المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

كَانَ ذَلِكَ أَمَارَةَ لُزُومِهِ وَتَحَقُّقِهِ فَكَيْفَ يَكُونُ مَجَازًا لَكِنَّ التَّحْرِيمَ - كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي - جـ ٢

[علاء الدين عبد العزيز البخاري - فخر الإسلام البزدوي]

فهرس الكتاب

- ‌بَابُ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ)

- ‌أَلْفَاظُ الْعُمُومِ قِسْمَانِ

- ‌[الْقَسْم الْأَوَّل عَامٌّ بِصِيغَتِهِ وَمَعْنَاهُ وَعَامٌّ بِمَعْنَاهُ دُونَ صِيغَتِهِ]

- ‌ مَا هُوَ فَرْدٌ وُضِعَ لِلْجَمْعِ

- ‌[أَنْوَاع الْعَامُّ بِمَعْنَاهُ دُونَ صِيغَتِهِ]

- ‌ كَلِمَةُ كُلٍّ

- ‌[كَلِمَةُ الْجَمِيعِ]

- ‌كَلِمَةُ مَا

- ‌ كَلِمَةُ الَّذِي

- ‌ النَّكِرَةُ إذَا اتَّصَلَ بِهَا دَلِيلُ الْعُمُومِ

- ‌[الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ الْعَامِّ مَعْنًى لَا صِيغَةً]

- ‌ لَامُ التَّعْرِيفِ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ التَّعْرِيفَ بِعَيْنِهِ لِمَعْنَى الْعَهْدِ

- ‌[النَّكِرَةِ إذَا اتَّصَلَ بِهَا وَصْفٌ عَامٌّ]

- ‌ كَلِمَةُ أَيُّ

- ‌ النَّكِرَةُ الْمُفْرَدَةُ فِي مَوْضِعِ إثْبَاتٍ

- ‌[بَابُ مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الظَّاهِرُ وَالنَّصُّ وَالْمُفَسَّرُ وَالْمُحْكَمُ]

- ‌(بَابُ أَحْكَامِ الْحَقِيقَةِ) (وَالْمَجَازِ وَالصَّرِيحِ) (وَالْكِنَايَةِ)

- ‌[تعارض الْحَقِيقَة وَالْمَجَاز]

- ‌طَرِيقُ الِاسْتِعَارَةِ عِنْدَ الْعَرَبِ

- ‌ الِاتِّصَالَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ مِنْ قِبَلِ حُكْمِ الشَّرْعِ يَصْلُحُ طَرِيقًا لِلِاسْتِعَارَةِ

- ‌[يُسْتَعَارَ الْأَصْلُ لِلْفَرْعِ وَالسَّبَبُ لِلْحُكْمِ]

- ‌ الِاسْتِعَارَةُ لِلْمُنَاسَبَةِ فِي الْمَعَانِي

- ‌[الْمَجَازَ خَلَفٌ عَنْ الْحَقِيقَةِ فِي حَقِّ التَّكَلُّمِ لَا فِي حَقِّ الْحُكْمِ]

- ‌ الْعَمَلَ بِالْحَقِيقَةِ مَتَى أَمْكَنَ سَقَطَ الْمَجَازُ

- ‌إِذَا كَانَتْ الْحَقِيقَةُ مُتَعَذِّرَةٌ أَوْ مَهْجُورَةٌ صِيرَ إلَى الْمَجَازِ

- ‌قَدْ يَتَعَذَّرُ الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ مَعًا إذَا كَانَ الْحُكْمُ مُمْتَنِعًا

- ‌ الْكَلَامَ إذَا كَانَتْ لَهُ حَقِيقَةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ وَمَجَازٌ مُتَعَارَفٌ

- ‌(بَابُ جُمْلَةِ مَا يُتْرَكُ بِهِ الْحَقِيقَةُ)

- ‌دَلَالَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَالْعَادَةِ

- ‌ الثَّابِتُ بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ فِي نَفْسِهِ

- ‌ الثَّابِتُ بِسِيَاقِ النَّظْمِ

- ‌ الثَّابِتُ بِدَلَالَةِ مَحَلِّ الْكَلَامِ

- ‌(بَابُ حُرُوفِ) (الْمَعَانِي)

- ‌[معانى الْوَاوُ]

- ‌[معانى الْفَاءُ]

- ‌[معانى ثُمَّ]

- ‌[معانى بَلْ]

- ‌[معانى لَكِنْ]

- ‌[معانى أَوْ]

- ‌بَابُ حَتَّى) :

- ‌بَابُ حُرُوفِ الْجَرِّ)

- ‌[مَعْنَى الْبَاءُ]

- ‌[مَعْنَى عَلَى]

- ‌[مَعْنَى مِنْ]

- ‌[مَعْنَى إلَى]

- ‌[مَعْنَى فِي]

- ‌[حُرُوفِ الْقَسَمِ]

- ‌ اَيْمُ اللَّهِ

- ‌ أَسْمَاءُ الظُّرُوفِ

- ‌ حُرُوفُ الِاسْتِثْنَاءِ

- ‌ حُرُوفِ الشَّرْطِ

- ‌(بَابُ الصَّرِيحِ) (وَالْكِنَايَةِ)

- ‌بَابُ وُجُوهِ) (الْوُقُوفِ عَلَى) (أَحْكَامِ النَّظْمِ)

- ‌مَا سِيقَ الْكَلَامُ لَهُ وَأُرِيدَ بِهِ الْقَصْدُ أَوْ الْإِشَارَةُ

- ‌ دَلَالَةُ النَّصِّ

- ‌[دَلَالَة الْمُقْتَضِي]

- ‌الثَّابِتُ بِدَلَالَةِ النَّصِّ لَا يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ

- ‌ الْحُكْمَ إذَا أُضِيفَ إلَى مُسَمًّى بِوَصْفٍ خَاصٍّ كَانَ دَلِيلًا عَلَى نَفْيِهِ عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ الْوَصْفِ

- ‌ الْقِرَانَ فِي النَّظْمِ يُوجِبُ الْقِرَانَ فِي الْحُكْمِ

- ‌ الْعَامَّ يَخْتَصُّ بِسَبَبِهِ

- ‌ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ مُوجِبٌ الْعَدَمَ

- ‌ مَنْ حَمَلَ الْمُطْلَقَ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي حَادِثَةٍ وَاحِدَةٍ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ

- ‌(بَابُ الْعَزِيمَةِ) (وَالرُّخْصَةِ)

- ‌[أَقْسَام الْعَزِيمَةُ]

- ‌[أَقْسَام الرُّخَصُ]

- ‌{بَابُ حُكْمِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فِي أَضْدَادِهِمَا}

- ‌(بَابُ بَيَانِ أَسْبَابِ الشَّرَائِعِ)

- ‌سَبَبُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ

- ‌سَبَبُ وُجُوبِ الصَّوْمِ

- ‌سَبَبُ وُجُوبِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ

- ‌سَبَبُ وُجُوبِ الْعُشْرِ

- ‌[سَبَبُ وُجُوبِ الْحَجِّ]

- ‌ سَبَبُ الْخَرَاجِ

- ‌سَبَبُ وُجُوبِ الطَّهَارَةِ

- ‌سَبَبُ الْكَفَّارَاتِ

- ‌سَبَبُ الْمُعَامَلَاتِ

- ‌(بَابُ بَيَانِ أَقْسَامِ) (السُّنَّةِ)

- ‌(بَابُ الْمُتَوَاتِرِ)

- ‌(بَابُ الْمَشْهُورِ)

- ‌(بَابُ خَبَرِ الْوَاحِدِ)

- ‌(بَابُ تَقْسِيمِ الرَّاوِي الَّذِي جُعِلَ خَبَرُهُ حُجَّةً)

- ‌[الرَّاوِي الْمَعْرُوفُ]

- ‌[الرَّاوِي الْمَجْهُولُ]

- ‌بَابُ بَيَانِ شَرَائِطِ الرَّاوِي)

- ‌[بَابُ تَفْسِيرِ شُرُوطِ الرَّاوِي وَتَقْسِيمِهَا]

الفصل: كَانَ ذَلِكَ أَمَارَةَ لُزُومِهِ وَتَحَقُّقِهِ فَكَيْفَ يَكُونُ مَجَازًا لَكِنَّ التَّحْرِيمَ

كَانَ ذَلِكَ أَمَارَةَ لُزُومِهِ وَتَحَقُّقِهِ فَكَيْفَ يَكُونُ مَجَازًا لَكِنَّ التَّحْرِيمَ نَوْعَانِ تَحْرِيمٌ يُلَاقِي نَفْسَ الْفِعْلِ مَعَ كَوْنِ الْمَحَلِّ قَابِلًا كَأَكْلِ مَالِ الْغَيْرِ.

وَالنَّوْعُ الثَّانِي أَنْ يَخْرُجَ الْمَحَلُّ فِي الشَّرْعِ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَابِلًا لِذَلِكَ الْفِعْلِ فَيَنْعَدِمُ الْفِعْلُ مِنْ قِبَلِ عَدَمِ مَحَلِّهِ فَيَكُونُ نَسْخًا وَيَصِيرُ الْفِعْلُ تَابِعًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَيُقَامُ الْمَحَلُّ مَقَامَ الْفِعْلِ فَيُنْسَبُ التَّحْرِيمُ إلَيْهِ لِيُعْلَمَ أَنَّ الْمَحَلَّ لَمْ يُجْعَلْ صَالِحًا لَهُ وَهَذَا فِي غَايَةِ التَّحْقِيقِ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي يُتَصَوَّرُ فِي جَانِبِ الْمَحَلِّ لِتَوْكِيدِ النَّفْيِ فَأَمَّا أَنْ يُجْعَلَ مَجَازًا لِيَصِيرَ مَشْرُوعًا بِأَصْلِهِ فَغَلَطٌ فَاحِشٌ وَمِمَّا يَتَّصِلُ بِهَذَا الْقِسْمِ حُرُوفُ الْمَعَانِي فَإِنَّهَا تَنْقَسِمُ إلَى حَقِيقَةٍ وَمَجَازٍ وَشَطْرٌ مِنْ مَسَائِلِ الْفِقْهِ مَبْنِيٌّ عَلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ وَهَذَا الْبَابُ لِبَيَانِ مَا يَتَّصِلُ بِهَا مِنْ الْفُرُوعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

(بَابُ حُرُوفِ)(الْمَعَانِي)

وَمِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ

ــ

[كشف الأسرار]

بِالْكُلِّيَّةِ وَانْقِطَاعِ تَصَوُّرِهِ أَصْلًا فَإِنَّ مَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ لَا تَشْرَبْ الْمَاءَ الَّذِي فِي هَذَا الْكُوزِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَشْرَبَهُ لِبَقَاءِ الْمَحَلِّ وَالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَأَمَّا إذَا صَبَّهُ الْمَوْلَى بَعْدَ النَّهْيِ أَوْ شَرِبَهُ كَانَ الِانْتِفَاءُ فِيهِ أَقْوَى لِانْقِطَاعِ ذَلِكَ الِاحْتِمَالِ بِفَوَاتِ الْمَحَلِّ فَإِذَا أَمْكَنَ تَحْقِيقُ إضَافَةِ التَّحْرِيمِ إلَى الْعَيْنِ وَاتِّصَافِهَا بِالْحُرْمَةِ بِالطَّرِيقِ الَّذِي قُلْنَا كَانَ جَعْلُ ذَلِكَ مَجَازًا بِاعْتِبَارِ عَدَمِ قَبُولِ الْمَحَلِّ صِفَةَ الْحُرْمَةِ وَالْحِلِّ كَمَا زَعَمُوا خَطَأً فَاحِشًا وَذَكَرَ فِي الْمِيزَانِ وَإِنَّمَا أَنْكَرَتْ الْمُعْتَزِلَةُ حُرْمَةَ الْأَعْيَانِ احْتِرَازًا عَنْ مُنَاقَضَةِ مَذْهَبِهِمْ الْفَاسِدِ فِي نَفْيِ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِمْ إنَّ مِنْهَا مَا يُوصَفُ بِالْقُبْحِ وَالْحُرْمَةِ مِثْلُ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي وَلَا يَجُوزُ نِسْبَةُ خَلْقِ الْقَبِيحِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَيَلْزَمُهُمْ خَلْقُ الْأَعْيَانِ الْقَبِيحَةِ الْمُسْتَقْذَرَةِ مِنْ الْأَنْجَاسِ وَالْجِعْلَانِ وَالْخَنَافِسِ وَالْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ وَنَحْوِهَا فَأَنْكَرُوا قُبْحَ الْأَعْيَانِ.

وَقَالُوا إنَّهَا لَيْسَتْ بِقَبِيحَةٍ وَأَنْكَرُوا الْمَحْسُوسَ وَالثَّابِتَ بِبِدَايَةِ الْعُقُولِ وَأَنْكَرُوا اتِّصَافَهَا بِالْحُرْمَةِ لِئَلَّا يَلْزَمَهُمْ اتِّصَافُهَا بِالْقُبْحِ فَإِنَّ كُلَّ مُحَرَّمٍ يَكُونُ مَوْصُوفًا بِالْقُبْحِ وَعِنْدَنَا الْأَعْيَانُ نَوْعَانِ قَبِيحَةٌ وَحَسَنَةٌ كَالْأَفْعَالِ نَوْعَانِ قَبِيحَةٌ وَحَسَنَةٌ وَنَوْعٌ مُتَوَسِّطٌ فِي الْأَعْيَانِ لَا يَنْفِرُ عَنْهُ الطِّبَاعُ وَلَا يَمِيلُ إلَيْهِ فَيُوصَفُ بِالْحِلِّ وَالْإِبَاحَةِ قَوْلُهُ (كَانَ ذَلِكَ أَمَارَةَ لُزُومِهِ وَتَحَقُّقِهِ) يَعْنِي إذَا أُضِيفَ التَّحْرِيمُ إلَى الْعَيْنِ كَانَ حُرْمَةُ الْفِعْلِ آكَدَ وَأَلْزَمَ وَاللُّزُومُ مِنْ أَمَارَاتِ الْحَقِيقَةِ حَتَّى جَعَلْنَا الْفَارِقَ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ أَنْ يَكُونَ الْحَقِيقَةُ لَازِمَةً لَا تُنْفَى وَالْمَجَازُ لَا يَكُونُ لَازِمًا وَيُنْفَى فَمَا يُؤَكِّدُ اللُّزُومَ كَيْفَ يَكُونُ مَجَازًا لَكِنَّ التَّحْرِيمَ اسْتِدْرَاكٌ عَنْ قَوْلِهِ فَكَيْفَ يَكُونُ مَجَازًا أَيْ لَا يَكُونُ مَجَازًا لَكِنْ يَصِيرُ الْفِعْلُ تَابِعًا فِي التَّحْرِيمِ بِخِلَافِ مَا إذَا أُضِيفَ إلَى الْفِعْلِ فَإِنَّهُ يَكُونُ مَقْصُودًا بِالتَّحْرِيمِ فَيُقَامُ الْمَحَلُّ مَقَامَ الْفِعْلِ يَعْنِي لَمَّا لَمْ يَثْبُتْ تَحْرِيمُ الْفِعْلِ مَقْصُودًا إذْ لَمْ يُذْكَرْ الْفِعْلُ صَرِيحًا أُقِيمَ الْعَيْنُ مَقَامَ الْفِعْلِ فِي إثْبَاتِ حُرْمَةِ الْفِعْلِ لِأَنَّ الْعَيْنَ لَمَّا اتَّصَفَتْ بِالْحُرْمَةِ ثَبَتَتْ حُرْمَةُ الْفِعْلِ ضَرُورَةً كَمَا بَيَّنَّا أَوْ أُقِيمَتْ مَقَامَهُ فِي الِاتِّصَافِ بِالْحُرْمَةِ لِأَنَّ الْفِعْلَ لَمْ يَبْقَ مُتَصَوَّرًا شَرْعًا.

وَهَذَا أَيْ تَحْرِيمُ الْفِعْلِ بِإِخْرَاجِ الْمَحَلِّ عَنْ الْمَحَلِّيَّةِ فِي نِهَايَةِ التَّحْقِيقِ وَإِنْ كَانَ الْفِعْلُ فِيهِ تَابِعًا لِأَنَّ نَفْيَ الْفِعْلِ فِيهِ وَإِنْ كَانَ تَبَعًا أَقْوَى مِنْ نَفْيِهِ إذَا كَانَ مَقْصُودًا كَمَا قَرَّرَنَا (فَأَمَّا أَنْ يَجْعَلَهُ) أَيْ التَّحْرِيمَ الْمُضَافَ إلَى الْعَيْنِ مَجَازًا فِي الْعَيْنِ لِيَصِيرَ الْفِعْلُ فِيهَا بِالنَّظَرِ إلَى أَصْلِهِ مَشْرُوعًا لِبَقَاءِ مَحَلِّهِ كَأَكْلِ مَالِ الْغَيْرِ (فَغَلَطٌ فَاحِشٌ) لِأَنَّ فِيهِ إخْرَاجَ مَا هُوَ مَقْصُودٌ وَأَصْلٌ وَهُوَ الْعَيْنُ عَنْ الْأَصَالَةِ وَإِقَامَةَ مَا هُوَ تَبَعٌ وَهُوَ الْفِعْلُ مَقَامَهُ وَلِأَنَّ فِيهِ إبْقَاءَ جِهَتِهِ لِلْفِعْلِ فِي الْحِلِّ قَوْلُهُ (وَشَطْرٌ مِنْ مَسَائِلِ الْفِقْهِ) شَطْرُ كُلِّ شَيْءٍ نِصْفُهُ إلَّا أَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي الْبَعْضِ تَوَسُّعًا فِي الْكَلَامِ وَاسْتِكْثَارًا لِلْقَلِيلِ كَمَا «قَالَ عليه السلام فِي الْحَائِضِ تَقْعُدُ شَطْرَ عُمْرِهَا» أَيْ بَعْضَهُ وَمِثْلُهُ فِي التَّوَسُّعِ قَوْلُهُ عليه السلام «تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ فَإِنَّهَا نِصْفُ الْعِلْمِ» كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

[بَابُ حُرُوفِ الْمَعَانِي]

[معانى الْوَاوُ]

(بَابُ حُرُوفِ الْمَعَانِي)

هَذَا بَابٌ دَقِيقُ الْمَسْلَكِ لَطِيفُ الْمَأْخَذِ، كَثِيرُ الْفَوَائِدِ، جَمُّ الْمَحَاسِنِ، جَمَعَ الشَّيْخُ رحمه الله فِيهِ بَيْنَ لَطَائِفِ النَّحْوِ، وَدَقَائِقِ الْفِقْهِ، وَاسْتَوْدَعَ فِيهِ غَرَائِبَ الْمَعَانِي، وَبَدَائِعَ الْمَبَانِي، فَاصْغِ لِمَا يُتْلَى عَلَيْك مِنْ بَيَانِ لَطَائِفِ حَقَائِقِهِ، وَاسْتَمِعْ لِمَا يُلْقَى إلَيْك مِنْ كَشْفِ غَوَامِضِ دَقَائِقِهِ.

ص: 108

حُرُوفُ الْعَطْفِ وَهِيَ أَكْثَرُهَا وُقُوعًا وَأَصْلُ هَذَا الْقِسْمِ الْوَاوُ وَهِيَ عِنْدَنَا لِمُطْلَقِ الْعَطْفِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِمُقَارَنَةٍ وَلَا تَرْتِيبٍ وَعَلَى هَذَا عَامَّةُ أَهْلِ اللُّغَةِ وَأَئِمَّةُ الْفَتْوَى وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إنَّ الْوَاوَ يُوجِبُ التَّرْتِيبَ حَتَّى قَالُوا فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6] يُوجِبُ التَّرْتِيبَ وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ «النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بَدَأَ بِالصَّفَا فِي السَّعْيِ وَقَالَ نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ عز وجل» يُرِيدُ بِهِ قَوْله تَعَالَى {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: 158] فَفُهِمَ وُجُوبُ التَّرْتِيبِ

ــ

[كشف الأسرار]

بِتَوْفِيقِ اللَّهِ جل جلاله تَسْتَزِدْ بِهِ تَبَصُّرًا فِي دَرْكِ أَسْرَارِ مُسْتَوْدَعَاتِهِ، وَتَسْتَفِدْ بِهِ تَبَحُّرًا فِي الْوُقُوفِ عَلَى عَجَائِبِ مُسْتَبْدَعَاتِهِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ سبحانه وتعالى، وَاعْلَمْ أَنَّ لَفْظَ الْحُرُوفِ يُطْلَقُ عَلَى الْحُرُوفِ التِّسْعَةِ وَالْعِشْرِينَ الَّتِي هِيَ أَصْلُ تَرَاكِيبِ الْكَلَامِ وَيُطْلَقُ عَلَى مَا يُوَصِّلُ مَعَانِيَ الْأَفْعَالِ إلَى الْأَسْمَاءِ وَعَلَى مَا يَدُلُّ بِنَفْسِهِ عَلَى مَعْنًى فِي غَيْرِهِ عَلَى مَا فُسِّرَ فِي عِلْمِ النَّحْوِ بِأَنَّ الْحَرْفَ مَا دَلَّ عَلَى مَعْنًى فِي غَيْرِهِ وَيُسَمَّى الْأَوَّلُ حُرُوفَ التَّهَجِّي أَيْ التَّعَدُّدِ مِنْ هَجَى الْحُرُوفَ إذَا عَدَّدَهَا وَالثَّانِي حُرُوفَ الْمَعَانِي لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ إيصَالِهَا مَعَانِيَ الْأَفْعَالِ إلَى الْأَسْمَاءِ أَوْ لِدَلَالَتِهَا عَلَى مَعْنًى فَإِنَّ الْبَاءَ فِي قَوْلِك مَرَرْت بِزَيْدٍ حَرْفُ مَعْنًى لِدَلَالَتِهَا عَلَى الْإِلْصَاقِ بِخِلَافِ الْبَاءِ فِي بَكْرٍ وَبِشْرٍ فَإِنَّهَا لَا تَدُلُّ عَلَى مَعْنًى.

وَكَذَا الْهَمْزَةُ فِي أَزِيدُ حَرْفُ مَعْنًى بِخِلَافِهَا فِي أَحْمَدَ وَكَذَا مِنْ فِي قَوْلِك أَخَذْت مِنْ زَيْدٍ حَرْفُ مَعْنًى بِخِلَافِهِ فِي مِنْوَالٍ ثُمَّ إطْلَاقُ لَفْظِ الْحُرُوفِ هَهُنَا عَلَى الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ لِأَنَّ بَعْضَ مَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْبَابِ أَسْمَاءٌ مِثْلُ كُلٍّ وَمَتَى وَمِنْ وَإِذَا وَغَيْرِهَا لَكِنْ لَمَّا كَانَ أَكْثَرُهَا حُرُوفًا سُمِّيَ الْجَمْعُ بِهَذَا الِاسْمِ قَوْلُهُ (حُرُوفُ الْعَطْفِ) الْعَطْفُ فِي اللُّغَةِ الثَّنْيُ وَالرَّدُّ يُقَالُ عَطَفَ الْعُودَ إذَا ثَنَاهُ وَرَدَّهُ إلَى الْآخَرِ فَالْعَطْفُ فِي الْكَلَامِ أَنْ يَرُدَّ أَحَدَ الْمُفْرَدَيْنِ إلَى الْآخَرِ فِيمَا حَكَمْت عَلَيْهِ أَوْ إحْدَى الْجُمْلَتَيْنِ إلَى الْأُخْرَى فِي الْحُصُولِ.

