

فبعدا لقلب من محبتهم خلو

فلا تحزني يوم الحساب ونجني

بفضلك من نار تلظى بلا خبو وقال أيضا:

يوم أراك به فلست أصومه

فالعيد (1) عندي ثابت تحريمه

ودجى أماط لنا ثياب ظلامه

بصباح وصل منك كيف أقومه

لكن أرى فضلا علي معينا

نظري إليك مع الزمان أديمه

حتى أروي من جمالك غلتي

وتزول أثقال الهوى وهمومه

فبنور وجهك ينجلي عني صدا

قلبي ويحيا باللقاء رميمه

من لي بوصلك إن وصلك جنتي

ودوام هجرك للفؤاد جحيمه

عالجت فيك من الغرام أمره

وصبرت حتى قيل: ليسر يرومه

وكتمت حتى غال حبك مهجتي

واشتد شيئا في الهوى مكتومه

وسترت حتى نم دمعي بالهى

وأبر دمع العاشقين نمومه

فاعطف على قلب ملكت زمامه

أنت الشقاء له وأنت نعيمه

(1) ص: يوماً

فالعبد.

ص: 306

لولاك لم يطل العقيق

ولما شجاني بالغوير نسيمه

ولرب خل قال لي وبدا له

ما ليس يجهل في الهوى معلومه

ما لي أراك إلى الأبارق طامحا

أبدا سنا برق فأنت تشيمه

وأرى شمائلك اعتراها نشوة

أسباك من نفس العرار شميمه

فأجبته إني لصب شيق

بخفي وجد والغرام غريمه

وله قديم لا دواء لدائه

وأرى الهوى يعي الرجال قديمه

ومبكر يطوي جلابيب الفلا

عجلا (1) غدا لا يستقر رسيمه

يهوي به في كل خرق مهمه

فكأنه في جانبيه ظليمه (2)

يمسي ومعتل النسيم مدامه

والنجم في أفق السماء نديمه

ناديته إن رمت نورا مشرقا

تهديك إن حال الدليل نجومه

ومقيل أمن واسعا رحبا فلذ

بجناب من نفق الضلال علومه

ماحي الضلال الشاهد المتوكل ال

ضحاك أسنا من تغث كلومه

كنز الفضائل منزل التقوى الذي

هو في المعاد إمامه وزعيمه

جمعت له غرر النهى وتجددت

بهداه للدين الحنيف رسومه

وثوى بتربة أرضه لما ثوى

فيها الفخار خصوصه وعمومه

باب الهدى حصن النجاة محمد

طابت مناسبه وطاب أديمه

يا من لآدم بان سابق فضله

وسما به في الحشر إبراهيمه

يا من له الحوض الروي وشفاعة

ينجو بها دنس الإهاب أثيمه

ولتك من رب السماء صلاته

وأتاك منه على المدى تسلميه

من يستجير بفضل جاهك لائذا

فمن الذي في العالمين يضيمه

فأجير مروعا من خطوب كيدها

يعيا به في ذا الزمان حليمه وقال أيضا رحمه الله تعالى:

(1) ص: نجلا (دون إعجام للنون) .

(2)

ص: طليمه.

ص: 307

لي بين سلع والعقيق عهود

يبلى الزمان وذكرهن جديد

أيام أرفل في جلابيب الصبا

وعلي من خلع الوصال برود

في مربع رحب الجوانب للرضا

والروح فيه طائرا غريد

حرم به روض المعاني ناضر (1)

لذوي القلوب وظله ممدود

كل الليالي للمحب بجوه

ليل التمام وكل يوم عيد

إن امرءا يمسي ويصبح عاكفا

بجنابه العطر الثرى لسعيد

لولاه لم يعذب بخرق مسامعي

ذكر العذيب ولم ترقه زرود

تدنيه بالآمال أحلام الكرى

مني وإن مزاره لبعيد

وأظل بالأشواق أطوي نحوه

ما ليس تقطعه الركاب القود

واها لأوقات صفت فكأنها

في جيد أيام الزمان عقود

سلفت لنا بين القبب فهل لها

كزماننا (2) الماضي علي معيد

شوقي إلى من حلها شوق إذا

نقص الوداد على البعاد يزيد

إن مت من شغفي بها وصبابتي

فقتيل أسياف الغرام شهيد

كيف اللقاء ودون من أحببته

وعر الحجاز ومن تهامة بيد

سقيا لربع نازح دان حوى

شرفا على الآباد ليس يبيد

أقمار أفلاك المال منيرة

بسمائه ونجومهن سعود

برباه روض المجد ليس مصوحا (3)

