الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَصَدْرُ الْكَلَامِ غَيْرُ مُفِيدٍ إلَّا شَرْطًا لِلتَّحْرِيرِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ مُفِيدٌ بِنَفْسِهِ.
وَقَوْلُهُ أَنْتِ مَرِيضَةٌ جُمْلَةٌ تَامَّةٌ لَا دَلَالَةَ فِيهَا عَلَى الْحَالِ لَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ فَصَحَّتْ نِيَّتُهُ وَأَمَّا قَوْلُهُ أَدِّ أَلْفًا لَا يَصْلُحُ ضَرِيبَةً فَصَلَحَ دَلَالَةً عَلَى الْحَالِ وَقَوْلُهُ وَاعْمَلْ بِهِ فِي بَابِ الْمُضَارَبَةِ لَا يَصْلُحُ حَالًا لِلْأَخْذِ فَبَقِيَ قَوْلُهُ خُذْ هَذَا الْمَالَ مُضَارَبَةً مُطْلَقًا وَقَوْلُهُ انْزِلْ وَأَنْتَ آمِنٌ فِيهِ دَلَالَةُ الْحَالِ لِأَنَّ الْأَمَانَ إنَّمَا يُرَادُ إعْلَاءُ الدِّينِ وَلِيُعَايِنَ الْحَرْبِيُّ مَعَالِمَ الدِّينِ وَمَحَاسِنَهُ فَكَانَ الظَّاهِرُ فِيهِ الْحَالَ لِيَصِيرَ مُعَلَّقًا بِالنُّزُولِ إلَيْنَا وَالْكَلَامُ يَحْتَمِلُ الْحَالَ
وَأَمَّا الْفَاءُ فَإِنَّهُ لِلْوَصْلِ وَالتَّعْقِيبِ حَتَّى أَنَّ الْمَعْطُوفَ بِالْفَاءِ يَتَرَاخَى عَنْ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِزَمَانٍ وَإِنْ لَطَفَ. هَذَا مُوجَبُهُ الَّذِي وُضِعَ لَهُ
ــ
[كشف الأسرار]
الْوَاقِعَةَ حَالًا إذَا كَانَتْ ظَرْفِيَّةً وَبَعْدَ الظَّرْفِ اسْمٌ مُظْهَرٌ جَازَ فِيهَا إثْبَاتُ الْوَاوِ وَتَرْكُهَا أَمَّا تَرْكُهَا فَلِمَا ذَكَرَ هَذَا الْقَائِلُ، وَأَمَّا إثْبَاتُهَا فَلِأَنَّهَا أَخَذَتْ شَبَهًا بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الظَّرْفَ خَبَرٌ وَمَا بَعْدَهُ مِنْ الْمُظْهَرِ مُخْبَرٌ عَنْهُ فَجَازَ فِيهِ الْأَمْرَانِ قَوْلُهُ (وَصَدْرُ الْكَلَامِ) يَعْنِي قَوْلُهُ أَدِّ إلَيَّ أَلْفًا غَيْرُ مُفِيدٍ شَيْئًا إلَّا شَرْطًا لِلْجِزْيَةِ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِلْإِيجَابِ ابْتِدَاءً إذْ الْمَوْلَى لَا يَسْتَوْجِبُ عَلَى عَبْدِهِ دَيْنًا وَلَا يَصْلُحُ لِلضَّرِيبَةِ أَيْضًا لِأَنَّهَا لَا يَكُونُ مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ وَاصْطِلَاحٍ وَلِأَنَّهَا لَا يَزِيدُ فِي شَهْرٍ عَلَى عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ ثَلَاثِينَ أَوْ نَحْوِهَا وَالضَّرِيبَةُ وَظِيفَةٌ يَأْخُذُهَا الْمَالِكُ فَحُمِلَ عَلَيْهِ أَيْ حُمِلَ صَدْرُ الْكَلَامِ عَلَى كَوْنِهِ شَرْطًا لِلتَّحْرِيرِ بِأَنْ جُعِلَتْ الْوَاوُ لِلْحَالِ لِيَصِيرَ تَعْلِيقًا لِلْعِتْقِ بِأَدَاءِ الْمَالِ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ لِأَنَّ أَوَّلَ الْكَلَامِ إنْ صَدَرَ مِنْ الزَّوْجِ بِأَنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَعَلَيْك أَلْفُ دِرْهَمٍ كَانَ إيقَاعًا مُفِيدًا مِنْهُ بِدُونِ آخِرِهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْحَمْلِ عَلَى الْحَالِ وَإِنْ صَدَرَ مِنْهَا فَهُوَ الْتِمَاسٌ صَحِيحٌ مِنْهَا فَلِهَذَا لَا يُحْمَلُ عَلَى الْحَالِ بَلْ يَكُونُ مَعْنَاهُ وَلَك أَلْفٌ فِي تَيْنِك أَوْ يَكُونُ وَعْدًا مِنْهَا إيَّاهُ بِالْمَالِ وَالْمَوَاعِيدُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا اللُّزُومُ.