وَفَائِدَتُهُ الِاخْتِصَارُ وَإِثْبَاتُ الْمُشَارَكَةِ وَأَصْلُ هَذَا الْقِسْمِ الْوَاوُ لِأَنَّ الْعَطْفَ لِإِثْبَاتِ الْمُشَارَكَةِ وَدَلَالَةُ الْوَاوِ عَلَى مُجَرَّدِ الِاشْتِرَاكِ وَسَائِرِ حُرُوفِ الْعَطْفِ يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى زَائِدٍ عَلَى الِاشْتِرَاكِ فَإِنَّ الْفَاءَ يُوجِبُ التَّرْتِيبَ مَعَهُ وَثُمَّ يُوجِبُ التَّرَاخِيَ مَعَهُ فَلَمَّا كَانَتْ فِي تِلْكَ الْحُرُوفِ زِيَادَةٌ عَلَى حُكْمِ الْعَطْفِ صَارَتْ كَالْمُرَكَّبَةِ مَعْنًى وَالْوَاوُ مُفْرَدٌ وَالْمُفْرَدُ قَبْلَ الْمُرَكَّبِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعَطْفَ لَمَّا كَانَ عِبَارَةً عَنْ الِاشْتِرَاكِ وَالْوَاوُ مُتَمَخِّضَةٌ لِإِفَادَةِ هَذَا الْمَعْنَى دُونَ غَيْرِهِ صَارَتْ أَصْلًا فِي الْعَطْفِ قَوْلُهُ (وَهِيَ عِنْدَنَا لِمُطْلَقِ الْعَطْفِ) أَيْ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِمُقَارَنَةٍ كَمَا زَعَمَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَلَا تَرْتِيبَ كَمَا زَعَمَهُ ذَلِكَ الْبَعْضُ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَكَمَا زَعَمَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ يَعْنِي أَنَّهَا تَدُلُّ فِي عَطْفِ الْمُفْرَدِ عَلَى الْمُفْرَدِ عَلَى اشْتِرَاكِ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ فَقَطْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدُلَّ عَلَى كَوْنِهِمَا مَعًا بِالزَّمَانِ أَوْ عَلَى تَقَدُّمِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ بِهِ، وَفِي عَطْفِ الْجُمْلَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ عَلَى اشْتِرَاكِهِمَا فِي الثُّبُوتِ هَذَا هُوَ مَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَأَئِمَّةِ الْفَتْوَى أَيْ أَهْلِ الشَّرْعِ وَالْفَتَى الشَّابُّ الْقَوِيُّ الْحَدَثُ وَاشْتِقَاقُ الْفَتْوَى مِنْهُ لِأَنَّهَا جَوَابٌ فِي حَادِثَةٍ أَوْ أَحْدَاثٍ حُكْمٌ أَوْ تَقْوِيَةٌ لِبَيَانِ مُشْكِلٍ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إنَّهَا لِلتَّرْتِيبِ وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ الشَّافِعِيِّ رحمه الله أَيْضًا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ ذَلِكَ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ.

وَفِي الْقَوَاطِعِ نُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي الْوُضُوءِ يُعْتَبَرُ ذِكْرُ الْآيَةِ ثُمَّ قَالَ وَمَنْ خَالَفَ التَّرْتِيبَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ لَمْ يَجُزْ وَضْؤُهُ وَرُوِيَ عَنْ الْفَرَّاءِ أَنَّهَا لِلتَّرْتِيبِ حَيْثُ يَسْتَحِيلُ الْجَمْعُ أَمَّا فِي الْمُفْرَدِ فَكَقَوْلِك زَيْدٌ رَاكِعٌ وَسَاجِدٌ وَأَمَّا فِي الْجُمْلَةِ فَكَقَوْلِهِ تَعَالَى {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77] قَوْلُهُ (وَاحْتَجُّوا) تَمَسَّكَ مُثْبِتُو التَّرْتِيبِ بِمَا رُوِيَ «أَنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم -

ص: 109

وَوُجُوبُ التَّرْتِيبِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77] وَهَذَا حُكْمٌ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِاسْتِقْرَاءِ كَلَامِ الْعَرَبِ وَبِالتَّأَمُّلِ فِي مَوْضُوعِ كَلَامِهِمْ كَالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ إنَّمَا يُعْرَفُ مِنْ قِبَلِ اتِّبَاعِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالتَّأَمُّلِ فِي أُصُولِ الشَّرْعِ وَكِلَاهُمَا حُجَّةٌ عَلَيْهِ وَدَلِيلٌ لِمَا قُلْنَا أَمَّا الْأَوَّلُ فَإِنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ جَاءَنِي زَيْدٌ وَعَمْرٌو فَيُفْهَمُ مِنْهُ اجْتِمَاعُهُمَا فِي الْمَجِيءِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلْقِرَانِ أَوْ التَّرْتِيبِ فِي الْمَجِيءِ وَلِأَنَّ الْفَاءَ يَخْتَصُّ بِالْأَجْزِئَةِ وَلَا يَصْلُحُ فِيهَا الْوَاوُ حَتَّى أَنَّ مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ وَأَنْتِ طَالِقٌ طَلُقَتْ فِي الْحَالِ وَلَوْ احْتَمَلَ الْوَاوُ التَّرْتِيبَ لَصَلَحَ لِلْجَزَاءِ كَالْفَاءِ وَقَدْ صَارَتْ الْوَاوُ لِلْجَمْعِ فِي قَوْلِ النَّاسِ جَاءَنِي الزَّيْدُونَ وَأَصْلُهُ جَاءَنِي زَيْدٌ وَزَيْدٌ وَزَيْدٌ

ــ

[كشف الأسرار]

وَرَضِيَ عَنْهُمْ عِنْدَ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ بِأَيِّهِمَا نَبْدَأُ وَقَدْ نَزَلَ قَوْلُهُ عز وجل {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: 158] قَالَ ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لِلتَّرْتِيبِ مِنْ وُجُوهِ أَحَدُهَا أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَهِمَ وُجُوبَ التَّرْتِيبِ حَتَّى قَالَ ابْدَءُوا بِكَذَا وَأَنَّهُ عليه السلام كَانَ أَعْلَمَ بِاللِّسَانِ وَأَفْصَحَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ وَإِلَيْهِ أُشِيرَ فِي الْكِتَابِ وَالثَّانِي أَنَّهُ عليه السلام نَصَّ عَلَى التَّرْتِيبِ عِنْدَ اشْتِبَاهِهَا عَلَيْهِمْ أَنَّهَا لِلْجَمْعِ أَوْ لِلتَّرْتِيبِ فَيَثْبُتُ بِتَنْصِيصِهِ عليه السلام أَنَّهَا لِلتَّرْتِيبِ.

وَالثَّالِثُ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ لَمَا احْتَاجُوا إلَى السُّؤَالِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ لِسَانٍ وَلَا يُعَارَضُ بِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ لِلتَّرْتِيبِ لَمَا احْتَاجُوا إلَى السُّؤَالِ أَيْضًا لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سُؤَالُهُمْ لِتَجْوِيزِهِمْ إيَّاهَا مُسْتَعْمَلَةً فِي الْجَمْعِ الْمُطْلَقِ تَجَوُّزًا بِنَاءً عَلَى الْغَالِبِ

قَوْلُهُ (وَوُجُوبُ التَّرْتِيبِ) وَتَمَسَّكُوا أَيْضًا بِأَنَّ الرُّكُوعَ مُقَدَّمٌ عَلَى السُّجُودِ بِلَا خِلَافٍ وَاسْتُفِيدَ هَذَا التَّقَدُّمُ مِنْ الْوَاوِ فِي قَوْله تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77] فَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْوَاوُ لِلتَّرْتِيبِ لَمَا اُسْتُفِيدَ ذَلِكَ مِنْهَا وَمِمَّا تَمَسَّكُوا بِهِ أَنَّ «أَعْرَابِيًّا قَالَ مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ اهْتَدَى وَمَنْ عَصَاهُمَا فَقَدْ غَوَى فَقَالَ النَّبِيُّ عليه السلام بِئْسَ خَطِيبُ الْقَوْمِ أَنْتَ قُلْ وَمَنْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ غَوَى» وَلَوْ كَانَ الْوَاوُ لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ لَمَا وَقَعَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ قَوْلُهُ (وَهَذَا حُكْمٌ) ابْتِدَاءُ دَلِيلِ الْعَامَّةِ أَيْ مُوجَبُ الْوَاوِ حُكْمٌ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِاسْتِقْرَاءِ كَلَامِ الْعَرَبِ أَيْ تَتَبُّعِهِ مِنْ اسْتَقْرَيْت الْبِلَادَ إذَا تَتَبَّعْتهَا تَخْرُجُ مِنْ أَرْضٍ إلَى أَرْضٍ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يُنْظَرُ فِي اسْتِعْمَالَاتِهِمْ أَنَّهَا اُسْتُعْمِلَتْ فِي الْجَمْعِ الْمُطْلَقِ أَوْ فِي التَّرْتِيبِ وَبِالتَّأَمُّلِ فِي مَوْضُوعِ كَلَامِهِمْ أَيْ فِي قَوَانِينِهِمْ الَّتِي بُنِيَ عَلَيْهَا كَلَامُهُمْ أَنَّهَا تُوجِبُ كَوْنَهَا لِلتَّرْتِيبِ أَمْ لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ كَالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ يُتَعَرَّفُ مِنْ اتِّبَاعِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِأَنْ يُطْلَبَ فِيهِمَا وَبِالتَّأَمُّلِ فِي مَوَارِدِ النُّصُوصِ وَقَوَانِينِ الشَّرْعِ الْمَوْضُوعَةِ لِاسْتِخْرَاجِ الْأَحْكَامِ إنْ لَمْ يُوجَدْ فِيهِمَا وَكِلَاهُمَا أَيْ الِاسْتِقْرَاءُ وَالتَّأَمُّلُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى مَنْ ادَّعَى أَنَّهَا لِلتَّرْتِيبِ لَا لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ أَيْ تَصَدٍّ لَهُ وَهُوَ اسْتِعَارَةٌ يَعْنِي مِنْ غَيْرِ دَلَالَةٍ لَهَا عَلَى الْمُقَارَنَةِ وَالتَّرْتِيبِ حَتَّى لَوْ جَاءَ مُقَارِنَيْنِ أَوْ عَلَى التَّعَاقُبِ بِصِفَةِ الْوَصْلِ أَوْ التَّرَاخِي كَانَ صَادِقًا فِي هَذَا الْإِخْبَارِ وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِالنَّقْلِ عَنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ وَنَقْلُ اللُّغَةِ عَنْ أَرْبَابِهَا حُجَّةٌ وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهِ فِي سَبْعَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا مِنْ كِتَابِهِ.

وَقَالَ الْإِمَامُ عَبْدُ الْقَاهِرِ مَعْنَى الْوَاوِ الْجَمْعُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ فِي الْحُكْمِ لَا فِي الْوَقْتِ وَلَا تَرْتِيبَ فِيهِ لِأَنَّهَا فِي الِاسْمَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ بِإِزَاءِ التَّثْنِيَةِ فِي الْمُتَّفِقَيْنِ فَإِذَا قُلْت جَاءَنِي زَيْدٌ وَعَمْرٌو لَمْ يَجِبْ أَنْ يَكُونَ الْمَبْدُوءُ بِهِ فِي اللَّفْظِ سَابِقًا بَلْ كُلٌّ مِنْهُمَا بِمَنْزِلَةِ صَاحِبِهِ فِي جَوَازِ تَقْدِيمِهِ كَمَا إذَا قُلْت جَاءَنِي الزَّيْدَانِ إنْ لَمْ يَكُنْ اللَّفْظُ مُقْتَضِيًا تَقَدُّمَ أَحَدِهِمَا بَلْ مُقْتَضَاهُ اجْتِمَاعُهُمَا فِي وُجُودِ الْفِعْلِ فَقَطْ وَلِأَنَّ الْفَاءَ يَخْتَصُّ بِالْأَجْزِئَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْجَزَاءَ مُتَعَقِّبٌ عَلَى مَا يُوجِبُهُ مِنْ شَرْطٍ أَوْ نَحْوِهِ وَالْفَاءُ هِيَ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى التَّعْقِيبِ فَلِذَلِكَ اخْتَصَّتْ بِهَا وَلَا يَصْلُحُ فِيهَا الْوَاوُ لِمَا ذُكِرَ فَلَوْ كَانَ مُوجَبُهَا التَّرْتِيبَ لَمَا افْتَرَقَ الْحَالُ بَيْنَ الْفَاءِ وَالْوَاوِ قَوْلُهُ (وَأَصْلُهُ جَاءَنِي زَيْدٌ وَزَيْدٌ وَزَيْدٌ) وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ نَظِيرُ جَاءَنِي بَكْرٌ وَبِشْرٌ وَخَالِدٌ وَهَذَا الْمَجْمُوعُ أَسْمَاءُ أَعْلَامٍ وُضِعَتْ لِأَشْخَاصٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى الْمَعْنَى إلَّا أَنَّ الْأَلْفَاظَ إذَا كَانَتْ مُخْتَلِفَةً لَا يُمْكِنُ جَمْعُهَا فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ مَعَ كَمَالِ

ص: 110

وَقَالُوا لَا تَأْكُلْ السَّمَكَ وَتَشْرَبَ اللَّبَنَ مَعْنَاهُ لَا تَجْمَعْ بَيْنَهُمَا مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِمُقَارَنَةٍ أَوْ تَرْتِيبٍ فِي الْوُجُودِ وَلَوْ اسْتَعْمَلَ الْفَاءَ مَكَانَهُ لَبَطَلَ الْمُرَادُ وَمِثْلُهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ

عَارٌ عَلَيْك إذَا فَعَلْت عَظِيمُ

أَيْ لَا تَجْمَعْ بَيْنَهُمَا فَهَذَا لِبَيَانِ الْوَضْعِ وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ كَلَامَ الْعَرَبِ أَسْمَاءٌ وَأَفْعَالٌ وَحُرُوفٌ

ــ

[كشف الأسرار]

الْمَقْصُودِ وَهُوَ تَعْرِيفُ ذَوَاتِهِمْ فَلِذَلِكَ يُقَالُ جَاءَنِي بَكْرٌ وَبِشْرٌ وَخَالِدٌ فَأَمَّا إذَا كَانَتْ مُتَّفِقَةً فَيُمْكِنُ اخْتِصَارُهَا بِصِيغَةِ الْجَمْعِ وَالِاكْتِفَاءُ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ مِنْهَا مَعَ كَمَالِ الْمَقْصُودِ فَيُقَالُ زَيْدُونَ احْتِرَازًا عَنْ التَّطْوِيلِ وَالتَّكْرِيرِ الْمُسْتَكْرَهِينَ وَهَذَا الْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ بِالْإِجْمَاعِ فَيَكُونُ الْوَاوُ فِي قَوْلِهِ جَاءَنِي بَكْرٌ وَبِشْرٌ وَخَالِدٌ كَذَلِكَ أَيْضًا لِأَنَّ هَذِهِ عَيْنُ تِلْكَ كَذَا فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ قَوْلُهُ (وَقَالُوا) أَيْ أَهْلُ اللُّغَةِ لَا تَأْكُلْ السَّمَكَ وَتَشْرَبَ اللَّبَنَ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ عَبْدُ الْقَاهِرِ اعْلَمْ أَنَّ النَّصْبَ فِي قَوْلِك لَا تَأْكُلْ السَّمَكَ وَتَشْرَبَ اللَّبَنَ.

بِإِضْمَارِ أَنْ وَاَلَّذِي أَوْجَبَ ذَلِكَ أَنَّهُمْ لَوْ أَدْخَلُوا مَا بَعْدَ الْوَاوِ فِي إعْرَابِ مَا قَبْلَهَا لَاشْتَمَلَ النَّهْيُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْفِعْلَيْنِ وَلَيْسَ الْغَرَضُ ذَلِكَ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ النَّهْيُ عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ إدْخَالُ تَشْرَبَ فِي إعْرَابِ تَأْكُلْ وَجَبَ أَنْ يُضْمَرَ أَنْ وَيُنَزَّلُ قَوْلُك لَا تَأْكُلْ السَّمَكَ مَنْزِلَةَ لَا يَكُنْ مِنْك أَكْلُ السَّمَكِ لِيَكُونَ تَشْرَبَ، مَعَ تَقْدِيرِ أَنْ مَصْدَرًا مَعْطُوفًا عَلَى مِثْلِهِ نَحْوُ لَا يَكُنْ مِنْك أَكْلُ السَّمَكِ وَشُرْبُ اللَّبَنِ فَحَصَلَ بِهَذَا الْإِضْمَارِ مَعْنَى النَّهْيِ عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَأَنَّ أَحَدَهُمَا مُبَاحٌ لَهُ وَمَا ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ الْبَغْدَادِيِّينَ أَنَّهُ مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِ فَالْمُرَادُ أَنَّهُمْ لَمَّا قَصَدُوا أَنْ يَكُونَ الثَّانِي غَيْرَ دَاخِلٍ فِي حُكْمِ الْأَوَّلِ فَنَصَبُوهُ صَارَ الْعُدُولُ بِهِ عَنْ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ كَأَنَّهُ نَصَبَهُ إذْ كَانَ سَبَبًا لِإِضْمَارِ أَنْ فَأَمَّا أَنْ يُرَادَ أَنَّ النَّصْبَ بِنَفْسِ مُخَالَفَتِهِ لِلْأَوَّلِ حَتَّى كَانَ عَامِلُهُ ذَلِكَ الْمَعْنَى فَلَا قَوْلُهُ (وَلَوْ اسْتَعْمَلَ الْفَاءَ مَكَانَهُ لَبَطَلَ الْمُرَادُ) لِأَنَّ الْغَرَضَ هَهُنَا الْجَمْعُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ وَلَا يُرَادُ أَنْ يُجْعَلَ الْأَكْلُ سَبَبًا لِلشُّرْبِ نَحْوُ أَنْ تَقُولَ إنْ أَكَلْت السَّمَكَ شَرِبْت اللَّبَنَ كَمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي قَوْلِك لَا تَنْقَطِعْ عَنَّا فَنَجْفُوَك أَيْ لَا يَكُنْ مِنْك انْقِطَاعٌ فَجَفَاءٌ مِنَّا وَكَقَوْلِك لَا تَدْنُ مِنْ الْأَسَدِ فَيَأْكُلَك أَيْ إنَّك إنْ دَنَوْت مِنْهُ أَكَلَك وَيَصِيرُ دُنُوُّك سَبَبًا لِأَكْلِهِ إيَّاكَ وَعَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى {وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي} [طه: 81] أَيْ لَا تُجَاوِزُوا الْحَدَّ فِي أَكْلِ الطَّيِّبَاتِ فَإِنَّكُمْ إنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ حَلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَيَصِيرُ طُغْيَانُكُمْ سَبَبَ حُلُولِ آثَارِ الْغَضَبِ عَلَيْكُمْ وَإِذَا كَانَ الْمُرَادُ الْجَمْعَ وَجَبَ الثَّبَاتُ عَلَى الْوَاوِ دُونَ الْفَاءِ لِأَنَّ الْوَاوَ تَدُلُّ عَلَى الْجَمْعِ وَالْفَاءَ تَدُلُّ أَنَّ الثَّانِيَ بَعْدَ الْأَوَّلِ.

وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْفَاءَ لَا تَصْلُحُ فِي مَوْضِعِ الْوَاوِ كَمَا لَا تَصْلُحُ الْوَاوُ فِي مَوْضِعِ الْفَاءِ فِي قَوْلِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ وَأَنْتِ طَالِقٌ عُلِمَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وُضِعَتْ لِمَعْنًى عَلَى حِدَةٍ وَأَنَّهَا لَيْسَتْ لِلتَّرْتِيبِ قَوْلُهُ (وَمِثْلُهُ) أَيْ مِثْلُ قَوْلِهِ لَا تَأْكُلْ السَّمَكَ وَتَشْرَبَ اللَّبَنَ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ

أَيْ لَا يَكُنْ مِنْك نَهْيٌ عَنْ خُلُقٍ وَإِتْيَانٌ بِمِثْلِهِ أَيْ لَا تَجْمَعْ بَيْنَ هَذَيْنِ فَالنَّهْيُ عَنْ خُلُقٍ مُبَاحٌ لَهُ، إذَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِإِتْيَانِ مِثْلِهِ وَمَا حُكِيَ عَنْ الْأَصْمَعِيِّ أَنَّهُ كَانَ يُنْشِدُهُ بِإِسْكَانِ الْيَاءِ وَيَقُولُ إنَّ سَمَاعِي كَذَلِكَ فَوَجْهُهُ أَنْ تَكُونَ الْيَاءُ فِي تَقْدِيرِ النَّصْبِ كَقَوْلِهِ:

كَأَنَّ أَيْدِيهُنَّ بِالْقَاعِ الْفَرِقْ

أَوْ يَكُونُ عَلَى الِابْتِدَاءِ نَحْوُ لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَأَنْتَ تَأْتِي مِثْلَهُ وَقَبْلَهُ

ابْدَأْ بِنَفْسِك فَانْهَهَا عَنْ غَيِّهَا

فَإِذَا انْتَهَتْ عَنْهُ فَأَنْتَ حَكِيمُ

فَهُنَاكَ تُقْبَلُ إنْ وَعَظْت وَتُقْتَدَى

بِالْأَمْرِ مِنْك وَيَنْفَعُ التَّعْلِيمُ

لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ

عَارٌ عَلَيْك إذَا فَعَلْت عَظِيمُ

وَمِمَّا تَمَسَّكَ بِهِ الْعَامَّةُ قَوْله تَعَالَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ} [البقرة: 58] .

