المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فهرس الكتاب

- ‌بَابُ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ)

- ‌أَلْفَاظُ الْعُمُومِ قِسْمَانِ

- ‌[الْقَسْم الْأَوَّل عَامٌّ بِصِيغَتِهِ وَمَعْنَاهُ وَعَامٌّ بِمَعْنَاهُ دُونَ صِيغَتِهِ]

- ‌ مَا هُوَ فَرْدٌ وُضِعَ لِلْجَمْعِ

- ‌[أَنْوَاع الْعَامُّ بِمَعْنَاهُ دُونَ صِيغَتِهِ]

- ‌ كَلِمَةُ كُلٍّ

- ‌[كَلِمَةُ الْجَمِيعِ]

- ‌كَلِمَةُ مَا

- ‌ كَلِمَةُ الَّذِي

- ‌ النَّكِرَةُ إذَا اتَّصَلَ بِهَا دَلِيلُ الْعُمُومِ

- ‌[الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ الْعَامِّ مَعْنًى لَا صِيغَةً]

- ‌ لَامُ التَّعْرِيفِ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ التَّعْرِيفَ بِعَيْنِهِ لِمَعْنَى الْعَهْدِ

- ‌[النَّكِرَةِ إذَا اتَّصَلَ بِهَا وَصْفٌ عَامٌّ]

- ‌ كَلِمَةُ أَيُّ

- ‌ النَّكِرَةُ الْمُفْرَدَةُ فِي مَوْضِعِ إثْبَاتٍ

- ‌[بَابُ مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الظَّاهِرُ وَالنَّصُّ وَالْمُفَسَّرُ وَالْمُحْكَمُ]

- ‌(بَابُ أَحْكَامِ الْحَقِيقَةِ) (وَالْمَجَازِ وَالصَّرِيحِ) (وَالْكِنَايَةِ)

- ‌[تعارض الْحَقِيقَة وَالْمَجَاز]

- ‌طَرِيقُ الِاسْتِعَارَةِ عِنْدَ الْعَرَبِ

- ‌ الِاتِّصَالَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ مِنْ قِبَلِ حُكْمِ الشَّرْعِ يَصْلُحُ طَرِيقًا لِلِاسْتِعَارَةِ

- ‌[يُسْتَعَارَ الْأَصْلُ لِلْفَرْعِ وَالسَّبَبُ لِلْحُكْمِ]

- ‌ الِاسْتِعَارَةُ لِلْمُنَاسَبَةِ فِي الْمَعَانِي

- ‌[الْمَجَازَ خَلَفٌ عَنْ الْحَقِيقَةِ فِي حَقِّ التَّكَلُّمِ لَا فِي حَقِّ الْحُكْمِ]

- ‌ الْعَمَلَ بِالْحَقِيقَةِ مَتَى أَمْكَنَ سَقَطَ الْمَجَازُ

- ‌إِذَا كَانَتْ الْحَقِيقَةُ مُتَعَذِّرَةٌ أَوْ مَهْجُورَةٌ صِيرَ إلَى الْمَجَازِ

- ‌قَدْ يَتَعَذَّرُ الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ مَعًا إذَا كَانَ الْحُكْمُ مُمْتَنِعًا

- ‌ الْكَلَامَ إذَا كَانَتْ لَهُ حَقِيقَةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ وَمَجَازٌ مُتَعَارَفٌ

- ‌(بَابُ جُمْلَةِ مَا يُتْرَكُ بِهِ الْحَقِيقَةُ)

- ‌دَلَالَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَالْعَادَةِ

- ‌ الثَّابِتُ بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ فِي نَفْسِهِ

- ‌ الثَّابِتُ بِسِيَاقِ النَّظْمِ

- ‌ الثَّابِتُ بِدَلَالَةِ مَحَلِّ الْكَلَامِ

- ‌(بَابُ حُرُوفِ) (الْمَعَانِي)

- ‌[معانى الْوَاوُ]

- ‌[معانى الْفَاءُ]

- ‌[معانى ثُمَّ]

- ‌[معانى بَلْ]

- ‌[معانى لَكِنْ]

- ‌[معانى أَوْ]

- ‌بَابُ حَتَّى) :

- ‌بَابُ حُرُوفِ الْجَرِّ)

- ‌[مَعْنَى الْبَاءُ]

- ‌[مَعْنَى عَلَى]

- ‌[مَعْنَى مِنْ]

- ‌[مَعْنَى إلَى]

- ‌[مَعْنَى فِي]

- ‌[حُرُوفِ الْقَسَمِ]

- ‌ اَيْمُ اللَّهِ

- ‌ أَسْمَاءُ الظُّرُوفِ

- ‌ حُرُوفُ الِاسْتِثْنَاءِ

- ‌ حُرُوفِ الشَّرْطِ

- ‌(بَابُ الصَّرِيحِ) (وَالْكِنَايَةِ)

- ‌بَابُ وُجُوهِ) (الْوُقُوفِ عَلَى) (أَحْكَامِ النَّظْمِ)

- ‌مَا سِيقَ الْكَلَامُ لَهُ وَأُرِيدَ بِهِ الْقَصْدُ أَوْ الْإِشَارَةُ

- ‌ دَلَالَةُ النَّصِّ

- ‌[دَلَالَة الْمُقْتَضِي]

- ‌الثَّابِتُ بِدَلَالَةِ النَّصِّ لَا يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ

- ‌ الْحُكْمَ إذَا أُضِيفَ إلَى مُسَمًّى بِوَصْفٍ خَاصٍّ كَانَ دَلِيلًا عَلَى نَفْيِهِ عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ الْوَصْفِ

- ‌ الْقِرَانَ فِي النَّظْمِ يُوجِبُ الْقِرَانَ فِي الْحُكْمِ

- ‌ الْعَامَّ يَخْتَصُّ بِسَبَبِهِ

- ‌ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ مُوجِبٌ الْعَدَمَ

- ‌ مَنْ حَمَلَ الْمُطْلَقَ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي حَادِثَةٍ وَاحِدَةٍ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ

- ‌(بَابُ الْعَزِيمَةِ) (وَالرُّخْصَةِ)

- ‌[أَقْسَام الْعَزِيمَةُ]

- ‌[أَقْسَام الرُّخَصُ]

- ‌{بَابُ حُكْمِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فِي أَضْدَادِهِمَا}

- ‌(بَابُ بَيَانِ أَسْبَابِ الشَّرَائِعِ)

- ‌سَبَبُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ

- ‌سَبَبُ وُجُوبِ الصَّوْمِ

- ‌سَبَبُ وُجُوبِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ

- ‌سَبَبُ وُجُوبِ الْعُشْرِ

- ‌[سَبَبُ وُجُوبِ الْحَجِّ]

- ‌ سَبَبُ الْخَرَاجِ

- ‌سَبَبُ وُجُوبِ الطَّهَارَةِ

- ‌سَبَبُ الْكَفَّارَاتِ

- ‌سَبَبُ الْمُعَامَلَاتِ

- ‌(بَابُ بَيَانِ أَقْسَامِ) (السُّنَّةِ)

- ‌(بَابُ الْمُتَوَاتِرِ)

- ‌(بَابُ الْمَشْهُورِ)

- ‌(بَابُ خَبَرِ الْوَاحِدِ)

- ‌(بَابُ تَقْسِيمِ الرَّاوِي الَّذِي جُعِلَ خَبَرُهُ حُجَّةً)

- ‌[الرَّاوِي الْمَعْرُوفُ]

- ‌[الرَّاوِي الْمَجْهُولُ]

- ‌بَابُ بَيَانِ شَرَائِطِ الرَّاوِي)

- ‌[بَابُ تَفْسِيرِ شُرُوطِ الرَّاوِي وَتَقْسِيمِهَا]

الفصل: ‌ النكرة المفردة في موضع إثبات

فَأَمَّا‌

‌ النَّكِرَةُ الْمُفْرَدَةُ فِي مَوْضِعِ إثْبَاتٍ

فَإِنَّهَا تَخُصُّ عِنْدَنَا وَلَا تَعُمُّ إلَّا أَنَّهَا مُطْلَقَةٌ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله هِيَ تُوجِبُ الْعُمُومَ أَيْضًا حَتَّى قَالَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [النساء: 92] أَنَّهَا عَامَّةٌ تَتَنَاوَلُ الصَّغِيرَةَ وَالْكَبِيرَةَ وَالْبَيْضَاءَ وَالسَّوْدَاءَ وَالْكَافِرَةَ وَالْمُؤْمِنَةَ وَالصَّحِيحَةَ وَالزَّمِنَةَ وَقَدْ خَصَّ مِنْهَا الزَّمِنَةَ بِالْإِجْمَاعِ فَصَحَّ تَخْصِيصُ الْكَافِرَةِ مِنْهَا بِالْقِيَاسِ بِكَفَّارَةِ الْقَتْلِ قُلْنَا نَحْنُ هَذِهِ مُطْلَقَةٌ لَا عَامَّةٌ؛ لِأَنَّهَا فَرْدٌ فَيَتَنَاوَلُ وَاحِدًا عَلَى احْتِمَالِ وَصْفٍ دُونَ وَصْفٍ وَالْمُطْلَقُ يَحْتَمِلُ التَّقْيِيدَ وَذَلِكَ مَانِعٌ مِنْ الْعَمَلِ بِالْمُطْلَقِ فَصَارَ نَسْخًا

ــ

[كشف الأسرار]

وَشَتَمَك لَمْ يَعْتِقْ إلَّا مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الشَّتْمِ وَالضَّرْبِ.

وَكَذَا لَوْ قَالَ مُسْتَفْهِمًا أَيُّ عَبِيدِي ضَرَبَك لَا يَسْتَقِيمُ الْجَوَابُ بِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ مِنْ قَبْلُ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْعُمُومَ فِيهِ لَيْسَ بِاعْتِبَارِ نَفْسِ الصِّفَةِ وَلَكِنَّهُ إنَّمَا عَمَّ لِوُقُوعِهِ فِي مَوْضِعِ الشَّرْطِ وَذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ التَّعْمِيمِ فِي الْأَسْمَاءِ الْمُبْهَمَةِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ لِإِبْهَامِهَا تَحْتَاجُ إلَى صِلَةٍ فَإِذَا وَقَعَتْ فِي مَوْضِعِ الشَّرْطِ صَارَ الْفِعْلُ الَّذِي جُعِلَ صِلَةً لَهَا هُوَ الشَّرْطُ حَقِيقَةً فَيَعُمُّ هَذَا الْفِعْلُ لِصَيْرُورَتِهِ شَرْطًا وَلَمَّا عَمَّ هَذَا الْفِعْلُ وَهُوَ مُسْنَدٌ إلَى مُبْهَمٍ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِهِ عَمَّ مَا أُسْنِدَ إلَيْهِ ضَرُورَةً حَتَّى لَوْ كَانَتْ الصِّلَةُ مُسْنَدَةً إلَى غَيْرِهِ قَائِمًا بِهِ لَا يُوجِبُ ذَلِكَ عُمُومَهُ كَمَا فِي قَوْلِهِ أَيُّ عَبِيدِي ضَرَبْته فَصَارَ حَاصِلُ الْكَلَامِ أَنَّ عِنْدَ هَذَا الْقَائِلِ النَّكِرَةَ تَعُمُّ بِالْوَصْفِ الْعَامِّ فِي الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ النَّفْيِ وَفِيمَا إذَا وَقَعَ الْوَصْفُ الْعَامُّ شَرْطًا وَأَمَّا فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ تَعُمُّ النَّكِرَةَ بِالْوَصْفِ لِمَا ذُكِرَ مِنْ الشَّوَاهِدِ وَالنَّظَائِرِ لَكِنْ فِي عَامَّةِ نُسَخِ أُصُولِ الْفِقْهِ لِأَصْحَابِنَا وَعَامَّةِ شُرُوحِ الْجَامِعِ ذَكَرَ هَذَا الْأَصْلُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ فَوَجَبَ الْأَخْذُ بِهِ احْتِرَازًا عَنْ مُخَالَفَةِ الْعَامَّةِ.

