الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ إنَّ
الْعَامَّ يَخْتَصُّ بِسَبَبِهِ
وَهَذَا عِنْدَنَا بَاطِلٌ لِأَنَّ النَّصَّ سَاكِتٌ عَنْ سَبَبِهِ وَالسُّكُوتَ لَا يَكُونُ حُجَّةً أَلَا تَرَى أَنَّ عَامَّةَ الْحَوَادِثِ مِثْلُ الظِّهَارِ وَاللِّعَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَرَدَتْ مُقَيَّدَةً بِأَسْبَابٍ وَلَمْ تَخْتَصَّ بِهَا وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ عِنْدَنَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ مَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْجَزَاءِ فَيَخْتَصُّ بِسَبَبِهِ وَالثَّانِي مَا لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ وَالثَّالِثُ مَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْجَوَابِ وَاحْتَمَلَ الِابْتِدَاءَ وَالرَّابِعُ مَا زِيدَ عَلَى قَدْرِ الْجَوَابِ فَكَانَ ابْتِدَاءً يَحْتَمِلُ الْبِنَاءَ أَمَّا الْأَوَّلُ فَمِثْلُ مَا رُوِيَ «عَنْ النَّبِيِّ عليه السلام أَنَّهُ سَهَا فَسَجَدَ» وَرُوِيَ أَنَّ مَاعِزًا زَنَى فَرُجِمَ وَالْفَاءُ لِلْجَزَاءِ فَتَعَلَّقَ الْأَوَّلُ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ
ــ
[كشف الأسرار]
وَهُوَ قَوْله تَعَالَى وَلَا تَقْبَلُوا مَعَ قِيَامِ دَلِيلِ الِانْفِصَالِ وَهُوَ كَوْنُهُ جُمْلَةً اسْمِيَّةً غَيْرَ صَالِحَةٍ لِلْجَزَاءِ أَوْ غَيْرَ صَالِحَةٍ لِلتَّعْلِيلِ وَقُلْنَا نَحْنُ بِصِيغَةِ الْكَلَامِ أَيْ عَمِلْنَا بِمَا هُوَ مُوجَبُ الْكَلَامِ وَهُوَ أَنَّ الْقَذْفَ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الْحَدِّ وَالْعَجْزَ عَنْ الْبَيِّنَةِ شَرْطٌ لَهُ بِصِفَةِ التَّرَاخِي يَعْنِي لَيْسَ الشَّرْطُ هُوَ الْعَجْزُ الْمُتَّصِلُ بِالْقَذْفِ فِي الْحَالِ لَكِنَّ الشَّرْطَ هُوَ الْعَجْزُ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ الْمُهْلَةِ الْمُؤَقَّتَةِ إلَى آخِرِ مَجْلِسِ الْحُكْمِ أَوْ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ إلَى مَا يَرَاهُ الْقَاضِي كَمَا فِي سَائِرِ الدَّعَاوَى فَإِنْ عَجَزَ بَعْدَ ذَلِكَ تَحَقَّقَ الشَّرْطُ وَصَارَ الْقَذْفُ حِينَئِذٍ فِسْقًا مُقْتَصِرًا عَلَى الْحَالِ لَا أَنَّهُ ظَهَرَ كَوْنُهُ جِنَايَةً مِنْ الْأَصْلِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ قَذْفُ حِسْبَةٍ بِأَنْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ عَلَى صِدْقِ مَقَالَتِهِ وَلَكِنَّهُ عَجَزَ عَنْ إقَامَتِهَا لِمَوْتِهِمْ فِي مُدَّةِ الْمُهْلَةِ أَوْ لِغَيْبَتِهِمْ أَوْ لِامْتِنَاعِهِمْ مِنْ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ فَلِذَلِكَ يَقْتَصِرُ عَلَى حَالَةِ الْعَجْزِ وَالرَّدُّ حَدٌّ مُشَارِكٌ لِلْجَلْدِ فَيَثْبُتُ الرَّدُّ مُقَارِنًا لِلْجَلْدِ لِأَنَّهُ عَطْفٌ بِالْوَاوِ عَلَى الْجَلْدِ فَلَا يَثْبُتُ قَبْلَهُ لَكِنَّهُ يَثْبُتُ مُقَارِنًا لِأَنَّ الْوَاوَ لَا تُوجِبُ التَّرَاخِي وَالْعَجْزَ عَطْفٌ بِثُمَّ وَهِيَ تُوجِبُ التَّرَاخِي.