لمن اغتدى للمكرمات يرود

غيث المواهب والندى يهيم على

أفنان غض نباته ويجود

جمعت له بمحمد غرر النهى

وبه استقر النصر والتأييد

طود الفضائل فيه رأس راسخ ال

أركان والشم الرعان تميد

فيه الجلالة والمهابة والهدى

والبر والتقوى وفيه الجود

(1) ص: ناضرا.

(2)

ص: لزماننا.

(3)

ص: مصوح.

ص: 308

وعليه ألوية السنا معقودة

حتى يلوح لواؤه المعقود

وحياض ينته هني وردها

حتى يهيا حوضه المورود

نعم الرسول بنروه الشرك انجلى

عنا وصح لنا به التوحيد

هو شاهد متوكل ولوصفه

بين الكرام أولى النهى مشهود

يا خير من وخد العذافر نحوه

وسعت إليه من الفجاج وفود

يا من به أضحت قبائل هاشم

لأسود أبطال الرجال تسود

لا زلت مخصوصا بكل تحية

منا عليها للقبول شهود

يأتي بها ملك كريم مبلغ

ما لا يطيق له البلاغ بريد وقال أيضا:

رعى الله بالبطحاء أيامنا التي

بدت كوميض البرق ثم تولت

وحيا قبابا بين سلع إلى قبا

لعزتها يحلو خضوعي وذلتي

نعمت بها لكن كأحلام نائم

كأن لم تزرها العيس حتى استقلت

فلا ما مضى فيها من العيش عائد

ولا النفس عنها بالبعاد تسلت

فهل لي إلى تلك المعاهد عودة

ولو دونها بيض الصوارم سلت

فألثم إجلالا ثراها وأجتلي

شموسي في أرجائها وأهلتي (1)

سق الله ذات الظل من دارة الحمى

حيا نهلت منه ثراه وعلت

وسحت على أعلام سلع مرنة

غمائم بالنوء الروي استهلت

فتلك لعمر الله دار أحبتي

وسكانها نحو الرشاد أدلتي

ألا ليت شعري هل أزور قبابها

فتحمد فيها العيس شدتي ورحلتي

ألا ليت شعري هل أزور متعرضاً

لمن نظم مدحي فيه تاجي وحليتي

ألا يا رسول الله أنت وسيلتي

إلى الله إن ضاقت بما رمت حيلتي

وأنت إذا ما حرت نوري وحجتي

وأنت إلى التقوى إمامي وقبلتي

(1) ص: وأهلة.

ص: 309

وأنت نبيي باتباعك أهتدي

وملتك الزهراء ديني وملتي

وأنت نصيري في خطوب تابعت

علي وذخري عند فقري وعيلتي

وأنت الذي أرجوه يوم نشورنا

يروي الصدى مني وينقع غلتي

فلا تخلني من حسن عطفك واسأل ال

مهيمن رب العرش في سد خلتي

وكن لي في ذا اليوم ثمت في غد

شفيعا إلى الرحمن في محو زلتي

لئن (1) نور الرحمن قلبي بذكره

غنيت بذاك النور عن نور مقلتي وقال رحمه الله تعالى:

خط الربيع بأقلام التباشير

رسالة كتبت بالنور والنور

حيا البقاع الحيا فاهتز هامدها

لما أتتها يد البشرى بمنشور

وانشقت الأرض عن مكنون ما خبأت

كأنما باكرتها نفخة الصور

وزينت بحلي النبت وادرعت

ملابس الفخر من وشي الأزاهير

والطل في عبقري الروض منتشر

كلؤلؤ من عقود الغيد منثور

والبان قد ماس من نفح الصبا طربا

كأن أغصانه أعطاف مخمور

والورق تهتف في الأوراق شاكرة

إحسان مبتدىء بالفضل مشكور

وقد فهمنا لهذا الفصل ترجمة

إن المهيمن يحي كل مقبور

يا طيب فصل الربيع المونق العطر ال

أرجاء لو كان لا يدهى بتغيير

يبيت فينا قليلاً ثم يتركنا

كزورة الطيف وافت ربع مهجور

أو عيشنا بالحمى في حسن رونقه

ووشك بين على الأحباب مقدور

هل الركاب إلى البطحاء عائدة

يحثها كل رحب الباع شمير

تمسي وتصبح في البيداء هاجرة

طيب الكرى عند إسحار وتبكير

حتى تحل على علاتها بحمى

داني الظلال بروح الأمن معمور

فتجتلي البشر من ذات الستور به

وتجتني تمر (2) حجر غير محجور

(1) ص والزركشي: لأن.

(2)

ص: ثمر.

ص: 310

هناك لا حجر في تقبيلنا حجراً

يربي على المسك في لون وتعطير منها:

يا سيدي يا رسول الله يا أملي

في موبقات تصاريف المقادير

جمعت ما في الكرام الزهر مفترق

وزدت فضلاً عظيماً غير محصور

فأنت سيد أهل الفضل أجمع في

أصل وفرع وتقديم وتأخير

بلغت من شرف المعراج مرتبة

توفر القرب فيها أي توفير

ويوم حشر الورى أنت الشفيع به

تنجي من النار نفس الهالك البور

والفضل بعدك لم يدركه ذو طلب

في صحبك النجب الشوش المغاوير وقال أيضاً:

شواهد قلب الصب لا تقبل الرشا

فكيف قبول النصح من كاشح وشى

أيأمر خلو بالتصبر مغرما

وآنس ربع الحب أصبح موحشا

أما في الهوى العذري عذر لشيق

إذا لاح برق من تهامة أجهشا

ويهتز من وجد إذا نفس الصبا

سحيراً بأعطاف الخزامى (1) تحرشا

متى يرد الماء النمير محلأ

فينقع من ورد الصفا غلة الحشا

وينهل من ماء بطيبة حائم

يروي فؤاداً نحوها متعطشا

سقى حرمي أرض الحجاز حيا روى

ليحيي ميت الحرتين وينعشا

أتى ونبات الأرض بالجدب خامل

فدر له كاس الغمائم (2) فانتشا

فأضحت أزاهير الرياض كأنها

مطارف وشي زانها صنع من وشى

إذا هيمنت فيها النسيم تظنها

تحبر في الغدران خطاً مرقشا

فثم لعمر الله أشرف دارة

إلى نارها طرف لمستوقد عشا

إذا أمها ركب وددت بأنني

جعلت له خدي على الأرض مفرشا

(1) ص: الحزاما.

(2)

ص: الغمام.

ص: 311

أعظم أخفافا كرائم ترتمي

إلى الفاتح الختام أكرم من مشى

محمد المبعوث بالحق والذي

لموسى وعيسى في الكتابين أدهشا

وحاز من الرهبان سلمان وصفه

فطاف عليه في البلاد وفتشا

وفاز بما أبدى بحيرا وخاب من

بظلم على كتمان أوصافه ارتشى

فبورك حملا واستوى الخير مرضعا

وباء بأنواع الكرامة مذ نشا

ولاحت أمارات النبوة عنده

لذي نظر ما شاب أوصافه العشا

تبشبش وجه الأرض مذ حلها كما

بطلعته وجه السماء تبشبشا

حباه بما يعلو من الوصف ربه

وعلمه من أشرف العلم ما يشا

وجاء بحق مستبين نفى به

زخارف إفك كان في الناس قد فشا

وجاهد حتى شاد بالسيف رافعا

من الدين ما أوهى الضلال وشوشا

حوى الحسن والإحسان والحلم والتقى

فلم يك صخابا (1) ولا متفحشا

ولا عباساً فظاً غليظاً فلم يلم

حبوشاً على زفن ولا عاب أنجشا (2)

حيي جواد زاهد متوكل

فما اعتد فضلاً من غداء إلى عشا

شجاع إذا ما الحرب مدت رواقها

وأسبل فيها النقع ليلا فأغطشا

لا كربها حتى تبين أنه

لدى الباس منهم كان أقوى وأبطشا

له القمر انشق امتثالا لأمره

وحيته جهراً ظبية فارقت رشا

شفاعته للناس عن طول حبسهم

كما من لظى ينجي بها من تمحشا (3)

وفي الحشر يسقي الناس من حوضه الروي

إذا كان كرب الحشر للناس معطشا

وإني لأرجوه إذا اغتالني الردى

وبؤئت في البيداء قبراً منبشا

وفي الموقف الصعب الشديد الذي به

تخال الجبال الصم عهنا منفشا

(1) ص: سخابا.