[النَّكِرَةُ الْمُفْرَدَةُ فِي مَوْضِعِ إثْبَاتٍ]

قَوْلُهُ (فَأَمَّا النَّكِرَةُ الْمُفْرَدَةُ) لَمَّا فَرَغْت مِنْ بَيَانِ مَا هُوَ عَامٌّ بِنَفْسِهِ وَمَا هُوَ عَامٌّ بِغَيْرِهِ وَهُوَ النَّكِرَةُ الَّتِي لَحِقَهَا بَعْضُ دَلَائِلِ الْعُمُومِ شَرَعَ فِي بَيَانِ النَّكِرَةِ الْمُفْرَدَةِ فَإِنَّهَا مِنْ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ عِنْدَ الْبَعْضِ فَقَالَ. فَأَمَّا النَّكِرَةُ الْمُفْرَدُ أَيْ الْمُفْرَدَةُ صِيغَةً وَمَعْنًى فَيَكُونُ احْتِرَازًا عَنْ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ وَقَوْمٍ وَرَهْطٍ مُنَكَّرَاتٍ. أَوْ الْمُطْلَقَةِ الْمُجَرَّدَةِ عَنْ دَلَائِلِ الْعُمُومِ فَإِنَّهَا تَخُصُّ فِي مَوْضِعِ الْإِثْبَاتِ وَلَا تَعُمُّ إنَّمَا تَعَرَّضَ لِلْجَانِبَيْنِ تَأْكِيدًا؛ لِأَنَّهُ فِي بَيَانِ الْخِلَافِ. إلَّا أَنَّهَا مُطْلَقَةٌ. نَفَى الْعُمُومَ عَنْهَا وَأَثْبَتَ الْإِطْلَاقَ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُطْلَقِ وَالْعَامِّ أَنَّ الْمُطْلَقَ دَلَالَتُهُ عَلَى حَقِيقَةِ الشَّيْءِ وَمَاهِيَّتِه مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِقَيْدٍ زَائِدٍ وَالْعَامُّ هُوَ الدَّالُّ عَلَى تِلْكَ الْحَقِيقَةِ مَعَ التَّعَرُّضِ لِلْكَثْرَةِ الْغَيْرِ الْمُتَعَيِّنَةِ كَالنَّاسِ فَالنَّكِرَةُ مُطْلَقَةٌ لَا عَامَّةٌ؛ لِأَنَّ دَلَالَتَهَا عَلَى نَفْسِ الْحَقِيقَةِ دُونَ التَّكَثُّرِ. وَبَعْضُهُمْ فَرَّقُوا بَيْنَ الْمُطْلَقِ وَالنَّكِرَةِ فَقَالُوا الْمَاهِيَّةُ فِي ذَاتِهَا لَا وَاحِدَةً وَلَا لَا وَاحِدَةً وَلَا كَثِيرَةً وَلَا لَا كَثِيرَةً فَاللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِقَيْدٍ مَا هُوَ الْمُطْلَقُ. وَمَعَ التَّعَرُّضِ لِكَثْرَةٍ مُتَعَيِّنَةٍ أَلْفَاظُ الْأَعْدَادِ. وَلِكَثْرَةٍ غَيْرِ مُتَعَيِّنَةٍ هُوَ الْعَامُّ وَلِوَحْدَةٍ مُعَيَّنَةٍ الْمَعْرِفَةُ وَلِوَحْدَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ النَّكِرَةُ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي اصْطِلَاحِ أَهْلِ الْأُصُولِ كَمَا أَشَارَ الشَّيْخُ إلَيْهِ إذْ تَمْثِيلُ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ الْمُطْلَقَ بِالنَّكِرَةِ فِي كُتُبِهِمْ يُشْعِرُ بِعَدَمِ الْفَرْقِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله هِيَ أَيْ النَّكِرَةُ فِي مَوْضِعِ الْإِثْبَاتِ تُوجِبُ الْعُمُومَ وَرَأَيْت فِي بَعْضِ كُتُبِهِمْ أَنَّ النَّكِرَةَ فِي مَوْضِعِ الْإِثْبَاتِ إذَا كَانَ خَبَرًا لَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ كَقَوْلِك جَاءَنِي رَجُلٌ وَإِذَا كَانَ امْرَأً فَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهَا لِلْعُمُومِ كَقَوْلِهِ أَعْتِقْ رَقَبَةً.

وَذَكَرَ فِي الْقَوَاطِعِ وَغَيْرِهِ أَنَّهَا تَعُمُّ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ رَجُلٌ يَتَنَاوَلُ كُلَّ رَجُلٍ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ مِنْ صَاحِبِهِ وَلَيْسَ بِعَامٍّ عَلَى سَبِيلِ الْجَمْعِ وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ يَعُمُّ مِنْ حَيْثُ الصَّلَاحِيَةُ لِكُلِّ فَرْدٍ فَمَنْ قَالَ بِالْعُمُومِ وَتَمَسَّكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ} [النحل: 40] الْآيَةَ فَإِنَّ قَوْلَهُ لِشَيْءٍ عَلَى الْعُمُومِ وَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعِ الْإِثْبَاتِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُرِدْ شَيْئًا دُونَ شَيْءٍ؛ لِأَنَّ قُدْرَتَهُ شَامِلَةٌ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ مُحِيطَةٌ بِهَا كُلِّهَا وَبِأَنَّ قَوْله تَعَالَى {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [النساء: 92] عَامٌّ يَتَنَاوَلُ كُلَّ رَقَبَةٍ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ بِإِعْتَاقِ أَيُّهَا كَانَ وَلَوْلَا أَنَّهَا لِلْعُمُومِ

ص: 24

وَقَدْ جَعَلَ وُجُوبَ التَّحْرِيرِ جَزَاءَ الْأَمْرِ فَصَارَ ذَلِكَ سَبَبًا لَهُ فَيَتَكَرَّرُ مُطْلَقًا بِتَكَرُّرِ

ــ

[كشف الأسرار]

لَمَا كَانَ كَذَلِكَ كَذَا فِي الْمَحْصُولِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَبْلَ التَّخْصِيصِ حَتَّى خُصَّتْ الْعَمْيَاءُ وَالْمَجْنُونَةُ وَالْمُدَبَّرَةُ مِنْ الْجُمْلَةِ بِالْإِجْمَاعِ وَالتَّخْصِيصُ لَا يَرِدُ إلَّا عَلَى الْعَامِّ وَأَلَا تَرَى أَنَّهُ يَحْسُنُ الِاسْتِثْنَاءُ بِإِلَّا بِأَنْ يَقُولَ أَعْتِقْ رَقَبَةً إلَّا أَنْ يَكُونَ كَافِرَةً أَوْ مَعِيبَةً وَيَقُولُ أَعْطِ هَذَا الدِّرْهَمَ فَقِيرًا إلَّا أَنْ يَكُونَ كَافِرًا وَالِاسْتِثْنَاءُ إخْرَاجُ بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ وَلَوْلَا أَنَّهُ عَامٌّ لَمْ يُتَصَوَّرُ فِيهِ الِاسْتِثْنَاءُ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْكَافِرَةِ مِنْهَا بِالْقِيَاسِ عَلَى كَفَّارَةِ الْقَتْلِ إذْ الْعَامُّ الْمَخْصُوصُ مِنْهُ يُخَصُّ بِالْقِيَاسِ بِالِاتِّفَاقِ وَقُلْنَا نَحْنُ هَذِهِ مُطْلَقَةٌ أَيْ الرَّقَبَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي النَّصِّ مُطْلَقَةٌ أَوْ النَّكِرَةُ الْمُفْرَدَةُ عَنْ دَلَائِلِ الْعُمُومِ مُطْلَقَةٌ لَا عَامَّةٌ؛ لِأَنَّهَا فُرَادَى مَوْضُوعَةٌ لِفَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْجُمْلَةِ صِيغَةً وَمَعْنًى أَمَّا صِيغَةً فَلِأَنَّهَا تُثَنَّى وَتُجْمَعُ.

وَأَمَّا مَعْنًى فَلِأَنَّ دَلَالَتَهَا عَلَى فَرْدٍ لَا عَلَى جَمْعٍ فَيُقَالُ رَقَبَةٌ مِنْ رِقَابٍ وَعَبْدٌ مِنْ عَبِيدٍ وَيُرَادُ بِهِ الْوَاحِدُ وَقَالَ تَعَالَى {إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولا} [المزمل: 15]، وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ الْوَاحِدُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ اللَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتِقَ رَقَبَةً لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إلَّا إعْتَاقُ رَقَبَةٍ وَاحِدَةٍ وَكَذَلِكَ يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ الْأَمْرِ فِي قَوْله تَعَالَى {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [النساء: 92] بِإِعْتَاقِ رَقَبَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَوْ كَانَ هَذَا اللَّفْظُ عَامًّا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ عُهْدَةِ النَّذْرِ وَالْأَمْرِ إلَّا بِإِعْتَاقِ ثَلَاثِ رِقَابٍ فَصَاعِدًا وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ النَّكِرَةَ إذَا أُعِيدَتْ نَكِرَةً كَانَتْ الثَّانِيَةُ غَيْرَ الْأُولَى لُغَةً وَلَوْ كَانَ إطْلَاقُ اسْمِ النَّكِرَةِ يُوجِبُ الْعُمُومَ وَلَمْ يَكُنْ الثَّانِيَةُ غَيْرَ الْأُولَى فَإِنَّ الْعَامَّ إذَا أُعِيدَ بِصِيغَتِهِ فَالثَّانِي لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا مَا تَنَاوَلَهُ الْأَوَّلُ بِمَنْزِلَةِ اسْمِ الْجِنْسِ كَذَا فِي التَّقْوِيمِ وَأُصُولِ الْفِقْهِ لِشَمْسِ الْأَئِمَّةِ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهَا اسْمٌ لِفَرْدٍ تَتَنَاوَلُ وَاحِدًا وَلَكِنْ عَلَى احْتِمَالِ وَصْفٍ دُونَ وَصْفٍ إذْ الْمُطْلَقُ لَا يَتَعَرَّضُ لِلصِّفَاتِ أَصْلًا يَعْنِي يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْوَاحِدُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا أَوْ كَافِرًا أَوْ مُؤْمِنًا أَوْ أَسْوَدَ أَوْ أَبْيَضَ أَوْ سِنْدِيًّا أَوْ هِنْدِيًّا إلَى غَيْرِهَا مِنْ الصِّفَاتِ لِعَدَمِ كَوْنِهِ مُتَعَيِّنًا وَبِمِثْلِهِ لَا يَثْبُتُ الْعُمُومُ إذْ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ انْتِظَامِ جَمْعٍ لَفْظًا أَوْ مَعْنًى وَلَمْ يُوجَدْ فَيَكُونُ مُطْلَقَةً لَا عَامَّةً وَالْمُطْلَقُ لَا يَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِ الْعَامِّ.

وَقَوْلُهُ وَالْمُطْلَقُ يَحْتَمِلُ التَّقْيِيدَ تَنْبِيهٌ لِلْخَصْمِ عَلَى الْغَلَطِ وَمُزَلِّ الْقَدَمِ وَإِشَارَةٌ إلَى الْجَوَابِ عِنْدَ عُدُولِهِ عَنْ الْعُمُومِ إلَى الْإِطْلَاقِ وَتَمَسُّكِهِ بِهِ يَعْنِي مَا ذَكَرْت مِنْ احْتِمَالِ التَّخْصِيصِ فِي النَّكِرَةِ الْمُطْلَقَةِ لَيْسَ بِثَابِتٍ وَلَكِنَّهَا تَحْتَمِلُ التَّقْيِيدَ فَإِنْ تَمَسَّكْت بِإِطْلَاقِهَا وَقُلْت لَمَّا كَانَتْ مُحْتَمِلَةً لِلتَّقْيِيدِ فَتَقَيُّدُهَا بِالْقِيَاسِ عَلَى كَفَّارَةِ الْقَتْلِ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَاتِ جِنْسٌ وَاحِدٌ فَذَلِكَ فَاسِدٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ التَّقْيِيدَ مَانِعٌ عَنْ الْعَمَلِ بِالْإِطْلَاقِ فَإِنَّهُ لَوْ أَعْتَقَ رَقَبَةً كَافِرَةً فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ لَا يَجُوزُ عَنْ الْكَفَّارَةِ فَكَانَ نَسْخًا وَالنَّسْخُ بِالْقِيَاسِ لَا يَجُوزُ فَلَا يَجُوزُ التَّقْيِيدُ بِهِ أَيْضًا.