وَقَوْلُهُ عَزَّ اسْمُهُ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ {وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا} [الأعراف: 161] وَالْقِصَّةُ وَاحِدَةٌ آمِرًا وَمَأْمُورًا وَزَمَانًا

ص: 111

وَالْأَصْلُ فِي كُلِّ قِسْمٍ مِنْهَا أَنْ يَكُونَ مَوْضُوعًا لِمَعْنًى خَاصٍّ يَتَفَرَّدُ بِهِ فَأَمَّا الِاشْتِرَاكُ فَإِنَّمَا يَثْبُتُ لِغَفْلَةٍ مِنْ الْوَاضِعِ أَوْ عُذْرٍ دَعَا إلَيْهِ وَكَذَلِكَ التَّكْرَارُ وَقَدْ وَجَدْنَا حُرُوفَ الْعَطْفِ وَغَيْرَهَا مَوْضُوعَةً لِمَعَانٍ يَتَفَرَّدُ كُلُّ قِسْمٍ بِمَعْنَاهُ فَالْفَاءُ لِلتَّرْتِيبِ وَمَعَ لِلْقِرَانِ وَثُمَّ لِلتَّعْقِيبِ وَالتَّرَاخِي فَلَوْ كَانَ الْوَاوُ لِلتَّرْتِيبِ لَتَكَرَّرَتْ الدَّلَالَةُ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِأَصْلٍ لَكِنَّ الْوَاوَ لَمَّا كَانَتْ أَصْلًا فِي الْبَابِ كَانَ ذَلِكَ دَلَالَةً عَلَى أَنَّهَا وُضِعَتْ لِمُطْلَقِ الْعَطْفِ مَعَ احْتِمَالِ كُلِّ قِسْمٍ مِنْ أَقْسَامِهِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِشَيْءٍ مِنْهَا ثُمَّ انْشَعَبَتْ الْفُرُوعُ إلَى سَائِرِ الْمَعَانِي وَهَذَا كَمَا وُضِعَ لِكُلِّ جِنْسٍ اسْمٌ مُطْلَقٌ مِثْلُ الْإِنْسَانِ وَالتَّمْرِ ثُمَّ وُضِعَتْ لِأَنْوَاعِهَا أَسْمَاءٌ عَلَى الْخُصُوصِ وَصَارَتْ الْوَاوُ فِيمَا قُلْنَا نَظِيرَ اسْمِ الرَّقَبَةِ فِي كَوْنِهِ مُطْلَقًا

ــ

[كشف الأسرار]

ثَبَتَ ذَلِكَ بِنَقْلِ أَئِمَّةِ التَّفْسِيرِ فَلَوْ كَانَتْ الْوَاوُ لِلتَّرْتِيبِ لَتَنَاقَضَا لِدَلَالَةِ الْأَوَّلِ عَلَى تَقَدُّمِ الدُّخُولِ عَلَى الْقَوْلِ وَدَلَالَةِ الثَّانِي عَلَى عَكْسِهِ وَكَلَامُهُ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ مُنَزَّهٌ وَلِأَنَّهُ لَوْ أَفَادَ التَّرْتِيبَ لَكَانَ قَوْلُهُ رَأَيْت زَيْدًا وَعَمْرًا قَبْلَهُ مُتَنَاقِضًا وَلَكَانَ قَوْلُهُ رَأَيْت زَيْدًا وَعَمْرًا بَعْدَهُ تَكْرَارًا وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ وَالثَّانِي خِلَافُ الْأَصْلِ قَالَ الْإِمَامُ عَبْدُ الْقَاهِرِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَاوَ لَا أَصْلَ لَهُ فِي التَّرْتِيبِ أَنَّهُمْ وَضَعُوهَا حَيْثُ لَا يُتَصَوَّرُ التَّرْتِيبُ كَقَوْلِهِمْ اشْتَرَكَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو وَاخْتَصَمَ بَكْرٌ وَخَالِدٌ وَذَلِكَ أَنَّ الِاشْتِرَاكَ وَالِاخْتِصَامَ مِمَّا يَقْتَضِي فَاعِلَيْنِ فَلَوْ قُلْت فِي قَوْلِك اشْتَرَكَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو إنَّ زَيْدًا قَبْلَ عَمْرٍو فِي الرُّتْبَةِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ تَقُولَ اشْتَرَكَ زَيْدٌ وَتَسْكُتَ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا إذَا تَقَدَّمَ عَلَى صَاحِبِهِ لَمْ يَكُنْ مُسَاوِيًا لَهُ وَمُجْتَمِعًا مَعَهُ كَمَا أَنَّك إذَا قُلْت جَاءَنِي زَيْدٌ قَبْلَ عَمْرٍو لَمْ يَكُنْ لِزَيْدٍ اجْتِمَاعٌ مَعَ عَمْرٍو فِي الْمَجِيءِ فَمَنْ ادَّعَى أَنَّ الْوَاوَ دَلِيلٌ عَلَى التَّرْتِيبِ لَزِمَهُ أَنْ يَقُولَ اشْتَرَكَ زَيْدٌ وَاخْتَصَمَ بَكْرٌ وَيَسْكُتَ وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ بِالْفَاءِ وَثُمَّ لِأَنَّك لَوْ قُلْت اخْتَصَمَ زَيْدٌ فَعَمْرٌو أَوْ اشْتَرَكَ بَكْرٌ ثُمَّ خَالِدٌ كَانَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِك جَاءَنِي زَيْدٌ فَعَمْرٌو فِي جَعْلِك الِاخْتِصَامَ وَالِاشْتِرَاكَ مِمَّا يُسْنَدُ إلَى فَاعِلٍ وَاحِدٍ حَتَّى كَأَنَّك قُلْت اخْتَصَمَ زَيْدٌ وَسَكَتّ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ التَّرْتِيبَ يُزِيلُ الِاجْتِمَاعَ.

قَوْلُهُ (وَالْأَصْلُ فِي كُلِّ قِسْمٍ كَذَا) يَعْنِي الْأَصْلُ فِي الْكَلَامِ الْخُصُوصُ اسْمًا كَانَ أَوْ فِعْلًا أَوْ حَرْفًا وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بِإِزَاءِ كُلِّ لَفْظٍ مَعْنًى وَاحِدٌ وَأَنْ لَا يَكُونَ لِمَعْنًى وَاحِدٍ إلَّا لَفْظٌ وَاحِدٌ لِأَنَّ الْكَلَامَ وُضِعَ لِلْإِفْهَامِ وَالِاشْتِرَاكُ يُخِلُّ بِهِ وَالتَّرَادُفُ يُوجِبُ إخْلَاءَهُ عَنْ الْفَائِدَةِ وَذَلِكَ لَا يَلِيقُ بِالْحِكْمَةِ.

(لِغَفْلَةٍ مِنْ الْوَاضِعِ) يَعْنِي إنْ كَانَتْ اللُّغَاتُ اصْطِلَاحِيَّةً بِأَنْ وَضَعَ الْوَاضِعُ اللَّفْظَ أَوَّلًا بِإِزَاءِ مَعْنًى وَاشْتَهَرَ بَيْنَ قَوْمٍ وَقَدْ نَسِيَهُ ثُمَّ وَضَعَهُ بِإِزَاءِ مَعْنًى آخَرَ وَاشْتَهَرَ بَيْنَ قَوْمٍ آخَرِينَ ثُمَّ اجْتَمَعُوا وَاشْتَهَرَ الْوَضْعَانِ بَيْنَ الْكُلِّ (أَوْ عُذِرَ) أَيُّ حِكْمَةٍ دَعَتْ إلَى ذَلِكَ وَهُوَ الِابْتِلَاءُ إنْ كَانَتْ اللُّغَاتُ تَوْقِيفِيَّةً لِيَتَبَيَّنَ دَرَجَةُ الْعَالِمِ الَّذِي يَسْتَخْرِجُ الْمُرَادَ مِنْ الْكَلَامِ بِقُوَّةِ قَرِيحَتِهِ بِالتَّأَمُّلِ فِيهِ (لِتَكَرُّرِ الدَّلَالَةِ) أَيْ يَلْزَمُ التَّكْرَارُ (فَإِنْ قِيلَ) لَا يَتَكَرَّرُ بَلْ يَكُونُ لِمُطْلَقِ التَّرْتِيبِ (قُلْنَا) قَدْ وُضِعَتْ كَلِمَةُ بَعْدَ لِمُطْلَقِ التَّرْتِيبِ فَيَلْزَمُ التَّكَرُّرُ لَا مَحَالَةَ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ لِمُطْلَقِ التَّرْتِيبِ عِنْدَكُمْ فَإِنَّ الْوَلَاءَ فِي الْوُضُوءِ شَرْطٌ فِي الْجَدِيدِ كَمَا هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَلَوْ كَانَ لِمُطْلَقِ التَّرْتِيبِ لَمْ يُشْتَرَطْ وَلِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ لِلتَّرْتِيبِ لَخَلَا الْكَلَامُ عَنْ حَرْفٍ يَدُلُّ عَلَى مُطْلَقِ الْجَمْعِ وَهُوَ مَعْنًى مَقْصُودٌ وَذَلِكَ إخْلَالٌ بِهِ وَلَا يَتَخَالَجَنَّ فِي وَهْمِك أَنَّهَا أَوْجَبَتْ التَّرْتِيبَ فِي قَوْله تَعَالَى {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [يونس: 9] حَيْثُ رَتَّبَ الْعَمَلَ عَلَى الْإِيمَانِ وَلَمْ يُعْتَبَرْ بِدُونِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ اُسْتُفِيدَ مِنْ قَوْله تَعَالَى {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ} [طه: 112] لَا مِنْ الْوَاوِ لَكِنَّ الْوَاوَ اسْتِدْرَاكٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَيْ لَيْسَتْ الْوَاوُ لِلتَّرْتِيبِ لَكِنَّهَا لَمَّا كَانَتْ أَصْلًا فِي بَابِ الْعَطْفِ لِكَوْنِهَا أَكْثَرَ وُقُوعًا بِدَلَالَةِ الِاسْتِقْرَاءِ كَانَ ذَلِكَ أَيْ كَوْنُهَا أَصْلًا دَلَالَةً عَلَى أَنَّهَا وُضِعَتْ لِمُطْلَقِ الْعَطْفِ الَّذِي هُوَ أَصْلٌ لِمَا سِوَاهُ مِنْ أَقْسَامِهِ لِلْمُنَاسَبَةِ.

ثُمَّ انْشَعَبَتْ الْفُرُوعُ أَيْ الْحُرُوفُ الَّتِي هِيَ فُرُوعٌ لَهَا نَظَرًا إلَى قِلَّةِ وُقُوعِهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْوَاوِ كَالْفَاءِ وَثُمَّ إلَى سَائِرِ الْمَعَانِي الَّتِي هِيَ فُرُوعٌ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ مِنْ تَقَيُّدِهِ بِصِفَةِ التَّرْتِيبِ وَصِفَةِ الْقِرَانِ وَصِفَةِ التَّرَاخِي اعْتِبَارًا لِلتَّنَاسُبِ وَمُحَافَظَةً عَلَى قَوَانِينِهِمْ الْمُسْتَمِرَّةِ فِي سَائِرِ الْأَلْفَاظِ فَإِنَّهُمْ

ص: 112

غَيْرَ عَامٍّ وَلَا مُجْمَلٍ وَلِهَذَا قُلْنَا إنَّ حُكْمَ النَّصِّ فِي آيَةِ الْوُضُوءِ التَّحْصِيلُ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِمُقَارَنَةٍ أَوْ تَرْتِيبٍ وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْوَاوَ لِلْمُقَارَنَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لِلْمُقَارَنَةِ لِأَنَّهُمَا قَالَا فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ أَنَّهَا إذَا دَخَلَتْ طَلُقَتْ ثَلَاثًا وَأَنَّهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله تَطْلُقُ وَاحِدَةً فَدَلَّ أَنَّهُ جَعَلَهَا لِلتَّرْتِيبِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ اخْتِلَافُهُمْ رَاجِعٌ إلَى ذِكْرِ الطَّلْقَاتِ مُتَعَاقِبَةً يَتَّصِلُ الْأَوَّلُ بِالشَّرْطِ عَلَى التَّمَامِ وَالصِّحَّةِ ثُمَّ الثَّانِي وَالثَّالِثُ مَا مُوجَبُهُ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله مُوجَبُهُ الِافْتِرَاقُ لِأَنَّ الثَّانِيَ اتَّصَلَ بِالشَّرْطِ بِوَاسِطَةٍ وَالثَّالِثُ بِوَاسِطَتَيْنِ وَالْأَوَّلُ بِلَا وَاسِطَةٍ فَلَا يَتَغَيَّرُ هَذَا الْأَصْلُ بِالْوَاوِ وَلِأَنَّهُ لَا يَتَعَرَّضُ لِلْقِرَانِ وَقَالَا مُوجَبُهُ الِاجْتِمَاعُ وَالِاتِّحَادُ لِأَنَّ الثَّانِيَ جُمْلَةٌ نَاقِصَةٌ فَشَارَكَتْ الْأَوَّلَ وَهُوَ فِي الْحَالِ تَكَلَّمَ بِالطَّلَاقِ وَلَيْسَ بِطَلَاقٍ فَصَحَّ التَّحْصِيلُ وَالتَّرْتِيبُ فِي التَّكَلُّمِ لَا فِي صَيْرُورَتِهِ طَلَاقًا كَمَا إذَا حَصَلَ التَّعْلِيقُ بِشُرُوطٍ يَتَخَلَّلُهَا أَزْمِنَةٌ كَثِيرَةٌ فَإِنَّ التَّرْتِيبَ لَا يَجِبُ بِهِ

ــ

[كشف الأسرار]

وَضَعُوا لِكُلِّ جِنْسٍ اسْمًا ثُمَّ فَرَّعُوا عَلَيْهِ أَنْوَاعَهُ كَالْإِنْسَانِ اسْمُ جِنْسٍ ثُمَّ يَتَنَوَّعُ إلَى رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ وَكَالتَّمْرِ اسْمُ جِنْسٍ ثُمَّ يَتَنَوَّعُ إلَى عَجْوَةٍ وَبَرْنِيِّ وَسِنْجَانِيٍّ وَقَسْبٍ وَدَقَلٍ وَغَيْرِهَا قَوْلُهُ (غَيْرُ عَامٍّ) كَمَا زَعَمَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله وَقَدْ بَيَّنَّا وَلَا مُجْمَلٍ قَدْ زَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ اسْمَ الرَّقَبَةِ مُجْمَلٌ لِأَنَّ الْمُرَادَ لَا يُعْرَفُ مِنْهَا.

وَقَوْلُهُ مُؤْمِنَةٍ مُفَسِّرٌ لَهَا فَلِذَلِكَ يَتَقَيَّدُ الرَّقَبَةُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ بِصِفَةِ الْإِيمَانِ وَهَذَا فَاسِدٌ لِأَنَّهَا اسْمُ جِنْسٍ وَأَسْمَاءُ الْأَجْنَاسِ مَعْلُومَةُ الْمَعَانِي عِنْدَ أَرْبَابِ اللِّسَانِ وَأَصْحَابِ الشَّرِيعَةِ فَكَانَتْ مِنْ قَبِيلِ الْمُطْلَقِ لَا مِنْ قَبِيلِ الْمُجْمَلِ (وَلِهَذَا قُلْنَا) أَيْ وَلِكَوْنِهَا لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِمُقَارَنَةٍ كَمَا قَالَهُ مَالِكٌ إذْ الْقِرَانُ فِيهِ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا بِالْوَلَاءِ. (أَوْ تَرْتِيبٍ) كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَالْجَوَابُ عَنْ مُتَمَسَّكِهِمْ أَنَّ قَوْله تَعَالَى {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ} [البقرة: 158] لِبَيَانِ أَنَّهُمَا مِنْ مَعَالِمِ الْحَجِّ وَشَعَائِرِ اللَّهِ وَهَذَا لَا يَحْتَمِلُ التَّرْتِيبَ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ.

وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77] لَا يُفِيدُ التَّرْتِيبَ وَمَا عَرَفْنَا وُجُوبَ التَّرْتِيبِ بِهِ كَيْفَ وَأَنَّهُ مُعَارَضٌ بِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ {وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} [آل عمران: 43] وَإِنَّمَا عَرَفْنَاهُ بِقَوْلِهِ عليه السلام «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» أَوْ يَكُونُ الرُّكُوعُ مُقَدِّمَةَ السُّجُودِ وَالْقِيَامُ مُقَدِّمَةَ الرُّكُوعِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ وَكَذَا رَدُّهُ عليه السلام عَلَى الْأَعْرَابِيِّ لَمْ يَكُنْ لِإِفَادَةِ الْوَاوِ التَّرْتِيبَ إذْ لَا تَرْتِيبَ فِي مَعْصِيَتِهِمَا لِعَدَمِ انْفِكَاكِ أَحَدَيْهِمَا مِنْ الْأُخْرَى بَلْ لِتَرْكِ ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ قَوْلُهُ (وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا) أَنَّ الْوَاوَ لِلْمُقَارَنَةِ عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ اسْتِدْلَالًا بِمَا إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ يَتَعَلَّقُ الْكُلُّ بِالشَّرْطِ وَيَنْزِلْنَ جُمْلَةً وَلَوْ لَمْ تَكُنْ لِلْمُقَارَنَةِ لَوَقَعَ الْأَوَّلُ وَلَغَا الثَّانِي وَالثَّالِثُ لِعَدَمِ الْمَحَلِّ وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا لِلتَّرْتِيبِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رحمهم الله لِلْمُقَارَنَةِ اسْتِدْلَالًا بِالْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكِتَابِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ أَيْ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمُوا إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الْمُقَارَنَةِ أَوْ التَّرْتِيبِ فِي صُورَةٍ مِنْ الصُّوَرِ الَّتِي وُجِدَتْ فِيهَا الْوَاوُ أَنْ يَكُونَ الْوَاوُ مَوْضُوعَةً لَهُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمُقَارَنَةُ أَوْ التَّرْتِيبُ بِنَاءً عَلَى مَعْنًى آخَرَ غَيْرِ الْوَاوِ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ عَدَمُ اطِّرَادهَا فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْمُقَارَنَةِ أَوْ التَّرْتِيبِ فِي عَامَّةِ الصُّوَرِ كَيْفَ وَالْمُطْلَقُ فِي الْخَارِجِ لَا يُوجَدُ إلَّا مُقَيَّدًا بِصِفَةٍ وَذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ اللَّفْظِ مَوْضُوعًا لِلْمُقَيَّدِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُوجَدُ فِي الْخَارِجِ إلَّا مُقَيَّدًا بِصِفَةٍ.

وَذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَفْظَ الْإِنْسَانِ دَالٌّ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ وَمَوْضُوعٌ لَهَا بَلْ الْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْعَطْفِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا جَمِيعًا وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ فِي الْمَسْأَلَةِ بِنَاءً عَلَى كَيْفِيَّةِ تَعَلُّقِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ بِالشَّرْطِ لَا لِأَنَّ الْوَاوَ أَوْجَبَتْ الْمُقَارَنَةَ أَوْ التَّرْتِيبَ أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ نَجَّزَ فَقَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ لَا يَقَعُ إلَّا وَاحِدَةً وَعَلَى أَنَّهُ لَوْ قَدَّمَ الْجَزَاءَ فَقَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ الْكُلُّ بِالشَّرْطِ وَيَنْزِلْنَ جُمْلَةً فَلَوْ كَانَ اخْتِلَافُهُمْ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي مُوجَبِ الْوَاوِ لَثَبَتَ الِاخْتِلَافُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَلَكِنَّهُمَا قَالَا مُوجَبُهُ الِاجْتِمَاعُ أَيْ مُوجَبُ كَلَامِهِ الِاجْتِمَاعُ لِأَنَّ مُوجَبَ الْعَطْفِ الِاشْتِرَاكُ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وَالْجُمْلَةُ الْأُولَى تَامَّةٌ لِوُجُودِ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ وَقَوْلُهُ وَطَالِقٌ جُمْلَةٌ نَاقِصَةٌ لِأَنَّهُ بِغَيْرِ شَرْطٍ فَيَصِيرُ مَا يَتِمُّ بِهِ الْأُولَى وَهُوَ الشَّرْطُ

ص: 113

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[كشف الأسرار]

شَرْطًا لِلثَّانِيَةِ لِتَصِيرَ كَامِلَةً وَلِهَذَا تَعَلَّقَتْ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ بِالشَّرْطِ وَلَمْ تَقَعَا فِي الْحَالِ وَلَمَّا سَاوَتْ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ الْأُولَى فِي التَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ وَلَيْسَ بَيْنَ الْأَجْزِئَةِ مَا يُوجِبُ صِفَةَ التَّرْتِيبِ إذْ الْوَاوُ لَا تُوجِبُ ذَلِكَ وَتَعَلَّقَتْ غَيْرَ مَوْصُوفَةٍ بِالتَّرْتِيبِ وَقَعْنَ كَذَلِكَ كَمَا لَوْ كَرَّرَ الشَّرْطَ بِأَنْ قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ أَوْ قَدَّمَ الْجَزَاءَ كَمَا ذَكَرْنَا إذْ الْجَزَاءُ يَتَأَخَّرُ عَنْ الشَّرْطِ قَدَّمَ الشَّرْطَ عَلَيْهِ أَوْ أَخَّرَهُ ذِكْرًا

وَكَمَا لَوْ قَالَ لَهَا إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ تَطْلِيقَةً وَنِصْفًا فَدَخَلَتْ الدَّارَ تَطْلُقُ ثِنْتَيْنِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ تَطْلِيقَةٍ وَنِصْفِ تَطْلِيقَةٍ إذْ الطَّلَاقُ لَا نِصْفَ لَهُ وَلَا يَلْزَمُ مَا إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ فَإِنَّهَا تَطْلُقُ وَاحِدَةً لَا ثَلَاثًا خِلَافًا لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَبَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَرَبِيعَةَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى لِأَنَّ أَزْمِنَةَ الْوُقُوعِ مُتَفَرِّقَةٌ فَلَا تَقَعُ مُجْتَمِعَةً فَتَبِينُ بِالْأَوَّلِ فَلَا يَصِحُّ الثَّانِي وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ زَمَانُ الْوُقُوعِ زَمَانُ وُجُودِ الشَّرْطِ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ تَفْرِيقٌ بَعْدَ الشَّرْطِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَرْسَلَ فَقَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً لَا بَلْ ثِنْتَيْنِ لَمْ تَطْلُقْ إلَّا وَاحِدَةً وَلَوْ عَلَّقَ ثُمَّ وَجَدَ الشَّرْطَ طَلُقَتْ ثَلَاثًا كَذَا فِي الْأَسْرَارِ وَذَكَرَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا فِي بَيَانِ قَوْلِهِمَا إنَّ عَطْفَ الْجُمْلَةِ النَّاقِصَةِ عَلَى الْكَامِلَةِ يُوجِبُ إعَادَةَ مَا فِي الْكَامِلَةِ لِتَصِيرَ النَّاقِصَةُ كَامِلَةً أَيْضًا بِخِلَافِ عَطْفِ الْكَامِلَةِ عَلَى مِثْلِهَا أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ هَذِهِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَهَذِهِ طَلُقَتْ الْأُخْرَى ثَلَاثًا لِأَنَّ خَبَرَ الْأُولَى يَصِيرُ مُعَادًا فِي حَقِّهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ هَذِهِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَهَذِهِ طَالِقٌ حَيْثُ تَطْلُقُ الْأُخْرَى وَاحِدَةً لِأَنَّهَا مُفِيدَةٌ بِنَفْسِهَا فَلَا تَقْتَضِي ذِكْرَ الْخَبَرِ مَرَّةً أُخْرَى.

وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ جَاءَنِي زَيْدٌ وَعَمْرٌو أَوْ قَالَ مَرَرْت بِالْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ يَصِيرُ الْمَجِيءُ وَالْمُرُورُ مَذْكُورَيْنِ مَرَّةً أُخْرَى لَا طَرِيقَ لَهُ إلَّا ذَلِكَ فَكَذَلِكَ هَهُنَا قَوْلُهُ وَطَالِقٌ نَاقِصٌ لَا شَرْطَ لَهُ فَيَصِيرُ الشَّرْطُ كَالْمَذْكُورِ مَرَّةً أُخْرَى كَأَنَّهُ قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ وَطَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَيَقَعُ ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ بِدَخْلَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا لَوْ كَرَّرَ الشَّرْطَ صَرِيحًا وَقَدْ نَصَّ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ فَقِيلَ فِي وَقَوْلِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً لَا بَلْ ثِنْتَيْنِ تَقْدِيرُهُ لَا بَلْ ثِنْتَيْنِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ وَحَاصِلُ الطَّرِيقَتَيْنِ يَرْجِعُ إلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ وَهُوَ أَنَّ الطَّلْقَاتِ تَعَلَّقْنَ بِالشَّرْطِ بِلَا وَاسِطَةٍ فَلِذَلِكَ يَنْزِلْنَ جُمْلَةً عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ لَا لِأَنَّ الْوَاوَ أَوْجَبَتْ الْمُقَارَنَةَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله مُوجَبُهُ أَيْ مُوجَبُ ذِكْرِ الطَّلْقَاتِ مُتَعَاقِبَةً الِافْتِرَاقُ أَيْ انْفِصَالُ الثَّانِيَةِ عَنْ الْأُولَى وَالثَّالِثَةِ عَنْهُمَا فِي التَّعَلُّقِ بِالشَّرْطِ وَالتَّعَاقُبِ فِي الْوُقُوعِ لَا الِاجْتِمَاعِ كَمَا لَوْ قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ أَوْ قَالَ وَطَالِقٌ بَعْدَهُ وَطَالِقٌ بَعْدَهُ لِأَنَّ قَوْلَهُ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ جُمْلَةٌ تَامَّةٌ مُسْتَغْنِيَةٌ عَمَّا بَعْدَهَا فَلَمْ تَتَوَقَّفْ عَلَيْهِ فَتَعَلَّقَ هَذَا الطَّلَاقُ بِالشَّرْطِ بِلَا وَاسِطَةٍ.