[الْعَامَّ يَخْتَصُّ بِسَبَبِهِ]
قَوْلُهُ (وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ) إلَى آخِرِهِ اللَّفْظُ الْعَامُّ إذَا وَرَدَ بِنَاءً عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ يَجْرِي عَلَى عُمُومِهِ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ سَوَاءٌ كَانَ السَّبَبُ سُؤَالَ سَائِلٍ أَوْ وُقُوعَ حَادِثَةٍ وَمَعْنَى الْوُرُودِ عَلَى سَبَبِ صُدُورِهِ عِنْدَ أَمْرٍ دَعَاهُ إلَى ذِكْرِهِ وَمَعْنَى الِاخْتِصَاصِ بِالسَّبَبِ اقْتِصَارُهُ عَلَيْهِ وَعَدَمُ تَعَدِّيهِ عَنْهُ وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ يَخْتَصُّ بِسَبَبِهِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيّ وَالْقَفَّالِ وَأَبِي بَكْرٍ الدَّقَّاقِ وَأَبِي ثَوْرٍ وَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ أَبُو الْفَرَجِ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ إلَى أَنَّ السَّبَبَ إنْ كَانَ سُؤَالَ سَائِلٍ يَخْتَصُّ بِهِ وَإِنْ كَانَ وُقُوعَ حَادِثَةٍ لَا يَخْتَصُّ بِهِ احْتَجَّ مَنْ قَالَ بِالتَّخْصِيصِ مُطْلَقًا بِأَنَّ السَّبَبَ لَمَّا كَانَ هُوَ الَّذِي أَثَارَ الْحُكْمَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا قَبْلَهُ تَعَلَّقَ بِهِ تَعَلُّقَ الْمَعْلُولِ بِالْعِلَّةِ فَيَخْتَصُّ بِهِ وَبِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَامًّا لَمْ يَكُنْ فِي نَقْلِ السَّبَبِ فَائِدَةٌ إذْ لَا فَائِدَةَ لَهُ إلَّا اقْتِصَارُ الْخِطَابِ عَلَيْهِ وَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى نَقْلِهِ وَبِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَامًّا لَجَازَ تَخْصِيصُ السَّبَبِ وَإِخْرَاجُهُ عَنْ الْعُمُومِ بِالِاجْتِهَادِ كَمَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ غَيْرِهِ لِأَنَّ نِسْبَةَ الْعُمُومِ إلَى جَمِيعِ الصُّوَرِ الدَّاخِلَةِ تَحْتَهُ مُتَسَاوِيَةٌ وَبِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْجَوَابِ أَنْ يَكُونَ مُطَابِقًا لِلسُّؤَالِ وَإِنَّمَا يَكُونُ مُطَابِقًا بِالْمُسَاوَاةِ وَإِذَا أَجْرَيْنَاهُ عَلَى عُمُومِهِ لَمْ يَبْقَ مُطَابِقًا بَلْ يَصِيرُ ابْتِدَاءَ كَلَامٍ وَاحْتَجَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وُرُودِهِ بِنَاءً عَلَى وُقُوعِ حَادِثَةٍ وَبَيْنَ وُرُودِهِ بِنَاءً عَلَى سُؤَالِ سَائِلٍ بِأَنَّ الشَّارِعَ إذَا ابْتَدَأَ بَيَانَ الْحُكْمِ فِي حَادِثَةٍ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ مُقْتَضَى اللَّفْظِ إذْ لَا مَانِعَ مِنْهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا سُئِلَ عَنْهُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَمْ يُورِدْ الْكَلَامَ ابْتِدَاءً وَإِنَّمَا أَوْرَدَهُ لِيَكُونَ جَوَابًا عَنْ السُّؤَالِ وَكَوْنُهُ جَوَابًا عَنْهُ يَقْتَضِي قَصْرَهُ عَلَيْهِ وَحُجَّةُ الْعَامَّةِ أَنَّ الِاعْتِبَارَ لِلَّفْظِ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ لِأَنَّ التَّمَسُّكَ بِهِ دُونَ السَّبَبِ وَاللَّفْظَ يَقْتَضِي الْعُمُومَ بِإِطْلَاقِهِ فَيَجِبُ إجْرَاؤُهُ عَلَى عُمُومِهِ إذَا لَمْ يَمْنَعْ عَنْهُ مَانِعٌ وَالسَّبَبُ لَا يَصْلُحُ مَانِعًا لِأَنَّهُ لَا يُنَافِي عُمُومَهُ وَالْمَانِعُ هُوَ الْمُنَافِي يُبَيِّنُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَانِعًا لَكَانَ تَصْرِيحُ الشَّارِعِ بِإِجْرَائِهِ عَلَى الْعُمُومِ إثْبَاتَ الْعُمُومِ مَعَ انْتِفَاءِ الْعُمُومِ وَهُوَ فَاسِدًا وَإِبْطَالَ الدَّلِيلِ الْمُخَصِّصِ وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ.
وَلِأَنَّ النَّصَّ وَهُوَ الْعَامُّ سَاكِتٌ عَنْ سَبَبِهِ أَيْ عَنْ اقْتِصَارِهِ عَلَى سَبَبِهِ وَالسُّكُوتَ لَا يَكُونُ حُجَّةً يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَا إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ رضي الله عنهم عَلَى إجْرَاءِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كشف الأسرار]
النُّصُوصِ الْعَامَّةِ الْوَارِدَةِ مُقَيَّدَةً بِأَسْبَابٍ عَلَى عُمُومِهَا فَإِنَّ آيَةَ الظِّهَارِ نَزَلَتْ فِي خَوْلَةَ امْرَأَةِ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ وَآيَةَ اللِّعَانِ نَزَلَتْ فِي هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ حِينَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ لِشَرِيكٍ ابْنِ سَحْمَاءَ أَوْ فِي عُوَيْمِرٍ الْعَجْلَانِيُّ وَآيَةَ الْقَذْفِ نَزَلَتْ فِي قَذَفَةِ عَائِشَةَ رضي الله عنها وَآيَةَ السَّرِقَةِ فِي سَرِقَةِ رِدَاءِ صَفْوَانَ أَوْ سَرِقَةِ الْمِجَنِّ وَقَوْلَهُ عليه السلام «أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» فِي شَاةِ مَيْمُونَةَ وَلَمْ يَخُصُّوا هَذِهِ الْعُمُومَاتِ بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْعَامَّ لَا يَخْتَصُّ بِسَبَبِهِ أَمَّا قَوْلُهُمْ السَّبَبُ مُؤَثِّرٌ لِلْحُكْمِ فَصَارَ كَالْمَعْلُولِ مَعَ الْعِلَّةِ فَنَقُولُ: لَيْسَ الْكَلَامُ فِي مِثْلِ هَذَا السَّبَبِ حَتَّى لَوْ كَانَ السَّبَبُ الْمَنْقُولُ هُوَ الْمُؤَثِّرُ كَانَ الْحُكْمُ مُتَعَلِّقًا بِهِ أَيْضًا.