قَوْلُهُ (وَقَدْ جَعَلَ وُجُوبَ التَّحْرِيرِ) جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ الْأَمْرُ لَا يُوجِبُ التَّكْرَارَ وَإِنْ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِشَرْطٍ أَوْ مُتَقَيِّدًا بِوَصْفٍ عَلَى مَا مَرَّ وَقَدْ تَكَرَّرَ وُجُوبُ التَّحْرِيرِ بِتَكَرُّرِ الْحِنْثِ وَالظِّهَارِ وَنَحْوِهِمَا فَعَرَفْنَا أَنَّ لَفْظَ رَقَبَةٍ عَامٌّ وَإِلَّا لَمْ يَسْتَقِمْ إيجَابُ التَّحْرِيمِ ثَانِيًا فَقَالَ: قَدْ جُعِلَ وُجُوبُ التَّحْرِيرِ جَزَاءً لِأَمْرٍ أَيْ لِشَأْنٍ وَهُوَ الْحِنْثُ وَالظِّهَارُ وَنَحْوُهُمَا بِدَلِيلِ دُخُولِ حَرْفِ الْفَاءِ فِيهِ فَصَارَ ذَلِكَ الْأَمْرُ سَبَبًا لِوُجُوبِ التَّحْرِيرِ فَيُكَرَّرُ وُجُوبُ التَّحْرِيرِ مُطْلَقًا أَيْ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِوَصْفِ الْإِيمَانِ بِتَكَرُّرِ ذَلِكَ الْأَمْرِ الَّذِي صَارَ سَبَبًا لَهُ كَتَكَرُّرِ وُجُوبِ الصَّلَاةِ بِتَكَرُّرِ الْوَقْتِ وَلَيْسَ تَكَرُّرِ الْحُكْمِ

ص: 25

فَإِنَّ ذَلِكَ يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ إلَى الثَّلَاثَةِ وَالطَّائِفَةُ يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ إلَى الْوَاحِدِ بِخِلَافِ الرَّهْطِ وَالْقَوْمِ وَصَارَ مُقَيَّدًا بِالْمِلْكِ لِاقْتِضَاءِ التَّحْرِيرِ وَالْمِلْكَ لَا عَلَى جِهَةِ الْخُصُوصِ وَلَمْ يَتَنَاوَلُ الزَّمِنَةَ؛ لِأَنَّ الرَّقَبَةَ اسْمٌ لِلْبِنْيَةِ مُطْلَقًا فَوَقَعَتْ عَلَى الْكَامِلِ مِنْهُ الَّذِي هُوَ مَوْجُودٌ مُطْلَقٌ فَلِمَنْ يَتَنَاوَلُ مَا هُوَ هَالِكٌ مِنْ وَجْهٍ وَكَذَلِكَ التَّحْرِيرُ الْمُطْلَقُ لَا يَخْلُصُ فِيمَا هُوَ هَالِكٌ مِنْ وَجْهٍ فَلَمْ يَدْخُلْ الزَّمِنُ.

فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا فَلَا

ــ

[كشف الأسرار]

بِتَكَرُّرِ السَّبَبِ مِنْ بَابِ الْعُمُومِ فِي شَيْءٍ.

قَوْلُهُ (وَصَارَ) أَيْ الْمَذْكُورُ وَهُوَ الرَّقَبَةُ مُقَيَّدًا بِالْمِلْكِ جَوَابُ سُؤَالٍ آخَرَ وَتَقْرِيرُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يُقَالَ إنَّ تَقْيِيدَ الْمُطْلَقِ نَسْخٌ عِنْدَكُمْ وَقَدْ قُيِّدَتْ الرَّقَبَةَ بِالْمِلْكِ بِالرَّأْيِ مِنْ غَيْرِ نَصٍّ يُوجِبُهُ حَتَّى لَمْ يَجُزْ إعْتَاقُ رَقَبَةٍ غَيْرِ مَمْلُوكَةٍ وَصَارَ كَأَنَّهُ قِيلَ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مَمْلُوكَةٍ وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ النَّسْخُ فَنُقَيِّدُهَا بِوَصْفِ الْإِيمَانِ أَيْضًا بِالْقِيَاسِ وَالْخَبَرِ وَهُوَ قَوْلُهُ عليه السلام «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» فَقَالَ اشْتِرَاطُ الْمِلْكَ فِي الرَّقَبَةِ ثَبَتَ لِضَرُورَةِ التَّحْرِيرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ وَاقْتِضَائِهِ فَإِنَّ التَّحْرِيرَ لَا يَصِحُّ إلَّا فِي الْمِلْكِ وَمَا ثَبَتَ بِاقْتِضَاءِ النَّصِّ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الثَّابِتِ بِعَيْنِ النَّصِّ وَالثَّانِي أَنْ يُقَالَ قَدْ خَصَّ غَيْرَ الْمَمْلُوكَةِ مِنْ هَذَا النَّصِّ كَمَا خُصَّتْ الزَّمِنَةُ حَتَّى لَمْ يَجُزْ إعْتَاقُ غَيْرِ الْمَمْلُوكَةِ كَمَا لَمْ يَجُزْ إعْتَاقُ الزَّمِنَةِ وَالتَّخْصِيصُ يَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ فَقَالَ اشْتِرَاطُ الْمِلْكِ ثَبَتَ بِاقْتِضَاءِ النَّصِّ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيرَ الْوَاجِبَ لَا يَتَأَدَّى إلَّا بِالْمِلْكِ كَمَا لَا يَتَأَدَّى الصَّلَاةُ إلَّا بِالطَّهَارَةِ قَالَ عليه السلام.

«لَا عِتْقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ ابْنُ آدَمَ» لَا بِطَرِيقِ التَّخْصِيصِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْعُمُومُ.

قَوْلُهُ (وَلَمْ يَتَنَاوَلْ الزَّمِنَةَ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ خُصَّتْ الزَّمِنَةُ بِالْإِجْمَاعِ فَتَخُصُّ الْكَافِرَةَ أَيْضًا فَقَالَ التَّخْصِيصُ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا تَنَاوَلَ اللَّفْظُ إيَّاهُ ظَاهِرًا لَوْلَا الْمُخَصِّصُ وَهَذَا النَّصُّ لَا يَتَنَاوَلُ الزَّمِنَةَ فَلَا يَكُونُ عَدَمُ جَوَازِ إعْتَاقِهَا مِنْ بَابِ التَّخْصِيصِ بَلْ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِرَقَبَةٍ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الرَّقَبَةَ اسْمٌ لِلْبَيِّنَةِ مُطْلَقًا وَالْإِطْلَاقُ يَقْتَضِي الْكَمَالَ وَالزَّمِنَةُ قَائِمَةٌ مَنْ وَجْهٍ مُسْتَهْلَكَةٌ مِنْ وَجْهٍ فَلَا تَكُونُ قَائِمَةً عَلَى الْإِطْلَاقِ فَلَا يَتَنَاوَلُهَا مُطْلَقُ اسْمِ الرَّقَبَةِ وَكَذَلِكَ التَّحْرِيرُ الْمُطْلَقُ أَيْ الْكَامِلُ لَا يَخْلُصُ أَيْ لَا يَتَحَقَّقُ فِيمَا هُوَ هَالِكٌ مِنْ وَجْهٍ فَلَا يَتَنَاوَلُ الزَّمِنَ، وَلِهَذَا شَرَطَ كَمَالَ الرِّقِّ حَتَّى لَمْ يَجُزْ إعْتَاقُ الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيرَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ مُطْلَقًا وَذَلِكَ إعْتَاقٌ كَامِلٌ ابْتِدَاءً وَإِعْتَاقُ الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ تَعْجِيلٌ لِمَا صَارَ مُسْتَحَقًّا لَهُمَا مُؤَجَّلًا فَلَا يَكُونُ إعْتَاقًا مُبْتَدَأً مُطْلَقًا كَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ رحمه الله.

فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ تَمَسُّكِهِمْ بِالْآيَةِ فَهُوَ أَنَّ الْعُمُومَ ثَبَتَ فِي قَوْلِهِ لِشَيْءٍ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى لَا مِنْ طَرِيقِ اللَّفْظِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَشْيَاءَ مُتَسَاوِيَةٌ فِي قُدْرَتِهِ جل جلاله فَإِذَا أَخْبَرَ عَنْ نُفُوذِ قُدْرَتِهِ فِي بَعَضِهَا فَقَدْ دَلَّ بِالْمَعْنَى عَلَى نُفُوذِ قُدْرَتِهِ فِي سَائِرِهَا وَمَا ذَكَرُوا مِنْ الْعُمُومِ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ أَنَّ عِنْوَانَهُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مَنْ الْجُمْلَةِ يَكُونُ فِي الصَّلَاحِيَةِ بَدَلًا عَنْ صَاحِبِهِ وَالدَّاخِلُ تَحْتَ اللَّفْظِ وَاحِدٌ مِنْهَا فَهُوَ مَذْهَبُنَا وَأَنَّ عُنْوَانَهُ أَنَّ اللَّفْظَ يَتَنَاوَلُ عَلَى سَبِيلِ الِاجْتِمَاعِ وَالشُّمُولِ فَهُوَ فَاسِدٌ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الصِّيغَةَ وُضِعَتْ لِفَرْدٍ فَلَا يَتَنَاوَلُ الْعَدَدَ إلَّا بِقَرِينَةٍ كَذَا فِي الْمِيزَانِ وَأَمَّا تَمَسُّكُهُمْ بِالِاسْتِثْنَاءِ فَضَعِيفٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ إنْ صَحَّ اسْتِثْنَاءٌ حَقِيقِيٌّ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الِاسْتِثْنَاءِ الْحَقِيقِيِّ مَنْ أَنْ يَكُونَ صَدْرُ الْكَلَامِ مُتَنَاوِلًا لِلْمُسْتَثْنَى وَغَيْرِهِ حَقِيقَةً وَلَيْسَ كَذَلِكَ هَهُنَا؛ لِأَنَّ صَدْرَ الْكَلَامِ لَمْ يَتَنَاوَلْ إلَّا الْوَاحِدَ فَلَا يُمْكِنُ إخْرَاجُهُ عَنْهُ فَيَكُونُ بِمَعْنَى لَكِنْ وَذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ أَوْ يَكُونُ هَذَا اسْتِثْنَاءً مِنْ الْأَحْوَالِ أَيْ أَعْتِقْ رَقَبَةً وَاحِدَةً عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَتْ إلَّا فِي حَالَةِ الْكُفْرِ وَحِينَئِذٍ نُثْبِتُ الْأَحْوَالَ فِي صَدْرِ الْكَلَامِ بِدَلَالَةِ الِاسْتِثْنَاءِ بِضَرُورَةِ صِحَّتِهِ فَأَمَّا إذَا عُدِمَ الِاسْتِثْنَاءُ بِلَا ضَرُورَةٍ فِي إثْبَاتِهَا مَعَ أَنَّهَا غَيْرُ مَذْكُورَةٍ فَلَا يَثْبُتُ الْعُمُومُ

قَوْلُهُ (وَصَارَ مَا يَنْتَهِي إلَيْهِ الْخُصُوصُ) أَيْ التَّخْصِيصُ نَوْعَيْنِ بِالْيَاءِ لَا بِالْأَلِفِ كَمَا وَقَعَ

ص: 26

نَوْعَانِ الْوَاحِدُ فِيمَا هُوَ فَرْدٌ بِصِيغَتِهِ أَوْ مُلْحَقٌ بِالْفَرْدِ وَأَمَّا الْفَرْدُ فَمِثْلُ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَالْإِنْسَانِ وَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ إنَّ الْخُصُوصَ يَصِحُّ إلَى أَنْ يُبْقِيَ الْوَاحِدَ وَأَمَّا الْفَرْدُ بِمَعْنَاهُ فَمِثْلُ قَوْلِهِ لَا يَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ وَلَا يَشْتَرِي الْعَبِيدَ أَنَّهُ يَصِحُّ الْخُصُوصُ حَتَّى يَبْقَى الْوَاحِدُ وَأَمَّا مَا كَانَ جَمْعًا صِيغَةً وَمَعْنًى مِثْلُ قَوْلِهِ إنْ اشْتَرَيْت عَبِيدًا أَوْ إنْ تَزَوَّجْت نِسَاءً أَوْ إنْ اشْتَرَيْت ثِيَابًا

ــ

[كشف الأسرار]

فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَهَهُنَا مَسْأَلَتَانِ: إحْدَاهُمَا بَيَانُ مَا يَنْتَهِي إلَيْهِ جَوَازُ التَّخْصِيصِ وَالثَّانِيَةُ بَيَانُ أَقَلِّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اللَّفْظُ الْعَامُّ.