وَقَوْلُهُ وَطَالِقٌ جُمْلَةٌ نَاقِصَةٌ فَتَتَوَقَّفُ عَلَى الْأُولَى لَا مَحَالَةَ لِافْتِقَارِهَا إلَيْهَا إذْ النَّاقِصَةُ مُفْتَقِرَةٌ إلَى الْكَامِلَةِ فِي إفَادَةِ الْمَعْنَى فَيَتَعَلَّقُ الطَّلَاقُ الثَّانِي بَعْدَ تَعَلُّقِ الْأَوَّلِ وَالتَّعْلِيقُ بِالشَّرْطِ مُنْفَصِلًا عَنْهُ صَحِيحٌ كَمَا لَوْ نَصَّ عَلَى كَلِمَةِ بَعْدَ أَوْ ثُمَّ فَكَانَ الْأَوَّلُ مُتَعَلِّقًا بِالشَّرْطِ بِلَا

ص: 114

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[كشف الأسرار]

وَاسِطَةٍ وَالثَّانِي بِوَاسِطَةٍ وَالثَّالِثُ بِوَاسِطَتَيْنِ وَإِذَا تَعَلَّقَ بِهَذَا التَّرْتِيبِ يَنْزِلْنَ كَذَلِكَ أَيْضًا لِأَنَّ الْجَزَاءَ يَنْزِلُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي تَعَلَّقَ كَالْجَوَاهِرِ إذَا نُظِمَتْ فِي سِلْكٍ وَعُقِدَ، رَأْسُهُ تَنْزِلُ عِنْدَ الِانْحِلَالِ عَلَى التَّرْتِيبِ الَّذِي نُظِمَتْ بِهِ فَلَوْ غُيِّرَ مُوجَبُ هَذَا الْكَلَامِ وَبَطَلَتْ الْوَاسِطَةُ إنَّمَا يَبْطُلُ قَضِيَّةُ الْوَاوِ.

وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْوَاوَ لَا تُوجِبُ الْقِرَانَ كَمَا لَا تُوجِبُ التَّرْتِيبَ بِخِلَافِ مَا إذَا كَرَّرَ الشَّرْطَ لِأَنَّ الْكُلَّ تَعَلَّقَ بِالشَّرْطِ بِلَا وَاسِطَةٍ وَبِخِلَافِ مَا إذَا قَدَّمَ الْجَزَاءَ لِأَنَّ أَوَّلَ الْكَلَامِ يَتَوَقَّفُ عَلَى آخِرِهِ إذَا كَانَ فِي آخِرِهِ مَا يُغَيِّرُ أَوَّلَهُ، أَوَّلُ الْكَلَامِ تَنْجِيزٌ لَوْ لَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ آخِرًا فَيَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ وَإِذَا تَوَقَّفَ تَعَلُّقُ الْكُلِّ بِلَا وَاسِطَةٍ بِالشَّرْطِ أَيْضًا وَبِخِلَافِ قَوْلِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ تَطْلِيقَةً وَنِصْفًا لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ فِي اللُّغَةِ لَفْظٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَوْ جُزْءٌ مِنْهُ فَكَانَ الْوَاحِدُ مَعَ النِّصْفِ كَاسْمٍ وَاحِدٍ بِمَنْزِلَةِ أَحَدَ عَشَرَ وَأَحَدٍ وَعِشْرِينَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ نَجَّزَ لِهَذَا اللَّفْظِ فَقَالَ أَنْتِ طَالِقٌ تَطْلِيقَةً وَنِصْفَ تَطْلِيقَةٍ تَقَعُ ثِنْتَانِ كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إحْدَى وَعِشْرِينَ طَلْقَةً تَقَعُ الثَّلَاثُ جُمْلَةً وَلَمْ تَقَعْ الْوَاحِدَةُ أَوَّلًا ثُمَّ الْعِشْرُونَ كَمَا قَالَ زُفَرُ فَكَذَا هَهُنَا فَأَمَّا طَالِقٌ وَطَالِقٌ فَكَلَامَانِ صِيغَةً وَلَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ يَجْعَلُهُمَا كَلَامًا وَاحِدًا لِأَنَّا وَجَدْنَا فِي اللُّغَةِ مَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الِاثْنَيْنِ بِعِبَارَةٍ أَوْ جُزْءٍ مِنْهُ وَهِيَ ثِنْتَانِ أَوْ ثَلَاثٌ وَبِخِلَافِ قَوْلِهِ لَا بَلْ ثِنْتَيْنِ لِأَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ لِاسْتِدْرَاكِ الْغَلَطِ وَالْإِضْرَابِ عَمَّا قَبْلَهَا بِإِقَامَةِ الثَّانِي مَقَامَ الْأَوَّلِ فَإِذَا اقْتَضَتْ الِالْتِحَاقَ بِالْأَوَّلِ صِرْنَ جُمْلَةً كَمَا لَوْ قَالَ وَمَعَهَا أُخْرَى وَأَمَّا قَوْلُهُمَا يَصِيرُ مَا تَمَّ بِهِ الْأُولَى كَالْمُعَادِ مَرَّةً أُخْرَى فَسَيَجِيءُ بَيَانُهُ وَقَوْلُهُ (وَهُوَ فِي الْحَالِ تَكَلَّمَ بِالطَّلَاقِ) جَوَابٌ عَنْ كَلَامِ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّ الثَّانِيَ تَعَلَّقَ بِوَاسِطَةٍ.

وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَاضِيَ الْإِمَامَ أَبَا زَيْدٍ رحمه الله ذَكَرَ فِي الْأَسْرَارِ أَنَّ هَذِهِ مَسْأَلَةٌ مُشْكِلَةٌ فَإِنَّا مَتَى اعْتَبَرْنَا الطَّلَاقَ الْمُتَعَلِّقَ بِمَحْسُوسٍ عُلِّقَ بِحَبْلٍ وَاحِدٍ أَوْجَبَ التَّعْلِيقُ بِشَرْطٍ وَاحِدٍ عَلَى التَّعَاقُبِ صِفَةَ تَرْتِيبٍ لِلْمُتَعَلِّقِ فِي نَفْسِهِ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله بِمَنْزِلَةِ حَلَقٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِحَبْلٍ وَاحِدٍ عَلَى التَّعَاقُبِ وَلَكِنَّ الشُّبْهَةَ فِي الْمَسْأَلَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ التَّرْتِيبَ إنَّمَا ثَبَتَ تَكَلُّمًا بِهِ فَكَانَ التَّعَاقُبُ فِي أَزْمِنَةِ التَّعْلِيقِ وَنَحْنُ نُسَلِّمُ التَّعَاقُبَ فِي أَزْمِنَةِ تَعَلُّقِ الْأَجْزِئَةِ بِالشَّرْطِ تَكَلُّمًا بِهَا وَلَكِنَّهُ لَا يُوجِبُ تَعَاقُبَ الْوُقُوعِ حِينَ الشَّرْطِ كَمَا لَوْ كَرَّرَ الشَّرْطَ وَإِنَّمَا الْمُوجِبُ لِلتَّرْتِيبِ فِي الْوُقُوعِ لَفْظٌ يُوجِبُ تَفْرِيقَ أَزْمِنَةِ الْوُقُوعِ كَثُمَّ أَوْ تَرْتِيبِ الْوَاقِعِ إنْ تَعَلَّقْنَ جُمْلَةً كَمَا لَوْ قَالَ لَهَا إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ وَالثَّانِي وَإِلَيْهِ أُشِيرَ فِي الْكِتَابِ أَنَّ الْمُتَعَلِّقَ لَيْسَ بِطَلَاقٍ لِلْحَالِ بَلْ هُوَ كَلَامٌ لَهُ عُرْضِيَّةُ أَنْ يَصِيرَ طَلَاقًا عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ طَلَاقًا لِلْحَالِ لَا يَقْبَلُ وَصْفَ التَّرْتِيبِ فِي الْحَالِ لِأَنَّ الْوَصْفَ لَا يَسْبِقُ الْمَوْصُوفَ فَكَانَتْ الْعِبْرَةُ لِحَالَةِ الْوُقُوعِ فَإِنْ وُجِدَ مَا يُوجِبُ تَفْرِيقَ أَزْمِنَةِ الْوُقُوعِ كَكَلِمَةِ ثُمَّ، أَوْ مَا يَبْقَى وَصْفًا لَهُ بَعْدَ الْوُقُوعِ كَكَلِمَةِ بَعْدَ يَثْبُتُ التَّرْتِيبُ وَيَصِيرُ بِكَلِمَةِ ثُمَّ أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ الْجَزَاءُ الَّذِي يَصِيرُ طَلَاقًا فِي الثَّانِي أَنَّهُ يَصِيرُ طَلَاقًا بِهَذَا الْوَصْفِ فَأَمَّا الْوَاوُ فَلَا تُوجِبُ ذَلِكَ.

وَكَذَا أَزْمِنَةُ التَّعْلِيقِ لَا تَكُونُ وَصْفًا لِمَا يَقَعُ زَمَانَ الشَّرْطِ فَيَلْغُو اعْتِبَارُ تَفَرُّقِهَا وَاجْتِمَاعِهَا فِي حَقِّ الْوَاقِعِ ذَكَرَ الْقَاضِي الْإِمَامُ هَاتَيْنِ الشُّبْهَتَيْنِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْجَوَابَ مَيْلًا إلَى تَرْجِيحِ قَوْلِهِمَا فَكَأَنَّ الشَّيْخَ إنَّمَا أَوْرَدَ قَوْلَهُمَا آخِرًا وَذَكَرَ جَوَابَهُمَا عَنْ كَلَامِ أَبِي حَنِيفَةَ اتِّبَاعًا لِلْقَاضِي الْإِمَامِ.

قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ

ص: 115

وَإِذَا كَانَ مُوجَبُ الْكَلَامِ مَا قُلْنَا لَمْ يَتَغَيَّرْ بِالْوَاوِ لِأَنَّهَا لَا تَتَعَرَّضُ لِلتَّرْتِيبِ لَا مَحَالَةَ وَلَا تُوجِبُهُ فَلَا يُتْرَكُ الْمُقَيَّدُ بِالْمُطْلَقِ وَإِذَا تَقَدَّمَتْ الْأَجْزِيَةُ فَقَدْ اتَّحَدَ حَالُ التَّعْلِيقِ فَصَارَ مُوجَبُ الْكَلَامِ الِاجْتِمَاعَ وَالِاتِّحَادَ فَلَمْ يُتْرَكْ بِالْوَاوِ لِمَا قُلْنَا فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ قَالَ أَصْحَابُنَا فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ قَبْلَ الدُّخُولِ أَنَّهَا تَبِينُ بِوَاحِدَةٍ وَهَذَا مِنْ بَابِ التَّرْتِيبِ

وَقَالَ فِي النِّكَاحِ مِنْ الْجَامِعِ فِيمَنْ زَوَّجَ أَمَتَيْنِ مِنْ رَجُلٍ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُمَا وَبِغَيْرِ إذْنِ الزَّوْجِ ثُمَّ أَعْتَقَهُمَا الْمَوْلَى مَعًا إنَّهُ لَا يَبْطُلُ نِكَاحُ وَاحِدَةٍ مِنْهَا وَلَوْ أَعْتَقَهُمَا فِي كَلِمَتَيْنِ مُنْفَصِلَتَيْنِ بَطَلَ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ فَإِنْ قَالَ هَذِهِ حُرَّةٌ وَهَذِهِ حُرَّةٌ مُتَّصِلًا بِوَاوِ الْعَطْفِ بَطَلَ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ وَهَذَا أَيْضًا مِنْ بَابِ التَّرْتِيبِ وَقَالَ فِي هَذَا الْبَابِ فِيمَنْ زَوَّجَ رَجُلًا أُخْتَيْنِ فِي عُقْدَتَيْنِ بِغَيْرِ إذْنِ الزَّوْجِ فَبَلَغَهُ فَأَجَازَهُمَا مَعًا بَطَلَا وَإِنْ أَجَازَهُ مُتَفَرِّقًا بَطَلَ الثَّانِي وَإِنْ قَالَ أَجَزْت نِكَاحَ هَذِهِ وَهَذِهِ بَطَلَا كَأَنَّهُ قَالَ أَجَزْتهمَا وَهَذَا مِنْ بَابِ الْمُقَارَنَةِ

وَقَالَ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ مِنْ الْجَامِعِ فِيمَنْ هَلَكَ عَنْ ثَلَاثَةِ أَعْبُدٍ قِيمَتُهُمْ سَوَاءٌ وَعَنْ ابْنٍ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ فَقَالَ الِابْنُ أَعْتَقَ أَبِي فِي مَرَضِ مَوْتِهِ هَذَا وَهَذَا وَهَذَا فَإِنْ أَقَرَّ بِهِ فِي كَلَامٍ مُتَّصِلٍ عَتَقَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثُهُ وَإِنْ سَكَتَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ عَتَقَ الْأَوَّلُ وَنِصْفُ الثَّانِي وَثُلُثُ الثَّالِثِ وَهَذَا مِنْ بَابِ الْقِرَانِ قِيلَ لَهُ

ــ

[كشف الأسرار]

وَمَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله أَقْرَبُ إلَى مُرَاعَاةِ حَقِيقَةِ اللَّفْظِ لِأَنَّ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ ذَلِكَ الْمَلْفُوظُ بِهِ يَصِيرُ طَلَاقًا فَإِذَا كَانَ مِنْ ضَرُورَةِ الْعَطْفِ إثْبَاتُ هَذِهِ الْوَاسِطَةِ ذِكْرًا فَعِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ يَصِيرُ كَذَلِكَ طَلَاقًا وَاقِعًا وَمِنْ ضَرُورَةِ تَفَرُّقِ الْوُقُوعِ أَنْ لَا يَقَعَ إلَّا وَاحِدَةً فَإِنَّهَا تَبِينُ لَا إلَى عِدَّةٍ كَمَا لَوْ نَجَّزَ فَقَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ قَوْلُهُ (وَإِذَا كَانَ مُوجَبُ الْكَلَامِ مَا قُلْنَا) وَهُوَ الِاجْتِمَاعُ وَالِاتِّحَادُ فَلَا يُتْرَكُ الْمُقَيَّدُ أَيْ الْمُقْتَضِي لِلِاجْتِمَاعِ بِالْمُطْلَقِ أَيْ الْوَاوِ.

وَقَوْلُهُ وَإِذَا تَقَدَّمَتْ الْأَجْزِيَةُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا عَنْ اسْتِدْلَالِ الطَّائِفَةِ الْأُولَى بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْوَاوَ لِلْمُقَارَنَةِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا جَمِيعًا يَعْنِي ثَبَتَ الْمُقَارَنَةُ بِاتِّحَادِ حَالِ التَّعْلِيقِ الَّذِي يَقْتَضِي الِاجْتِمَاعَ فِي الْوُقُوعِ لَا بِمُوجَبِ الْوَاوِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِكَلَامِ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله عَلَى سَبِيلِ الْفَرْقِ يَعْنِي إذَا تَأَخَّرَتْ الْأَجْزِيَةُ فَمُوجَبُ كَلَامِهِ الِافْتِرَاقُ فَلَا يَتَغَيَّرُ بِالْوَاوِ إذَا تَقَدَّمَتْ فَمُوجَبُهُ الِاجْتِمَاعُ فَلَا يُتْرَكُ بِالْوَاوِ أَيْضًا لِمَا قُلْنَا إنَّهَا لَا تَتَعَرَّضُ لِلْقِرَانِ وَلَا لِلتَّرْتِيبِ

ثُمَّ ذَكَرَ الشَّيْخُ مَا يَرِدُ نَقْضًا عَلَى هَذَا الْأَصْلِ مَعَ جَوَابِهِ وَهُوَ أَرْبَعُ مَسَائِلَ اثْنَتَانِ مِنْهَا تَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ الْوَاوَ لِلتَّرْتِيبِ وَاثْنَتَانِ عَلَى أَنَّهَا لِلْقِرَانِ مِنْهَا مَسْأَلَةُ الْأَمَتَيْنِ وَهِيَ أَنَّ رَجُلًا لَوْ زَوَّجَ أَمَتَيْنِ لِآخَرَ بِرِضَاهُمَا مِنْ رَجُلٍ فِي عُقْدَةٍ أَوْ عُقْدَتَيْنِ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُمَا وَبِغَيْرِ إذْنِ الزَّوْجِ كَانَ النِّكَاحُ مَوْقُوفًا عَلَى إجَازَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَإِنْ نَقَضَ أَحَدُهُمَا انْتَقَضَ وَإِنْ أَجَازَ أَحَدُهُمَا تَوَقَّفَ عَلَى إجَازَةِ الْآخَرِ فَإِنْ أَعْتَقَهُمَا الْمَوْلَى بِلَفْظٍ وَاحِدٍ بِأَنْ قَالَ أَعْتَقْتهمَا أَوْ قَالَ هُمَا حُرَّتَانِ لَا يَبْطُلُ نِكَاحُ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ لَا فِي حَالِ الْعَقْدِ وَلَا فِي حَالِ الْإِجَازَةِ وَلَزِمَ الْعَقْدُ مِنْ جَانِبِ الْمَوْلَى لِسُقُوطِ حَقِّهِ بِالْإِعْتَاقِ وَبَقِيَ مَوْقُوفًا عَلَى إجَازَةِ الزَّوْجِ إنْ شَاءَ أَجَازَ نِكَاحَهُمَا وَإِنْ شَاءَ أَجَازَ نِكَاحَ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِعَيْنِهَا وَلَوْ أَعْتَقَهُمَا فِي كَلِمَتَيْنِ مُنْفَصِلَتَيْنِ بِأَنْ قَالَ أَعْتَقْت هَذِهِ أَوْ قَالَ هَذِهِ حُرَّةٌ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ زَمَانٍ لِلْأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ أَوْ مُتَّصِلَتَيْنِ كَمَا ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي الْكِتَابِ بَطَلَ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ لِمَا سَتَقِفُ عَلَيْهِ وَبَقِيَ نِكَاحُ الْأُولَى مَوْقُوفًا عَلَى إجَازَةِ الزَّوْجِ وَلَوْ وُجِدَ إذْنُ الْمَوْلَى دُونَ الزَّوْجِ فِي الْمَسْأَلَةِ تَوَقَّفَ النِّكَاحُ عَلَى إجَازَةِ الزَّوْجِ لَا غَيْرُ وَلَوْ أُعْتِقَتَا مَعًا لَا يَبْطُلُ نِكَاحُ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَبَقِيَ مَوْقُوفًا عَلَى إجَازَةِ الزَّوْجِ كَمَا كَانَ وَلَوْ أُعْتِقَتَا عَلَى التَّعَاقُبِ بِكَلَامَيْنِ مُنْفَصِلَيْنِ أَوْ مُتَّصِلَيْنِ بَطَلَ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ وَبَقِيَ نِكَاحُ الْأُولَى مَوْقُوفًا عَلَى مَا كَانَ وَلَوْ وُجِدَ إذْنُ الزَّوْجِ دُونَ الْمَوْلَى تَوَقَّفَ عَلَى إجَازَةِ الْمَوْلَى وَلَوْ أَعْتَقَهُمَا مَعًا نَفَذَ نِكَاحُهُمَا وَلَوْ أَعْتَقَهُمَا عَلَى التَّعَاقُبِ بَطَلَ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ وَنَفَذَ نِكَاحُ الْأُولَى.

وَلَوْ وُجِدَ إذْنُهُمَا جَمِيعًا نَفَذَ نِكَاحُهُمَا وَلَا يَبْطُلُ بِإِعْتَاقٍ بِحَالٍ، فِيمَا ذَكَرْنَا تَعْرِفُ فَائِدَةَ الْقَيْدَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ فَتَأَمَّلْ قَوْلُهُ (فِي عُقْدَتَيْنِ) احْتِرَازٌ عَمَّا إذَا زَوَّجَهُمَا فِي عُقْدَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَنْفُذُ بِحَالٍ قَوْلُهُ (وَلَوْ سَكَتَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ) بِأَنْ قَالَ أَعْتَقَ أَبِي هَذَا وَسَكَتَ ثُمَّ قَالَ لِلْآخَرِ أَعْتَقَ هَذَا وَسَكَتَ ثُمَّ قَالَ وَأَعْتَقَ هَذَا عَتَقَ الْأَوَّلُ وَنِصْفُ الثَّانِي وَثُلُثُ الثَّالِثِ لِأَنَّهُ لَمَّا أَقَرَّ بِعِتْقِ الْأَوَّلِ فَقَدْ أَقَرَّ بِالثُّلُثِ لَهُ فَعَتَقَ مِنْ غَيْرِ سِعَايَةٍ ثُمَّ لَمْ يَصِحَّ مَا بَعْدَهُ فِي تَغْيِيرِ حَقِّهِ لِأَنَّ الْمُغَيِّرَ إنَّمَا يَصِحُّ بِشَرْطِ الْوَصْلِ وَإِذَا أَقَرَّ بِالثَّانِي فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ الثُّلُثَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَوَّلِ نِصْفَيْنِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُصَدَّقْ فِي إبْطَالِ حَقِّ الْأَوَّلِ وَصُدِّقَ فِي إثْبَاتِ حَقِّ الثَّانِي وَلَمَّا أَقَرَّ بِالثَّالِثِ فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ الثُّلُثَ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا لَكِنَّهُ لَمْ يُصَدَّقْ فِي إبْطَالِ

ص: 116

أَمَّا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فَقَدْ قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ إنَّهُ تَقَعُ الثَّلَاثُ وَجَعَلَهَا لِلْقِرَانِ لَكِنَّهُ غَلَطٌ لِمَا قَدَّمْنَا وَالْوَاوُ لِلْعَطْفِ الْمُطْلَقِ وَلِذَلِكَ لَمْ يَقَعْ الثَّانِي لِأَنَّ الْأَوَّلَ وَقَعَ قَبْلَ التَّكَلُّمِ بِالثَّانِي لَمَّا لَمْ يَكُنْ الْكَلَامُ نَصًّا عَلَى الْمُقَارَنَةِ وَلَمْ يَقِفْ عَلَى التَّكَلُّمِ بِالْبَاقِي فَسَقَطَتْ وِلَايَتُهُ لِفَوَاتِ مَحَلِّ التَّصَرُّفِ لَا لِخَلَلٍ فِي الْعِبَارَةِ وَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ نِكَاحِ الْأُمَّتَيْنِ لِأَنَّ عِتْقَ الْأُولَى يُبْطِلُ مَحَلِّيَّةَ الْوَقْفِ فِي حَقِّ الثَّانِيَةِ لِأَنَّهُ لَا حِلَّ لِلْأَمَةِ فِي مُقَابَلَةِ الْحُرَّةِ حَالَ التَّوَقُّفِ فَبَطَلَ الثَّانِي قَبْلَ التَّكَلُّمِ بِعِتْقِهَا ثُمَّ لَمْ يَصِحَّ التَّدَارُكُ لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ فِي حُكْمِ التَّوَقُّفِ لِأَنَّ الْوَاوَ لَا تَتَعَرَّضُ لِلْمُقَارَنَةِ فَأَمَّا فِي نِكَاحِ الْأُخْتَيْنِ فَإِنَّ صَدْرَ الْكَلَامِ تَوَقَّفَ عَلَى آخِرِهِ لَا لِاقْتِضَاءِ وَاوِ الْعَطْفِ لَكِنْ لِأَنَّ صَدْرَ الْكَلَامِ وُضِعَ لِجَوَازِ النِّكَاحِ وَإِذَا اتَّصَلَ بِهِ آخِرُهُ سَلَبَ عَنْهُ الْجَوَازَ فَصَارَ آخِرُهُ فِي حَقِّ أَوَّلِهِ بِمَنْزِلَةِ الشَّرْطِ وَالِاسْتِثْنَاءِ فِي قَوْلِ الرَّجُلِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ

ــ

[كشف الأسرار]

حَقِّ الْأَوَّلَيْنِ كَذَا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ لِلْمُصَنِّفِ

قَوْلُهُ (أَمَّا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى) إذَا قَالَ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ يَقَعُ وَاحِدَةٌ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلِهِ الْقَدِيمِ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَرَبِيعَةُ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى إنَّهَا تَطْلُقُ ثَلَاثًا لِأَنَّ الْوَاوَ تُوجِبُ الْمُقَارَنَةَ.