وَقَوْلُهُمْ إنَّ مِنْ شَرْطِ الْجَوَابِ أَنْ يَكُونَ مُطَابِقًا لِلسُّؤَالِ قُلْنَا: إنْ أَرَدْتُمْ بِاشْتِرَاطِ الْمُطَابَقَةِ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ مُسَاوِيًا لِلسُّؤَالِ فَهُوَ مَمْنُوعٌ عَادَةً وَشَرِيعَةً أَمَّا عَادَةً فَلِأَنَّ الْمُجِيبَ قَدْ يَزِيدُ عَلَى قَدْرِ الْجَوَابِ مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ يُرَدُّ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا شَرِيعَةً فَلِأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا سَأَلَ مُوسَى عليه السلام عَمَّا فِي يَمِينِهِ بِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى} [طه: 17] زَادَ مُوسَى عليه السلام عَلَى قَدْرِ الْجَوَابِ فَقَالَ {هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} [طه: 18]«وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا سُئِلَ عَنْ التَّوَضُّؤِ بِمَاءِ الْبَحْرِ قَالَ هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ وَالْحِلُّ مَيْتَتُهُ» فَأَجَابَ وَزَادَ وَإِنْ زَادَ بِاشْتِرَاطِهَا الْكَشْفَ عَنْ السُّؤَالِ وَبَيَانَ حُكْمِهِ فَلَا نُسَلِّمُ عَدَمَ الْمُطَابَقَةِ لِأَنَّهُ طَابَقَ وَزَادَ فَإِنْ قِيلَ الْأَوْلَى تَرْكُ الزِّيَادَةِ فِي الْجَوَابِ رِعَايَةً لِلتَّنَاسُبِ بَيْنَهُمَا قُلْنَا: بِأَنَّ إفَادَةَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ أَوْلَى مِنْ رِعَايَةِ الْأَحْكَامِ اللَّفْظِيَّةِ وَقَوْلَهُمْ لَوْ كَانَ عَامًّا لَجَازَ تَخْصِيصُ السَّبَبِ بِالِاجْتِهَادِ قُلْنَا: إنَّمَا لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي الْخِطَابِ قَطْعًا إذْ الْكَلَامُ فِي أَنَّهُ بَيَانٌ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ أَمْ بَيَانٌ لَهُ خَاصَّةً فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْأَلَ عَنْ شَيْءٍ فَيُجِيبَ عَنْ غَيْرِهِ وَلَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يُجِيبَ عَنْهُ وَعَنْ غَيْرِهِ.
وَقَوْلُهُمْ لَوْ كَانَ عَامًّا لَمْ يَكُنْ فِي نَقْلِ السَّبَبِ فَائِدَةٌ قُلْنَا: فَائِدَتُهُ مَعْرِفَةُ أَسْبَابِ التَّنْزِيلِ وَالسِّيَرِ وَالْقَصَصِ وَاتِّسَاعِ عِلْمِ الشَّرِيعَةِ وَأَيْضًا امْتِنَاعِ إخْرَاجِ السَّبَبِ بِحُكْمِ التَّخْصِيصِ بِالِاجْتِهَادِ قَوْلُهُ (وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ) وَلَمَّا بَيَّنَ الشَّيْخُ الْخِلَافَ فِي تَخْصِيصِ الْعَامِّ بِالسَّبَبِ وَلَمْ يُبَيِّنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّبَبِ سَبَبُ الْوُجُوبِ أَوْ سَبَبُ الْوُرُودِ وَأَنَّ الْمُرَادَ لَوْ كَانَ سَبَبُ الْوُرُودِ أُرِيدَ بِهِ السَّبَبُ الْخَاصُّ أَوْ الْعَامُّ وَلَا بُدَّ مِنْ تَفْصِيلِ ذَلِكَ لِيَتَّضِحَ صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ شَرَعَ فِيهِ فَقَالَ: وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ أَيْ جُمْلَةُ مَا يَخْتَصُّ بِالسَّبَبِ وَمَا لَا يَخْتَصُّ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ سَبَبَ وُجُوبٍ أَوْ سَبَبَ وُرُودٍ وَسَوَاءٌ كَانَ اللَّفْظُ عَامًّا أَوْ خَاصًّا أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ الْأَوَّلُ مَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْجَزَاءِ لِمَا تَقَدَّمَهُ فَيَخْتَصُّ بِهِ لِأَنَّهُ جُعِلَ جَزَاءً لِمَا تَقَدَّمَهُ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُتَقَدِّمَ سَبَبُ وُجُوبِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2] وَقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ {فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] لَمَّا أُخْرِجَا مَخْرَجَ الْجَزَاءِ لِقَوْلِهِ {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} [النور: 2] .