أَمَّا الْأُولَى فَنَقُولُ قَدْ اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي الْغَايَةِ الَّتِي يَقَعُ انْتِهَاءُ التَّخْصِيصِ فِي أَلْفَاظِ الْعُمُومِ إلَيْهَا فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنْهُمْ إلَى التَّخْصِيصِ يَجُوزُ فِي جَمِيعِ الْأَلْفَاظِ إلَى الْوَاحِدِ وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ إلَى الثَّلَاثَةِ فِي جَمِيعِ الْأَلْفَاظِ وَلَا يَجُوزُ إلَى مَا دُونَهَا إلَّا بِمَا يَجُوزُ بِهِ النَّسْخُ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ الْقَفَّالِ الشَّاشِيِّ وَمِنْهُمْ مَنْ فَصَّلَ فَأَجَازَ فِي لَفْظَةِ مَنْ وَمَا وَنَحْوِهِمَا وَأَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ الْمَعْرِفَةَ إلَى الْوَاحِدِ وَلَمْ يُجِزْ فِي الْمَجْمُوعِ الْمَعْرَفَةَ إلَّا إلَى الثَّلَاثَةِ وَمُخْتَارُ الشَّيْخِ أَنَّهُ يَجُوزُ إلَى الْوَاحِدِ فِي الْجَمْعِ إلَّا فِي الْجَمْعِ الْمُنَكَّرِ صِيغَةً وَمَعْنًى كَرِجَالٍ وَنِسَاءٍ أَوْ مَعْنًى بِلَا صِيغَةٍ كَرَهْطٍ وَقَوْمٍ لَا يَجُوزُ التَّخْصِيصُ فِيهِمَا إلَّا إلَى الثَّلَاثَةِ وَتَمَسَّكَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ التَّخْصِيصَ لَوْ امْتَنَعَ إلَى الْوَاحِدِ لَامْتَنَعَ التَّخْصِيصُ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ امْتَنَعَ لَكَانَ لِصَيْرُورَتِهِ مَجَازًا إذْ لَا مَانِعَ غَيْرَهُ وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي جَمِيعِ صُوَرِ التَّخْصِيصِ وَمَا ذَكَرُوا مَبْنِيٌّ عَلَى اشْتِرَاطِ الِاسْتِغْرَاقِ فِي الْعُمُومِ وَأَنَّهُ شَرْطٌ فِيهِ عِنْدَهُمْ فَالتَّخْصِيصُ يَجْعَلُهُ مَجَازًا فِيمَا دُونَهُ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْبَعْضِ مِنْ أَقْسَامِ الْمَجَازِ وَتَعَلَّقَ الْفَرِيقُ الثَّانِي بِأَنَّ لَفْظَ الْعُمُومِ دَلَالَتُهُ عَلَى الْجَمْعِ وَأَقَلُّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ عَلَى مَا بُيِّنَ فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ إلَى مَا دُونَهَا؛ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ بِهِ عَنْ كَوْنِهِ دَالًّا عَلَى الْجَمْعِ فَيَنْزِلُ مَنْزِلَةَ النَّسْخِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا بِمَا يَجُوزُ بِهِ النَّسْخُ أَلَا تَرَى أَنَّ لَفْظَ الْمُشْرِكِينَ لَا يَصْلُحُ لِلْوَاحِدِ بِحَالٍ فَلَا يَجُوزُ رَدُّهُ إلَى مَا لَا يَصْلُحُ لَهُ وَإِخْرَاجُهُ عَنْ مَوْضُوعِهِ وَاعْتَمَدَ مَنْ فَصَّلَ عَلَى أَنَّ التَّخْصِيصَ إلَى الْوَاحِدِ فِي لَفْظَةِ مَنْ لَا يُخْرِجُ اللَّفْظَ عَنْ مَوْضُوعِهِ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهَا تَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ فَإِنَّهَا يَتَنَاوَلُ الْوَاحِدَ وَالْجَمَاعَةَ فِي قَوْلِك مَنْ دَخَلَ دَارِي أَكْرَمْته فَيَجُوزُ التَّخْصِيصُ فِيهَا وَأَمْثَالُهَا إلَى الْوَاحِدِ بِخِلَافِ أَلْفَاظِ الْجُمُوعِ؛ لِأَنَّ اسْتِعْمَالَهَا فِي الْآحَادِ إخْرَاجٌ لَهَا عَنْ مَوْضُوعَاتِهَا فَلَا يَجُوزُ، أَلَا تَرَى أَنَّ لَفْظَ الْجَمْعِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ يُسَمَّى عَامًّا مَخْصُوصًا وَإِذَا خُصِّصَ إلَى اثْنَيْنِ أَوْ وَاحِدٍ لَمْ يَجُزْ تَسْمِيَتُهُ بِذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْحَقِيقَةِ.

وَلَنَا مَا ذَكَرْنَا أَنَّ لَفْظَ الْعُمُومِ دَلَالَتُهُ عَلَى الْجَمْعِ وَالتَّخْصِيصِ لَا يُخْرِجُ الْعَامَّ عَنْ حَقِيقَتِهِ لِبَقَاءِ مَعْنَى الْجَمْعِ فِيهِ بَعْدُ، بَلْ هُوَ تَبْيِينُ أَنَّ اللَّفْظَ مَصْرُوفٌ إلَى بَعْضِ وُجُوهِ الْحَقِيقَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ التَّمَسُّكَ بِهِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ جَازَ لِبَقَاءِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ بِالْوَضْعِ عَلَى أَفْرَادٍ مُجْتَمِعَةٍ كَمَا كَانَ قَبْلَهُ إلَّا أَنَّ دَلَالَتَهُ قَبْلَ التَّخْصِيصِ كَانَتْ عَلَى أَكْثَرَ مِمَّا دَلَّ عَلَيْهِ بَعْدَهُ فَإِذَا آلَ أَمْرُ التَّخْصِيصِ إلَى إخْرَاجِ الْكَلَامِ عَنْ مَوْضُوعِهِ وَحَقِيقَتِهِ لَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ نَسْخًا وَهُمَا مُتَغَايِرَانِ أَلَا تَرَى أَنَّ النَّسْخَ لَا يَجُوزُ إلَّا مُتَرَاخِيًا بِالِاتِّفَاقِ وَالتَّخْصِيصُ يَجُوزُ مُتَّصِلًا وَمُتَرَاخِيًا عِنْدَ الْعَامَّةِ وَلَا يَجُوزُ إلَّا مُتَّصِلًا عِنْدَنَا وَإِذَا كَانَ نَسْخًا لَا يَجُوزُ إلَّا بِمَا يَجُوزُ بِهِ النَّسْخُ كَمَا لَا يَجُوزُ إلَى مَا دُونَ الْوَاحِدِ فِي جَمِيعِ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ إلَّا بِمَا يَجُوزُ بِهِ النَّسْخُ بِالِاتِّفَاقِ وَهَذَا بِخِلَافِ اسْمِ الْجِنْسِ الْمُعَرَّفِ بِاللَّامِ حَيْثُ يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ إلَى الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّ دَلَالَتَهُ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ عَلَى الْفَرْدِ وَالْعُمُومُ فِيهِ ضِمْنِيٌّ فَبِالتَّخْصِيصِ إلَى الْوَاحِدِ لَا يَخْرُجُ عَنْ حَقِيقَتِهِ وَكَذَا الْجُمُوعُ الْمُعَرَّفَةُ صَارَتْ فِي حُكْمِ أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ فَيَجُوزُ تَخْصِيصُهَا إلَى الْوَاحِدِ أَيْضًا.

قَوْلُهُ (وَصَارَ مَا يَنْتَهِي) يَعْنِي لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ أَلْفَاظَ الْعُمُومِ عَلَى قِسْمَيْنِ بَعْضُهَا يَنْطَلِقُ عَلَى الثَّلَاثَةِ فَصَاعِدًا إلَّا عَلَى مَا دُونَهَا بِطَرِيقِ

ص: 27

وَهَذَا؛ لِأَنَّ أَدْنَى الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ نَصُّ مُحَمَّدٍ رحمه الله فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ وَعَلَى هَذَا عَامَّةُ مَسَائِلِ أَصْحَابِنَا رحمهم الله وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إنَّ أَدْنَى الْجَمْعِ اثْنَانِ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ «الِاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ» وَلِأَنَّ اسْمَ الْأُخُوَّةِ يَنْطَلِقُ عَلَى الِاثْنَيْنِ فِي قَوْله تَعَالَى {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ} [النساء: 11] وَصَارَ مَا يَنْتَهِي إلَيْهِ الْخُصُوصَ

ــ

[كشف الأسرار]

الْحَقِيقَةِ وَبَعْضُهَا يَنْطَلِقُ عَلَى الْوَاحِدِ فَصَاعِدًا صَارَ غَايَةُ التَّخْصِيصِ نَوْعَيْنِ ضَرُورَةُ الْوَاحِدِ وَالثَّلَاثَةِ.

قَوْلُهُ (فَإِنَّ ذَلِكَ) أَيْ قَوْلُهُ عَبِيدًا وَأَمْثَالُهُ يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ إلَى الثَّلَاثَةِ وَطَرِيقُهُ أَنَّ دَلِيلَ الْعَقْلِ يُبَيِّنُ أَنَّ الْكُلَّ لَيْسَ بِمُرَادٍ وَأَنَّ مَا دُونَ الْكُلِّ إلَى الثَّلَاثَةِ لَا يُمْكِنُ تَرْجِيحُ بَعْضِهِ عَلَى الْبَعْضِ لِاسْتِحَالَةِ التَّرْجِيحِ بِلَا مُرَجِّحٍ فَتَعَيَّنَتْ الثَّلَاثَةُ مُرَادًا لِلتَّيَقُّنِ بِهَا فَكَانَ هَذَا الدَّلِيلُ مُخَصِّصًا لِمَا وَرَاءَ الثَّلَاثَةِ إلَى الْكُلِّ.

قَوْلُهُ (وَهَذَا؛ لِأَنَّ أَدْنَى الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ) وَلَمَّا كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى مَبْنِيَّةً عَلَى الثَّانِيَةِ وَهِيَ مَعْرِفَةُ أَقَلِّ الْجَمْعِ؛ لِأَنَّ عَدَمَ جَوَازِ التَّخْصِيصِ إلَى مَا وَرَاءَ الثَّلَاثَةِ فِي جَمِيعِ الْأَلْفَاظِ عِنْدَ الْبَعْضِ وَفِي الْجَمْعِ الْمُنَكَّرِ عِنْدَنَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ شَرَعَ فِي بَيَانِهَا فَقَالَ وَهَذَا أَيْ انْتِهَاءُ التَّخْصِيصِ إلَى الثَّلَاثَةِ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ النَّظَائِرِ مِنْ قَوْلِهِ عَبِيدًا وَنِسَاءً وَثِيَابًا وَأَمْثَالَهَا بِاعْتِبَارِ أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ وَهُوَ مَذْهَبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَعُثْمَانَ وَأَكْثَرِ الصَّحَابَةِ وَعَامَّةِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ وَأَهْلِ اللُّغَةِ وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَعَامَّةُ الْأَشْعَرِيَّةِ إلَى أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رضي الله عنهما كَذَا ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ نِفْطَوَيْهِ مِنْ النَّحْوِيِّينَ ثُمَّ الْفَرِيقُ الْأَوَّلُ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ صِيَغِ الْجُمُوعِ فِي الِاثْنَيْنِ مَجَازًا فَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ عَنْ ذَلِكَ وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ وَفَائِدَةُ الِاخْتِلَافِ تَظْهَرُ فِي جَوَازِ التَّخْصِيصِ إلَى اثْنَيْنِ وَعَدَمِهِ وَفِيمَا إذَا قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِدَرَاهِمَ أَوْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ دَرَاهِمُ أَوْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ عَلَى فُقَرَاءَ أَوْ مَسَاكِينَ يَقَعُ عَلَى الْأَقَلِّ بِالِاتِّفَاقِ وَهُوَ الثَّلَاثَةُ عِنْدَ الْعَامَّةِ وَالِاثْنَانِ عِنْدَ غَيْرِهِمْ تَمَسَّكَ مَنْ قَالَ بِأَنَّ صِيَغَ الْجُمُوعِ حَقِيقَةٌ فِي الِاثْنَيْنِ كَمَا فِي الثَّلَاثَةِ بِالسَّمْعِ وَالْعَقْلِ وَاسْتِعْمَالُ أَرْبَابِ اللِّسَانِ وَالْحُكْمِ أَمَّا السَّمْعُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ} [الأنبياء: 78] إلَى قَوْلِهِ {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} [الأنبياء: 78] أُرِيدَ بِضَمِيرِ الْجَمْعِ دَاوُد وَسُلَيْمَانُ وقَوْله تَعَالَى {إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ} [ص: 21]{إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ} [ص: 22] فَاسْتَعْمَلَ فِي الِاثْنَيْنِ ضَمِيرَ الْجَمْعِ وَقَوْلُهُ عَزَّ اسْمُهُ {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4]، وَالْمُرَادُ قَلْبَاكُمَا وَقَوْلُهُ جل جلاله {إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ} [الشعراء: 15] وَالْمُرَادُ مُوسَى وَهَارُونُ وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ إخْبَارًا عَنْ يَعْقُوبَ {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا} [يوسف: 83] وَالْمُرَادُ يُوسُفُ وَبِنْيَامِينُ.