(2)

الزفن: الرقص، وقد شهد الرسول الحبش يزفنون فلم ينههم؛ وأنجشة كان حادياً للإبل يتغنى بحداثه، وهو الذي قال له الرسول:((رفقاً بالقوارير)) في حجة الوداع.

(3)

تمحش: تحرق.

ص: 312

يعطر شعري ذكره فكأنما

لشعري بالكافور والمسك قد حشا وقال أيضاً وهي من المجانسات الأواخر:

سقى الله ارض الحمى وابلاً

إذا حل في جوها أمرعا

فصم لنا بين أكنافه

حبيب أأهملنا أم رعى

وحيا بساحة وادي العقيق

جناباً خصيب الربى أوسعا

نعمنا به زمنا لم نبل

بمن هم كيدا بنا أو سعى

فلله سر به مودع

كساه الجلالة من أودعا

هناك المآرب مقضية

لمن رامها صامتا أو دعا

فهل لي إلى ربعه عودة

أجوب الفلا أجرعا أجرعا

فأجرع من مائه نهلة

رواء ومن لي أن أجرعا

مواطن تجبر قلب الكسير

وترفع ذا خفية أوضعا

فطوبى لمن نص في قصدها

الركائب أو نحوها أوضعا وقال أيضا:

فيا رب قد عودت وجهي صيانة

وأهلي غنى والقلب منك تعففا

فزدني وأهلي من صنيعك نعمة

تدوم وصني واكف يا خير من كفى

وصلني ولا تقطع بلطف ورحمة

فلست أبالي إن وصلت بمن جفا وقال رحمه الله تعالى يذكره سيرة نفسه:

سلكت طريق الفقر ظنا بأنني

أضاهي جنيداً أو أناسب معروفا

وكنت أديبا قبل ذلك شاعرا

أروق الورى نظماً ونثراً وتأليفا

فهمت أعارض الخليل بن أحمد

وبرزت في نحوي قياسا وتصريفا

وباحثت في الفقه الأئمة برهة

وأتقنت في القرآن همزا وتخفيفا

وطارحت في علم الحساب فنلته

وبينت في الألفاظ همزا وتصحيفا

فصرت نديما لا تمل مجالسي

حبيبا إلى أعيان عصري مألوفا

ص: 313

إلى أن أملت بي من الفضل نفحة

فأصبحت عن كل الشواغل مصروفا

وفارقت إخوان الصفا متجنبا

وثقفت نفسي في الرياضة تثقيفا

ودمت على حسن العبادة عاكفا

وأصبح حسن الظن حولي معكوفا

فأورثني عزا لدى الناس عفتي

فصرت بأفواه المحبة مرشوفا

فلما أبت إلا النكاح خواطري

تجشمت أمرا غادر الدمع مذروفا

ولم ار بدا من معاشرة الورى

فعاشرت قوما لا يغيثون ملهوفا

فأبغضني من كان منهم يحبني

وأوسعني لوما شديدا وتعنيفا

وأعرض عن ودي حميم وصاحب

وارجف في (1) الحاسدون الأراجيفا

كأني قد أظهرت للناس بدعة

وأحدثت للدين الحنيفي تحريفا

على أنني لم أبد للناس صفحتي

وما زلت في ثوب الصيانة ملفوفا

فما صح لي فقر وما صح لي غنى

بل ازددت في علم التقلب تعريفا

وعدت أجيل الفكر فيمن أعده

يكون به ما بي من الضيم (2) مكشوفا

فلم أر لي كالصالحين وسيلة

ألذ الورى عرفا وأطيب معروفا

رجال إذا ما طبق الأرض حادث

رموه بصدق العزم فانجاب مكسوفا

أتتهم عليات الأمور مطيعة

وأضحى بهم قلب المكارم مشغوفا

هم القوم لا يشقى الجليس لديهم

ولم يعدموا العافين بشرا وتضييفا

هم العروة الوثقى وهم أنجم الهدى

بهم يحفظ الله المهامه والسيفا

أعزاء محروس الجناب فناؤهم

تخطف من ناواهم الذل تخطيفا

إذا ظهروا للدهر أورق عوده

وأصبح مجني المحاسن مقطوفا

وإن هجروا المأنوس أصبح مقفرا

وإن نزلوا بالقفر تحسبه ريفا

إذا وجدوا في الوقت كانوا طرازه

وقد طرزوا من قبل ذاك التصانيفا

صفاتهم أسنى من الشمس في الضحى

وأحسن من در المراسيل مصفوفا

(1) ص: بي في.

(2)

ص: الظيم.

ص: 314

وقال رحمه الله تعالى يعاتب نفسه:

يا قسوة القلب مالي حيلة فيك

ملكت قلبي فأضحى شر مملوك

حجبت عني إفادات الخشوع فلا

يشفيك ذكر ولا وعظ يداويك

وما تماديك من كسب الذنوب ول

كن الذنوب أراها من تماديك

لكن تماديك من كسب نشأت به

طعام سوء على ضعفي يقويك

وأنت يا نفس مأوى كل معضلة

وكل داء بقلبي من عواديك

أنت الطليعة للشيطان في جسدي

فليس يدخل غلا من نواحيك

لما فسحت بتوفير الحظوظ له

أضحى مع الدم يجري في مجاريك

واليته بقبول الزور منك فلن

يوالي الله إلا من يعاديك

ما زلت في أسره تهوين موثقة

حتى تلفت فأعياني تلافيك

يا نفس توبي إلى الرحمن مخلصة

ثم استقيمي على عزم ينجيبك

واستدركي فارط الأوقات واجتهدي

عساك بالصدق أن تحمي مساويك

واسعي إلى البر والتقوى مسارعة

فربما شكرت يوما مساعيك

حب التكاثر في الدنيا وزينتها

هي التي عن طلاب الخير تلهيك

لا تكثري الحرص في تطلابها فلكم

دم لها بسيوف الحرص مسفوك

بل اقنعي بكفاف الرزق راضية

فكل ما جاز ما يكفيك يطغيك

ثم اذكري غصص الموت الفظيع يهن

عليك أكدار دنيا لا تصافيك

وظلمة القبر لا تنسي ووحشته

عند انفرادك عن خل يوازيك

والصالحات ليوم الفاقة ادخري

في موقف ليس فيه من يواسك

وأحسني الظن بالرحمن مخلصة

فحسن ظنك بالرحمن يكفيك وقال رحمه الله تعالى وقد عاتبه بعض إخوانه على انقطاعه عن زيارته:

سكوني في بيتي لقلي راحة

وستر من الله العظيم لحالي

أكف عن الإخوان شرة عثرتي

وأسلم من قيل وكثرة قال

ص: 315

وأحيا عزيزا لا أرى متعرضا

ورزقي يأتيني بغير سؤال

وإن أنا زرت الناس فالناس فيهم

نصيح ومذاق وآخر قالي

وإن أنا أكثرت المقام فربما

رماني إخوان الصفا بملال

وقلبي كالمرآة إن صنته انجلى

وإلا فبالأنفاس محو صقالي وقال رحمه الله تعالى:

أنا المدنف الجاني وجهل ألجاني

إليكم فألفاني مكبا (1) على الفاني

فهل يا عظيم الشان لي منك عطفة

فتصلح لي شاني وإن رغم الشاني وقال أيضا:

ما بين بعدك والتداني

يا منيتي يفنى زماني

أحيا بقربك تارة

ويميتني بعد المغاني

ما دام لي منك النعي

م ولا الضنا مني بفاني

أطمعتني حتى إذا

ملك الهوى طوعا عناني

أبديت لي منك القلى

أنى وقد غلقت (2) رهاني

بجمال طلعت التي

أنوارها تحيي جناني

ومجال أمواه الحيا

ة على جبينك كالجمان

وبلؤلؤ الثغر الذي

يفتر عن برق يماني

نعم علي بنظرة

فيها الشفاء لما أعاني

ما لي بأثقال الهوى

إن غبت عن عيني يدان وقال رحمه الله وهي من المجانسات الأواخر:

أئمة أهل الحب ما القول في فتى

يرى حكم من يهواه من حكمه أولى

ويرضى بما يقضيه سراً وجهرة

فهل واجب في شرعكم هجره أو لا

(1) ص: مكب.