وَلِأَنَّ أَدْنَى مَا فِي الْبَابِ أَنْ يَكُونَ حَرْفُ الْوَاوِ مُحْتَمِلًا لِجَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا وَالْمَالُ بِالشَّكِّ لَا يَجِبُ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ فَصَلَحَ أَيْ قَوْلُهُ أَدِّ إلَيَّ أَلْفًا دَلَالَةً عَلَى الْحَالِ أَيْ عَلَى أَنَّ الْوَاوَ لِلْحَالِ قَوْلُهُ (لَا دَلَالَةَ فِيهَا عَلَى الْحَالِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي التَّصَرُّفَاتِ التَّنْجِيزُ وَالتَّعْلِيقُ يَثْبُتُ فِيهَا بِعَارِضِ الشَّرْطِ وَذَلِكَ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ وَالشَّكِّ وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ الْمُؤْمِنِ أَنَّهُ لَا يُطَلِّقُ حَلِيلَتَهُ فِي حَالِ الْمَرَضِ لِأَنَّهُ حَالُ شَفَقَةٍ وَمَرْحَمَةٍ وَلَمَّا لَمْ تُوجَدْ دَلَالَةٌ عَلَى الْحَالِ حُمِلْت الْوَاوُ عَلَى الْعَطْفِ الَّذِي هُوَ حَقِيقَتُهَا وَقَدْ صَحَّ الْحَمْلُ عَلَيْهِ لِاتِّفَاقِ الْجُمْلَتَيْنِ وَلَكِنَّهَا يَحْتَمِلُ الْحَالَ لِأَنَّ الْمَرِيضَ قَدْ يَصْلُحُ شَرْطًا لِلطَّلَاقِ وَالطَّلَاقُ قَدْ يَتَأَخَّرُ إلَى الْمَرَضِ وَيَتَحَقَّقُ فِيهِ فَإِذَا نَوَى التَّعْلِيقَ يُصَدَّقُ دِيَانَةً لِأَنَّهُ مُحْتَمِلُ كَلَامِهِ. لَا يَصْلُحُ حَالًا لِلْأَخْذِ لِأَنَّ الْعَمَلَ يُوجَدُ بَعْدَ الْأَخْذِ فَلَا يَصْلُحُ حَالًا لِلْأَخْذِ الْمَوْجُودِ قَبْلَهُ وَالْكَلَامُ يَحْتَمِلُ الْحَالَ أَيْضًا لِأَنَّ قَوْلَهُ آمِنٌ نَعْتُ فَاعِلٍ أَوْ لِأَنَّهُ جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ مَعَ الْوَاوِ وَأَيْضًا نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَرِ مِنْ آضَ يَئِيضُ إذَا رَجَعَ وَيَنُوبُ عَنْ الْحَالِ تَقُولُ فَعَلْت ذَاكَ أَيْضًا أَيْ أَيْضًا عَائِدًا إلَيْهِ وَيُقَالُ قَدْ أَكْثَرْت مِنْ أَيْضٍ أَيْ أَكْثَرْت التَّكَلُّمَ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ كَذَا ذَكَرَ الْمَيْدَانِيُّ.
[معانى الْفَاءُ]
قَوْلُهُ (الْفَاءُ لِلْوَصْلِ وَالتَّعْقِيبِ) يَعْنِي مُوجَبُهُ وُجُودُ الثَّانِي بَعْدَ الْأَوَّلِ بِغَيْرِ مُهْلَةٍ حَتَّى لَوْ قُلْت ضَرَبْت زَيْدًا فَعَمْرًا كَانَ الْمَعْنَى أَنَّ ضَرْبَ عَمْرٍو وَقَعَ عَقِيبَ ضَرْبِ زَيْدٍ وَلَمْ يَتَطَاوَلْ الْمُدَّةُ بَيْنَهُمَا وَمَعْنَى قَوْلِهِ تَرَاخَى عَنْ الْمَعْطُوفِ بِزَمَانٍ وَإِنْ لَطَفَ هُوَ أَنَّ مِنْ ضَرُورَةِ التَّعْقِيبِ تَرَاخِيَ الثَّانِي عَنْ الْأَوَّلِ بِزَمَانٍ وَإِنْ قَلَّ ذَلِكَ الزَّمَانُ بِحَيْثُ لَا يُدْرَكُ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كَانَ مُقَارِنًا وَالْقِرَانُ لَيْسَ بِمُوجَبٍ لَهُ قَالَ الْإِمَامُ عَبْدُ الْقَاهِرِ أَصْلُ الْفَاءِ الِاتِّبَاعُ وَالْعَطْفُ فَرْعٌ عَلَى ذَلِكَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَعْرَى عَنْ الِاتِّبَاعِ بِوَجْهٍ لِأَنَّك إذَا قُلْت ضَرَبْت زَيْدًا فَعَمْرًا فَقَدْ أَتْبَعْت عَمْرًا زَيْدًا مَعَ عَطْفِك عَلَى مَا قَبْلَهُ لَفْظًا وَقَدْ يَكُونُ لِلِاتِّبَاعِ مُتَجَرِّدًا عَنْ الْعَطْفِ كَمَا فِي جَوَابِ الشَّرْطِ بِالْفَاءِ نَحْوُ إنْ تَأْتِنِي فَأَنَا أُكْرِمُك فَعَرَفْت أَنَّ أَعْرَفَ الْمَعْنَيَيْنِ هُوَ الِاتِّبَاعُ وَذَكَرَ فِي شَرْحِ الْمُوجَزِ أَنَّ الْفَاءَ فِي التَّرْتِيبِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ
أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَرَبَ تَسْتَعْمِلُ الْفَاءَ فِي الْجَزَاءِ لِأَنَّهُ مُرَتَّبٌ لَا مَحَالَةَ وَتَسْتَعْمِلُ فِي أَحْكَامِ الْعِلَلِ كَمَا يُقَالُ جَاءَ الشِّتَاءُ فَتَأَهَّبْ لِأَنَّ الْحُكْمَ مُرَتَّبٌ عَلَى الْعِلَّةِ وَيُقَالُ أَخَذْت كُلَّ ثَوْبٍ بِعَشَرَةٍ فَصَاعِدًا أَيْ كَانَ كَذَلِكَ فَازْدَادَ الثَّمَنُ صَاعِدًا مُرْتَفِعًا وَلَمَّا قُلْنَا إنَّ وُجُوهَ الْعَطْفِ مُنْقَسِمَةٌ عَلَى صِلَاتِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْفَاءُ مُخْتَصًّا بِمَعْنًى هُوَ مَوْضُوعٌ لَهُ حَقِيقَةً وَذَلِكَ هُوَ التَّعْقِيبُ
ــ
[كشف الأسرار]
الثَّانِي مِنْ مُوجَبِ الْأَوَّلِ فَيَكُونَ بَعْدَهُ بِلَا فَصْلٍ كَقَوْلِهِ ضَرَبْته فَبَكَى لِأَنَّهُ مِنْ مُوجَبِ الضَّرْبِ وَالثَّانِي أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ مُوجَبِ الْأَوَّلِ فَيَكُونَ بَعْدَ الْأَوَّلِ وَلَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا مُهْلَةٌ يَسِيرَةٌ كَقَوْلِك جَاءَ زَيْدٌ فَعَمْرٌو إذْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ مَجِيءِ زَيْدٍ وَعَمْرٍو مُهْلَةٌ يَسِيرَةٌ.
وَالثَّالِثُ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ مُوجَبِ الْأَوَّلِ وَيَكُونَ بَيْنَهُمَا مَسَافَةٌ كَقَوْلِك دَخَلْت الْبَصْرَةَ فَالْكُوفَةُ فَإِنَّ الثَّانِيَ بَعْدَهُ وَبَيْنَهُمَا قَدْرُ الْمَسَافَةِ إذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ الثَّانِي عَقِيبَ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ (أَلَا تَرَى) تَوْضِيحٌ لِمَا ذُكِرَ أَنَّ الْفَاءَ لِلْوَصْلِ وَالتَّعْقِيبِ يَعْنِي لَمَّا كَانَ الْفَاءُ لِلتَّرْتِيبِ مَعَ الْوَصْلِ اسْتَعْمَلَتْهُ الْعَرَبُ فِي الْآخَرِ بِهِ لِأَنَّ مِنْ حَقِّ الْجَزَاءِ أَنْ يَتَعَقَّبَ نُزُولُهُ وُجُودَ الشَّرْطِ بِلَا فَصْلٍ لِأَنَّ الْحُكْمَ مُرَتَّبٌ عَلَى الْعِلَّةِ أَيْ بِلَا فَصْلٍ رُتْبَةً أَوْ زَمَانًا عَلَى حَسَبِ مَا اخْتَلَفُوا قَوْلُهُ (أَخَذْت كُلَّ ثَوْبٍ بِعَشَرَةٍ فَصَاعِدًا) مَعْنَى هَذَا أَنَّك اشْتَرَيْت عَدْلَ ثِيَابٍ وَوَقَعَ سِعْرُ أَوَّلِ ثَوْبٍ بِعَشَرَةٍ ثُمَّ غَلَا السِّعْرُ فَزَادَ عَلَى الْعَشَرَةِ فَتَقُولُ أَخَذْت كُلَّ ثَوْبٍ بِعَشَرَةٍ فَصَاعِدًا فَقَوْلُهُ فَصَاعِدًا انْتَصَبَ عَلَى الْحَالِ بِعَامِلٍ مُضْمَرٍ وَالتَّقْدِيرُ كَانَ الْأَخْذُ بِعَشَرَةٍ فَازْدَادَ الثَّمَنُ عَقِيبَ الْأَخْذِ صَاعِدًا مِنْ غَيْرِ تَرَاخٍ أَوْ ذَهَبَ الثَّمَنُ صَاعِدًا وَلَيْسَ انْتِصَابُ صَاعِدًا عَلَى الْعَطْفِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ إلَّا ذِكْرُ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ وَالْعَشَرَةِ وَلَا يَسْتَقِيمُ عَطْفُهُ عَلَى الْفَاعِلِ لَفْظًا أَوْ مَعْنًى وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وَكَذَا عَلَى الْمَفْعُولِ مَعْنًى إذْ لَيْسَ الْغَرَضُ أَنَّك أَخَذْت الْمُثَمَّنَ وَالصَّاعِدَ لِأَنَّ الصَّاعِدَ هُوَ الثَّمَنُ وَكَذَا عَلَى الْعَشَرَةِ لَفْظًا وَهُوَ ظَاهِرٌ وَكَذَا مَعْنًى لِأَنَّك لَمْ تُرِدْ أَنَّك أَخَذْت الْمُثْمَنَ بِعَشَرَةٍ فَتَصَاعُدًا وَإِنَّمَا أَرَدْت أَنَّك أَخَذْت بَعْضَهُ بِعَشَرَةٍ وَبَعْضَهُ بِأَكْثَرَ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ فَازْدَادَ الثَّمَنُ صَاعِدًا أَيْ ذَهَبَ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ فِي الْبَعْضِ.