وَقَوْلُهُ {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ} [النساء: 11] وَالْأَخَوَانِ يَحْجُبَانِهَا إلَى السُّدُسِ كَالثَّلَاثَةِ وَقَوْلُهُ عليه السلام «الِاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ» وَهُوَ أَفْصَحُ الْعَرَبِ وَلَوْ نُقِلَ هَذَا عَنْ وَاحِدٍ مِنْ الْأَعْرَابِ لَكَانَ حُجَّةً فَمِنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ أَوْلَى وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَهُوَ أَنَّ اسْمَ الْجَمَاعَةِ حَقِيقَةً فِيمَا فِيهِ مَعْنَى الِاجْتِمَاعِ وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي الِاثْنَيْنِ كَمَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي الثَّلَاثَةِ فَيَصِحُّ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ اسْمُ الْجَمْعِ حَقِيقَةً وَإِنْ كَانَ مَعْنَى الْجَمْعِ فِي الثَّلَاثَةِ أَكْثَرَ، أَلَا تَرَى أَنَّ الثَّلَاثَةَ جَمْعٌ صَحِيحٌ وَإِنْ كَانَ مَعْنَى الِاجْتِمَاعِ فِيمَا وَرَاءَ الثَّلَاثَةِ أَكْثَرَ وَنَظِيرُهُ الْجِسْمُ لَمَّا كَانَ عِبَارَةً عَنْ اجْتِمَاعِ أَجْزَاءٍ وَتَرَكُّبِهَا كَانَ أَقَلُّ الْجِسْمِ جَوْهَرَيْنِ لِوُجُودِ مَعْنَى الِاجْتِمَاعِ وَالتَّرَكُّبِ فِيهِمَا وَإِنْ كَانَ الِاجْتِمَاعُ فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ أَكْثَرُ وَأَمَّا اسْتِعْمَالُ أَرْبَابِ اللِّسَانِ فَإِنَّهُمْ يُسْتَعْلَمُونَ صِيغَةَ الْجَمْعِ فِي الِاثْنَيْنِ كَاسْتِعْمَالِهِمْ إيَّاهَا فِي الثَّلَاثَةِ فَإِنَّ الِاثْنَيْنِ يَقُولَانِ نَحْنُ فَعَلْنَا كَذَا وَنَحْنُ نَفْعَلُ كَذَا فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَأَمَّا الْحُكْمُ فَهُوَ أَنَّ لِلْمُثَنَّى حُكْمَ

ص: 28

وَفِي الْمَوَارِيثِ وَالْوَصَايَا يُصْرَفُ الْجَمْعُ إلَى الْمُثَنَّى وَيُسْتَعْمَلُ الْمُثَنَّى اسْتِعْمَالَ الْجَمْعِ فِي اللُّغَةِ يُقَالُ نَحْنُ فَعَلْنَا فِي الِاثْنَيْنِ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْإِمَامَ يَتَقَدَّمُ إذَا كَانَ خَلْفَهُ اثْنَانِ وَفِي الْمُثَنَّى اجْتِمَاعٌ كَمَا فِي الثَّلَاثَةِ وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ عليه السلام «الْوَاحِدُ شَيْطَانٌ وَالِاثْنَانِ شَيْطَانَانِ وَالثَّلَاثَةُ رَكْبٌ» وَلَنَا أَيْضًا دَلِيلٌ مِنْ قِبَلِ الْإِجْمَاعِ وَدَلِيلٌ مِنْ قِبَلِ الْمَعْقُولِ فَإِنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ آحَادٌ وَمُثَنَّى وَجَمْعٌ وَعَلَى ذَلِكَ بُنِيَتْ أَحْكَامُ اللُّغَةِ فَلِلْمُثَنَّى صِيغَةٌ خَاصَّةٌ لَا يَخْتَلِفُ وَلِلْوُحْدَانِ بِنْيَةٌ مُخْتَلِفَةٌ وَكَذَلِكَ الْجَمْعُ أَيْضًا يَخْتَلِفُ أَبْنِيَتُهُ وَلَيْسَ لِلْمُثَنَّى إلَّا مِثَالٌ وَاحِدٌ وَلَهُ عَلَامَاتٌ عَلَى الْخُصُوصِ وَأَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَى الْوَاحِدِ فَثَبَتَ أَنَّهُ قِسْمٌ مُنْفَرِدٌ

ــ

[كشف الأسرار]

الْجَمَاعَةِ فِي الْمَوَارِيثِ وَالْوَصَايَا حَتَّى كَانَ لِلِاثْنَتَيْنِ مِنْ الْمِيرَاثِ مَا لِلثَّلَاثِ فَصَاعِدًا وَلَوْ أَوْصَى لِأَقْرِبَاءِ فُلَانٍ يَتَنَاوَلُ الْمُثَنَّى فَصَاعِدًا وَكَذَا الْإِمَامُ يَتَقَدَّمُ عَلَى اثْنَيْنِ كَمَا يَتَقَدَّمُ عَلَى الثَّلَاثَةِ فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُثَنَّى مُلْحَقٌ بِالثَّلَاثَةِ فِي صِحَّةِ إطْلَاقِ صِيغَةِ الْجَمْعِ عَلَيْهِ.

وَمَنْ مَنَعَ اسْتِعْمَالَ أَبْنِيَةِ الْجَمْعِ فِي الِاثْنَيْنِ مَجَازًا قَالَ لَوْ صَحَّ إطْلَاقُ اسْمِ الرِّجَالِ عَلَى الرَّجُلَيْنِ لَصَحَّ نَعْتُ أَحَدِهِمَا بِمَا نُعِتَ بِهِ الْآخَرُ فَيُقَالُ جَاءَنِي رَجُلَانِ عَاقِلُونَ وَرِجَالٌ عَاقِلَانِ؛ لِأَنَّهُمَا كَشَيْءٍ وَاحِدٍ وَتَمَسَّكَ الْجُمْهُورُ بِمَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ وَبِمَا سَنَذْكُرُهُ

وَقَوْلُهُ فِي الْكِتَابِ وَيُسْتَعْمَلُ الْمُثَنَّى اسْتِعْمَالَ الْجَمْعِ بِضَمِّ الْيَاءِ مِنْ مَقْلُوبِ الْكَلَامِ مِثْلُ قَوْلِهِمْ عَرَضْت النَّاقَةَ عَلَى الْحَوْضِ أَيْ يُسْتَعْمَلُ الْجَمْعُ اسْتِعْمَالَ الْمُثَنَّى أَيْ فِي مَحَلٍّ يَجِبُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ فِيهِ التَّثْنِيَةَ أَوْ هُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ أَيْ يَسْتَعْمِلُ الِاثْنَانِ مَا يَسْتَعْمِلُهُ الْجَمْعُ فَيَقُولَانِ نَحْنُ فَعَلْنَا كَمَا يَقُولُهُ الْجَمْعُ أَوْ مَعْنَاهُ يُسْتَعْمَلُ التَّثْنِيَةُ عَلَى هَيْئَةِ الْجَمْعِ فَيُقَالُ نَحْنُ فَعَلْنَا فِي اثْنَيْنِ كَمَا يُقَالُ كَذَلِكَ فِي الْجَمْعِ.

قَوْلُهُ (وَفِي الْمَوَارِيثِ) أَيْ حَجْبًا وَاسْتِحْقَاقًا بِصَرْفِ الْجَمْعِ إلَى الْمُثَنَّى، إمَّا حَجْبًا فَقَوْلُهُ تَعَالَى:{فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} [النساء: 11] كَمَا ذَكَرْنَا، وَإِمَّا اسْتِحْقَاقًا فَقَوْلُهُ عَزَّ اسْمُهُ {فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ} [النساء: 11] صُرِفَ لَفْظُ النِّسَاءِ إلَى اثْنَتَيْنِ مَعَ تَأَكُّدِهِ بِقَوْلِهِ فَوْقَ اثْنَتَيْنِ.

قَوْلُهُ (عليه السلام وَالثَّلَاثَةُ رَكْبٌ) أَيْ جَمَاعَةٌ فَصَلَ بَيْنَ التَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ وَأَلْحَقَهَا بِالْوَاحِدِ دُونَ الْجَمْعِ فَعُلِمَ أَنَّ التَّثْنِيَةَ لَيْسَتْ بِجَمْعٍ حَقِيقَةً وَلَا يُقَالُ الِاتِّحَادُ فِي الْحُكْمِ لَا يُوجِبُ الِاتِّحَادَ فِي الْحَقِيقَةِ حَتَّى كَانَ الْمُثَنَّى غَيْرَ الْوَاحِدِ حَقِيقَةً وَإِنْ اتَّحَدَا حُكْمًا فَكَذَا التَّفْرِقَةُ فِي الْحُكْمِ لَا يَدُلُّ عَلَى الِافْتِرَاقِ فِي الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الِافْتِرَاقُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ يُوجِبُ الْمُغَايَرَةَ بَيْنَهُمَا فِيمَا ثَبَتَ فِيهِ الِافْتِرَاقُ لَا مَحَالَةَ وَهُنَا ثَبَتَ الِافْتِرَاقُ بَيْنَهُمَا فِي حُكْمِ الْجَمْعِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الرَّكْبِ الْجَمَاعَةُ لُغَةً فَثَبَتَتْ الْمُغَايَرَةُ بَيْنَهُمَا فِي هَذَا الْمَعْنَى ضَرُورَةً فَصَارَ الْمَعْنَى كَأَنَّهُ قِيلَ الْوَاحِدُ لَيْسَ بِرَكْبٍ وَالِاثْنَانِ لَيْسَتَا بِرَكْبٍ أَيْ بِجَمْعٍ وَالثَّلَاثَةُ رَكْبٌ أَيْ جَمْعٌ وَعَلَى ذَلِكَ أَيْ عَلَى الْأَقْسَامِ الْمَذْكُورَةِ بُنِيَتْ أَحْكَامُ اللُّغَةِ اسْمًا وَصِفَةً وَمُظْهَرًا وَمُضْمَرًا فَقَالُوا رَجُلٌ رَجُلَانِ رِجَالٌ وَقَالُوا عَالِمٌ عَالِمَانِ عُلَمَاءُ.

وَقَالُوا هُوَ فَعَلَ كَذَا هُمَا فَعَلَا كَذَا هُمْ فَعَلُوا كَذَا وَلَمَّا قَسَّمُوهُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ وَسَمَّوْا كُلَّ قِسْمٍ بِاسْمٍ عَلَى حِدَةٍ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى تَغَايُرِهَا؛ لِأَنَّ تَبَدُّلَ الِاسْمِ يَدُلُّ عَلَى تَبَدُّلِ الْمُسَمَّى عَلَى مَا هُوَ الْأَصْلُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَمَّا لَمْ يَضَعُوا لِمَا وَرَاءَ الثَّلَاثَةِ اسْمًا عَلَى حِدَةٍ كَانَ الْكُلُّ فِي الدُّخُولِ تَحْتَ صِيغَةِ الْجَمْعِ عَلَى السَّوَاءِ.

قَوْلُهُ (وَلَهُ عَلَامَاتٌ عَلَى الْخُصُوصِ) مِثْلُ الْأَلِفِ وَالنُّونِ الْمَكْسُورَةِ فِي حَالَةِ الرَّفْعِ وَالْيَاءِ السَّاكِنَةِ الْمَفْتُوحِ مَا قَبْلَهَا وَالنُّونِ الْمَكْسُورَةِ فِي حَالَتَيْ الْجَرِّ وَالنَّصْبِ. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ رحمه الله ثُمَّ لِلْوَاحِدِ أَبْنِيَةٌ مُخْتَلِفَةٌ وَكَذَلِكَ لِلْجَمْعِ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِلتَّثْنِيَةِ إنَّمَا لَهَا عَلَامَةٌ مَخْصُوصَةٌ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمُثَنَّى غَيْرُ الْجَمَاعَةِ. قَالَ صَاحِبُ الْقَوَاطِعِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ لَفْظَ الْجَمْعِ لَا يَتَنَاوَلُ الِاثْنَيْنِ أَنَّهُ لَا يُنْعَتُ بِالِاثْنَيْنِ وَيُنْعَتُ بِالثَّلَاثَةِ فَإِنَّهُ يُقَالُ رَأَيْت رِجَالًا ثَلَاثَةً وَلَا يُقَالُ رِجَالًا اثْنَيْنِ وَيُقَالُ أَيْضًا جَمَاعَةُ رِجَالٍ وَلَا يُقَالُ جَمَاعَةُ رَجُلَيْنِ فَإِذَا كَانَ لَا يُنْعَتُ بِالِاثْنَيْنِ بِحَالٍ عَرَفْنَا أَنَّ اسْمَ الْجَمْعِ لَا يَتَنَاوَلُهُمَا بِحَالٍ وَكَذَا لَا يُضَافُ الْعَدَدُ إلَى التَّثْنِيَةِ فَلَا يُقَالُ اثْنَا رَجُلَيْنِ وَيُضَافُ إلَى الْجَمْعِ فَيُقَالُ ثَلَاثَةُ رِجَالٍ وَأَرْبَعَةُ رِجَالٍ فَلَوْ كَانَ حُكْمُ الِاثْنَيْنِ حُكْمَ الْجَمْعِ لَجَازَتْ إضَافَةُ الْعَدَدِ إلَى التَّثْنِيَةِ كَمَا جَازَتْ إلَى الْجَمْعِ كَذَا ذُكِرَ فِي كِتَابِ بَيَانِ حَقَائِقِ حُرُوفِ الْمَعَانِي

ص: 29

وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَإِنَّ الْوَاحِدَ إذَا أُضِيفَ إلَيْهِ الْوَاحِدُ تَعَارَضَ الْفَرْدَانِ فَلَمْ يَثْبُتْ الِاتِّحَادُ وَلَا الْجَمْعُ وَأَمَّا الثَّلَاثَةُ فَإِنَّمَا يُعَارِضُ كُلَّ فَرْدٍ اثْنَانِ فَسَقَطَ مَعْنَى الِاتِّحَادِ أَصْلًا وَقَدْ جَعَلَ الثَّلَاثَةَ فِي الشَّرْعِ حَدًّا فِي إيلَاءِ الْأَعْذَارِ فَأَمَّا الْحَدِيثُ فَمَحْمُولٌ عَلَى الْمَوَارِيثِ وَالْوَصَايَا أَوْ عَلَى سُنَّةِ تَقَدُّمِ الْإِمَامِ فِي الْجَمَاعَةِ أَنَّهُ يَتَقَدَّمُ عَلَى الْمُثَنَّى كَمَا يَتَقَدَّمُ عَلَى الثَّلَاثَةِ وَفِي الْمَوَارِيثِ ثَبَتَ الِاخْتِصَاصُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ} [النساء: 176]

ــ

[كشف الأسرار]

وَلِأَنَّ الثَّلَاثَةَ فَصَاعِدًا يَتَبَادَرُ إلَى الْفَهْمِ عِنْدَ سَمَاعِ صِيغَةِ الْجَمْعِ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ دُونَ الِاثْنَيْنِ وَالسَّبَقُ إلَى الْفَهْمِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ دَلِيلُ الْحَقِيقَةِ.

وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ نَفْيُ اسْمِ الْجَمْعِ عَنْ الِاثْنَيْنِ دُونَ الثَّلَاثَةِ فَصَاعِدًا فَيُقَالُ مَا فِي الدَّارِ رِجَالٌ بَلْ رَجُلَانِ وَمَا رَأَيْتُ جَمْعًا بَلْ رَأَيْت اثْنَيْنِ وَلَا يُقَالُ مَا فِي الدَّارِ رِجَالٌ بَلْ ثَلَاثَةٌ وَصِحَّةُ النَّفْيِ وَعَدَمُ صِحَّتِهِ مِنْ أَمَارَاتِ الْمَجَازِ وَالْحَقِيقَةِ وَأَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالْإِمَامُ مِنْ الْجَمَاعَةِ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ بِالِاتِّفَاقِ وَالتَّقَدُّمُ مِنْ سُنَّةِ الْجَمَاعَةِ بِالِاتِّفَاقِ فَإِجْمَاعُهُمْ عَلَى تَرْكِ التَّقَدُّمِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِجَمْعٍ وَأَنَّهُ قِسْمٌ مُنْفَرِدٌ.

قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَإِنَّ الْوَاحِدَ إذَا أُضِيفَ) أَيْ ضُمَّ إلَيْهِ الْوَاحِدُ تَعَارَضَ الْفَرْدَانِ أَيْ امْتَنَعَ كُلُّ وَاحِدٍ كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ صَيْرُورَتِهِ تَبَعًا لِلْآخَرِ فَلَمْ يَثْبُتْ الِاتِّحَادُ لِوُجُودِ الِانْضِمَامِ وَلَمْ يَثْبُتْ الْجَمْعُ أَيْضًا لِبَقَاءِ مَعْنَى الْفَرْدِيَّةِ مَنْ وَجْهٍ بِاعْتِبَارِ عَدَمِ اسْتِتْبَاعِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ وَأَمَّا الثَّلَاثَةُ فَإِنَّمَا يُعَارِضُ أَيْ يُقَابِلُ كُلَّ فَرْدٍ اثْنَانِ فَيَسْتَتْبِعَانِهِ وَيَصِيرُ الْكُلُّ كَشَيْءٍ وَاحِدٍ فَلَمْ يَبْقَ مَعْنَى الِاتِّحَادِ بِوَجْهٍ وَكَمَلَ مَعْنَى الْجَمْعِ فَتُطْلَقُ عَلَيْهِ الصِّيغَةُ الْمَوْضُوعَةُ لِلْجَمْعِ حَقِيقَةً وَبِهَذَا خَرَجَ الْجَوَابُ عَمَّا قَالُوا فِي الْمُثَنَّى مَعْنَى الْجَمْعِ كَمَا فِي الثَّلَاثَةِ فَيَصِحُّ إطْلَاقُ صِيغَةِ الْجَمْعِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الصِّيغَةِ عَلَى الثَّلَاثَةِ لَيْسَ لِنَفْسِ الِاجْتِمَاعِ بَلْ لِاجْتِمَاعٍ مَخْصُوصٍ وَهُوَ أَنْ لَا يَتَحَقَّقَ فِيهِ مَعْنَى تَعَارُضِ الْأَفْرَادِ عَلَى التَّسَاوِي وَذَلِكَ فِي الثَّلَاثَةِ دُونَ الِاثْنَيْنِ وَاللُّغَةُ عَلَى مَا وَرَدَ لَا عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْقِيَاسُ أَلَا تَرَى أَنَّ الْوَاحِدَ يُوجَدُ فِيهِ مَعْنَى الْجَمْعِ وَهُوَ ضَمُّ بَعْضِ الْأَشْيَاءِ إلَى بَعْضٍ؛ لِأَنَّهُ مُتَرَكِّبٌ مِنْ أَجْزَاءٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَمَعَ ذَلِكَ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْجَمْعِ.

قَوْلُهُ (فِي إبْلَاءِ الْأَعْذَارِ) أَيْ إظْهَارِهَا كَإِمْهَالِ الْقَاضِي لِلْخَصْمِ لِدَفْعِ الْحُجَّةِ مُقَدَّرٌ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَكَذَا إمْهَالُ الْمُرْتَدِّ لِلتَّأَمُّلِ وَكَمُدَّةِ الْمَسْحِ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ وَمُدَّةِ أَقَلِّ الْحَيْضِ مُقَدَّرَةٌ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَكَمُدَّةِ التَّحْجِيرِ مُقَدَّرَةٌ بِثَلَاثِ سِنِينَ وَكَمَا فِي قِصَّةِ مُوسَى مَعَ صَاحِبِهِ وَقِصَّةِ صَالِحٍ وَلَوْ كَانَ الِاثْنَانِ جَمْعًا لَمْ يَكُنْ لِلتَّجَاوُزِ عَنْهُ مَعْنًى بِدُونِ دَلِيلٍ يُخَصِّصُ الثَّلَاثَةَ؛ لِأَنَّ مَا وَرَاءَ أَقَلِّ الْجَمْعِ يُسَاوِي بَعْضُهُ بَعْضًا وَلَمَّا فَرَغَ عَنْ إقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى مُدَّعَاهُ شَرَعَ فِي الْجَوَابِ عَنْ كَلِمَاتِ الْخُصُوصِ فَقَالَ فَأَمَّا الْحَدِيثُ يَعْنِي قَوْلَهُ عليه السلام «الِاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ» فَمَحْمُولٌ عَلَى الْمَوَارِيثِ يَعْنِي لِلِاثْنَيْنِ حُكْمُ الْجَمْعِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْمِيرَاثِ حَتَّى كَانَ لِلْبِنْتَيْنِ الثُّلُثَانِ كَالثَّلَاثِ أَوْ عَلَى سُنَّةِ تَقَدُّمِ الْإِمَامِ يَعْنِي يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ أَنَّ الْإِمَامَ يَتَقَدَّمُ عَلَى الِاثْنَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ عَلَى الثَّلَاثَةِ بِخِلَافِ الْوَاحِدِ فَإِنَّهُ يُقِيمُهُ عَنْ يَمِينِهِ وَبِخِلَافِ مَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه أَنَّهُ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَى الِاثْنَيْنِ بَلْ يُقِيمُ وَاحِدًا عَنْ يَمِينِهِ وَوَاحِدًا عَنْ يَسَارِهِ وَإِنَّمَا يَتَقَدَّمُ عَلَى الثَّلَاثَةِ فَصَاعِدًا أَوْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ لِلِاثْنَيْنِ حُكْمَ الْجَمَاعَةِ فِي إحْرَازِ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ وَانْعِقَادِهَا إذْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَبْعُوثٌ لِتَعْلِيمِ الْأَحْكَامِ لَا لِبَيَانِ اللُّغَاتِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ لَا يَصِحُّ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ كَذَا ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ الْجَصَّاصُ وَغَيْرُهُ وَقَوْلُهُ.