وَقَوْلِهِ {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} [المائدة: 38] كَانَ الزِّنَا وَالسَّرِقَةُ سَبَبَيْ وُجُوبِهِمَا وَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ مَا تَقَدَّمَهُ سَبَبُ وُجُوبِهِ يَخْتَصُّ بِهِ أَيْ يَرْتَبِطُ بِهِ لِأَنَّ الْحُكْمَ يَخْتَصُّ بِسَبَبِهِ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّ الْحُكْمَ كَمَا لَا يَثْبُتُ بِدُونِ عِلَّتِهِ لَا يَبْقَى بِدُونِ الْعِلَّةِ مُضَافًا إلَيْهَا بَلْ الْبَقَاءُ بِدُونِهَا يَكُونُ مُضَافًا إلَى عِلَّةٍ أُخْرَى إلَيْهِ أَشَارَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ رحمه الله وَالثَّانِي مَا لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ أَيْ لَا يُفْهَمُ بِدُونِ مَا تَقَدَّمَهُ مِنْ السَّبَبِ فَيَخْتَصُّ بِهِ أَيْ يَتَعَلَّقُ بِهِ أَيْضًا لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَسْتَقِلَّ بِنَفْسِهِ مَا لَمْ يَرْتَبِطْ بِمَا قَبْلَهُ مِنْ السَّبَبِ صَارَ كَبَعْضِ الْكَلَامِ مِنْ جُمْلَتِهِ فَلَا يَجُوزُ فَضْلَةٌ لِلْعَمَلِ بِهِ وَالثَّالِثُ مَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ وَلَكِنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْجَوَابِ وَهُوَ غَيْرُ
وَأَمَّا الثَّانِي فَمِثْلُ الرَّجُلِ يَقُولُ لِآخَرَ: لَيْسَ لِي عَلَيْك كَذَا فَيَقُولُ: بَلَى أَوْ يَقُولُ: كَانَ كَذَا فَيَقُولُ: نَعَمْ يُجْعَلُ إقْرَارًا وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: أَجَلْ هَذَا أَصْلُ بَلَى وَنَعَمْ أَنْ يَكُونَ بَلَى بِنَاءً عَلَى النَّفْيِ فِي الِابْتِدَاءِ مَعَ الِاسْتِفْهَامِ وَنَعَمْ لِمَحْضِ الِاسْتِفْهَامِ وَأَجَلْ يَجْمَعُهُمَا وَقَدْ يُسْتَعْمَلَانِ فِي غَيْرِ الِاسْتِفْهَامِ عَلَى إدْرَاجِ الِاسْتِفْهَامِ أَوْ مُسْتَعَارٌ لِذَلِكَ وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ مُحَمَّدٌ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ فِي نَعَمْ مِنْ غَيْرِ الِاسْتِفْهَامِ أَيْضًا
ــ
[كشف الأسرار]
زَائِدٍ عَلَى مِقْدَارِ الْجَوَابِ فَهَذَا يَتَقَيَّدُ بِمَا سَبَقَ وَيَصِيرُ مَا ذَكَرَ فِي السُّؤَالِ كَالْمُعَادِ فِي الْجَوَابِ لِأَنَّهُ بِنَاءٌ عَلَيْهِ وَلَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ الِابْتِدَاءَ لِاسْتِقْلَالِهِ فَإِذَا نَوَاهُ يُصَدَّقُ دِيَانَةً وَقَضَاءً وَالرَّابِعُ مَا يَكُونُ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ زَائِدًا عَلَى قَدْرِ الْجَوَابِ فَهَذَا مِنْ صُوَرِ الْخِلَافِ وَذُكِرَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْأُصُولِ بِهَذَا التَّرْتِيبِ وَهُوَ أَنَّ الْخِطَابَ الْوَارِدَ جَوَابًا لِسُؤَالِ سَائِلٍ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ دُونَ السُّؤَالِ أَوْ لَمْ يَكُنْ وَالثَّانِي تَابِعٌ لِلسُّؤَالِ فِي عُمُومِهِ وَخُصُوصِهِ أَمَّا فِي عُمُومِهِ فَمِثْلُ مَا رُوِيَ «عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ فَقَالَ أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذَا يَبِسَ فَقَالُوا نَعَمْ قَالَ فَلَا إذَنْ» فَالسُّؤَالُ لَمَّا كَانَ غَيْرَ مُخْتَصٍّ بِأَحَدٍ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ وَهُوَ عَدَمُ الْجَوَازِ عَمَّ الْكُلَّ عِنْدَ مَنْ قَالَ بِصِحَّةِ الْحَدِيثِ وَأَمَّا فِي خُصُوصِهِ فَكَمَا لَوْ سَأَلَهُ سَائِلٌ أَيُجْزِئُنِي التَّوَضُّؤُ بِمَاءِ الْبَحْرِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ لَا يَدُلُّ عَلَى التَّعْمِيمِ فِي حَقِّ الْغَيْرِ.
وَالْأَوَّلُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُسْتَقِلًّا لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا لِلسُّؤَالِ أَوْ أَخَصَّ أَوْ أَعَمَّ فَإِنْ كَانَ مُسَاوِيًا فَالْحُكْمُ فِي عُمُومِهِ وَخُصُوصِهِ عِنْدَ كَوْنِ السُّؤَالِ عَامًّا كَمَا «سُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَمَّنْ يَرْكَبُ الْبَحْرَ أَيَتَوَضَّأُ بِمَاءِ الْبَحْرِ فَقَالَ عليه السلام الْبَحْرُ هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ» أَوْ خَاصًّا كَمَا سَأَلَهُ الْأَعْرَابِيُّ عَنْ وَطْئِهِ امْرَأَتَهُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ فَقَالَ أَعْتِقْ رَقَبَةً كَالْحُكْمِ فِي غَيْرِ الْمُسْتَقِلِّ حَتَّى عَمَّ جَوَابُ الْأَوَّلِ لِلْكُلِّ وَيَخْتَصُّ جَوَابُ الثَّانِي بِالْأَعْرَابِيِّ وَإِنْ كَانَ أَخَصَّ كَمَا لَوْ سُئِلَ عَنْ التَّوَضُّؤِ بِمَاءِ الْبَحْرِ فَنَقُولُ يَجُوزُ لَك فَالْجَوَابُ يَخْتَصُّ بِالسَّائِلِ وَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ إلَّا بِدَلِيلٍ آخَرَ مِنْ دَلَالَةٍ أَوْ قِيَاسٍ أَوْ نَحْوِهِمَا إذْ اللَّفْظُ لَا عُمُومَ لَهُ وَإِنْ كَانَ أَعَمَّ مِنْ السُّؤَالِ أَوْ الْحَادِثَةِ الَّتِي وَرَدَ فِيهَا فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ أَعَمَّ فِي حُكْمٍ آخَرَ أَوْ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ كَمَا «سُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ التَّوَضُّؤِ بِمَاءِ الْبَحْرِ فَقَالَ هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلِّ مَيْتَتُهُ» فَلَا خِلَافَ فِي عُمُومِهِ فِي الْحُكْمِ الْآخَرِ وَهُوَ حِلُّ مَيْتَتِهِ فِي الْمِثَالِ لِأَنَّهُ عَامٌّ مُبْتَدَأٌ بِهِ لَا فِي مَعْرَضِ الْجَوَابِ إذْ هُوَ غَيْرُ مَسْئُولٍ عَنْهُ.