قَوْلُهُ (وُجُوهُ الْعَطْفِ مُنْقَسِمَةٌ عَلَى صِلَاتِهِ) أَرَادَ بِالصَّلَاةِ الْحُرُوفَ يَعْنِي قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ أَنْوَاعَ الْعَطْفِ انْقَسَمَتْ عَلَى حُرُوفِ الْعَطْفِ وَأَنَّ كُلَّ حَرْفٍ مُخْتَصٌّ بِمَعْنًى فِي أَصْلِ الْوَضْعِ فَالْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْعَطْفِ وَثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ مَعَ التَّرَاخِي فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْفَاءُ لِمَعْنًى اُخْتُصَّ بِهِ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ وَذَلِكَ هُوَ التَّعْقِيبُ بِصِفَةِ الْوَصْلِ إذْ لَمْ يُوضَعْ لَهُ لَفْظٌ آخَرُ وَالِاشْتِرَاكُ خِلَافُ الْأَصْلِ لِمَا مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ قَوْلُهُ (وَلِذَلِكَ) أَيْ وَلِأَنَّ الْفَاءَ لِلتَّعْقِيبِ قَالَ أَصْحَابُنَا فِيمَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ بِعْت هَذَا الْعَبْدَ مِنْك بِكَذَا وَقَالَ الْمُشْتَرِي فَهُوَ حُرٌّ إنَّهُ يَعْتِقُ وَيُجْعَلُ الرَّجُلُ قَابِلًا لِلْبَيْعِ ثُمَّ مُعْتِقًا لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْحُرِّيَّةَ بِحَرْفِ الْفَاءِ عَقِيبَ الْإِيجَابِ وَالْفَاءُ لِلتَّرْتِيبِ وَلَا يَتَرَتَّبُ الْعِتْقُ عَلَى الْإِيجَابِ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ الْقَبُولِ فَيَثْبُتُ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ وَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ قَبِلْت فَهُوَ حُرٌّ بِخِلَافِ قَوْلِهِ هُوَ حُرٌّ أَوْ وَهُوَ حُرٌّ لِعَدَمِ مَا يُوجِبُ التَّعْقِيبَ فَبَقِيَ مُحْتَمِلًا لِرَدِّ الْإِيجَابِ بِأَنْ جَعَلَهُ إخْبَارًا عَنْ الْحُرِّيَّةِ الْبَاقِيَةِ قَبْلَ الْإِيجَابِ وَلِقَبُولِ الْبَيْعِ بِأَنْ جُعِلَ إنْشَاءً لِلْحُرِّيَّةِ فِي الْحَالِ فَلَا يَثْبُتُ الْقَبُولُ بِالشَّكِّ.
قَوْلُهُ (فَإِذَا هُوَ لَا يَكْفِيهِ أَنَّهُ يَضْمَنُ) وَذَلِكَ لِأَنَّ الْفَاءَ لِلْوَصْلِ وَالتَّعْقِيبِ فَبِذِكْرِهِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ شَارِطٌ لِلْكِفَايَةِ فِي الْإِذْنِ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِقَطْعٍ مُرَتَّبٍ عَلَى الْكِفَايَةِ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ إنْ كَفَانِي قَمِيصًا فَاقْطَعْهُ وَالْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ مَعْدُومٌ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ فَإِذَا لَمْ يَكْفِهِ قَمِيصًا كَانَ الْقَطْعُ حَاصِلًا بِغَيْرِ إذْنٍ فَكَانَ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ اقْطَعْهُ فَقَطَعَهُ فَإِذَا هُوَ لَا يَكْفِيهِ لَا يَضْمَنُ لِأَنَّ قَوْلَهُ اقْطَعْهُ إذْنٌ مُطْلَقٌ فَلَا يَكُونُ الْقَطْعُ بَعْدَهُ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ لِأَنَّ الْغُرُورَ بِمُجَرَّدِ الْخَبَرِ
وَلِذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُنَا فِيمَنْ قَالَ لِآخَرَ بِعْت مِنْك هَذَا الْعَبْدَ بِكَذَا فَقَالَ الْآخَرُ فَهُوَ حُرٌّ إنَّهُ قَبُولٌ لِلْبَيْعِ وَلَوْ قَالَ هُوَ حُرٌّ أَوْ وَهُوَ حُرٌّ لَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ وَقَالَ مَشَايِخُنَا فِيمَنْ قَالَ لِخَيَّاطٍ اُنْظُرْ إلَى هَذَا الثَّوْبِ أَيَكْفِينِي قَمِيصًا فَنَظَرَ فَقَالَ نَعَمْ فَقَالَ فَاقْطَعْهُ فَقَطَعَهُ فَإِذَا هُوَ لَا يَكْفِيهِ إنَّهُ يَضْمَنُ كَمَا لَوْ قَالَ فَإِنْ كَفَانِي قَمِيصًا فَاقْطَعْهُ فَإِذَا هُوَ لَا يَكْفِيهِ أَنَّهُ يَضْمَنُ وَلِذَلِكَ قَالُوا فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَطَالِقٌ فَدَخَلَتْ الدَّارَ وَهِيَ غَيْرُ مَدْخُولٍ بِهَا أَنَّهُ يَقَعُ عَلَى التَّرْتِيبِ فَتَبِينُ بِالْأُولَى وَلِذَلِكَ اخْتَصَّ الْفَاءُ بِعَطْفِ الْحُكْمِ عَلَى الْعِلَلِ كَمَا يُقَالُ أَطْعَمْته فَأَشْبَعْته أَيْ بِهَذَا الْإِطْعَامِ وَقَالَ النَّبِيُّ عليه السلام «لَنْ يَجْزِيَ وَلَدٌ وَالِدَهُ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ» فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ كَوْنَهُ مُعْتَقًا حُكْمٌ لِلشِّرَى بِوَاسِطَةِ الْمِلْكِ وَلِهَذَا قُلْنَا فِيمَنْ قَالَ إنْ دَخَلْت هَذِهِ الدَّارَ، فَهَذِهِ الدَّارَ، فَعَبْدِي حُرٌّ إنَّ الشَّرْطَ أَنْ يَدْخُلَ الْأَخِيرَةَ بَعْدَ الْأُولَى مِنْ غَيْرِ تَرَاخٍ.
ــ
[كشف الأسرار]
إذَا لَمْ يَكُنْ فِي ضِمْنِ عَقْدِ ضَمَانٍ لَا يُوجِبُ الضَّمَانَ عَلَى الْغَارِّ كَمَا لَوْ قَالَ هَذِهِ الطَّرِيقُ آمِنٌ فَسَلَكَ فِيهِ فَأَخَذَ اللُّصُوصُ مَتَاعَهُ لَا يَضْمَنُ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ قَوْلُهُ (فَتَبِينُ بِالْأَوَّلِ) قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا هَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَيَنْبَغِي أَنْ تَطْلُقَ ثِنْتَيْنِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِمُوجَبِ الْفَاءِ هَهُنَا غَيْرُ مُمْكِنٍ لِأَنَّ الْأَجْزِيَةَ لَا يَتَرَتَّبُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ بَعْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ فَيُجْعَلُ الْفَاءُ بِمَعْنَى الْوَاوِ مَجَازًا وَحُكْمُهُ عَلَى الْخِلَافِ كَمَا عَرَفْت وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا تَطْلُقُ وَاحِدَةً عِنْدَهُمْ جَمِيعًا لِأَنَّ الْفَاءَ لِلتَّعْقِيبِ فَيَثْبُتُ بِهِ تَرْتِيبٌ بَيْنَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ فِي الْوُقُوعِ كَمَا لَوْ قَالَ بِكَلِمَةِ بَعْدَ فَلَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِإِيقَاعِ الثَّانِيَةِ لِأَنَّهَا تَبِينُ بِالْأُولَى وَمَعَ إمْكَانِ اعْتِبَارِ الْحَقِيقَةِ لَا مَعْنَى لِلْمَصِيرِ إلَى الْمَجَازِ كَذَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ رحمه الله.
قَوْلُهُ (وَلِذَلِكَ) أَيْ وَلِمَعْنَى التَّعْقِيبِ اخْتَصَّ الْفَاءَ بِكَذَا إنَّمَا أَعَادَ هَذَا الْكَلَامَ لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ ذِكْرَ الْحَدِيثِ الَّذِي أَوْرَدَهُ وَبِظَاهِرِهِ تَمَسَّكَ أَصْحَابُ الظَّوَاهِرِ مِنْهُمْ دَاوُد الْأَصْبَهَانِيُّ فَقَالُوا إنَّ الرَّجُلَ إذَا مَلَكَ أَبَاهُ أَوْ ابْنَهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَعْتِقَهُ وَلَكِنْ لَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ قَبْلَ إعْتَاقِهِ لِأَنَّ قَوْلَهُ فَيَعْتِقَهُ تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ إعْتَاقَهُ وَلَوْ عَتَقَ بِنَفْسِ الشِّرَاءِ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ فَيَعْتِقَهُ مَعْنًى وَلِأَنَّ الْقَرَابَةَ لَا تَمْنَعُ ثُبُوتَ الْمِلْكِ ابْتِدَاءً فَلَا تَمْنَعُ الْبَقَاءَ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَمَّا مَنَعَتْ بَقَاءَ مِلْكِ النِّكَاحِ مَنَعَتْ ثُبُوتَهُ ابْتِدَاءً وَقَالَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ يَعْتِقُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ إعْتَاقٍ لِمَا عُرِفَ وَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ فَيَشْتَرِيَهُ فَيَعْتِقَهُ الْإِعْتَاقُ بِذَلِكَ الشِّرَاءِ لَا بِسَبَبٍ آخَرَ كَمَا يُقَالُ أَطْعَمَهُ فَأَشْبَعَهُ وَسَقَاهُ فَرَوَاهُ وَعَلَّمَهُ فَهَدَاهُ وَضَرَبَ فَأَوْجَعَ وَكَتَبَ فَقَرْمَطَ وَإِنَّمَا أَثْبَتْنَا بِهِ الْمِلْكَ ابْتِدَاءً لِأَنَّ انْتِفَاءَ الْعُبُودِيَّةِ وَثُبُوتَ الْعِتْقِ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِهِ فَإِذَا لَمْ يَمْلِكْهُ لَا يَعْتِقُ بِخِلَافِ مِلْكِ النِّكَاحِ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي إثْبَاتِ مِلْكِ النِّكَاحِ لَهُ عَلَى ابْنَتِهِ ثُمَّ إزَالَتِهِ لِأَنَّهَا تَعُودُ إلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (وَأَطْعَمْته فَأَشْبَعْته) أَيْ بِهَذَا الْإِطْعَامِ إذْ لَوْ كَانَ الْإِشْبَاعُ بِغَيْرِ هَذَا الْإِطْعَامِ لَمْ يَكُنْ الْإِشْبَاعُ مُتَّصِلًا بِهَذَا الْإِطْعَامِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُوجَبِ الْفَاءِ وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ عليه السلام فَيَشْتَرِيَهُ فَيَعْتِقَهُ مُقْتَضَاهُ أَنْ يَكُونَ الْإِعْتَاقُ مُتَّصِلًا بِالشِّرَاءِ مِنْ غَيْرِ تَخَلُّلِ زَمَانٍ بَيْنَهُمَا وَذَلِكَ فِيمَا قُلْنَا فَلَوْ شُرِطَ إعْتَاقٌ ابْتِدَائِيٌّ لَا يَكُونُ ذَلِكَ عَمَلًا بِالْفَاءِ لِأَنَّهُ وَإِنْ أَعْتَقَهُ مُتَّصِلًا بِالشِّرَاءِ فَذَلِكَ لَا يَكُونُ إعْتَاقًا حَتَّى يُتِمَّ كَلَامَهُ فَيَتَخَلَّلُ بَيْنَهُمَا زَمَانٌ وَذَلِكَ لَيْسَ بِمُقْتَضَى الْفَاءِ كَذَا قِيلَ وَفِيهِ تَكَلُّفٌ.
قَوْلُهُ (فَدَلَّ ذَلِكَ) أَيْ قَوْلُهُ فَيَشْتَرِيَهُ فَيَعْتِقَهُ عَلَى أَنَّ كَوْنَهُ مُعْتِقًا حُكْمٌ لِلشِّرَاءِ كَالْإِشْبَاعِ فِي قَوْلِهِ أَطْعَمَهُ فَأَشْبَعَهُ وَقَوْلُهُ بِوَاسِطَةِ الْمِلْكِ احْتِرَازٌ عَمَّا يُقَالُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْإِعْتَاقُ حُكْمًا لِلشِّرَاءِ لِأَنَّ الشِّرَاءَ مَوْضُوعٌ لِإِثْبَاتِ الْمِلْكِ وَالْإِعْتَاقُ إزَالَةٌ لَهُ فَكَانَ مُنَافِيًا لَهُ وَالْمُنَافِي لِحُكْمِ الشَّيْءِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حُكْمًا لِذَلِكَ الشَّيْءِ فَقَالَ إنَّهُ بِنَفْسِهِ لَا يَصْلُحُ حُكْمًا لَهُ وَلَكِنَّهُ يَصْلُحُ بِوَاسِطَةِ الْمِلْكِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ بِالشِّرَاءِ يَصِيرُ مُتَمَلِّكًا وَالْمِلْكُ فِي الْقَرِيبِ إكْمَالٌ لِعِلَّةِ الْعِتْقِ فَيَصِيرُ الْعِتْقُ مُضَافًا إلَى الشِّرَاءِ بِوَاسِطَةِ الْمِلْكِ وَإِذَا صَارَ مُضَافًا إلَيْهِ يَصِيرُ بِهِ مُعْتِقًا لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِلْحُكْمِ بِوَاسِطَةٍ كَالْمُوجِبِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ فِي كَوْنِ الْحُكْمِ مُضَافًا إلَيْهِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَحْتَاجُ إلَى إعْتَاقٍ آخَرَ كَمَا قَالَهُ أَصْحَابُ الظَّوَاهِرِ وَإِذَا اشْتَرَاهُ نَاوِيًا عَنْ الْكَفَّارَةِ يَخْرُجُ بِهِ عَنْ الْعُهْدَةِ أَيْضًا خِلَافًا لِمَا قَالَهُ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
وَإِنَّمَا حَصَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مُجَازَاةَ