وَفِي الْمَوَارِيثِ ثَبَتَ الِاخْتِصَاصُ جَوَابُ سُؤَالٍ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ لِمَ اخْتَصَّ الْمَوَارِيثَ مِنْ سَائِرِ الْأَحْكَامِ بِأَنْ يَكُونَ لِلِاثْنَيْنِ فِيهَا حُكْمُ الْجَمْعِ فَقَالَ إنَّمَا ثَبَتَ الِاخْتِصَاصُ فِيهَا بِكَذَا أَوْ هُوَ جَوَابٌ عَنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ صِيغَةَ الْجَمْعِ صُرِفَتْ إلَى الْمُثَنَّى فِي الْمَوَارِيثِ وَالْوَصَايَا

ص: 30

وَالْحَجْبُ يَبْتَنِي عَلَى الْإِرْثِ أَيْضًا وَالْوَصِيَّةُ تَبْتَنِي عَلَيْهِ أَيْضًا وَالثَّانِي قُلْنَا أَنَّ الْخَبَرَ مَحْمُولٌ عَلَى ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ حَيْثُ نَهَى الْوَاحِدَ عَنْ الْمُسَافَرَةِ وَأَطْلَقَ الْجَمَاعَةَ عَلَى مَا رَوَيْنَا فَإِذَا ظَهَرَ قُوَّةُ الْمُسْلِمِينَ قَالَ الِاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ

ــ

[كشف الأسرار]

وَالْحَجْبِ فَقَالَ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الْمَوَارِيثِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ} [النساء: 176] أَيْ إنْ كَانَتْ الْأُخْتَانِ لِأَبٍ وَأُمٍّ أَوْ لِأَبٍ اثْنَتَيْنِ فَأَثْبَتَ لِلْأُخْتَيْنِ ثُلُثَيْ الْمَالِ تَصْرِيحُ هَذَا النَّصِّ وَقَدْ ثَبَتَ بَدَلًا لَهُ قَوْله تَعَالَى {فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} [النساء: 11] أَنْ لَيْسَ لِمَا فَوْقَ الْأُخْتَيْنِ أَكْثَرُ مِنْ الثُّلُثَيْنِ فَعَرَفْنَا أَنَّ لِلِاثْنَتَيْنِ حُكْمَ الْجَمْعِ فِي الْأَخَوَاتِ وَلَمَّا كَانَ لِلْأُخْتَيْنِ الثُّلُثَانِ مَعَ أَنَّ قَرَابَتَهُمَا مُتَوَسِّطَةٌ إذْ هِيَ قُرْبَةُ مُجَاوَرَةٍ فَلَأَنْ يَكُونَ لِلْبِنْتَيْنِ الثُّلُثَانِ مَعَ أَنَّ قَرَابَتَهُمَا قَرِيبَةٌ إذْ هِيَ قَرَابَةُ حُرُوبَةٍ كَانَ أَوْلَى فَثَبَتَ أَنَّ لِلْبِنْتَيْنِ حُكْمَ الثَّلَاثِ بِهَذَا النَّصِّ أَيْضًا وَلَيْسَ فِي الْمَوَارِيثِ صُورَةٌ أُخْرَى أَلْحَقَ فِيهِ الْإِتْيَانَ بِالْجَمْعِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ سِوَى الْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ فَكَانَ هَذَا النَّصُّ مُوجِبًا لِإِلْحَاقِ الِاثْنَتَيْنِ بِالثَّلَاثِ فَلِهَذَا حُمِلَ الْحَدِيثُ عَلَيْهِ أَوْ كَانَ هَذَا النَّصُّ هُوَ الْمُوجِبُ لِاسْتِحْقَاقِ الِاثْنَتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ لَا النَّصُّ الْوَارِدُ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ} [النساء: 11] وَالْحَاصِلُ أَنَّ النِّزَاعَ لَمْ يَقَعْ فِيمَا يُفِيدُ فَائِدَةَ الْجَمْعِ بَلْ فِيمَا يَتَنَاوَلُهُ لَفْظُ الرِّجَالِ وَالْمُسْلِمِينَ فَأَيْنَ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ.

قَوْلُهُ (وَالْحَجْبُ يُبْتَنَى عَلَى الْإِرْثِ أَيْضًا) يَعْنِي لَمَّا كَانَ لِلْمُثَنَّى حُكْمُ الْجَمْعِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْمِيرَاثِ كَانَ لَهُ حُكْمُ الْجَمْعِ أَيْضًا فِي الْحَجْبِ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْإِرْثِ فَإِنَّ الْحَاجِبَ يَكُونُ وَارِثًا بِالْفِعْلِ أَوْ بِالْقُوَّةِ حَتَّى لَا يُحْجَبَ الْمَحْرُومُ عِنْدَ عَامَّةِ الصَّحَابَةِ وَهُوَ مَذْهَبُنَا أَوْ مَعْنَاهُ أَنَّ الْحَجْبَ لَا يَتَحَقَّقُ حِينَ لَا إرْثَ فَكَانَ الْحَجْبُ مَبْنِيًّا عَلَى الْإِرْثِ فَيَثْبُتُ لِلِاثْنَيْنِ فِيهِ حُكْمُ الْجَمْعِ أَيْضًا فَأَيْضًا يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ فِي الْوَجْهَيْنِ كَمَا تَرَى عَلَى أَنَّا نَقُولُ ثَبَتَ الْحَجْبُ بِالْأَخَوَيْنِ بِاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ لَا بِالنَّصِّ عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ لِعُثْمَانَ رضي الله عنهم حِينَ رَدَّ الْأُمَّ مِنْ الثُّلُثِ إلَى السُّدُسِ بِالْأَخَوَيْنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ} [النساء: 11] وَالْأَخَوَانِ لَيْسَا بِإِخْوَةٍ فِي لِسَانِ قَوْمِك قَالَ نَعَمْ وَلَكِنْ لَا أَسْتَجِيزُ أَنْ أُخَالِفَهُمْ فِيمَا رَأَوْا وَفِي رِوَايَةٍ لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَنْقُضَ أَمْرًا كَانَ قَبْلِي وَتَوَارَثَهُ النَّاسُ فَلَوْلَا أَنَّ مُقْتَضَى اللِّسَانِ أَنَّ الْأَخَوَيْنِ لَيْسَا بِإِخْوَةٍ حَقِيقَةً لَمَا احْتَجَّ بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى عُثْمَانَ وَلَأَنْكَرَ عَلَيْهِ عُثْمَانُ وَلَمَا عَدَلَ إلَى التَّأْوِيلِ فَلَمَّا لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ وَعَدَلَ إلَى التَّأْوِيلِ وَقَدْ كَانَا مِنْ فُصَحَاءِ الْعَرَبِ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَخَوَيْنِ لَيْسَا إخْوَةً حَقِيقَةً وَأَنَّ هَذَا الْحُكْمَ وَهُوَ الْحَجْبُ بِالِاثْنَيْنِ ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ لَا بِالنَّصِّ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَجْبَ يَثْبُت بِالْأَخَوَاتِ الْمُفْرَدَاتِ بِهَذَا الطَّرِيقِ فَإِنَّ اسْمَ الْإِخْوَةِ لَا يَتَنَاوَلُ الْأَخَوَاتِ الْمُفْرَدَاتِ بِحَالٍ.

قَوْلُهُ (وَالثَّانِي) أَيْ التَّأْوِيلُ الثَّانِي لِذَلِكَ الْخَبَرِ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى إبَاحَةِ السَّفَرِ لِلِاثْنَيْنِ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ لِلْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ كَانَ مَنْهِيًّا فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ مُطْلَقًا لِلْجَمَاعَةِ عَلَى مَا رَوَيْنَا مِنْ قَوْلِهِ عليه السلام «الْوَاحِدُ شَيْطَانٌ وَالِاثْنَانِ شَيْطَانَانِ وَالثَّلَاثَةُ رَكْبٌ» إذْ فِيهِ نَهْيٌ بِطَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ عَنْ اخْتِيَارِ حَالَةٍ تَسْتَحِقُّ اسْمَ الشَّيْطَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ كَانَتْ الْغَلَبَةُ لِلْكُفَّارِ فَإِذَا كَانُوا جَمَاعَةً سَلَّمُوا غَالِبًا لِقُوَّتِهِمْ فَإِذَا ظَهَرَ قُوَّةُ الْمُسْلِمِينَ قَالَ الِاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ يَعْنِي فِي جَوَازِ السَّفَرِ وَفِي لَفْظِ الشَّيْخِ نَوْعُ اشْتِبَاهٍ فَإِنَّهُ قَالَ وَالثَّانِي وَلَوْ قَالَ وَالثَّالِثُ مَكَانَ قَوْلِهِ وَالثَّانِي لَكَانَ أَحْسَنَ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ الْحَدِيثِ أَوَّلًا بِتَأْوِيلَيْنِ وَهَذَا ثَالِثُهُمَا إلَّا أَنَّهُ جَعَلَ التَّأْوِيلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ بِمَنْزِلَةِ تَأْوِيلٍ وَاحِدٍ ثُمَّ بَنَى الْكَلَامَ عَلَيْهِ فَقَالَ وَالثَّانِي وَقَوْلُهُ قُلْنَا وَقَعَ زَائِدًا؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى يَتِمُّ بِدُونِهِ وَقَوْلُهُ مَحْمُولٌ عَلَى ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ لَا يَصِحُّ بِدُونِ إضْمَارٍ أَيْضًا وَمَعْنَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى نَسْخِ

ص: 31

وَأَمَّا الْجَمَاعَةُ فَإِنَّهَا تَكْمُلُ بِالْإِمَامِ حَتَّى شَرَطْنَا فِي الْجُمُعَةِ ثَلَاثَةً سِوَى الْإِمَامِ وَأَمَّا قَوْلُهُ {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] فَلِأَنَّ عَامَّةَ أَعْضَاءِ الْإِنْسَانِ زَوْجٌ فَالْحَقُّ الْفَرْدُ بِالزَّوْجِ لِعِظَمِ مَنْفَعَتِهِ كَأَنَّهُ زَوْجٌ وَقَدْ جَاءَ فِي اللُّغَةِ خِلَافُ ذَلِكَ وَقَوْلُهُ نَحْنُ فِعْلُنَا لَا يَصْلُحُ إلَّا مِنْ وَاحِدٍ يَحْكِي عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ غَيْرِهِ كَأَنَّهُ تَابِعٌ فَلَمْ يَسْتَقِمْ أَنْ يُفْرِدَ الصِّيغَةَ فَاخْتِيرَ لَهُمَا الْجَمْعُ مَجَازًا كَمَا جَازَ لِلْوَاحِدِ أَنْ يَقُولَ فَعَلْنَا كَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

ــ

[كشف الأسرار]

مَا ثَبَتَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ حُرْمَةُ السَّفَرِ لِلِاثْنَيْنِ وَلَمْ يَكُنْ هَذَا الْكَلَامُ أَعْنِي قَوْلَهُ وَالثَّانِي إلَى آخِرِهِ مَذْكُورًا فِي النُّسَخِ الْعَتِيقَةِ.

قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْجَمَاعَةُ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ إنَّ الْإِمَامَ يَتَقَدَّمُ عَلَى اثْنَيْنِ فَقَالَ إنَّمَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ مَحْسُوبٌ مِنْ الْجَمَاعَةِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ أَدَاءِ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ سِوَى الْجُمُعَةِ فَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ الْإِمَامُ مِنْ جُمْلَةِ الْجَمَاعَةِ وَإِذَا كَانَ مَعَهُ اثْنَانِ كَمُلَتْ الْجَمَاعَةُ فَيَثْبُتُ حُكْمًا وَهُوَ تَقَدُّمُ الْإِمَامِ وَاصْطِفَافُ مَنْ خَلْفَهُ بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ شَرْطُ أَدَائِهَا كَالْجَمَاعَةِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ مِنْ جُمْلَةِ الْجَمَاعَةِ فَلِهَذَا يُشْتَرَطُ ثَلَاثَةٌ سِوَى الْإِمَامِ.

1 -

قَوْلُهُ (وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] فَإِنَّمَا أَطْلَقَ اسْمَ الْجَمْعِ عَلَى أَرْبَعَةِ قُلُوبٍ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَإِنْ كَانَ فِي الصُّورَةِ قَلْبَانِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْأَعْضَاءِ الْمُنْتَفَعِ بِهَا فِي الْإِنْسَانِ زَوْجٌ فَأُلْحِقَ مَا كَانَ فَرْدًا مِنْهُ لِعِظَمِ مَنْفَعَتِهِ بِالزَّوْجِ كَمَا أُلْحِقَ الزَّوْجُ بِالْفَرْدِ فِي قَوْلِهِمْ مَشَى بِرِجْلِهِ وَسَمِعَ بِأُذُنِهِ وَأَبْصَرَ بِعَيْنِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ قَطَعَ لِسَانَ إنْسَانٍ أَوْ فَرْجَهُ يَلْزَمُهُ كَمَالُ الدِّيَةِ لِشَرَفِهِ وَعِظَمِ مَنْفَعَتِهِ كَمَا لَوْ قَطَعَ الْيَدَيْنِ فَصَارَ كُلُّ قَلْبٍ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى قَلْبَيْنِ وَإِنْ كَانَ فِي الصُّورَةِ وَاحِدًا فَلِهَذَا جَازَ إطْلَاقُ اسْمِ الْجَمْعِ عَلَيْهِمَا وَلِأَنَّ الْقَلْبَ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْمَيْلِ الْمَوْجُودِ فِيهِ فَيُقَالُ لِلْمُنَافِقِ ذُو قَلْبَيْنِ وَيُقَالُ لِلَّذِي لَا يَمِيلُ إلَّا إلَى الشَّيْءِ الْوَاحِدِ لَهُ قَلْبٌ وَاحِدٌ وَلَمَّا خَالَفَتْ حَفْصَةُ وَعَائِشَةُ أَمْرَ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم فِي شَأْنِ مَارِيَةَ وَقَعَ فِي قَلْبِهِمَا دَوَاعٍ مُخْتَلِفَةٍ وَأَفْكَارٌ مُتَبَايِنَةٌ فَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ مَنْ الْقُلُوبِ هِيَ الدَّوَاعِي وَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ وَجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْقَلْبَ لَا يُوصَفُ بِالصَّفْوِ إنَّمَا يُوصَفُ الْمَيْلُ بِهِ كَذَا فِي الْمَحْصُولِ وَقَدْ جَاءَ فِي اللُّغَةِ خِلَافُ ذَلِكَ أَيْ خِلَافُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ إطْلَاقِ الْجَمْعِ عَلَى التَّثْنِيَةِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ قَالَ الشَّاعِرُ:

ظَهْرَاهُمَا مِثْلُ ظُهُورِ التُّرْسَيْنِ

وَذَكَرَ فِي التَّيْسِيرِ وَقُلُوبُكُمَا عَلَى الْجَمْعِ مَعَ إضَافَتِهَا إلَى اثْنَيْنِ هُوَ الِاسْتِعْمَالُ الْغَالِبُ فِي اللُّغَةِ فِيمَا كَانَ فِي الْإِنْسَانِ مِنْ الْأَعْضَاءِ فَرْدًا غَيْرَ مُثَنًّى.