وَإِنْ كَانَ الثَّانِي كَقَوْلِهِ عليه السلام «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ لِمَنْ قَالَ أَيُجْزِئُنِي التَّوَضُّؤُ بِمَاءِ الْبَحْرِ» «وَكَقَوْلِهِ عليه السلام لَمَّا مَرَّ بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ كَانَتْ لِمَيْمُونَةَ أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» فَهُوَ مَحَلُّ الْخِلَافِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فَتَبَيَّنَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ السَّبَبِ سَبَبُ الْوُرُودِ وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ السَّبَبُ أَخَصَّ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَامًّا أَيْضًا عَمَّ الْحُكْمُ بِالِاتِّفَاقِ لَكِنْ لِعُمُومِ اللَّفْظِ عِنْدَ الْعَامَّةِ وَلِعُمُومِ السَّبَبِ عِنْدَهُمْ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ يَعْنِي فِي مَسْأَلَةِ الْقَذْفِ أَنَّ الْجَزَاءَ مُفْتَقِرٌ إلَى الشَّرْطِ مُتَعَلِّقٌ بِهِ (قَوْلُهُ وَأَمَّا الثَّانِي) فَكَذَا اعْلَمْ أَنَّ نَعَمْ وَبَلَى وَأَجَلْ مِنْ حُرُوفِ التَّصْدِيقِ فَأَمَّا نَعَمْ فَمُوجَبُهُ تَصْدِيقُ مَا قَبْلَهُ مِنْ كَلَامٍ مَنْفِيٍّ أَوْ مُثْبَتٍ كَمَا إذَا قِيلَ لَك قَامَ زَيْدٌ فَقُلْت نَعَمْ كَانَ الْمَعْنَى قَامَ أَوْ قِيلَ لَك لَمْ يَقُمْ زَيْدٌ فَقُلْت نَعَمْ كَانَ الْمَعْنَى لَمْ يَقُمْ وَكَذَلِكَ إذَا وَقَعَ الْكَلَامَانِ بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِفْهَامِ فَإِذَا قِيلَ أَقَامَ زَيْدٌ أَوْ أَلَمْ يَقُمْ زَيْدٌ فَقَدْ حَقَقْت مَا بَعْدَ الْهَمْزَةِ وَأَمَّا بَلَى فَالْإِيجَابُ مَا بَعْدَ النَّفْيِ اسْتِفْهَامًا كَانَ أَوْ خَبَرًا فَإِذَا قِيلَ: لَمْ يَقُمْ زَيْدٌ أَوْ أَلَمْ يَقُمْ زَيْدٌ فَقُلْت بَلَى كَانَ مَعْنَاهُ قَدْ قَامَ وَأَمَّا أَجَلْ فَلَا يُصَدَّقُ بِهِ إلَّا فِي الْخَبَرِ خَاصَّةً نَفْيًا كَانَ أَوْ إثْبَاتًا يَقُولُ الْقَائِلُ: قَدْ أَتَاك زَيْدٌ أَوْ لَمْ يَأْتِك فَتَقُولُ أَجَلْ وَلَا يُسْتَعْمَلُ فِي جَوَابِ الِاسْتِفْهَامِ
هَذَا هُوَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كشف الأسرار]
الْمَذْكُورُ فِي كُتُبِ النَّحْوِ وَاخْتَارَ الشَّيْخُ أَنَّ الِاسْتِفْهَامَ لَازِمٌ فِيمَا وَقَعَ بَلَى أَوْ نَعَمْ جَوَابًا لَهُ بِاعْتِبَارِ أَصْلِ الْوَضْعِ وَأَنَّ أَجَلْ يُسْتَعْمَلُ فِي الِاسْتِفْهَامِ أَيْضًا فَإِذَا قَالَ: أَلَيْسَ لِي عَلَيْك أَلْفُ دِرْهَمٍ؟ فَقَالَ: بَلَى يَكُونُ إقْرَارًا لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ تَصْدِيقًا لِمَا بَعْدَ النَّفْيِ كَانَ مَعْنَاهُ لَك عَلَيَّ أَلْفٌ وَلَوْ قَالَ: نَعَمْ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ إقْرَارًا لِأَنَّهُ تَصْدِيقٌ لِمَا بَعْدَ الْهَمْزَةِ فِي الِاسْتِفْهَامِ فَكَانَ مَعْنَاهُ لَيْسَ لَك عَلَيَّ أَلْفٌ وَلَوْ قَالَ: أَكَانَ لِي عَلَيْك كَذَا فَقَالَ: نَعَمْ يَكُونُ إقْرَارًا لِمَا ذَكَرْنَا وَلَوْ قَالَ: بَلَى يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ إقْرَارًا لِأَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِي النَّفْيِ وَذَكَرَ صَاحِبُ كِتَابِ بَيَانِ حَقَائِقِ الْحُرُوفِ إذَا قَالَ الرَّجُلُ لِآخَرَ: اقْضِ الدِّرْهَمَ الَّذِي لِي عَلَيْك فَقَالَ: نَعَمْ فَقَدْ أَقَرَّ بِهِ لِأَنَّهُ صَدَّقَهُ فِيمَا قَالَ وَإِذَا قَالَ: بَلَى لَا يَكُونُ إقْرَارًا لِأَنَّ بَلَى لَمْ يَأْتِ فِي الْقُرْآنِ وَلَا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ إلَّا بَعْدَ نَفْيٍ وَلَمْ يَتَقَدَّمْ هَاهُنَا نَفْيٌ وَإِنْ قَالَ: أَلَيْسَ قَدْ أَقْرَضْتَنِي أَلْفَ دِرْهَمٍ فَقَالَ الطَّالِبُ بَلَى فَجَحَدَ الْمُقِرُّ لَزِمَهُ الْمَالُ لِأَنَّ هَذَا اسْتِفْهَامٌ فِيهِ مَعْنَى التَّقْرِيرِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} [الزمر: 36] .