وَقَدْ تَدْخُلُ الْفَاءُ عَلَى الْعِلَلِ أَيْضًا إذَا كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَدُومُ فَتَصِيرُ بِمَعْنَى التَّرَاخِي كَمَا يُقَالُ أَبْشِرْ فَقَدْ أَتَاك الْغَوْثُ وَقَدْ نَجَوْت وَنَظِيرُهُ مَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا فِي الْمَأْذُونِ فِيمَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ أَدِّ إلَيَّ أَلْفًا فَأَنْتَ حُرٌّ أَنَّهُ يَعْتِقُ لِلْحَالِ وَتَقْدِيرُهُ أَدِّ إلَيَّ أَلْفًا فَإِنَّك قَدْ عَتَقْت لِأَنَّ الْعِتْقَ دَائِمٌ فَأَشْبَهَ الْمُتَرَاخِيَ وَقَالُوا فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ انْزِلْ فَأَنْتَ آمِنٌ إنَّهُ آمِنٌ نَزَلَ أَوْ لَمْ يَنْزِلْ لِمَا قُلْنَا فَلَمْ يُجْعَلْ بِمَعْنَى التَّعْلِيقِ كَأَنَّهُ أَضْمَرَ الشَّرْطَ لِأَنَّ الْكَلَامَ صَحَّ بِدُونِ الْإِضْمَارِ وَإِنَّمَا الْإِضْمَارُ ضَرُورِيٌّ فِي الْأَصْلِ وَلِهَذَا قُلْنَا فِيمَنْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ دِرْهَمٌ فَدِرْهَمٌ إنَّهُ يَلْزَمُهُ دِرْهَمَانِ لِأَنَّ الْمَعْطُوفَ غَيْرُ الْأَوَّلِ وَيُصْرَفُ التَّرْتِيبُ إلَى الْوُجُوبِ دُونَ الْوَاجِبِ أَوْ يُجْعَلُ مُسْتَعَارًا بِمَعْنَى الْوَاوِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَزِمَهُ دِرْهَمٌ لِأَنَّ مَعْنَى التَّرْتِيبِ لَغْوٌ فَحُمِلَ عَلَى جُمْلَةٍ مُبْتَدَأَةٍ لِتَحْقِيقِ الْأَوَّلِ فَهُوَ دِرْهَمٌ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
وَالشِّعْرُ لَا يَسْطِيعُهُ مَنْ يَظْلِمُهْ
…
يُرِيدُ أَنْ يُعْرِبَهُ فَيُعْجِمُهْ
وَقَوْلُهُ {لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ} [إبراهيم: 4]
ــ
[كشف الأسرار]
الْوَلَدِ الْوَالِدَ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ لِأَنَّ الْوُجُودَ أَعْظَمُ النِّعَمِ وَأَعْلَاهَا وَقَدْ حَصَلَ لِلْوَلَدِ بِوَاسِطَةِ الْأَبِ فَلَا يُمْكِنُ لِلْوَلَدِ مُجَازَاتُهُ لِأَنَّ جَمِيعَ مَا يُتَصَوَّرُ مِنْ الْوَلَدِ مِنْ الْإِحْسَانِ إلَى الْأَبِ لَا يُمَاثَلُ بِنِعْمَةِ الْوُجُودِ لِأَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى الْأَحْوَالِ وَمَا صَدَرَ مِنْ الْأَبِ رَاجِعٌ إلَى الذَّاتِ لَا إذَا وَجَدَهُ مَمْلُوكًا وَأَعْتَقَهُ بِالشِّرَاءِ " فح " يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْهُ نَوْعَ مُجَازَاةٍ لِأَنَّ الرِّقَّ أَثَرُ الْكُفْرِ الَّذِي هُوَ مَوْتٌ حُكْمًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ} [الأنعام: 122] أَيْ كَافِرًا فَهَدَيْنَاهُ فَإِذَا أَزَالَ عَنْهُ هَذَا الْوَصْفَ بِالشِّرَاءِ صَارَ كَأَنَّهُ أَحْيَاهُ بَعْدَمَا فَنِيَ فَيَجُوزُ أَنْ يَصِيرَ مُقَابَلًا بِإِحْسَانِهِ وَمُجَازَاةً لِإِنْعَامِهِ وَهَذَا عَلَى وَجْهِ التَّحْرِيضِ وَالتَّرْغِيبِ لَا عَلَى طَرِيقِ التَّحْقِيقِ فَإِنَّ أَحَدًا لَا يَقْدِرُ عَلَى مُجَازَاةِ الْأَبَوَيْنِ وَمُكَافَأَتِهِمَا بِحَالٍ إذَا أَنْصَفَ مِنْ نَفْسِهِ وَتَأَمَّلَ فِي إحْسَانِهِمَا إلَيْهِ وَإِشْفَاقِهِمَا عَلَيْهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا مَا ضَيَّعْنَا مِنْ حُقُوقِهِمْ وَاغْفِرْ لَهُمْ مَا ضَيَّعُوا مِنْ حَقِّك يَا أَكْرَمَ الْأَكْرَمِينَ مِنْ غَيْرِ تَرَاخٍ أَيْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْتَغِلَ بَيْنَهُمَا بِعَمَلٍ آخَرَ أَوْ يُؤَخِّرَ الدُّخُولَ فِي الثَّانِيَةِ مِنْ غَيْرِ اشْتِغَالٍ بِعَمَلٍ.