(2)

ص: علقت.

ص: 316

في من عن المحبوب ليس بصابر

نهاراً فهل يقوى على بعده حولا

فهل شافع بالوصل منه فلا قوى

لقلبي بطول الصدر منه ولا حولا

أعبر عن أنوار طلع وجهه

ببرق سرى من نحو كاظمة ليلا

وأكني بهند عن هواه ولم أشم

وميضا ولا أحببت هندا ولا ليلى وقال رحمه الله تعالى:

ذهب الشباب وخانني جلدي

وتمشت الأسقام في جسدي

ورمتني الستون من عمري

فأصاب رشق سهامها كبدي

أودى الحمام بمن أحب من ال

غر الحسان ففت في عضدي

وبقيت مسلوب القرين بلا

عدد أسر به ولا عدد

لله ما وارى الثرى وحوى

من والد بر ومن ولد

ومن ابن أم مشفق حدب

وخليل صدق غير ذي فند

كم عاينت عيناي من رجل

علم لمرتفد ومرتشد

شمس إذا ما المشكلات دجت

غيث ووجه العام غير ندي

كانوا الهداة لأهل وقتهم

سلكا بهم في أوضح الجدد

ومضوا وقد خلفت بعدهم

فرداً أعالج لوعة الكمد

يا رب فاختم لي بخاتمه ال

حسنى وخذ في شدتي بيدي وقال في بحر الذوبيت:

يا سامري الدجى بذات السمر

هل عندكما لناشد من خبر

كم يسأل بالحمى ومن يخبره

عن سر هوى يخفى على ذي نظر

من علم ذا الحمام شدو الشجن

من هز من الغرام عطف الغصن

من أي صبابة حنين البدن

ما ذلك إلا لهوى مستتر

يا طالب برء الدنف المشتاق

هل عندك للديغ من درياق

ص: 317

تا لله لقد أعجز رقي الراقي

من يسحر لبه نسيم السحر

لله فتى مزق ثوب السلوى

ثم ادرع الصبر لحمل البلوى

ما أظهر من شدة وجد شكوى

قد باع لذاذة الكرى بالسهر

ما هز البرق سيفه أو ضحكا

إلا وتذر الحمى ثم بكى

يقفو أثر الغرام أنى سلكا

إما المأمول أو ذهاب العمر

قد لجج في بحر الهوى واقتحما

واختار على الصحة فيه السقما

يرضى بقضاء الحب فيما حكما

إن جار عليه الحب أو لم يجر

يا أعظم منيتي وأقصى أملي

يا أشهر أدوائي وأخفى عللي

فيك اتسع الخرق وضاقت حيلي

فاجبر بالوصل ما وهي من عمري

لا فزت مع الجمع بوادي جمع

بالقصد وخانني وفي الدمع

إن لذ سوى حديثكم في سمعي

أو راق مال غيركم في بصري

قد كف هوام لساني ويدي

كم أخضع للعدا وأنتم عددي

أنتم أصل القرح الذي في كبدي

والبرء بأيديكم (1) وكشف الضرر (2)

أنتم لغزي في كل " ما " أكنيه

أنتم سر في باطني أخفيه

أنتم معنى المعنى الذي أبديه

أنتم قصدي أشرت أو لم أشر

لم آت إلى الموسم كي أذكركم

كالغائب، بل أردت أن أنظركم

ما أصنع بالحج إذا لم أركم

أنتم حجي وأنتم معتمري

ما قصدي في منى وفي دوحتها

إلا أرج يفوح في ساحتها

تالله لقد شممت من نفحتها

من نشركم ريا نسيم عطر

(1) ص: بأيديكم.

(2)

ص: الضر.

ص: 318