وَمَعْنَى التَّقْرِيرِ أَنَّك قَدْ أَقْرَضْتَنِي وَقَوْلِ الطَّالِبِ بَلَى تَصْدِيقٌ لَهُ فِي الْإِقْرَارِ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ لَا يَكُونُ إقْرَارًا لِأَنَّهُ صَدَّقَهُ فِي النَّفْيِ وَكَذَا إذَا قَالَ: مَالَكَ عَلَيَّ شَيْءٌ فَقَالَ: نَعَمْ يَكُونُ تَصْدِيقًا وَلَوْ قَالَ: بَلَى يَكُونُ رَدًّا قَالَ: وَهَذَا حَقِيقَةُ الْعَرَبِيَّةِ إلَّا أَنَّ الْفُقَهَاءَ يُجَوِّزُونَ أَنْ يُسْتَعْمَلَ بَلَى فِي مَوْضِعِ نَعَمْ وَنَعَمْ فِي مَوْضِعِ بَلَى وَلَا يُفَرِّقُونَ فِي الْجَوَابِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ بَيْنَهُمَا قَالَ وَذَكَرَ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ فِي الْمُنْتَقَى فِي رَجُلٍ قَالَ لِآخَرَ: أَطَلَّقْت امْرَأَتَك فَقَالَ (ن ع م) أَوْ قَالَ (ب ل ى) قَالَ: هِيَ طَالِقٌ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ نَعَمْ وَبَلَى وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ جَوَابُهَا نَعَمْ أَوْ لَا، لَا بَلَى لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ فِيهَا نَفْيٌ هَذَا أَصْلُ بَلَى وَنَعَمْ أَيْ مَا ذَكَرْنَا هُوَ الْمُوجَبُ الْأَصْلِيُّ لِهَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بَلَى جَوَابًا لِلنَّفْيِ مَعَ الِاسْتِفْهَامِ وَنَعَمْ لِمَحْضِ الِاسْتِفْهَامِ نَفْيًا كَانَ أَوْ إثْبَاتًا بِشَرْطِ الِاسْتِفْهَامِ فِيهِمَا وَهَكَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ أَيْضًا لِأَنَّ أَكْثَرَ اسْتِعْمَالِهَا فِي جَوَابِ الِاسْتِفْهَامِ وَأَجَلْ يَجْمَعُهُمَا أَيْ يَشْمَلُ الْمَعْنَيَيْنِ فَيُسْتَعْمَلُ فِي مَوْضِعِ بَلَى وَفِي مَوْضِعِ نَعَمْ وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ هَذَا خِلَافٌ مَوْضُوعُهُ فِي اللُّغَةِ وَلَكِنَّهُمْ اعْتَبَرُوا فِي اسْتِعْمَالِ هَذِهِ الْحُرُوفِ الْعُرْفَ فَبَنَوْا الْأَحْكَامَ عَلَيْهِ عَلَى أَنَّهُ ذُكِرَ فِي الصِّحَاحِ أَنَّ أَجَلْ جَوَابٌ مِثْلُ نَعَمْ قَالَ الْأَخْفَشُ: إلَّا أَنَّهُ أَحْسَنُ مِنْ نَعَمْ فِي التَّصْدِيقِ وَنَعَمْ أَحْسَنُ مِنْهُ فِي الِاسْتِفْهَامِ فَإِذَا قَالَ: أَنْتَ سَوْفَ تَذْهَبُ؟ قُلْت: أَجَلْ وَكَانَ أَحْسَنَ مِنْ نَعَمْ وَإِذَا قَالَ: أَتَذْهَبُ؟ قُلْت: نَعَمْ وَكَانَ أَحْسَنَ مِنْ أَجَلْ وَذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي شَرْحِ الْمُفَصَّلِ أَنَّ أَجَلْ يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ بَعْدَ الِاسْتِفْهَامِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَعْرُوفٍ.