وَفِيهِ وَجْهَانِ آخَرَانِ الْإِفْرَادُ وَالتَّثْنِيَةُ قَالَ الشَّاعِرُ:

كَأَنَّهُ وَجْهٌ تَرَكَّبَيْنَ قَدْ غَضِبَا

مُسْتَهْدَفٌ لِطِعَانِ غَيْرِ تَرْتِيبٍ

وَقَالَ آخَرُ فِي التَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ

ظَهْرَاهُمَا مِثْلُ ظُهُورِ التُّرْسَيْنِ

قَوْلُهُ (وَقَوْلُهُمْ نَحْنُ فَعَلْنَا لَا يَصِحُّ إلَّا مَنْ يَحْكِي عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ غَيْرِهِ) يَعْنِي لَا يَصِحُّ التَّكَلُّمُ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ عَلَى سَبِيلِ الْحَقِيقَةِ إلَّا عَنْ وَاحِدٍ يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ غَيْرِهِ وَلَا يُمْكِنُ صُدُورُهَا مِنْ اثْنَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُبْتَدِئَ بِالْكَلَامِ الْوَاحِدَ لَا يَكُونُ اثْنَيْنِ بِخِلَافِ الْخِطَابِ فَإِنَّ بِالْكَلَامِ الْوَاحِدِ يَجُوزُ أَنْ يُخَاطَبَ اثْنَانِ فَصَاعِدًا عَلَى الْحَقِيقَةِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ ذَلِكَ الْغَيْرُ تَبَعًا لَهُ فِي الدُّخُولِ تَحْتَ هَذِهِ الصِّيغَةِ فَلَمْ يُفْرِدْ لَهُمَا صِيغَةً لِئَلَّا يَكُونَ التَّبَعُ مُزَاحِمًا لِلْأَصْلِ فَاخْتِيرَ لَهُمَا صِيغَةُ الْجَمْعِ مَجَازًا وَلِأَنَّهُمْ وَضَعُوا هَذِهِ الْعَلَامَاتِ الْمُمَيِّزَةَ لِدَفْعِ الِاشْتِبَاهِ عَنْ السَّامِعِ وَذَلِكَ فِي الْخِطَابِ وَالْغَيْبَةِ لَا فِي الْحِكَايَةِ؛ لِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ وَذَلِكَ الْغَيْرُ الَّذِي يُخْبِرُ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ فِعْلُنَا مُشَاهَدٌ لِلسَّامِعِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى عَلَامَةِ التَّمَيُّزِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمْ يُوضَعْ فِيهَا عَلَامَةٌ مُمَيِّزَةٌ بَيْنَ الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ اعْتِمَادًا عَلَى الْمُشَاهَدَةِ بِخِلَافِ الْخِطَابِ وَالْغَيْبَةِ.

وَذَكَرَ فِي شَرْحِ أُصُولِ الْفِقْهِ لِابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي لَفْظِ (ج م ع) أَعْنِي الْجَمْعَ لُغَةً وَهُوَ ضَمُّ شَيْءٍ إلَى شَيْءٍ فَإِنَّ ذَلِكَ مُتَحَقِّقٌ فِي الِاثْنَيْنِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ

ص: 32

وَأَمَّا الْمُشْتَرَكُ فَحُكْمُهُ الْوَقْفُ بِشَرْطِ التَّأَمُّلِ لِيَتَرَجَّحَ بَعْضُ وُجُوهِهِ لِلْعَمَلِ بِهِ وَأَمَّا الْمُؤَوَّلُ فَحُكْمُهُ الْعَمَلُ بِهِ عَلَى احْتِمَالِ السَّهْوِ وَالْغَلَطِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

ــ

[كشف الأسرار]

وَلَا فِي الضَّمِيرِ الَّذِي يَعْنِي بِهِ الْمُتَكَلِّمُ نَفْسَهُ وَغَيْرَهُ مُتَّصِلًا وَمُنْفَصِلًا، نَحْوُ نَحْنُ فَعَلْنَا لِاتِّفَاقِ اللِّسَانِ عَلَى كَوْنِهِ مَوْضُوعًا لِتَعْبِيرِ الْمَرْءِ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ غَيْرِهِ سَوَاءٌ كَانَ وَاحِدًا أَوْ جَمْعًا وَلَا فِي نَحْوِ قَوْله تَعَالَى {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] فَإِنَّ مَا يَتَعَدَّدُ مِنْ شَخْصَيْنِ فَالتَّعْبِيرُ عَنْهُ فِي اللُّغَةِ الْفَصِيحَةِ عِنْدَ إضَافَتِهِ إلَيْهِمَا أَوْ إلَى ضَمِيرِهِمَا بِصِيغَةِ الْجَمْعِ حِذَارًا مِنْ اسْتِنْقَالِ الْجَمْعِ بَيْنَ تَثْنِيَتَيْنِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي نَحْوِ رِجَالٍ وَمُسْلِمِينَ وَضَمَائِرِ الْغَيْبَةِ وَالْخِطَابِ الَّتِي يَتَرَتَّبُ فِي وَضْعِ اللِّسَانِ مَسْبُوقِيَّتُهَا بِصِيَغِ التَّثْنِيَةِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا قُلُوبُكُمَا فَإِنَّهُ مَسْبُوقٌ بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ؛ لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ مَسْبُوقِيَّتَهُ بِهَا إذْ لَا يُقَالُ قَلْبَاكُمَا فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ مَنْ اسْتَدَلَّ عَلَى كَوْنِهِ حَقِيقَةً فِي الِاثْنَيْنِ بِالصُّوَرِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا فَقَدْ حَادَ مَسْلَكَهُ عَنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَثْبُتُ بِعِلَلٍ مَخْصُوصَةٍ وَلِكُلٍّ بَابٌ وَقِيَاسٌ وَاللُّغَةُ لَا تَثْبُتُ قِيَاسًا.

وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْله تَعَالَى {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} [الأنبياء: 78] فَنَقُولُ قَدْ قِيلَ الْمُرَادُ الْحَاكِمَانِ وَهُمَا دَاوُد وَسُلَيْمَانُ وَالْمُتَحَاكِمَانِ إذْ الْمَصْدَرُ يُضَافُ إلَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ وَالْمَفْعُولِ وَإِذَا اُعْتُبِرَ الْجَمِيعُ كَانُوا أَرْبَعَةً وَقِيلَ أُضِيفَ الْحُكْمُ إلَى الْمَحْكُومِ لَهُمْ وَكَانُوا جَمَاعَةً وَعَنْ قَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ {إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ} [ص: 21] إلَى آخِرِهِ أَنَّ الْخَصْمَ الَّذِي أُسْنِدَ الْفِعْلُ إلَى ضَمِيرِهِ اسْمٌ لِلْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ كَالضَّيْفِ يُقَالُ هَذَا خَصْمِي وَهَؤُلَاءِ خَصْمِي كَمَا يُقَالُ هَذَا ضَيْفِي وَهَؤُلَاءِ ضَيْفِي وَقَدْ كَانَ الْمُتَخَاصِمُونَ جَمَاعَةً وَمَعْنَى قَوْلِهِ خَصْمَانِ فَرِيقَانِ خَصْمَانِ أَوْ فِينَا خَصْمَانِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ بَغَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَا يُقَالُ قَوْلُهُ " إنَّ هَذَا أَخِي " يَأْبَى مَا ذَكَرْت فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى اثْنَيْنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَوْلُ الْبَعْضِ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ وَالتَّحَاكُمُ كَانَ بَيْنَ مَلِيكَيْنِ لَكِنْ صَحِبَهُمَا آخَرُونَ فِي صُورَةِ الْخَصْمِ فَسُمُّوا بِهِ وَعَنْ قَوْله تَعَالَى {إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ} [الشعراء: 15] إنَّ الْمُرَادَ مُوسَى وَهَارُونُ وَفِرْعَوْنُ وَعَنْ قَوْله تَعَالَى {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا} [يوسف: 83] أَنَّ الْمُرَادَ يُوسُفُ وبنيامين وَالْأَخُ الْكَبِيرُ الَّذِي قَالَ {فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي} [يوسف: 80] عَلَى أَنَّا لَا نُنْكِرُ إطْلَاقَ اسْمِ الْجَمْعِ عَلَى الِاثْنَيْنِ مَجَازًا فَتُحْمَلُ هَذِهِ الْإِطْلَاقَاتُ عَلَى الْمَجَازِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الدَّلَائِلِ وَأَمَّا الْجَوَابُ مِنْ كَلَامِ الْفَرِيقِ الثَّالِثِ فَهُوَ أَنَّهُمْ يُرَاعُونَ صُورَةَ اللَّفْظِ حَتَّى لَمْ يَنْعَتُوا الْمُثَنَّى بِالْجَمْعِ وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَاهُ وَلَا الْجَمْعَ بِالْمُثَنَّى مُحَافَظَةً عَلَى التَّشَاكُلِ بَيْنَ الصِّفَةِ وَالْمَوْصُوفِ مَعَ كَوْنِهِمَا كَشَيْءٍ وَاحِدٍ وَقَدْ الْتَزَمَ بَعْضُهُمْ النَّعْتَ مَعَ الِاخْتِلَافِ مَجَازًا.

قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْمُشْتَرَكُ فَحُكْمُهُ الْوَقْفُ) أَيْ وَقْفُ النَّفْسِ عَلَى اعْتِقَادِ أَنَّ الثَّابِتَ بِهِ حَقٌّ أَوْ الْمُرَادَ مِنْ الْوَقْفِ التَّوَقُّفُ أَيْ حُكْمُهُ التَّوَقُّفُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ اعْتِقَادِ حُكْمٍ مَعْلُومٍ سِوَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ حَقٌّ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ التَّرْجِيحِ؛ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ تُنْبِئُ عَنْ الْمُسَاوَاةِ، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ هُوَ شَرِيكِي فِي هَذَا الْمَالِ كَانَ إقْرَارًا لَهُ بِالنِّصْفِ وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنْ لَا عُمُومَ لِلْمُشْتَرَكِ فَكَانَ الثَّابِتُ بِهِ أَحَدُ مَفْهُومَاتِهِ عَيْنًا عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِ غَيْرَ عَيْنٍ عِنْدَ السَّامِعِ فَلَا يَتَعَيَّنُ الْمُرَادُ لَهُ إلَّا بِدَلِيلٍ زَائِدٍ لِاسْتِحَالَةِ التَّرْجِيحِ بِلَا مُرَجِّحٍ فَيَجِبُ التَّوَقُّفُ وَلَكِنْ لَا يَقْعُدُ عَنْ الطَّلَبِ كَمَا لَا يَقْعُدُ فِي الْمُتَشَابِهِ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّأَمُّلُ؛ لِأَنَّ إدْرَاكَ الْمُرَادِ وَتَرَجُّحَ الْبَعْضِ فِيهِ مُحْتَمَلٌ فَيَجِبُ طَلَبُهُ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ بِشَرْطِ التَّأَمُّلِ بِخِلَافِ الْمُجْمَلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُدْرَكُ بِالتَّأَمُّلِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ التَّوَقُّفُ إلَى أَنْ يَأْتِيَهُ الْبَيَانُ. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ رحمه الله وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَتْرُكَ الطَّلَبَ وَلَهُ طَرِيقَانِ التَّأَمُّلُ فِي الصِّيغَةِ لِيَتَبَيَّنَ بِهِ

ص: 33