وَلِأَنَّ الْجَمْعَ بِحَرْفِ الْجَمْعِ كَالْجَمْعِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ فَصَارَ كَمَا لَوْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ طَلُقَتْ ثَلَاثًا عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ فَكَذَا هَهُنَا لَكِنَّ مَا قَالُوهُ غَلَطٌ لِمَا قَدَّمْنَا أَنَّ لِلْقِرَانِ لَفْظًا مَوْضُوعًا وَهُوَ مَعَ فَلَوْ حَمَلْنَا الْوَاوَ عَلَيْهِ كَانَ تَكْرَارًا وَهُوَ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ أَهْلُ اللُّغَةِ أَيْضًا وَالْوَاوُ لِلْعَطْفِ الْمُطْلَقِ لَا لِلْقِرَانِ وَلِذَلِكَ أَيْ وَلِكَوْنِهَا لِلْعَطْفِ الْمُطْلَقِ لَمْ يَقَعْ الثَّانِي لِأَنَّ الْأَوَّلَ وَقَعَ قَبْلَ التَّكَلُّمِ بِالثَّانِي لِأَنَّ تَوَقُّفَ الْكَلَامِ الَّذِي صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ لَا يَكُونُ إلَّا لِمَا يُوجِبُ ذَلِكَ مِنْ تَنْصِيصٍ عَلَيْهِ بِلَفْظٍ يُوجِبُهُ كَكَلِمَةِ مَعَ أَوْ مِنْ مُغَيِّرٍ الْتَحَقَ بِآخِرِهِ كَالشَّرْطِ وَالِاسْتِثْنَاءِ وَلَمْ يُوجَدْ هَهُنَا تَنْصِيصٌ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْوَاوَ لَيْسَتْ بِنَصٍّ عَلَى الْمُقَارَنَةِ بَلْ هِيَ مِنْ مُحْتَمَلَاتِ الْوَاوِ وَلَا مُغَيِّرَ أَيْضًا لِأَنَّ ذِكْرَ الطَّلَاقِ الثَّانِي لَا يُؤَثِّرُ فِي الطَّلَاقِ الْأَوَّلِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ وَلَمْ يَقِفْ عَلَى التَّكَلُّمِ بِالثَّانِي وَإِذَا لَمْ يَتَوَقَّفْ أَوَّلُهُ عَلَى آخِرِهِ بَانَتْ بِالْأَوَّلِ وَلَغَا الثَّانِي وَالثَّالِثُ (لِفَوَاتِ مَحَلِّ التَّصَرُّفِ) بِحُصُولِ الْإِبَانَةِ بِالطَّلَاقِ الْأَوَّلِ (لَا لِخَلَلٍ فِي الْعِبَارَةِ) أَيْ لَا لِفَسَادٍ فِي التَّكَلُّمِ وَالْعَطْفِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي وُقُوعَ الثَّانِي وَالثَّالِثِ وَلَكِنْ مِنْ شَرْطِهِ قِيَامُ الْمَحَلِّ فَإِذَا لَمْ يَبْقَ لَغَا ضَرُورَةً ثُمَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله يَقَعُ الْأَوَّلُ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ التَّكَلُّمِ بِالثَّانِي وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ رحمه الله عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنْ التَّكَلُّمِ بِالثَّانِي يَقَعُ الْأَوَّلُ لِجَوَازِ أَنْ يُلْحِقَ بِكَلَامِهِ شَرْطًا أَوْ اسْتِثْنَاءً مُغَيِّرًا.

وَمَا قَالَهُ أَبُو يُوسُفَ أَحَقُّ فَإِنَّهُ مَا لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ وَلَا يَفُوتُ الْمَحَلُّ فَلَوْ كَانَ وُقُوعُ الْأَوَّلِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْمُتَكَلِّمِ بِالثَّانِي لَوَقَعَا جَمِيعًا لِوُجُودِ الْمَحَلِّ مَعَ صِحَّةِ التَّكَلُّمِ بِالثَّانِي كَذَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ رحمه الله قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ فِي نِكَاحِ الْأَمَتَيْنِ) أَيْ وَكَمَا أَنَّ عَدَمَ وُقُوعِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ (لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ) لَا لِأَنَّ الْوَاوَ تُوجِبُ التَّرْتِيبَ فَكَذَا فِي نِكَاحِ الْأَمَتَيْنِ بُطْلَانُ نِكَاحِ الثَّانِيَةِ لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ لَا لِاقْتِضَاءِ الْوَاوِ ذَلِكَ لِأَنَّ عِتْقَ الْأُولَى يُبْطِلُ مَحَلِّيَّةَ الْوَقْفِ فِي حَقِّ الثَّانِيَةِ يَعْنِي بَعْدَمَا عَتَقَتْ الْأُولَى لَا تَبْقَى الثَّانِيَةُ مَحَلًّا لِلنِّكَاحِ الْمَوْقُوفِ (لِأَنَّهُ لَا حِلَّ لِلْأَمَةِ فِي مُقَابَلَةِ الْحُرَّةِ حَالَ التَّوَقُّفِ) أَرَادَ بِهِ حِلَّ الْمَحَلِّيَّةِ أَيْ لَا تَبْقَى الْأَمَةُ مَحَلَّ النِّكَاحِ فِي مُقَابَلَةِ الْحُرَّةِ حَالَ تَوَقُّفِ نِكَاحِ الْأَمَةِ فَإِنَّهُ إنْ تَزَوَّجَ أَمَةً نِكَاحًا مَوْقُوفًا ثُمَّ تَزَوَّجَ حُرَّةً نِكَاحًا نَافِذًا أَوْ مَوْقُوفًا يَبْطُلُ نِكَاحُ الْأَمَةِ أَصْلًا وَذَلِكَ لِأَنَّ حَالَ التَّوَقُّفِ حَالُ انْضِمَامِ الْأَمَةِ إلَى الْحُرَّةِ وَالنِّكَاحُ الْمَوْقُوفُ مُعْتَبَرٌ بِابْتِدَاءِ النِّكَاحِ لِأَنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ فَكَانَ فِي حَقِّ مَنْ يَلْزَمُهُ حُكْمُهُ بِمَنْزِلَةِ غَيْرِ الْمُنْعَقِدِ وَالْأَمَةُ لَيْسَتْ بِمَحَلٍّ لِابْتِدَاءِ النِّكَاحِ مُنْضَمَّةً إلَى الْحُرَّةِ فَلِهَذَا بَطَلَ تَوَقُّفُ نِكَاحِ الثَّانِيَةِ بَعْدَمَا عَتَقَتْ الْأُولَى قَبْلَ الْفَرَاغِ عَنْ التَّكَلُّمِ بِعِتْقِهَا ثُمَّ لَمْ يَصِحَّ التَّدَارُكُ بَعْدَ إعْتَاقِهَا لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ فِي حَقِّ التَّوَقُّفِ قَبْلَهُ وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ فِي حَقِّ التَّوَقُّفِ لِأَنَّ بُطْلَانَ الْمَحَلِّيَّةِ فِي حَقِّهِ لَا غَيْرُ حَتَّى لَوْ تَزَوَّجَهَا بَعْدُ صَحَّ لِأَنَّهَا قَدْ صَارَتْ حُرَّةً وَلِأَنَّ الْوَاوَ لَا تَتَعَرَّضُ لِلْمُقَارَنَةِ لِتَجْعَلَهُمَا كَلَامًا وَاحِدًا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ أَعْتَقْتهمَا وَهَذَا يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ أَعْتَقْت هَذِهِ مَعَ هَذِهِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ أَعْتَقْتهمَا.

قَوْلُهُ (فَأَمَّا

ص: 117

وَصَدْرُ الْكَلَامِ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ بِشَرْطِ الْوَصْلِ لِمَا نُبَيِّنُ فِي بَابِ الْبَيَانِ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَكَذَلِكَ هَذَا، وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي قَوْلِ الرَّجُلِ أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ قَبْلَ الدُّخُول لِأَنَّ صَدْرَ الْكَلَامِ لَا يَتَغَيَّرُ بِآخِرِهِ فَلَمْ يَتَوَقَّفْ.

وَكَذَا فِي مَسْأَلَةِ نِكَاحِ الْأَمَتَيْنِ لَا يَتَغَيَّرُ صَدْرُ الْكَلَامِ بِآخِرِهِ لِأَنَّ عِتْقَ الثَّانِيَةِ إنْ ضُمَّ إلَى الْأَوَّلِ لَمْ يَتَغَيَّرْ نِكَاحُ الْأُولَى عَنْ الصِّحَّةِ إلَى الْفَسَادِ وَعَنْ الْوُجُودِ إلَى الْعَدَمِ وَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الْإِقْرَارِ صَدْرُ الْكَلَامِ يَتَغَيَّرُ بِآخِرِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ مُوجَبَ صَدْرِهِ عِتْقُهُ بِلَا سِعَايَةٍ وَإِذَا انْضَمَّ الْأُخْرَى إلَى الْأَوَّلِ تَغَيَّرَ الصَّدْرُ عَنْ عِتْقٍ إلَى رِقٍّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله لِأَنَّ الْمُسْتَسْعَى مُكَاتَبٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا يَتَغَيَّرُ عَنْ بَرَاءَةٍ إلَى شُغْلٍ بِدَيْنِ السِّعَايَةِ فَلِذَلِكَ وَقَفَ صَدْرُهُ عَلَى آخِرِهِ

ــ

[كشف الأسرار]

نِكَاحُ الْأُخْتَيْنِ) ذَكَرَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا أَنَّ اخْتِلَافَ الْجَوَابِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ لِاخْتِلَافِ الْوَضْعِ فَإِنَّهُ فِي مَسْأَلَةِ الْأَمَتَيْنِ قَالَ هَذِهِ حُرَّةٌ وَهَذِهِ حُرَّةٌ وَالْكَلَامُ الثَّانِي جُمْلَةٌ تَامَّةٌ لِأَنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ فَإِذَا عُطِفَتْ عَلَى جُمْلَةٍ تَامَّةٍ لَا يُوجِبُ مُشَارَكَتَهَا الْأُولَى فَلَا يَتَوَقَّفُ أَوَّلُ الْكَلَامِ عَلَى آخِرِهِ كَقَوْلِهِ لِامْرَأَتَيْهِ: عَمْرَةُ طَالِقٌ ثَلَاثًا، وَزَيْنَبُ طَالِقٌ إنَّ زَيْنَبَ تَطْلُقُ وَاحِدَةً وَقَالَ فِي مَسْأَلَةِ الْأُخْتَيْنِ أَجَزْت نِكَاحَ هَذِهِ وَهَذِهِ وَالْكَلَامُ الثَّانِي جُمْلَةٌ نَاقِصَةٌ فَشَارَكَتْ الْأُولَى ضَرُورَةً حَتَّى لَوْ قَالَ هَهُنَا وَأَجَزْت هَذِهِ يَجِبُ أَنْ يَبْطُلَ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ وَلَوْ قَالَ فِي مَسْأَلَةِ الْأَمَتَيْنِ هَذِهِ حُرَّةٌ وَهَذِهِ لَمْ يَبْطُلْ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ كَمَا لَوْ أَعْتَقَهُمَا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ وَالْأَصَحُّ أَنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا فِيمَا إذَا كَانَ الْمَعْطُوفُ جُمْلَةً تَامَّةً فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ.

وَالْفَرْقُ مَا أَشَارَ الشَّيْخُ إلَيْهِ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ أَنَّ آخِرَ الْكَلَامِ إذَا كَانَ يُغَيِّرُ أَوَّلَهُ تَوَقَّفَ أَوَّلُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ كَمَا وَقَفَ عَلَى الشَّرْطِ وَالِاسْتِثْنَاءِ وَإِذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ بِهِ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَيْهِ فَفِي مَسْأَلَةِ الْأُخْتَيْنِ آخِرُ الْكَلَامِ يُغَيِّرُ أَوَّلَهُ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَضُمَّ الثَّانِيَةَ إلَى الْأُولَى صَحَّ نِكَاحُ الْأُولَى وَإِذَا ضَمَّ إلَيْهَا بَطَلَ نِكَاحُهَا لِلْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ سَلَبَ عَنْهُ الْجَوَازَ فَنَزَلَ مَنْزِلَةَ الِاسْتِثْنَاءِ وَالشَّرْطِ فَتَوَقَّفَ الْأَوَّلُ عَلَيْهِ فَصَارَ كَالْجَمْعِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فَبَطَلَا وَفِي مَسْأَلَةِ الْأَمَتَيْنِ إعْتَاقُ الْأَخِيرَةِ لَا يُغَيِّرُ الْكَلَامَ الْأَوَّلَ لِأَنَّ النِّكَاحَ يَبْقَى مَوْقُوفًا صَحِيحًا كَمَا كَانَ وَإِنَّمَا أَثَرُ الثَّانِي فِي صِحَّةِ نَفْسِهِ لَا فِي تَغْيِيرِ الْأَوَّلِ لَوْ صَحَّ فَلَمْ يَتَوَقَّفْ الْكَلَامُ عَلَيْهِ وَإِذَا لَمْ يَتَوَقَّفْ فَسَدَ الثَّانِي قَوْلُهُ (وَصَدْرُ الْكَلَامِ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْآخِرِ الَّذِي هُوَ مُغَيِّرٌ بِشَرْطِ الْوَصْلِ هَذَا جَوَابٌ عَمَّا إذَا أَجَازَ نِكَاحَهُمَا مُتَفَرِّقًا حَيْثُ لَا يُؤَثِّرُ إجَازَةُ نِكَاحِ الثَّانِيَةِ فِي إبْطَالِ نِكَاحِ الْأُولَى وَلَا يَتَوَقَّفُ الْكَلَامُ الْأَوَّلُ عَلَى الثَّانِي وَإِنْ كَانَ مُغَيِّرًا فَقَالَ صَدْرُ الْكَلَامِ إنَّمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْمُغَيِّرِ إذَا كَانَ مُتَّصِلًا بِهِ فَأَمَّا إذَا كَانَ مُنْفَصِلًا عَنْهُ فَلَا وَهَذَا لَا يُوجَدُ أَيْ تَغَيُّرُ صَدْرِ الْكَلَامِ بِالْآخِرِ فِي مَسْأَلَتَيْنِ لَا يُوجَدُ وَلَا يُقَالُ قَدْ يَتَغَيَّرُ فِي مَسْأَلَةِ الطَّلَاقِ صَدْرُ الْكَلَامِ بِآخِرِهِ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ بِهِ حُرْمَةٌ غَلِيظَةٌ لِأَنَّا نَقُولُ لَيْسَ ذَلِكَ بِتَغْيِيرٍ بَلْ هُوَ تَقْرِيرُ حُكْمِ أَوَّلِهِ وَتَأْكِيدُهُ لِأَنَّ حُكْمَهُ الْحُرْمَةُ الْخَفِيفَةُ وَحُكْمُ آخِرِهِ الْحُرْمَةُ الْغَلِيظَةُ وَكِلَاهُمَا رَافِعٌ لِلْقَيْدِ وَأَمَّا مَا يَثْبُتُ مِنْ زِيَادَةِ الْحُرْمَةِ فَبِاعْتِبَارِ الطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ.

قَوْلُهُ (عَنْ الصِّحَّةِ إلَى الْفَسَادِ وَعَنْ الْوُجُودِ إلَى الْعَدَمِ) الْمُغَيِّرُ الَّذِي يَلْتَحِقُ بِآخِرِ الْكَلَامِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يُؤَثِّرَ فِي الْوَصْفِ كَالشَّرْطِ فَإِنَّهُ لَا يُبْطِلُ الْكَلَامَ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُ حُكْمَهُ إلَى حِينِ وُجُودِ الشَّرْطِ أَوْ فِي الْأَصْلِ كَالِاسْتِثْنَاءِ فَإِنَّهُ إذَا قَالَ أَنْتَ حُرٌّ إنْ شَاءَ اللَّهُ يَبْطُلُ أَصْلُ الْكَلَامِ بِالِاسْتِثْنَاءِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ لَهُ مُوجَبٌ أَصْلًا فَالشَّيْخُ تَعَرَّضَ لَهُمَا فَقَالَ إعْتَاقُ الثَّانِيَةِ لَا يُؤَثِّرُ فِي وَصْفِ نِكَاحِ الْأُولَى بِالتَّغْيِيرِ مِنْ الصِّحَّةِ إلَى الْفَسَادِ وَلَا فِي أَصْلِهِ بِالْإِعْدَامِ قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الْإِقْرَارِ) عَطْفٌ عَلَى مَسْأَلَةِ الْأُخْتَيْنِ يَعْنِي كَمَا أَنَّ صَدْرَ الْكَلَامِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ يَتَغَيَّرُ بِآخِرِهِ فَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الْإِقْرَارِ يَتَغَيَّرُ الصَّدْرُ بِآخِرِهِ أَيْضًا. مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ إنَّمَا يَعْتِقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثَهُ لِأَنَّهُ جَمَعَهُمْ بِحَرْفِ الْجَمْعِ وَهُوَ الْوَاوُ وَالْمَجْمُوعُ بِحَرْفِ الْجَمْعِ كَالْمَجْمُوعِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ أَعْتَقَهُمْ وَالِدِي أَلَا تَرَى أَنَّ قَوْلَ الرَّجُلِ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ لِفُلَانٍ وَفُلَانٍ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ لَهُمَا عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَأَنَّ قَوْلَهُ بِعْت هَذَا الْعَبْدَ مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانٍ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ بِعْته مِنْهُمَا فَكَذَا

ص: 118

وَلِهَذَا قُلْنَا إنَّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ فِي الْكِتَابِ وَيَنْوِي مَنْ عَنْ يَمِينِهِ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْحَفَظَةِ أَنَّهُ لَا يُوجِبُ تَرْتِيبًا وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ} [البقرة: 158] لَا يُوجِبُ تَرْتِيبًا أَيْضًا أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ إثْبَاتُ أَنَّهُمَا مِنْ الشَّعَائِرِ وَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ التَّرْتِيبُ

ــ

[كشف الأسرار]

هَذَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ رحمه الله فِي شَرْحِ الْجَامِعِ وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّ الْوَاوَ لِلْعَطْفِ الْمُطْلَقِ لَيْسَ لَهَا عَمَلٌ فِي الْقِرَانِ وَلَا فِي التَّرْتِيبِ وَلَكِنَّ آخِرَ الْكَلَامِ هَهُنَا يُغَيِّرُ أَوَّلَهُ لِأَنَّ حُكْمَ الصَّدْرِ لَوْ سَكَتَ عَلَيْهِ سَلَامَةُ نَفْسِ الْأَوَّلِ لَهُ بِلَا سِعَايَةٍ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ فَإِذَا اتَّصَلَ بِهِ الثَّانِي وَالثَّالِثُ تَغَيَّرَ الصَّدْرُ عَنْ عِتْقٍ إلَى رِقٍّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله لِأَنَّ السِّعَايَةَ وَجَبَتْ عَلَيْهِ وَالْمُسْتَسْعَى كَالْمُكَاتَبِ عِنْدَهُ فِي الْأَحْكَامِ وَالْمُكَاتَبُ عِنْدَنَا عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ.

وَعِنْدَهُمَا وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ إلَى الرِّقِّ وَلَكِنْ يَتَغَيَّرُ مِنْ بَرَاءَةٍ إلَى شُغْلٍ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ عَتَقَ مَجَّانًا فَإِذَا اتَّصَلَ بِهِ الثَّانِي وَالثَّالِثُ لَمْ يَبْقَ لَهُ إلَّا ثُلُثُ الثُّلُثِ وَوَجَبَتْ عَلَيْهِ السِّعَايَةُ فِي ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ فَلِذَلِكَ تَوَقَّفَ صَدْرُهُ عَلَى آخِرِهِ لَا لِلْوَاوِ قَوْلُهُ (وَلِهَذَا قُلْنَا) أَيْ وَلِأَنَّ الْوَاوَ لِمُطْلَقِ الْعَطْفِ قُلْنَا إنَّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ فِي الْكِتَابِ أَيْ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَيَنْوِي أَيْ فِي التَّسْلِيمَتَيْنِ مَنْ عَنْ يَمِينِهِ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْحَفَظَةِ لَا يُوجِبُ تَرْتِيبًا كَرَّرَ الشَّيْخُ لَفْظَةَ أَنَّ لِطُولِ الْكَلَامِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَفْضِيلُ عَامَّةِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَيَظْهَرُ بِهَذَا فَسَادُ قَوْلِ مَنْ قَالَ بِتَفْضِيلِهِمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ وَادَّعَى أَنَّ هَذَا مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا اسْتِدْلَالًا بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ أَلَا يَرَى أَنَّهُ قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ وَيَنْوِي بِتَسْلِيمَةِ الْأَوَّلِ مَنْ كَانَ عَنْ يَمِينِهِ مِنْ الْحَفَظَةِ وَالرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلُ ذَلِكَ فَعُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ مُطْلَقَ الْجَمْعِ فِي النِّيَّةِ لَا التَّرْتِيبَ فِيهَا وَفِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِشَمْسِ الْأَئِمَّةِ رحمه الله مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَقُولُ مَا ذُكِرَ فِي الصَّلَاةِ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ الْأَوَّلُ وَمَا ذُكِرَ هَهُنَا بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِ الثَّانِي فَقَدْ رَجَعَ إلَى تَفْضِيلِ بَنِي آدَمَ عَلَى الْمَلَائِكَةِ قَالَ وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ فِيهَا كَلَامٌ بَيْنَ أَهْلِ الْأُصُولِ وَلَكِنْ لَا مَعْنَى لِلِاشْتِغَالِ بِهِ هَهُنَا فَالْوَاوُ لَا تُوجِبُ التَّرْتِيبَ وَالتَّرْتِيبُ فِي النِّيَّةِ لَا يَتَحَقَّقُ فَإِنَّ مَنْ سَلَّمَ عَلَى قَوْمٍ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَنْوِيَ الرِّجَالَ أَوَّلًا ثُمَّ النِّسَاءَ ثُمَّ الصِّبْيَانَ وَلَكِنَّ مُرَادَهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ أَنْ يَجْمَعَهُمْ فِي نِيَّتِهِ.

وَفِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلْمُصَنِّفِ فَأَمَّا التَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ لَازِمٍ لِأَنَّ الْوَاوَ لَا تُوجِبُ تَرْتِيبًا لَكِنْ لِلْبِدَايَةِ أَثَرٌ فِي الِاهْتِمَامِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْوَصِيَّةِ بِالْقُرَبِ فَدَلَّ مَا ذُكِرَ هَهُنَا وَهُوَ آخِرُ التَّصْنِيفَيْنِ أَنَّ مُؤْمِنِي الْبَشَرِ أَفْضَلُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ قَالَ الْإِمَامُ الْكَشَانِيُّ وَالْمُخْتَارُ عِنْدَنَا أَنَّ خَوَاصَّ بَنِي آدَمَ وَهُمْ الْمُرْسَلُونَ أَفْضَلُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَلَائِكَةِ، وَعَوَامُّ بَنِي آدَمَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ الْأَتْقِيَاءِ أَفْضَلُ مِنْ عَوَامِّ الْمَلَائِكَةِ وَلَيْسُوا بِأَفْضَلَ مِنْ خَوَاصِّهِمْ بَلْ خَوَاصُّ الْمَلَائِكَةِ أَفْضَلُ مِنْ عَوَامِّ بَنِي آدَمَ.

وَذَكَرَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو مَنْصُورٍ رحمه الله فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء: 70] أَمَّا الْكَلَامُ فِي تَفْضِيلِ الْبَشَرِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ، وَالْمَلَائِكَةِ عَلَى الْبَشَرِ فَإِنَّا لَا نَتَكَلَّمُ فِيهِ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ ذَلِكَ وَلَيْسَ لَنَا إلَى مَعْرِفَتِهِ حَاجَةٌ فَنَكِلُ الْأَمْرَ فِيهِ إلَى اللَّهِ عز وجل وَذَلِكَ مِثْلُ الْكَلَامِ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ وَأَتْقِيَاءِ الْخَلْقِ وَبَيْنَ الْمَلَائِكَةِ وَتَفْضِيلِ هَؤُلَاءِ عَلَى هَؤُلَاءِ فَنُفَوِّضُ ذَلِكَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَأَمَّا أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ شَرِّ الْبَشَرِ وَأَفْسَقِهِمْ وَبَيْنَ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ لَمْ يَعْصُوا اللَّهَ طَرْفَةَ عَيْنٍ فَيُقَالُ هُمْ أَفْضَلُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَلَكِنْ إنْ كَانَ لَا بُدَّ فَإِنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ مَا ذَكَرْنَا وَبَيْنَ الْمَلَائِكَةِ فَيَتَكَلَّمُ " ح " بِتَفْضِيلِ بَعْضٍ عَلَى بَعْضٍ قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ) جَوَابٌ عَنْ مُتَمَسَّكِ الْخَصْمِ يَعْنِي كَمَا أَنَّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ

ص: 119

وَإِنَّمَا ثَبَتَ السَّعْيُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة: 158] غَيْرَ أَنَّ السَّعْيَ لَا يَنْفَكُّ عَنْ تَرْتِيبٍ وَالتَّقْدِيمُ فِي الذِّكْرِ يَدُلُّ عَلَى قُوَّةِ الْمُقَدَّمِ ظَاهِرًا وَهَذَا يَصْلُحُ لِلتَّرْجِيحِ فَرُجِّحَ بِهِ فَصَارَ التَّرْتِيبُ وَاجِبًا بِفِعْلِهِ لَا بِنَصِّ الْآيَةِ وَهَذَا كَمَا قَالَ أَصْحَابُنَا رحمهم الله فِي الْوَصَايَا بِالْقُرَبِ النَّوَافِلِ إنَّهُ يُبْدَأُ بِمَا بَدَأَ بِهِ الْمَيِّتُ لِأَنَّ ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى قُوَّةِ الِاهْتِمَامِ وَصَلَحَ لِلتَّرْجِيحِ فَأَمَّا قَوْلُ الرَّجُلِ لِفُلَانٍ عَلَيَّ مِائَةٌ وَدِرْهَمٌ وَمِائَةٌ وَثَوْبٌ وَمِائَةٌ وَشَاةٌ وَمِائَةٌ وَعَبْدٌ فَلَيْسَ بِمَبْنِيٍّ عَلَى حُكْمِ الْعَطْفِ بَلْ عَلَى أَصْلٍ آخَرَ يُذْكَرُ فِي بَابِ الْبَيَانِ إنْ شَاءَ اللَّهُ.

وَقَدْ تَدْخُلُ الْوَاوُ عَلَى جُمْلَةٍ كَامِلَةٍ بِخَبَرِهَا فَلَا تَجِبُ بِهِ الْمُشَارَكَةُ فِي الْخَبَرِ مِثْلُ قَوْلِ الرَّجُلِ هَذِهِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَهَذِهِ طَالِقٌ أَنَّ الثَّانِيَةَ تَطْلُقُ وَاحِدَةً فَسَمَّى بَعْضُهُمْ هَذِهِ وَاوَ الِابْتِدَاءِ أَوْ وَاوَ النَّظْمِ وَهَذَا فَضْلٌ مِنْ الْكَلَامِ وَإِنَّمَا هِيَ لِلْعَطْفِ عَلَى مَا هُوَ أَصْلُهَا لَكِنَّ الشَّرِكَةَ فِي الْخَبَرِ كَانَتْ وَاجِبَةً لِافْتِقَارِ الْكَلَامِ الثَّانِي إذَا كَانَ نَاقِصًا فَأَمَّا إذَا كَانَ تَامًّا فَقَدْ ذَهَبَ دَلِيلُ الشَّرِكَةِ وَلِهَذَا قُلْنَا إنَّ الْجُمْلَةَ النَّاقِصَةَ تُشَارِكُ الْأُولَى فِيمَا تَمَّ بِهِ الْأَوْلَى بِعَيْنِهِ حَتَّى قُلْنَا فِي قَوْلِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ أَنَّ الثَّانِيَ يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ الشَّرْطِ بِعَيْنِهِ وَلَا يَقْتَضِي الِاسْتِبْدَادَ بِهِ كَأَنَّهُ أَعَادَهُ وَإِنَّمَا يُصَارُ إلَى هَذِهِ الضَّرُورَةِ اسْتِحَالَةَ الِاشْتِرَاكِ فَأَمَّا عِنْدَ عَدَمِ اسْتِحَالَةِ الِاشْتِرَاكِ فِي الْخَبَرِ الْأَوَّلِ هُوَ الْأَصْلُ مِثْلُ قَوْلِك جَاءَنِي زَيْدٌ وَعَمْرٌو الثَّانِي يَخْتَصُّ بِمَجِيءٍ عَلَى حِدَةٍ لِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ فِي مَجِيءِ وَاحِدٍ لَا يُتَصَوَّرُ فَصَارَ الثَّانِي ضَرُورِيًّا وَالْأَوَّلُ أَصْلِيًّا

ــ

[كشف الأسرار]

مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْحَفَظَةِ لَا يَحْتَمِلُ التَّرْتِيبَ فَقَوْلُهُ تَعَالَى {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ} [البقرة: 158] لَا يَحْتَمِلُ التَّرْتِيبَ لِأَنَّ الْآيَةَ سِيقَتْ لِبَيَانِ أَنَّهُمَا مِنْ الشَّعَائِرِ وَمَعَالِمِ الْحَجِّ وَهَذَا لَا يَحْتَمِلُ التَّرْتِيبَ لِأَنَّهُ يَجْرِي فِي الْفِعْلِ لَا فِي الْعَيْنِ أَلَا تَرَى أَنَّ فِي الزَّمَانِ الَّذِي كَانَ الصَّفَا فِيهِ مِنْ الْمَعَالِمِ كَانَتْ الْمَرْوَةُ فِيهِ كَذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ (وَإِنَّمَا ثَبَتَ السَّعْيُ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ لَمَّا كَانَتْ الْآيَةُ لِبَيَانِ أَنَّهُمَا مِنْ الشَّعَائِرِ فِيمَ ثَبَتَ وُجُوبُ السَّعْيِ أَوْ شَرْعِيَّتِهِ فَقَالَ إنَّمَا ثَبَتَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة: 158] وَلِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ هُوَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَتَرْكُهُ لَا يُوجِبُ شَيْئًا لِأَنَّهُ قَالَ فَلَا جُنَاحَ وَمِثْلُهُ يُسْتَعْمَلُ فِي الْمُبَاحِ دُونَ الْوَاجِبِ وَقَالَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ هُوَ وَاجِبٌ بِهَذَا النَّصِّ وَبِقَوْلِهِ عليه السلام «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَتَبَ عَلَيْكُمْ السَّعْيَ فَاسْعَوْا» .

وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى {فَلا جُنَاحَ} [البقرة: 158] أَيْ لَا إثْمَ عَلَيْهِ فَلِتَحَرُّجِ النَّاسِ عَنْ الطَّوَافِ بِهِمَا لِمَكَانِ صَنَمَيْنِ كَانَا عَلَيْهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إسَافٌ وَنَائِلَةُ وَكَانُوا يَعْبُدُونَهُمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَبَعْدَ الْإِسْلَامِ كَرِهُوا التَّعَبُّدَ لِلَّهِ تَعَالَى فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ فَنَفَى ذَلِكَ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (غَيْرَ أَنَّ السَّعْيَ لَا يَنْفَكُّ عَنْ تَرْتِيبٍ) يَعْنِي أَنَّ النَّصَّ الْمُوجِبَ لِلسَّعْيِ لَا يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ لَكِنَّ السَّعْيَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَا يَنْفَكُّ عَنْ تَرْتِيبٍ وَالْبِدَايَةُ بِالذِّكْرِ فِي مُصْطَلَحِ الْكَلَامِ يَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ عِنَايَةٍ بِذَلِكَ الشَّيْءِ وَقُوَّةِ اهْتِمَامٍ بِهِ كَمَا إذَا فَارَقَك مَنْ كُنْت مَشْغُوفًا بِهِ وَقِيلَ لَك مَا الَّذِي تَتَمَنَّى تَقُولُ وَجْهَ الْحَبِيبِ أَتَمَنَّى فَتُقَدِّمُ وَجْهَ الْحَبِيبِ لِكَوْنِهِ نُصْبَ عَيْنِك وَلِزِيَادَةِ الْتِفَاتِ خَاطِرِك إلَيْهِ وَلَمَّا دَلَّتْ الْبِدَايَةُ عَلَى زِيَادَةِ الْعِنَايَةِ ظَهَرَ بِهَا نَوْعُ قُوَّةٍ صَالِحَةٍ لِلتَّرْجِيحِ أَلَا تَرَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رضي الله عنه اسْتَدَلَّ فِي تَفْضِيلِ الْمُهَاجِرِينَ أَوْ تَعْيِينِ الْإِمَامِ مِنْهُمْ بِتَقْدِيمِهِمْ فِي قَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ {وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ} [التوبة: 117] فَذَلِكَ رَجَّحَ النَّبِيُّ عليه السلام بِالتَّقْدِيمِ فَقَالَ «نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ» أَوْ قَالَ «ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» .

وَصَارَ التَّرْتِيبُ وَاجِبًا بِفِعْلِهِ وَبِقَوْلِهِ لَا بِنَصِّ الْآيَةِ قَوْلُهُ (فَأَمَّا قَوْلُهُ لِفُلَانٍ عَلَيَّ مِائَةٌ وَدِرْهَمٌ) إلَى آخِرِهِ جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ الْعَطْفُ يُفَسِّرُ الْمَعْطُوفَ عَلَيْهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ مِائَةٌ وَدِرْهَمٌ حَتَّى كَانَتْ الْمِائَةُ دَرَاهِمَ فَأَنَّى لَمْ يُجْعَلْ مُفَسِّرًا فِي قَوْلِهِ مِائَةٌ وَثَوْبٌ أَوْ يُقَالُ الْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْعَطْفِ فَكَيْفَ جُعِلَ مُبَيِّنًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ مِائَةٌ وَدِرْهَمٌ وَإِذَا جُعِلَ مُبَيِّنًا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَلِمَ تَخَلَّفَ فِي الصُّورَةِ الْأُخْرَى فَقَالَ لَيْسَ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى حُكْمِ الْعَطْفِ لِيَلْزَمَ اطِّرَادُهُ بَلْ عَلَى أَصْلِ الْآخِرِ يَقْرَعُ سَمْعَك إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى

قَوْلُهُ (بِخَبَرِهَا) الْبَاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِكَامِلَةٍ أَيْ كَمَا لَهَا بِخَبَرِهَا فَلَا يَجِبُ بِهِ أَيْ بِهَذَا الْعَطْفِ. وَهَذَا فَضْلٌ أَيْ تَسْمِيَتُهُمْ إيَّاهَا وَاوَ الِابْتِدَاءِ أَوْ النَّظْمِ مِنْ فُضُولِ الْكَلَامِ لَا حَاجَةَ إلَيْهَا بَلْ هِيَ وَاوُ الْعَطْفِ كَهِيَ فِي الْجُمْلَةِ النَّاقِصَةِ إلَّا أَنَّ عَمَلَهَا فِي عَطْفِ الْجُمْلَةِ النَّاقِصَةِ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْكَامِلَةِ فِيمَا تَمَّ بِهِ الْكَامِلَةُ وَفِي عَطْفِ الْكَامِلَةِ الْجَمْعُ بَيْنَ مَضْمُونَيْ الْجُمْلَتَيْنِ فِي الْحُصُولِ لَكِنَّ الشَّرِكَةَ اسْتِدْرَاكٌ عَنْ قَوْلِهِ وَإِنَّمَا هِيَ الْعَطْفُ عَلَى مَا هُوَ أَصْلُهَا أَيْ هِيَ لِلْعَطْفِ لَكِنَّهَا لَا تُوجِبُ الشَّرِكَةَ فِي الْخَبَرِ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ إنَّمَا يَثْبُتُ لِافْتِقَارِ الْكَلَامِ الثَّانِي إيَّاهَا لِعَدَمِ إفَادَتِهَا بِدُونِهَا لَا بِمُجَرَّدِ الْعَطْفِ فَإِذَا كَانَ الْكَلَامُ الثَّانِي مُفِيدًا بِنَفْسِهِ ذَهَبَ دَلِيلُ الشَّرِكَةِ وَهُوَ الِافْتِقَارُ قَوْلُهُ (وَلِهَذَا قُلْنَا) أَيْ وَلِأَنَّ ثُبُوتَ الشَّرِكَةِ لِلِافْتِقَارِ وَالضَّرُورَةِ قُلْنَا إنَّ الْجُمْلَةَ النَّاقِصَةَ تُشَارِكُ الْأُولَى فِيمَا تَمَّ بِهِ الْأُولَى بِعَيْنِهِ وَلَا يُجْعَلُ كَأَنَّهُ أُعِيدَ مَرَّةً أُخْرَى لِأَنَّ الْإِضْمَارَ خِلَافُ الْأَصْلِ إذْ هُوَ جَعْلُ غَيْرِ الْمَنْطُوقِ مَنْطُوقًا

ص: 120

وَمِنْ عَطْفِ الْجُمْلَةِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى {وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 4] فِي قِصَّةِ الْقَذْفِ وَمِثْلُ قَوْله تَعَالَى {يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ} [الشورى: 24] وَمِثْلُ قَوْله تَعَالَى {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} [آل عمران: 7]

ــ

[كشف الأسرار]

وَإِنَّمَا يُصَارُ إلَيْهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَالضَّرُورَةُ هَهُنَا مَتَى ارْتَفَعَتْ بِالْأَدْنَى وَهُوَ إثْبَاتُ الشَّرِكَةِ فِيمَا تَمَّ بِهِ الْأُولَى لَا يُصَارُ إلَى الْأَعْلَى وَهُوَ الْإِضْمَارُ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ بِالضَّرُورَةِ مُتَقَدِّرٌ بِقَدْرِهَا إلَّا إذَا اسْتَحَالَ إثْبَاتُ الشَّرِكَةِ " فح " يُصَارُ إلَيْهِ فَفِي الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكِتَابِ وَهِيَ قَوْلُهُ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ الطَّالِقُ الثَّانِي مُتَعَلِّقٌ بِذَلِكَ الشَّرْطِ بِعَيْنِهِ وَلَا يَقْتَضِي أَيْ الْعَطْفُ الِاسْتِبْدَادَ أَيْ التَّفَرُّدَ بِالشَّرْطِ كَأَنَّهُ أَعَادَ الشَّرْطَ وَأَفْرَدَ الثَّانِيَ بِهِ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَقْصُودَ وَهُوَ إفَادَةُ الْكَلَامِ الثَّانِي يَحْصُلُ بِتَعَلُّقِهِ بِذَلِكَ الشَّرْطِ بِعَيْنِهِ فَلَا يُصَارُ إلَى الْإِضْمَارِ وَفَائِدَتُهُ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا قَالَ كُلَّمَا حَلَفْت بِطَلَاقِك فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ قَالَ لَهَا إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ كَانَ يَمِينًا وَاحِدَةً حَتَّى لَا يَقَعَ إلَّا طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَوْ كَانَ كَالْمُعَادِ لَوَقَعَتْ طَلْقَتَانِ.

وَكَذَا فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ لَوْ كَانَ كَالْمُعَادِ لَوَقَعَتْ طَلْقَتَانِ وَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا بِلَا خِلَافٍ أَيْضًا وَكَذَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت هَذِهِ الدَّارَ وَإِنْ دَخَلْت هَذِهِ الدَّارَ الْأُخْرَى يَتَعَلَّقُ بِدُخُولِ الدَّارِ الثَّانِيَةِ تِلْكَ التَّطْلِيقَةُ لَا تَطْلِيقَةٌ أُخْرَى حَتَّى لَوْ دَخَلَتْ الدَّارَيْنِ لَا تَطْلُقُ إلَّا وَاحِدَةً وَلَوْ اقْتَضَى الْإِعَادَةَ لَطَلُقَتْ ثِنْتَيْنِ.

وَكَذَا لَوْ قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَفُلَانَةُ تَعَلَّقَ طَلَاقُ الثَّانِيَةِ بِدُخُولِ الْأُولَى حَتَّى لَوْ دَخَلَتْ الدَّارَ طَلُقَتَا جَمِيعًا وَلَا يُجْعَلُ كَأَنَّهُ أَفْرَدَهَا بِالشَّرْطِ وَقَالَ وَفُلَانَةُ إنْ دَخَلَتْ الدَّارَ إذْ لَوْ جُعِلَ كَذَلِكَ لَمْ تَطْلُقْ الثَّانِيَةُ بِدُخُولِ الْأُولَى بَلْ تَطْلُقُ بِدُخُولِ نَفْسِهَا وَفِي هَذَا النَّظِيرِ نَظَرٌ. وَلَا يَلْزَمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا قَوْلُهُ هَذِهِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَهَذِهِ حَيْثُ لَا تَثْبُتُ الشَّرِكَةُ فِي خَبَرِ الْأُولَى وَيُجْعَلُ الْخَبَرُ كَالْمُعَادِ حَتَّى طَلُقَتْ الثَّانِيَةُ ثَلَاثًا وَلَوْ ثَبَتَتْ الشَّرِكَةُ لَطَلُقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ ثِنْتَيْنِ لِانْقِسَامِ الثَّلَاثِ عَلَيْهِمَا كَمَا لَوْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفٌ وَلِفُلَانٍ يُجْعَلُ الْأَلْفُ مُنْقَسِمًا عَلَيْهِمَا تَحْقِيقًا لِلشَّرِكَةِ وَلَا يُجْعَلُ كَالْمُعَادِ حَتَّى يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلْفٌ لِأَنَّا نَقُولُ تَعَذَّرَ هَهُنَا إثْبَاتُ الشَّرِكَةِ لِأَنَّ فِي تَنْصِيصِ الزَّوْجِ عَلَى الثَّلَاثِ إشَارَةً إلَى أَنَّ مَقْصُودَهُ إثْبَاتُ الْحُرْمَةِ الْغَلِيظَةِ وَسَدُّ بَابِ التَّدَارُكِ بِالْكُلِّيَّةِ وَبِالِانْقِسَامِ لَا يَحْصُلُ ذَلِكَ الْمَقْصُودُ فَيُجْعَلُ الْخَبَرُ كَالْمُعَادِ ضَرُورَةً وَلِأَنَّ بِالِانْقِسَامِ يَفُوتُ مُوجَبُ الْكَلَامِ أَصْلًا إذْ لَا دَلَالَةَ لِلثَّلَاثِ عَلَى الْأَرْبَعِ بِوَجْهٍ فَأَمَّا إثْبَاتُ الْمِثْلِ فَأَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى فَيُصَارُ إلَيْهِ عِنْدَ التَّعَذُّرِ قَالَ الْإِمَامُ الْبُرْغَرِيُّ اتَّفَقُوا أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ أَوْ قَالَ فَطَالِقٌ فَطَالِقٌ أَنَّهُ يَقَعُ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَوْ كَانَ الْخَبَرُ كَالْمُعَادِ لَوَقَعَ ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ كَمَا لَوْ كَرَّرَ الشَّرْطَ صَرِيحًا مَعَ تَخَلُّلِ الْأَزْمِنَةِ.