وَقَدْ يُسْتَعْمَلَانِ أَيْ نَعَمْ وَبَلَى فِي غَيْرِ الِاسْتِفْهَامِ أَيْ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الِاسْتِفْهَامِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ اسْتِعْمَالِهِمَا فِي أَصْلِ الْوَضْعِ عَلَى مَا اخْتَارَهُ الشَّيْخُ عَلَى إدْرَاجِ الِاسْتِفْهَامِ أَيْ إضْمَارِ حَرْفِ الِاسْتِفْهَامِ فِي الْكَلَامِ أَوْ مُسْتَعَارًا لِذَلِكَ أَيْ يُسْتَعَارُ هَذَا الْكَلَامُ الْخَالِي عَنْ الِاسْتِفْهَامِ لِلِاسْتِفْهَامِ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِمَا كَلَامَيْنِ خَبَرِيَّيْنِ لِأَصْلِ الْوَضْعِ أَوْ بِاعْتِبَارِ مُسَاوَاتِهِمَا فِي الصُّورَةِ كَمَا إذَا قَالَ: عَلَيْك لِي أَلْفُ دِرْهَمٍ فَقَالَ: نَعَمْ يُجْعَلُ إقْرَارًا أَوْ يُضْمَرُ حَرْفُ الِاسْتِفْهَامِ كَأَنَّهُ قَالَ: أَعَلَيْكَ لِي أَلْفُ دِرْهَمٍ كَمَا أُضْمِرَ فِي قَوْله تَعَالَى إخْبَارًا وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَيْ أَتِلْكَ أَوْ يُجْعَلُ قَوْلُهُ عَلَيْك لِي أَلْفٌ مُسْتَعَارًا لِقَوْلِك أَعَلَيْكَ لِي أَلْفٌ وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ أَيْ
وَأَمَّا الثَّالِثُ فَمِثْلُ قَوْلِ الرَّجُلِ لِرَجُلٍ تَغَدَّ مَعِي فَيَقُولُ الْآخَرُ: إنْ تَغَدَّيْت فَعَبْدِي حُرٌّ أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ وَكَذَلِكَ إذَا قِيلَ: إنَّك تَغْتَسِلُ اللَّيْلَةَ فِي هَذِهِ الدَّارِ مِنْ جَنَابَةٍ فَقَالَ: إنْ اغْتَسَلْتُ فَعَبْدِي حُرٌّ هَذَا خَرَجَ جَوَابًا فَتَضَمَّنَ إعَادَةَ السُّؤَالِ الَّذِي سَبَقَ وَقَدْ يَحْتَمِلُ الِابْتِدَاءَ وَلَوْ قَالَ: إنْ اغْتَسَلْتُ اللَّيْلَةَ أَوْ فِي هَذِهِ الدَّارِ فَعَبْدِي حُرٌّ صَارَ مُبْتَدَأً احْتِرَازًا عَنْ إلْغَاءِ الزِّيَادَةِ فَإِنْ عَنَى بِهِ الْجَوَابَ صَدَقَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَيَصِيرُ الزِّيَادَةُ تَوْكِيدًا وَأَمْثِلَتُهُ كَثِيرَةٌ.
وَمِنْ ذَلِكَ
ــ
[كشف الأسرار]
الِاسْتِعْمَالَ فِي غَيْرِ الْمَحَلِّ مُحَمَّدٌ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ فِي كَلِمَةِ نَعَمْ خَاصَّةً مِنْ غَيْرِ اسْتِفْهَامٍ صَرِيحًا وَمِنْ غَيْرِ احْتِمَالِ الِاسْتِفْهَامِ إدْرَاجًا فَقَالَ: إذَا قَالَ لِآخَرَ: اقْضِ الْأَلْفَ الَّتِي لِي عَلَيْك فَقَالَ: نَعَمْ يُجْعَلُ إقْرَارًا.
وَكَذَا إذَا قَالَ الطَّالِبُ لِرَجُلٍ: أَخْبِرْ فُلَانًا أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَيْك كَذَا أَوْ أَعْلِمْهُ أَوْ بَشِّرْهُ أَوْ قُلْ لَهُ فَقَالَ الْمَطْلُوبُ نَعَمْ يَكُونُ إقْرَارًا وَلَا يُمْكِنُ هَاهُنَا إضْمَارُ حَرْفِ الِاسْتِفْهَامِ لِأَنَّهُ أَمْرٌ وَمَحَلُّ الِاسْتِفْهَامِ الْخَبَرُ فَكَانَ هَذَا طَرِيقًا آخَرَ اخْتَارَهُ مُحَمَّدٌ بِنَاءً عَلَى الْعُرْفِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ بَلَى وَنَعَمْ فِي جَوَابِ مَا لَيْسَ بِاسْتِفْهَامٍ عَلَى أَنْ يُقَدَّرَ فِيهِ مَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ أَوْ يَكُونَ مُسْتَعَارًا هَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ اللُّغَةِ فَأَمَّا مُحَمَّدٌ فَقَدْ ذَكَرَ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ مَسَائِلَ بَنَاهَا عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَاتِ مِنْ غَيْرِ اسْتِفْهَامٍ فِي السُّؤَالِ أَوْ احْتِمَالِ اسْتِفْهَامٍ وَجَعَلَهَا إقْرَارًا صَحِيحًا بِطَرِيقِ الْجَوَابِ وَكَأَنَّهُ تَرَكَ اعْتِبَارَ حَقِيقَةِ اللُّغَةِ فِيهَا بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالُ.
وَوَجْهٌ آخَرُ أَنْ يُقَالَ مَعْنَاهُ أَنَّهُمَا يُسْتَعْمَلَانِ فِي غَيْرِ الِاسْتِفْهَامِ عَلَى إدْرَاجِ الِاسْتِفْهَامِ إنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ أَوْ مُسْتَعَارًا لِلِاسْتِفْهَامِ إنْ لَمْ يُمْكِنْ وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ أَيْ هَذَا الْوَجْهَ الْأَخِيرَ مُحَمَّدٌ فِي كَلِمَةِ نَعَمْ مِنْ غَيْرِ اسْتِفْهَامٍ صَرِيحًا وَمِنْ غَيْرِ احْتِمَالٍ الِاسْتِفْهَامَ إضْمَارًا فَكَانَ مُسْتَعَارًا كَقَوْلِهِ اقْضِ الْأَلْفَ الَّتِي لِي عَلَيْك لَمَّا لَمْ يَحْتَمِلْ الِاسْتِفْهَامَ يُجْعَلُ مُسْتَعَارًا لِلِاسْتِفْهَامِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى الْخَبَرِ وَصَلَاحِيَّةُ الْخَبَرِ لِلِاسْتِفْهَامِ فَيُجْعَلُ كَأَنَّهُ قَالَ: قَضَاءُ الْأَلْفِ وَاجِبٌ لِي عَلَيْك فَاقْضِهَا ثُمَّ يُجْعَلُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ أَتَقْضِي الْأَلْفَ.