وَإِنَّمَا يُصَارُ إلَى هَذَا أَيْ إلَى الِاسْتِبْدَادِ ضَرُورَةَ اسْتِحَالَةِ الِاشْتِرَاكِ كَمَا إذَا قَالَ فُلَانَةُ طَالِقٌ وَفُلَانَةُ فَإِنَّهُ يَقَعُ عَلَى الثَّانِيَةِ غَيْرُ مَا وَقَعَ عَلَى الْأُولَى لِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ بَيْنَهُمَا فِي تَطْلِيقَةٍ لَا يَتَحَقَّقُ فَصَارَ الثَّانِي أَيْ اسْتِبْدَادُ الْجُمْلَةِ النَّاقِصَةِ بِخَبَرٍ آخَرَ ضَرُورِيًّا وَالْأَوَّلُ وَهُوَ اشْتِرَاكُ النَّاقِصَةِ فِي خَبَرِ الْأُولَى مِنْ غَيْرِ اسْتِبْدَادٍ أَصْلِيًّا

قَوْلُهُ وَمِنْ عَطْفِ الْجُمْلَةِ قَوْله تَعَالَى {وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 4] فَإِنَّهُ جُمْلَةٌ تَامَّةٌ بِخَبَرِهَا فَلَا يُوجِبُ الْعَطْفُ الْمُشَارَكَةَ فِيمَا تَمَّ بِهِ الْجُمْلَتَانِ الْأُولَيَانِ وَهُوَ الشَّرْطُ الَّذِي

ص: 121

وَقَدْ يُسْتَعَارُ الْوَاوُ لِلْحَالِ وَهَذَا مَعْنًى يُنَاسِبُ مَعْنَى الْوَاوِ لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ يَحْتَمِلُهُ قَالَ اللَّهُ عز وجل {حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} [الزمر: 73] أَيْ إذَا جَاءُوهَا وَأَبْوَابُهَا مَفْتُوحَةٌ

ــ

[كشف الأسرار]

تَضَمَّنَهُ قَوْله تَعَالَى {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} [النور: 4] كَقَوْلِ الرَّجُلِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَفُلَانَةُ طَالِقٌ لَا يَتَعَلَّقُ طَلَاقُ الثَّانِيَةِ بِالشَّرْطِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ اللَّاحِقُ بِهِ مُخْتَصًّا بِهِ غَيْرَ رَاجِعٍ إلَى مَا تَقَدَّمَهُ فَبَقِيَ الْمَحْدُودُ فِي الْقَذْفِ غَيْرَ مَقْبُولِ الشَّهَادَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ كَمَا كَانَ قَبْلَهَا وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ قَوْله تَعَالَى {فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ} [الشورى: 24] فَإِنَّ قَوْلَهُ (وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ) جُمْلَةٌ تَامَّةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ غَيْرُ دَاخِلَةٍ تَحْتَ الشَّرْطِ إذْ لَوْ دَخَلَتْ كَانَ خَتْمُ الْقَلْبِ وَمَحْوُ الْبَاطِلِ مُعَلَّقَيْنِ بِالشَّرْطِ وَالْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ مَعْدُومٌ قَبْلَ وُجُودِهِ وَقَدْ عُدِمَ خَتْمُ الْقَلْبِ وَوُجِدَ مَحْوُ الْبَاطِلِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ الشَّرْطِ وَسُقُوطُ الْوَاوِ فِي الْخَطِّ وَاللَّفْظِ لَيْسَ لِلْجَزْمِ بَلْ سُقُوطُهُ فِي اللَّفْظِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ وَفِي الْخَطِّ إتْبَاعًا لِلَّفْظِ كَسُقُوطِهِ فِي قَوْله تَعَالَى {وَيَدْعُ الإِنْسَانُ} [الإسراء: 11] وَقَوْلِهِ {سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ} [العلق: 18] .

وَلِهَذَا وَقَفَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ بِالْوَاوِ نَظَرًا إلَى الْأَصْلِ وَإِنْ وَقَفَ غَيْرُهُ بِغَيْرِ وَاوٍ إتْبَاعًا لِلْخَطِّ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ ابْتِدَاءٌ إعَادَةُ اسْمِ الْفَاعِلِ إذْ لَوْ كَانَ بِنَاءً لَقِيلَ وَيَمْحُو الْبَاطِلَ وَاخْتُلِفَ فِي خَتْمِ الْقَلْبِ فَقِيلَ هُوَ الصَّبْرُ أَيْ إنْ يَشَأْ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِك بِالصَّبْرِ حَتَّى لَا تَجِدَ مَشَقَّةَ اسْتِهْزَائِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ وَقِيلَ هُوَ الْإِنْسَاءُ أَيْ إنْ يَشَأْ اللَّهُ يُنْسِك مَا أَوْحَى إلَيْك فَلَا تُبَلِّغُهُ إلَيْهِمْ فَلَا يَسْتَهْزِئُونَ بِك وَلَا يَكْذِبُونَك وَقِيلَ هُوَ عَدَمُ الْفَهْمِ أَيْ إنْ يَشَأْ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِك فَلَا يُفْهَمُ الْحَقُّ مِنْ الْبَاطِلِ كَمَا فَعَلَ بِأُولَئِكَ الْكَفَرَةِ. تَذْكِرَةَ إحْسَانِهِ إلَيْهِ وَمَا أَكْرَمَهُ بِأَنْوَاعِ الْكَرَامَاتِ لِيَشْكُرَ رَبَّهُ وَيَرْحَمَ عَلَى أُولَئِكَ بِمَا خَتَمَ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَمَا يَنْزِلُ بِهِمْ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ وَيَمْحُ أَيْ يُطَهِّرُ وَيُظْفِرُ أَهْلَ الْحَقِّ عَلَى أَهْلِ الْبَاطِلِ وَيَنْصُرُهُمْ حَتَّى يَصِيرَ أَهْلُ الْحَقِّ ظَاهِرِينَ عَلَى الْبَاطِلِ وَقِيلَ يُحِقُّ الْحَقَّ بِالْحُجَجِ وَالْبَرَاهِين وَيَمْحُو الْبَاطِلَ بِالْحُجَجِ وَالْبَرَاهِينِ حَتَّى يَعْرِفَ كُلُّ أَحَدٍ الْحَقَّ مِنْ الْبَاطِلِ بِالْحُجَجِ الَّتِي أَقَامَهَا إذَا تَأَمَّلَ فِيهَا حَقَّ التَّأَمُّلِ. بِكَلِمَاتِهِ أَيْ بِحُجَجِهِ كَذَا فِي شَرْحِ التَّأْوِيلَاتِ.

وَمِثْلُهُ {وَالرَّاسِخُونَ} [آل عمران: 7] أَيْ وَمِنْ قَبِيلِ عَطْفِ الْجُمْلَةِ الَّذِي لَا يُوجِبُ الِاشْتِرَاكَ قَوْلُهُ عَزَّ اسْمُهُ {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ} [آل عمران: 7] فَإِنَّهُ غَيْرُ دَاخِلٍ تَحْتَ الِاسْتِثْنَاءِ فِي قَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ} [آل عمران: 7] لِمَا بَيَّنَّا فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ وَهَذَا عَلَى تَقْدِيرِ الْوَقْفِ عَلَى قَوْلِهِ {إِلا اللَّهُ} [آل عمران: 7] فَأَمَّا عَلَى تَقْدِيرِ الْوَصْلِ فَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ الِاسْتِثْنَاءِ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ قَوْلُهُ (وَقَدْ يُسْتَعَارُ الْوَاوُ لِلْحَالِ) اعْلَمْ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْجُمْلَةِ الْوَاقِعَةِ مَوْقِعَ الْحَالِ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا الْوَاوُ لِأَنَّ الْإِعْرَابَ لَا يَنْظِمُ الْكَلِمَاتِ كَقَوْلِك ضَرَبَ زَيْدٌ اللِّصَّ مَكْتُوفًا إلَّا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ تَعَلُّقٌ يَنْتَظِمُ مَعَانِيَهَا فَإِذَا وَجَدْت الْإِعْرَابَ قَدْ تَنَاوَلَ شَيْئًا بِدُونِ الْوَاوِ كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى تَعَلُّقٍ هُنَاكَ مَعْنَوِيٍّ فَذَلِكَ يَكُونُ مُغْنِيًا عَنْ تَكَلُّفِ مُعَلَّقٍ آخَرَ إلَّا أَنَّ النَّظَرَ إلَيْهَا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا جُمْلَةً مُسْتَقِلَّةً بِفَائِدَةٍ غَيْرِ مُتَّحِدَةٍ بِالْجُمْلَةِ السَّابِقَةِ كَمَا فِي الْحَالِ الْمُؤَكِّدَةِ وَغَيْرِ مُنْقَطِعَةٍ عَنْهَا لِجِهَةٍ جَامِعَةٍ بَيْنَهُمَا كَمَا تَرَى فِي نَحْوِ جَاءَ زَيْدٌ وَفَرَسُهُ يَعْدُو وَيُبْسَطُ الْعُذْرَ فِي أَنْ يَدْخُلَهَا وَاوٌ لِلْجَمْعِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأُولَى مِثْلُهُ فِي نَحْوِ قَامَ زَيْدٌ وَقَعَدَ عَمْرٌو فَهَذَا مَعْنَى اسْتِعَارَةِ الْوَاوِ لِلْحَالِ قَوْلُهُ (لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ يَحْتَمِلُهُ) يَعْنِي لَمَّا كَانَتْ الْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ كَانَ الِاجْتِمَاعُ الَّذِي بَيْنَ الْحَالِ وَذِي الْحَالِ مِنْ مُحْتَمَلَاتِهِ

ص: 122

وَاخْتَلَفَ مَسَائِلُ أَصْحَابِنَا عَلَى هَذَا الْأَصْلِ فَقَالُوا فِي رَجُلٍ قَالَ لِعَبْدِهِ أَدِّ إلَيَّ أَلْفًا وَأَنْتَ حُرٌّ أَنَّ الْوَاوَ لِلْحَالِ حَتَّى لَا يَعْتِقَ إلَّا بِالْأَدَاءِ وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ لِحَرْبِيٍّ انْزِلْ وَأَنْتَ آمِنٌ لَمْ يَأْمَنْ حَتَّى يَنْزِلَ فَيَكُونُ الْوَاوُ لِلْحَالِ وَقَالُوا فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَأَنْتِ مَرِيضَةٌ أَوْ وَأَنْتِ تُصَلِّينَ أَوْ مُصَلِّيَةٌ أَنَّهُ لِعَطْفِ الْجُمْلَةِ حَتَّى يَقَعَ الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ عَلَى احْتِمَالِ الْحِلِّ حَتَّى إذَا نَوَى بِهَا وَاوَ الْحَالِ تَعَلَّقَ الطَّلَاقُ بِالْمَرَضِ وَالصَّلَاةِ

ــ

[كشف الأسرار]

لِأَنَّ الْمُطْلَقَ يَحْتَمِلُ الْمُقَيَّدَ فَيَجُوزُ اسْتِعَارَتُهَا لِمَعْنَى الْحَالِ عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} [الزمر: 73] أَيْ وَقَدْ فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا. قِيلَ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ لَا تُفْتَحُ إلَّا عِنْدَ دُخُولِ أَهْلِهَا فِيهَا وَأَمَّا أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَمُتَقَدِّمٌ فَتْحُهَا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ {جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأَبْوَابُ} [ص: 50] وَذَلِكَ لِأَنَّ تَقْدِيمَ فَتْحِ بَابِ الضِّيَافَةِ عَلَى وُصُولِ الضَّيْفِ إكْرَامًا لَهُ وَتَأْخِيرَ فَتْحِ بَابِ الْعَذَابِ إلَى وُصُولِ الْمُسْتَحِقِّ لَهُ أَلْيَقُ بِالْكَرَمِ، فَلِذَلِكَ جِيءَ بِالْوَاوِ كَأَنَّهُ قِيلَ حَتَّى إذَا جَاءُوهَا وَقَدْ فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا قَبْلُ وَجَوَابُ إذَا مَحْذُوفٌ أَيْ إذَا جَاءُوهَا وَكَانَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ الَّتِي ذُكِرَتْ إلَى قَوْلِهِ {فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [الزمر: 73] دَخَلُوهَا وَنَالُوا الْمُنَى وَإِنَّمَا حُذِفَ لِأَنَّهُ فِي صِفَةِ ثَوَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَدَلَّ بِحَذْفِهِ عَلَى أَنَّهُ شَيْءٌ لَا يُحِيطُ بِهِ الْوَصْفُ

قَوْلُهُ (وَاخْتَلَفَ مَسَائِلُ أَصْحَابِنَا عَلَى هَذَا الْأَصْلِ) فَفِي بَعْضِهَا جَعَلُوا الْوَاوَ لِلْحَالِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ وَفِي بَعْضِهَا جَعَلُوهَا لِعَطْفِ الْجُمْلَةِ لَا غَيْرُ وَفِي بَعْضِهَا جَعَلُوهَا لِلْعَطْفِ مُحْتَمِلًا لِلْحَالِ وَفِي بَعْضِهَا اخْتَلَفُوا فَإِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ أَدِّ إلَيَّ أَلْفًا وَأَنْتَ حُرٌّ أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ مَا لَمْ يُؤَدِّ.

وَكَذَا إذَا قَالَ لِحَرْبِيٍّ انْزِلْ وَأَنْتَ آمِنٌ لَا يَأْمَنُ مَا لَمْ يَنْزِلْ جَعَلُوا الْوَاوَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ لِلْحَالِ لِأَنَّهُ لَا يَحْسُنُ الْعَطْفُ هَهُنَا لِأَنَّ الْجُمْلَةَ الْأُولَى فِعْلِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ وَالْجُمْلَةَ الثَّانِيَةَ اسْمِيَّةٌ خَبَرِيَّةٌ وَبَيْنَهُمَا كَمَالُ الِانْقِطَاعِ وَذَلِكَ مَانِعٌ مِنْ حُسْنِ الْعَطْفِ إذْ لَا بُدَّ لِحُسْنِهِ مِنْ نَوْعِ اتِّصَالٍ بَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ عَلَى مَا عُرِفَ فَلِذَلِكَ جَعَلْنَاهَا لِلْحَالِ وَلَمَّا صَارَتْ لِلْحَالِ وَالْأَحْوَالُ شُرُوطٌ لِكَوْنِهَا مُقَيِّدَةً كَالشَّرْطِ تَعَلَّقَتْ الْجِزْيَةُ بِالْأَدَاءِ وَالْأَمَانُ بِالنُّزُولِ كَمَا فِي قَوْلِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ رَاكِبَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ تَعَلَّقَ الطَّلَاقُ بِالرُّكُوبِ تَعَلُّقَهُ بِالدُّخُولِ.

وَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ إنْ أَدَّيْت إلَيَّ أَلْفًا فَأَنْتَ حُرٌّ وَإِنْ نَزَلْت فَأَنْتَ آمِنٌ هَذَا تَقْرِيرُ عَامَّةِ الْكُتُبِ فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْت عَكْسُ مَا يَقْتَضِيهِ هَذَا الْكَلَامُ فَإِنَّ الْوَاوَ دَخَلَتْ فِي قَوْلِهِ أَنْتَ حُرٌّ وَأَنْتَ آمِنٌ لَا فِي قَوْلِهِ أَدِّ وَانْزِلْ فَيَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْجِزْيَةُ شَرْطًا لِلْأَدَاءِ وَالْأَمَانُ شَرْطًا لِلنُّزُولِ كَمَا فِي قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَأَنْتِ مَرِيضَةٌ إذَا نَوَى التَّعْلِيقَ كَانَ الْمَرَضُ شَرْطًا لِلطَّلَاقِ لِدُخُولِ الْوَاوِ فِيهِ لَا عَكْسُهُ وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ كَانَ الْجِزْيَةُ وَالْأَمَانُ سَابِقَيْنِ عَلَى الْأَدَاءِ وَالنُّزُولِ لِأَنَّ الشَّرْطَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَشْرُوطِ لَا مَحَالَةَ فَلَا يَكُونَانِ مُتَعَلِّقَيْنِ بِالْأَدَاءِ وَالنُّزُولِ وَإِذَا انْتَفَى التَّعَلُّقُ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ وَاقِعًا فِي الْحَالِ قُلْنَا الْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْقَلْبِ كَقَوْلِهِ عَرَضْت النَّاقَةَ عَلَى الْحَوْضِ أَيْ الْحَوْضَ عَلَى النَّاقَةِ وَهُوَ شَائِعٌ فِي الْكَلَامِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا} [الأعراف: 4] أَيْ جَاءَهَا بَأْسُنَا فَأَهْلَكْنَاهَا عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ وَقَالَ عَزَّ اسْمُهُ {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى} [النجم: 8] حُمِلَ عَلَى ثُمَّ تَدَلَّى فَدَنَا وَقَالَ رُؤْبَةُ:

وَمُهِمَّةٌ مُغْبَرَّةٌ أَرْجَاؤُهُ

كَأَنَّ لَوْنَ أَرْضِهِ سَمَاؤُهُ

أَرَادَ كَأَنَّ لَوْنَ سَمَائِهِ مِنْ غَبْرَتِهَا أَرْضُهُ.

وَقَالَ آخَرُ:

يَمْشِي فَيَقْعَسُ أَوْ يَكُبُّ فَيَعْثِرُ

أَرَادَ أَوْ يَعْثِرُ فَيَكُبُّ وَقَالَ الْقُطَامِيُّ كَمَا طَيَّنْتَ بِالْفَدَنِ السَّيَاعَا أَيْ طَيَّنْتَ بِالسَّيَاعِ الْفَدَنَ. وَهُوَ الْقَصْرُ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ كُنْ حُرًّا وَأَنْتَ مُؤَدٍّ أَلْفًا وَكُنْ آمِنًا وَأَنْتَ نَازِلٌ أَيْ أَنْتَ حُرٌّ وَأَنْتَ آمِنٌ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَإِنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى هَذَا لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْأَدَاءِ وَالنُّزُولِ بِمَا دَخَلَ فِيهِ الْوَاوُ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ إنَّمَا يَصِحُّ مِمَّنْ يَصِحُّ مِنْهُ التَّنْجِيزُ وَلَيْسَ فِي وُسْعِ الْمُتَكَلِّمِ تَنْجِيزُ الْأَدَاءِ أَوْ النُّزُولِ فَكَيْفَ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ أَلَا تَرَى أَنَّ وُجُودَ الْمَشْرُوطِ مِنْ لَوَازِمِ الشَّرْطِ إذَا لَمْ يَنْزِلْ قَبْلَهُ وَلَوْ وُجِدَتْ الْجِزْيَةُ أَوْ الْأَمَانُ هَهُنَا لَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْأَدَاءُ وَالنُّزُولُ وَلَمَّا لَمْ يَصِحَّ الْعَمَلُ بِظَاهِرِهِ وَلَا يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِالْعَطْفِ

ص: 123

وَقَالُوا فِي الْمُضَارَبَةِ إذَا قَالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ خُذْ هَذَا الْمَالَ مُضَارَبَةً وَاعْمَلْ بِهِ فِي الْبَزِّ إنَّ هَذَا الْوَاوَ لِعَطْفِ الْجُمْلَةِ لِلْحَالِ حَتَّى لَا تَصِيرَ شَرْطًا بَلْ تَصِيرُ مَشْهُورَةً وَيَبْقَى الْمُضَارَبَةُ عَامَّةً وَاخْتَلَفُوا فِي قَوْلِ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا طَلِّقْنِي وَلَك أَلْفُ دِرْهَمٍ فَحَمَلَهُ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ عَلَى الْمُعَاوَضَةِ حَتَّى إذَا طَلَّقَهَا وَجَبَ لَهُ الْأَلْفُ وَحَمَلَهُ أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله عَلَى وَاوِ عَطْفِ الْجُمْلَةِ حَتَّى إذَا طَلَّقَهَا لَمْ يَجِبْ لَهُ شَيْءٌ وَلِأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ طَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْوَاوَ قَدْ يُسْتَعَارُ لِلْبَاءِ كَمَا اُسْتُعِيرَ لَهُ فِي بَابِ الْقَسَمِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ عز وجل فَحُمِلَ عَلَى هَذَا الْمَجَازِ بِدَلَالَةِ حَالِ الْمُعَاوَضَةِ لِأَنَّ حَالَ الْخُلْعِ حَالُ الْمُعَاوَضَةِ كَمَا قِيلَ فِي قَوْلِ الرَّجُلِ لِآخَرَ احْمِلْ هَذَا الطَّعَامَ إلَى مَنْزِلِي وَلَك دِرْهَمٌ أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْبَاءِ أَيْ بِدِرْهَمٍ وَالثَّانِي أَنَّ الْوَاوَ لِلْحَالِ بِدَلَالَةِ حَالِ الْمُعَاوَضَةِ أَيْضًا لِيَصِيرَ شَرْطًا وَبَدَلًا

ــ

[كشف الأسرار]

أَيْضًا جَعَلْنَاهُ مِنْ بَابِ الْقَلْبِ الَّذِي هُوَ شُعْبَةٌ مِنْ إخْرَاجِ الْكَلَامِ لَا عَلَى مُقْتَضَى الظَّاهِرِ وَأَنَّهُ يُورِثُ الْكَلَامَ مَلَاحَةً وَالثَّانِي أَنَّ قَوْلَهُ وَأَنْتَ حُرٌّ وَقَوْلَهُ وَأَنْتَ آمِنٌ مِنْ الْأَحْوَالِ الْمُقَدَّرَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [الزمر: 73] أَيْ مُقَدِّرِينَ الْخُلُودَ فِي حَالَةِ الدُّخُولِ لَا مِنْ الْأَحْوَالِ الْوَاقِعَةِ فَإِنَّ غَرَضَ الْمُتَكَلِّمِ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ عَدَمُ وُقُوعِ الْجِزْيَةِ وَالْأَمَانِ فِي الْحَالِ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ أَدِّ إِلَيَّ أَلْفًا مُقَدِّرًا لِلْجِزْيَةِ فِي حَالَةِ الْأَدَاءِ وَانْزِلْ مُقَدِّرًا لِلْأَمَانِ فِي حَالَةِ النُّزُولِ وَلَمَّا أَثْبَتَ الْمُتَكَلِّمُ الْجِزْيَةَ وَالْأَمَانَ فِي حَالَتَيْ الْأَدَاءِ وَالنُّزُولِ كَانَا مُتَعَلِّقَيْنِ بِهِمَا وَمَعْدُومَيْنِ فِي الْحَالِ.

وَالثَّالِثُ أَنَّ الْجُمْلَةَ الْوَاقِعَةَ حَالًا قَائِمَةٌ مَقَامَ جَوَابِ الْأَمْرِ بِدَلَالَةِ مَقْصُودِ الْمُتَكَلِّمِ فَأَخَذَتْ حُكْمَهُ وَيَصِيرُ مَعْنَى الْكَلَامِ أَدِّ إلَيَّ أَلْفًا تَصِرْ حُرًّا وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَتْ الْجِزْيَةُ مُتَعَلِّقَةً بِالْأَدَاءِ وَالْأَمَانُ مُتَعَلِّقًا بِالنُّزُولِ تَعَلُّقَ الْإِكْرَامِ بِالْإِتْيَانِ فِي قَوْلِهِ ائْتِنِي أُكْرِمْك وَالرَّابِعُ أَنَّ قَوْلَهُ أَنْتَ حُرٌّ يُوجِبُ الْحُرِّيَّةَ لِلْحَالِ لَوْلَا قَوْلُهُ أَدِّ إلَيَّ كَذَا فَبِانْضِمَامِ هَذَا الْكَلَامِ إلَيْهِ تَأَخَّرَ الْعِتْقُ كَمَا يَتَأَخَّرُ بِانْضِمَامِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ إلَيْهِ فَكَانَ قَوْلُهُ أَدِّ إِلَيَّ كَذَا بِمَنْزِلَةِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فِي تَأْخِيرِ الْجِزْيَةِ عَنْ وَقْتِ التَّكَلُّمِ فَكَانَ كَالشَّرْطِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَذَكَرَا فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّهُ لَمَّا جَعَلَ الْجِزْيَةَ حَالًا لِلْأَدَاءِ أَيْ وَصْفًا لَهُ لَا يَثْبُتُ سَابِقًا عَلَيْهِ إذْ الْحَالُ لَا تَسْبِقُ ذَا الْحَالَ وَالصِّفَةُ لَا تَسْبِقُ الْمَوْصُوفَ قَوْلُهُ (إنَّهُ لِعَطْفِ الْجُمْلَةِ) أَيْ الْوَاوُ لِلْعَطْفِ لِإِمْكَانِ الْعَمَلِ بِالْحَقِيقَةِ إذْ الْجُمْلَتَانِ خَبَرِيَّتَانِ هَهُنَا بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ وَذَكَّرَ الضَّمِيرَ لِأَنَّ حُرُوفَ التَّهَجِّي تُذَكَّرُ وَتُؤَنَّثُ. عَلَى احْتِمَالِ الْحَالِ لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَقْبَلُ الْإِضَافَةَ إلَى حَالِ الْمَرَضِ وَالْمَرَضُ يَصْلُحُ شَرْطًا لَهُ فَإِذَا نَوَى الْحَالَ صَحَّتْ نِيَّتُهُ دِيَانَةً وَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ فِي حَالِ مَرَضِك أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ فِي حَالِ اشْتِغَالِك بِالصَّلَاةِ وَلَكِنْ لَا يُصَدِّقُهُ الْقَاضِي لِأَنَّهُ نَوَى خِلَافَ الظَّاهِرِ وَفِيهِ تَخْفِيفٌ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (خُذْ هَذَا الْمَالَ وَاعْمَلْ بِهِ مُضَارَبَةً) فِي الْبَزِّ أَيْ خُذْهُ مُضَارَبَةً وَاعْمَلْ بِهِ فِي الْبَزِّ كَذَا لَفْظُ الْمَبْسُوطِ.