وَقَوْلُهُ نَعَمْ لَمَّا تَضَمَّنَ إعَادَةَ مَا سَبَقَ صَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: اقْضِ الْأَلْفَ الَّتِي لَك عَلَيَّ فَتَصْلُحُ جَوَابًا قَوْلُهُ (وَأَمَّا الثَّالِثُ) وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ وَلَكِنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْجَوَابِ غَيْرَ زَائِدٍ عَلَيْهِ فَمِثْلُ قَوْلِ الرَّجُلِ لِآخَرَ تَغَدَّ مَعِي فَقَالَ: إنْ تَغَدَّيْت فَعَبْدِي حُرٌّ انْصَرَفَ إلَى ذَلِكَ الْغَدَاءِ حَتَّى لَوْ رَجَعَ إلَى أَهْلٍ فَتَغَدَّى أَوْ تَغَدَّى مَعَهُ فِي يَوْمٍ آخَرَ لَمْ يَحْنَثْ وَقَالَ زُفَرُ رحمه الله: هُوَ وَاقِعٌ عَلَى كُلِّ غَدَاءٍ عَلَى الْأَبَدِ كَمَا لَوْ ابْتَدَأَ الْيَمِينَ بِهِ لَكِنَّا خَصَصْنَاهُ وَقَيَّدْنَاهُ بِالْفَوْرِ بِدَلَالَةِ الْحَالِ وَهِيَ أَنَّهُ أَخْرَجَ الْكَلَامَ مَخْرَجَ الْجَوَابِ رَدًّا عَلَيْهِ وَهُوَ إنَّمَا دَعَاهُ إلَى ذَلِكَ الْغَدَاءِ فَيَتَقَيَّدُ بِهِ وَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ: إنْ تَغَدَّيْت الْغَدَاءَ الَّذِي دَعَوْتنِي إلَيْهِ وَهَذَا كَالشِّرَاءِ بِالدَّرَاهِمِ يَنْصَرِفُ إلَى نَقْدِ الْبَلَدِ بِدَلَالَةِ الْحَالِ.
وَكَذَا إذَا قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: إنَّكَ تَغْتَسِلُ اللَّيْلَةَ فِي هَذِهِ الدَّارِ مِنْ جَنَابَةٍ فَقَالَ: إنْ اغْتَسَلْت فَعَبْدِي حُرٌّ فَإِنَّ يَمِينَهُ يَخْتَصُّ بِذَلِكَ الِاغْتِسَالِ الْمَذْكُورِ لِأَنَّ كَلَامَهُ خَرَجَ جَوَابًا لِلْكَلَامِ الْأَوَّلِ فَاخْتَصَّ بِهِ بِهَذِهِ الدَّلَالَةِ وَلَمْ يَزِدْ هُوَ عَلَى قَدْرِ الْجَوَابِ لِأَنَّ جَوَابَ الْكَلَامِ أَنْ يَقُولَ: إنْ فَعَلْت فَعَبْدِي حُرٌّ.
وَقَوْلُهُ إنْ اغْتَسَلْتُ مِثْلُهُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ لَكِنَّهُ مُفَسِّرٌ وَالتَّفْسِيرُ يُؤَكِّدُ وَلَا يُغَيِّرُ قَوْلُهُ (وَلَوْ قَالَ: إنْ اغْتَسَلْت اللَّيْلَةَ أَوْ فِي هَذِهِ الدَّارِ فَعَبْدِي حُرٌّ صَارَ مُبْتَدَأً) وَلَا يَتَعَلَّقُ بِالْكَلَامِ الْأَوَّلِ وَهَذَا هُوَ الْقِسْمُ الرَّابِعُ الَّذِي هُوَ مِنْ صُوَرِ الْخِلَافِ وَذَلِكَ لِأَنَّا لَوْ جَعَلْنَاهُ مُتَعَلِّقًا بِهِ كَانَ فِيهِ اعْتِبَارُ الْحَالِ وَإِلْغَاءُ الزِّيَادَةِ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مُبْتَدَأً كَانَ فِيهِ اعْتِبَارُ الزِّيَادَةِ وَإِلْغَاءُ الْحَالِ فَكَانَ هَذَا الْوَجْهُ أَوْلَى لِأَنَّ الْعَمَلَ بِالْكَلَامِ لَا بِالْحَالِ لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ وَالْحَالُ أَمْرٌ مُبْطَنٌ فَيَكُونُ الْكَلَامُ صَرِيحًا فِي إفَادَةِ الْعُمُومِ وَالْحَالُ دَلَالَةٌ فِي اخْتِصَاصِهِ بِالسَّبَبِ وَلَا قِوَامَ لَهَا مَعَ الصَّرِيحِ فَلِذَلِكَ رَجَّحْنَا اللَّفْظَ وَجَعَلْنَاهُ ابْتِدَاءً.
وَعِنْدَ الْمُخَالِفِ هَذَا يُحْمَلُ عَلَى الْجَوَابِ أَيْضًا اعْتِبَارُ الْحَالِ لَكِنَّهُ عَمَلٌ بِالْمَسْكُوتِ وَتَرْكٌ لِلْعَمَلِ بِالدَّلِيلِ فَإِنْ عَنَى بِهِ الْجَوَابَ صَدَقَ فِيمَا بَيْنَهُ