وَهَذِهِ الْوَاوُ لِعَطْفِ الْجُمْلَةِ لِأَنَّهَا تَصْلُحُ لِذَلِكَ هَهُنَا لِكَوْنِ الْجُمْلَتَيْنِ طَلَبِيَّتَيْنِ لَا لِلْحَالِ لِأَنَّهَا لَا تَصْلُحُ لِلْحَالِ هَهُنَا لِأَنَّ حَالَ الْعَمَلِ لَا يَكُونُ وَقْتَ الْأَخْذِ وَإِنَّمَا يَكُونُ الْعَمَلُ بَعْدَ الْأَخْذِ مَعَ أَنَّ اسْتِعَارَتَهَا لِلْحَالِ لِتَصْحِيحِ الْكَلَامِ، وَالْكَلَامُ صَحِيحٌ هَهُنَا بِاعْتِبَارِ الْحَقِيقَةِ فَلَا حَاجَةَ إلَى حَمْلِ حَرْفِ الْوَاوِ عَلَى الْمَجَازِ فَيَكُونُ مَشُورَةً أَشَارَ بِهَا عَلَيْهِ لَا شَرْطًا فِي الْأَمْرِ الْأَوَّلِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَالْبَزُّ مَتَاعُ الْبَيْتِ مِنْ الثِّيَابِ خَاصَّةً عَنْ أَبِي دُرَيْدٍ وَعَنْ اللَّيْثِ ضَرْبٌ مِنْ الثِّيَابِ وَعَنْ الْجَوْهَرِيِّ هُوَ مِنْ الثِّيَابِ أَمْتِعَةُ الْبَزَّازِ وَالْبِزَازَةُ حِرْفَةٌ وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي السِّيَرِ الْبَزُّ عِنْدَ أَهْلِ الْكُوفَةِ ثِيَابُ الْكَتَّانِ وَالْقُطْنِ لَا ثِيَابُ الصُّوفِ وَالْخَزِّ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ قَوْلُهُ (أَحَدُهُمَا كَذَا) الْوَاوُ تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الْبَاءِ مَجَازًا كَمَا اُسْتُعْمِلَتْ فِي الْقَسَمِ لِمُنَاسَبَةٍ بَيْنَهُمَا صُورَةً وَمَعْنًى أَمَّا صُورَةً فَلِأَنَّ كِلَيْهِمَا شَفَوِيٌّ وَأَمَّا مَعْنًى فَلِأَنَّ الْجَمْعَ مَوْجُودٌ فِي الْإِلْصَاقِ الَّذِي هُوَ مَعْنَى الْبَاءِ ثُمَّ الْمُسْتَعْمَلُ فِي الْمُعَاوَضَاتِ الْبَاءُ الَّتِي تُؤَدِّي مَعْنَى الْإِلْصَاقِ دُونَ الْوَاوِ لِأَنَّهُ لَا يُعْطَفُ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ عَلَى الْآخَرِ وَالْخُلْعُ مُعَاوَضَةٌ مِنْ جَانِبِ الْمَرْأَةِ وَلِهَذَا صَحَّ رُجُوعُ الْمَرْأَةِ قَبْلَ إيقَاعِ الزَّوْجِ فَبِدَلَالَةِ الْمُعَاوَضَةِ حَمَلْنَاهَا عَلَى الْبَاءِ كَمَا فِي.

قَوْلِهِ احْمِلْ هَذَا الطَّعَامَ وَلَك دِرْهَمٌ حُمِلَتْ عَلَى الْبَاءِ حَتَّى كَانَ هَذَا وَقَوْلُهُ احْمِلْهُ بِدِرْهَمٍ سَوَاءً وَوَجَبَ الْمَالُ إذَا حَمَلَهُ لِأَنَّهُ انْعَقَدَ إجَارَةً لَا اسْتِعَانَةً أَوْ هِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْحَالِ بِدَلَالَةِ الْمُعَاوَضَةِ أَيْضًا فَإِنَّهَا تَقْتَضِي الْعِوَضَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَذَلِكَ بِأَنْ يُجْعَلَ الْوَاوُ لِلْحَالِ لِيَصِيرَ وُجُوبُ الْأَلْفِ عَلَيْهَا

ص: 124

وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ أَدِّ إلَيَّ أَلْفًا وَأَنْتَ حُرٌّ وَانْزِلْ وَأَنْتَ آمِنٌ بِخِلَافِ خُذْ هَذَا الْمَالَ وَاعْمَلْ بِهِ فَإِنَّهُ لَا مَعْنَى لِلْبَاءِ هُنَا وَإِنَّمَا حُمِلَ فِي مَسْأَلَةِ الْخِلَافِ عَلَى الْحَالِ لِدَلَالَةِ الْمُعَاوَضَةِ وَلَمْ يُوجَدْ وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَأَنْتِ مَرِيضَةٌ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله الْوَاوُ فِي الْحَقِيقَةِ لِلْعَطْفِ فَلَا تُتْرَكُ إلَّا بِدَلِيلٍ وَلَا تَصْلُحُ الْمُعَاوَضَةُ دَلَالَةً لِأَنَّ ذَلِكَ فِي الطَّلَاقِ أَمْرٌ زَائِدٌ أَلَا تَرَى أَنَّ الطَّلَاقَ إذَا دَخَلَهُ الْعِوَضُ كَانَ يَمِينًا مِنْ جَانِبِ الزَّوْجِ فَلَمْ يَسْتَقِمْ تَرْكُ الْأَصْلِ بِدَلَالَةٍ هِيَ مِنْ بَابِ الزَّوَائِدِ بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ مُعَاوَضَةً أَصْلِيَّةً كَسَائِرِ الْبُيُوعِ وَقَوْلُهَا وَلَك أَلْفٌ لَيْسَتْ بِصِيغَةِ الْحَالِ أَيْضًا لِأَنَّ الْحَالَ فِعْلٌ أَوْ اسْمُ فَاعِلٍ وَأَمَّا قَوْلُهُ أَدِّ أَلْفًا وَأَنْتَ حُرٌّ وَصِيغَتُهُ لِلْحَالِ

ــ

[كشف الأسرار]

شَرْطًا لِلطَّلَاقِ وَبَدَلًا عَنْهُ لِأَنَّ نَفْسَهَا تَسْلَمُ لَهَا بِهَذَا الْمَالِ فَصَارَ كَأَنَّهَا قَالَتْ طَلِّقْنِي فِي حَالِ مَا يَكُونُ لَك عَلَيَّ أَلْفٌ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْأَحْوَالَ شُرُوطٌ فَكَانَ مَعْنَاهُ طَلِّقْنِي بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ لَك عَلَيَّ أَلْفٌ فَلَمَّا قَالَ الزَّوْجُ طَلَّقْت أَوْ فَعَلْت كَانَ تَقْدِيرُهُ طَلَّقْت بِذَلِكَ الشَّرْطِ أَيْ طَلَّقْت إنْ قَبِلْت الْأَلْفَ وَنَظِيرُهُ أَيْ نَظِيرُ قَوْلِهِ طَلِّقْنِي وَلَك أَلْفٌ وَهَذَا أَيْ قَوْلُهُ وَلَك أَلْفٌ لَا مَعْنَى لِلْبَاءِ هُنَا أَيْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ الْوَاوُ بِمَعْنَى الْبَاءِ فِي مَسْأَلَةِ الْمُضَارَبَةِ إذْ لَوْ جُعِلَتْ بِمَعْنَاهَا صَارَ كَأَنَّهُ قَالَ خُذْ هَذَا الْمَالَ مُضَارَبَةً بِالْعَمَلِ بِالْبَزِّ فَيَصِيرُ الْعَمَلُ بِالْبَزِّ عِوَضًا عَنْ الْأَخْذِ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِنَفْسِ الْأَخْذِ حِينَئِذٍ وَالْعَمَلُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى الْمُضَارِبِ بِمُجَرَّدِ عَقْدِ الْمُضَارَبَةِ بِالْإِجْمَاعِ.

وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ لِلْحَالِ أَيْضًا لِأَنَّهَا إنَّمَا حُمِلَتْ فِي مَسْأَلَةِ الْخِلَافِ وَهِيَ قَوْلُهُ طَلِّقْنِي وَلَك أَلْفٌ عَلَى الْحَالِ بِدَلَالَةِ الْمُعَاوَضَةِ وَالْمُضَارَبَةُ لَيْسَتْ بِمُعَاوَضَةٍ لِأَنَّ الْمُضَارِبَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ أَمِينٌ وَبَعْدَ الْأَخْذِ فِي الْعَمَلِ وَكِيلٌ وَعِنْدَ ظُهُورِ الرِّبْحِ شَرِيكٌ وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ لَا يُمْكِنُ حَمْلُهَا عَلَى الْحَالِ فَبَقِيَتْ لِلْعَطْفِ وَالِابْتِدَاءِ فَكَانَ قَوْلُهُ وَاعْمَلْ بِهِ مَشُورَةً.

وَكَذَا الْكَلَامُ فِي قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَأَنْتِ مَرِيضَةٌ أَوْ مُصَلِّيَةٌ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله الْوَاوُ لِلْعَطْفِ حَقِيقَةً وَالْحَمْلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَاجِبٌ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ يُعَارِضُهَا وَالْمُعَاوَضَةُ لَا يَصْلُح دَلِيلًا مُعَارِضًا يُتْرَكُ بِهِ الْحَقِيقَةُ لِأَنَّ ذَلِكَ أَيْ الْعِوَضَ أَوْ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ أَمْرٌ زَائِدٌ فِي الطَّلَاقِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْعِوَضَ إذَا دَخَلَهُ صَارَ يَمِينًا مِنْ جَانِبِ الزَّوْجِ بِأَنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى أَلْفٍ أَوْ أَدِّي إلَيَّ أَلْفًا وَأَنْتِ طَالِقٌ حَتَّى لَمْ يَصِحَّ رُجُوعُهُ قَبْلَ قَبُولِهَا وَيَحْنَثُ بِهِ فِي قَوْلِهِ إنْ حَلَفَ بِطَلَاقِك فَكَذَا وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُعَلِّقًا لِلطَّلَاقِ بِقَبُولِهَا الْمَالَ وَالتَّعْلِيقُ بِالشَّرْطِ يَمِينٌ لِمَا عُرِفَ وَالْيَمِينُ لَازِمَةٌ لَا تَقْبَلُ الرُّجُوعَ لِقَوْلِهِ عليه السلام «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ» الْحَدِيثَ وَلَوْ كَانَ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ فِيهِ أَصْلِيًّا صَارَ يَمِينًا وَيَصِحُّ رُجُوعُهُ كَمَا فِي النِّكَاحِ وَسَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ.

وَكَذَلِكَ يُوجَدُ الطَّلَاقُ بِدُونِ الْعِوَضِ وَهَذَا هُوَ الْغَالِبُ وَإِيجَابُ الْمَالِ فِيهِ نَادِرٌ فَثَبَتَ أَنَّ الْعِوَضَ فِيهِ أَمْرٌ زَايِدٌ فَلَا يَصْلُحُ مُغَيِّرًا لِحَقِيقَةِ الْعَطْفِ وَالطَّلَاقِ لِأَنَّ الْعَارِضَ لَا يُعَارِضُ الْأَصْلِيَّ بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ لِأَنَّ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ فِيهَا أَمْرٌ أَصْلِيٌّ فَجَازَ أَنْ يُعَارِضَ أَمْرًا أَصْلِيًّا آخَرَ قَوْلُهُ (لِأَنَّ الْحَالَ فِعْلٌ أَوْ اسْمُ فَاعِلٍ) نَحْوُ قَوْلِك جَاءَنِي زَيْدٌ يَتَكَلَّمُ أَوْ مُتَكَلِّمًا وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْحَالِ الْمُطْلَقَةِ أَنْ تَكُونَ صِفَةً غَيْرَ ثَابِتَةٍ وَالْفِعْلُ وَاسْمُ الْفَاعِلِ أَدَلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى مِنْ غَيْرِهِ لِدَلَالَةِ الْفِعْلِ عَلَى التَّجَدُّدِ وَالزَّوَالِ وَدَلَالَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ عَلَى اتِّصَافِ الشَّخْصِ بِالْفِعْلِ كَيْفَ وَقَدْ أُخِذَ حُكْمُ الْفِعْلِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ.

وَقَوْلُهُ: وَلَك أَلْفٌ. جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ أَوْ ظَرْفِيَّةٌ وَلَيْسَ بِفِعْلٍ وَلَا بِاسْمِ فَاعِلٍ فَلَا يَكُونُ صِفَةَ الْحَالِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ وَأَنْتَ حُرٌّ فَإِنَّ الْحُرَّ اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِنْ الْحِرَارِ يُقَالُ حَرَّ الْعَبْدُ يَحَرُّ حَرَارًا مِنْ بَابِ عَلِمَ فَيَصْلُحُ صِفَةَ الْحَالِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الدَّلَالَةَ عَلَى الْحَالِ فِي قَوْلِهِ وَلَك أَلْفٌ مَعْدُومَةٌ مَعَ أَنَّ الصِّيغَةَ لَا تَصْلُحُ لِلْحَالِ فَلَا يَكُونُ الْوَاوُ لِلْحَالِ وَفِي قَوْلِهِ وَأَنْتَ حُرٌّ قَدْ وُجِدَ الْمَعْنَيَانِ فَجُعِلَتْ لِلْحَالِ هَذَا تَقْرِيرُ كَلَامِ الشَّيْخِ وَهُوَ مُشْكِلٌ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِي عَامَّةِ كُتُبِ النَّحْوِ أَنَّ الْجُمَلَ الْأَرْبَعَ وَهِيَ الِاسْمِيَّةُ وَالْفِعْلِيَّةُ وَالشَّرْطِيَّةُ وَالظَّرْفِيَّةُ قَدْ تَقَعُ حَالًا ثُمَّ الْجُمْلَةُ إنْ كَانَتْ اسْمِيَّةً أَوْ شَرْطِيَّةً فَالْوَاوُ لَازِمَةٌ نَحْوُ جَاءَنِي زَيْدٌ وَأَبُوهُ مُنْطَلِقٌ وَلَقِيته وَإِنْ تُكْرِمْهُ يُكْرِمْك وَإِنْ كَانَتْ فِعْلِيَّةً وَالْفِعْلُ مُضَارِعٌ مُثْبَتٌ فَالتَّرْكُ لَازِمٌ نَحْوُ

ص: 125

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[كشف الأسرار]

جَاءَنِي زَيْدٌ يُسْرِعُ أَوْ يَتَكَلَّمُ أَوْ يَعْدُو فَرَسُهُ.

وَإِنْ كَانَ الْفِعْلُ مَاضِيًا أَوْ مُضَارِعًا مَنْفِيًّا جَازَ الْأَمْرَانِ وَإِنْ كَانَتْ ظَرْفِيَّةً وَلَيْسَ بَعْدَ الظَّرْفِ مُظْهَرٌ فَالتَّرْكُ لَازِمٌ نَحْوُ لَقِيته أَمَامَك وَأَكْرَمْته فِي الدَّارِ وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ مُظْهَرٌ فَالْأَمْرَانِ جَائِزَانِ نَحْوُ لَقِيته عَلَيْهِ جُبَّةٌ وَشَيْءٌ وَلَقِيته وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ وَشَيْءٌ.

وَقَوْلُهُ وَلَك أَلْفٌ. مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ فَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَالًا وَكَيْفَ وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ الْوَاوُ لِلْعَطْفِ هَهُنَا لِأَنَّ الْجُمْلَةَ الْأُولَى طَلَبِيَّةٌ مَعَ كَوْنِهَا فِعْلِيَّةً وَالثَّانِيَةُ خَبَرِيَّةٌ مَعَ كَوْنِهَا اسْمِيَّةً وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ التَّنَاسُبَ شَرْطٌ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وَلَمَّا لَمْ يَسْتَقِمْ أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ لِلْعَطْفِ تُجْعَلُ لِلْحَالِ تَصْحِيحًا لِكَلَامِهِ وَاحْتِرَازًا عَنْ الْإِلْغَاءِ.

وَكَذَا قَوْلُهُ وَأَنْتَ حُرٌّ صِيغَتُهُ لِلْحَالِ مُشْكِلٌ أَيْضًا لِأَنَّ قَوْلَهُ حُرٌّ بِنَفْسِهِ لَمْ يَقَعْ حَالًا وَإِنَّمَا وَقَعَ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ وَلَوْ جُعِلَ حَالًا كَانَ مَنْصُوبًا مَرْفُوعًا مَعًا وَهُوَ بَاطِلٌ بَلْ الْجُمْلَةُ بِمَجْمُوعِهَا وَقَعَتْ فِي حَيِّزِ الْحَالِ وَهِيَ لَيْسَتْ بِفِعْلٍ وَلَا بِاسْمِ فَاعِلٍ وَإِذَا جَازَ وُقُوعُهَا حَالًا مَعَ أَنَّهَا جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَانَ وُقُوعُ قَوْلِهِ وَلَك حَالًا أَقْرَبُ إلَى الْجَوَازِ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهَا فِعْلِيَّةً كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْبَعْضِ.

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الشَّيْخِ مِنْ قَوْلِهِ الْحَالُ فِعْلٌ أَوْ اسْمُ فَاعِلٍ أَنَّهَا كَذَلِكَ نَظَرًا إلَى الْأَصْلِ أَيْ الْأَصْلُ فِيهَا أَنْ تَكُونَ فِعْلًا أَوْ اسْمَ فَاعِلٍ وَوُقُوعُ غَيْرِهِمَا حَالًا عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ وَإِلَيْهِ يُشِيرُ قَوْلُهُ لَيْسَ بِصِيغَةٍ لِلْحَالِ أَيْ صِيغَةُ الْحَالِ فِي الْأَصْلِ فِعْلٌ أَوْ اسْمُ فَاعِلٍ وَإِنْ وَقَعَ غَيْرُهُمَا حَالًا أَيْضًا وَذُكِرَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّ مَا يَجِيءُ مِنْ الْحَالِ الَّتِي لَيْسَتْ هِيَ بِفِعْلٍ وَلَا بِاسْمِ فَاعِلٍ مِنْ الْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ وَالظَّرْفِيَّةِ كَقَوْلِهِمْ: فُوهُ إلَى فِي وَلَقِيته وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ وَشَيْءٌ مُقَدَّرٌ بِاسْمِ الْفَاعِلِ وَهُوَ مُشَافِهًا وَمُسْتَقِرَّةٌ عَلَيْهِ جُبَّةٌ وَشَيْءٌ فَعُلِمَ أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْكِتَابِ الْحَالُ فِعْلٌ أَوْ اسْمُ فَاعِلٍ صَحِيحٌ وَلَكِنْ لِلْخَصْمِ أَنْ يَقُولَ فَلْتَكُنْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ وَهِيَ قَوْلُهَا وَلَك أَلْفٌ. حَالًا بِمِثْلِ هَذِهِ التَّأْوِيلِ أَيْضًا أَيْ طَلِّقْنِي مُسْتَقِرًّا لَك عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ أَوْ وَاجِبًا عَلَيَّ ذَلِكَ. وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّ هَذَا التَّرْكِيبَ لَا يَصْلُحُ لِلْحَالِ لِأَنَّ الْحَالَ إذَا كَانَتْ مُفْرَدَةً لَا يَقْتَضِي الْوَاوَ أَلْبَتَّةَ.

وَكَذَا إذَا كَانَتْ فِعْلًا مُضَارِعًا مُثْبَتًا لِأَنَّ فَحَوَاهُ فَحَوَى الْمُفْرَدِ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِك جَاءَنِي زَيْدٌ مُسْرِعًا وَجَاءَنِي زَيْدٌ يُسْرِعُ فِي إفَادَةِ مَعْنَى الْإِسْرَاعِ ثُمَّ الظَّرْفُ لِافْتِقَارِهِ إلَى الْعَامِلِ إمَّا مُقَدَّرٌ بِالْفِعْلِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْبَعْضِ أَوْ بِاسْمِ الْفَاعِلِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ آخَرِينَ فَإِذَا وَقَعَتْ الْجُمْلَةُ الظَّرْفِيَّةُ فِي حَيِّزِ الْحَالِ كَانَتْ مُقَدَّرَةً بِالْفِعْلِ أَوْ بِاسْمِ الْفَاعِلِ فَكَانَ تَقْدِيرُ قَوْلُهُ لَقِيته عَلَيْهِ جُبَّةٌ وَشَيْءٌ لَقِيته تَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ جُبَّةٌ وَشَيْءٌ أَوْ مُسْتَقِرَّةٌ عَلَيْهِ جُبَّةٌ وَشَيْءٌ وَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ لَا يَسْتَقِيمُ الْوَاوُ لِأَنَّ الْوَاقِعَ حَالًا فِي التَّحْقِيقِ هُوَ الْفِعْلُ الْمُقَدَّرُ أَوْ اسْمُ الْفَاعِلِ الْمُقَدَّرُ وَكِلَاهُمَا لَا يَقْتَضِي الْوَاوَ فَكَانَ هَذَا التَّرْتِيبُ مَعَ الْوَاوِ غَيْرَ صَالِحٍ لِلْحَالِ كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِالْمُضْمَرِ فَقِيلَ لَقِيته يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ جُبَّةٌ وَشَيْءٌ أَوْ مُسْتَقِرَّةٌ عَلَيْهِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ وَأَنْتَ حُرٌّ فَإِنَّهُ جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ وَقَعَتْ بِمَجْمُوعِهَا فِي حَيِّزِ الْحَالِ وَلَا يَصْلُحُ الْجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ لَهَا إلَّا مَعَ الْوَاوِ فَكَانَتْ هَذِهِ الصِّيغَةُ صَالِحَةً لِلْحَالِ.

وَتَبَيَّنَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ اللَّامَ فِي قَوْلِهِ الْحَالُ فِعْلٌ أَوْ اسْمُ فَاعِلٍ لِلْعَهْدِ أَيْ الْحَالُ الْمُسْتَتِرَةُ فِي هَذَا الظَّرْفِ وَهُوَ قَوْلُهُ أَوْ لَك فِعْلٌ أَيْ يَسْتَقِرُّ أَوْ اسْمُ فَاعِلٍ أَيْ مُسْتَقِرٌّ قُلْت هَذَا كَلَامٌ حَسَنٌ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا لِرِوَايَاتِ كُتُبِ النَّحْوِ أَجْمَعَ فَإِنَّ الْمَذْكُورَ فِيهَا أَنَّ الْجُمْلَةَ

ص: 126