قَوْلُهُ (وَقَدْ تَدْخُلُ الْفَاءُ عَلَى الْعِلَلِ) الْأَصْلُ أَنْ تَدْخُلَ الْفَاءُ عَلَى الْأَحْكَامِ لِأَنَّهَا مُتَرَتِّبَةٌ عَلَى الْعِلَلِ وَلَا تَدْخُلُ عَلَى الْعِلَلِ لِاسْتِحَالَةِ تَأَخُّرِ الْعِلَّةِ عَنْ الْمَعْلُولِ إلَّا أَنَّهَا قَدْ تَدْخُلُ عَلَى الْعِلَلِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ لَهَا دَوَامٌ لِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ دَائِمَةً كَانَتْ فِي حَالَةِ الدَّوَامِ مُتَرَاخِيَةً عَنْ ابْتِدَاءِ الْحُكْمِ فَيَصِحُّ دُخُولُ الْفَاءِ عَلَيْهَا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ كَمَا يُقَالُ لِمَنْ هُوَ فِي قَيْدِ ظَالِمٍ أَوْ حَبْسِ ذِي سُلْطَانٍ أَوْ ضِيقٍ أَوْ مَشَقَّةٍ إذَا ظَهَرَ آثَارُ الْفَرَجِ وَالْخَلَاصِ لَهُ أَبْشِرْ فَقَدْ أَتَاك الْغَوْثُ وَقَدْ نَجَوْت بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْغَوْثَ الَّذِي هُوَ عِلَّةُ الْإِبْشَارِ بَاقٍ بَعْدَ ابْتِدَاءِ الْإِبْشَارِ وَيُسَمَّى هَذِهِ الْفَاءُ فَاءَ التَّعْلِيلِ لِأَنَّهَا بِمَعْنَى لَامِ التَّعْلِيلِ وَالْإِبْشَارُ لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ يُقَالُ بَشَّرْته بِمَوْلُودٍ فَأَبْشَرَ أَيْ صَارَ فَرِحًا مَسْرُورًا بِهِ وَهَهُنَا بِمَعْنَى اللَّازِمِ وَالْمُرَادُ مِنْ الْغَوْثِ الْمُغِيثُ قَوْلُهُ (أَنَّهُ يَعْتِقُ لِلْحَالِ) لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْفَاءَ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ لِلتَّعْلِيلِ فَيَصِيرُ مَعْنَاهُ أَدِّ إلَيَّ أَلْفًا لِأَنَّك حُرٌّ فَلِذَلِكَ يَتَنَجَّزُ بِهِ الْعِتْقُ.
وَقَوْلُهُ وَلَمْ يُجْعَلْ بِمَعْنَى التَّعْلِيقِ كَأَنَّهُ أَضْمَرَ الشَّرْطَ جَوَابُ سُؤَالٍ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ هَلَّا جَعَلْت قَوْلَهُ أَدِّ إِلَيَّ أَلْفًا عِلَّةً وَقَوْلَك فَأَنْتَ حُرٌّ ثَابِتًا بِهِ كَمَا هُوَ حَقِيقَةُ الْفَاءِ وَالْأَدَاءُ صَالِحٌ لِإِضَافَةِ الْحُرِّيَّةِ إلَيْهِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ إنْ أَدَّيْت إلَيَّ أَلْفًا فَأَنْتَ حُرٌّ كَمَا فِي صُورَةِ الْوَاوِ فَقَالَ لِأَنَّا إنْ جَعَلْنَاهُ كَذَلِكَ احْتَجْنَا إلَى إضْمَارِ الشَّرْطِ وَالْإِضْمَارُ خِلَافُ الْأَصْلِ فَإِذَا صَحَّ الْكَلَامُ بِدُونِهِ لَا يُصَارُ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلَا يُقَالُ دُخُولُ الْفَاءِ عَلَى الْعِلَّةِ أَيْضًا خِلَافُ الْأَصْلِ لِأَنَّ مُوجَبَهُ التَّرْتِيبُ وَالْعِلَّةُ سَابِقَةٌ عَلَى الْحُكْمِ كَمَا بَيَّنَّا لِأَنَّا نَقُولُ فِيمَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ عَمَلٌ بِحَقِيقَةِ الْفَاءِ مِنْ وَجْهٍ لِأَنَّ الْعِلَّةَ لَمَّا كَانَتْ مُسْتَدَامَةً يَحْصُلُ التَّرْتِيبُ فَكَانَ أَوْلَى مِنْ الْإِضْمَارِ ثُمَّ رَجَعَ الشَّيْخُ إلَى أَصْلِ الْكَلَامِ فَقَالَ وَلِهَذَا قُلْنَا أَيْ وَلِأَنَّ الْفَاءَ لِلْعَطْفِ بِالصِّفَةِ الَّتِي ذُكِرَتْ.
قُلْنَا إذَا قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ دِرْهَمٌ فَدِرْهَمٌ إنَّهُ يَلْزَمُهُ دِرْهَمَانِ لِأَنَّ الْفَاءَ لِلْعَطْفِ وَمِنْ شَرْطِهِ الْمُغَايَرَةُ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الثَّانِي غَيْرَ الْأَوَّلِ عَمَلًا بِحَقِيقَةِ الْعَطْفِ لَكِنَّ التَّرْتِيبَ مِنْ لَوَازِمِ الْفَاءِ وَلَا يُمْكِنُ رِعَايَتُهُ هَهُنَا لِأَنَّ التَّرْتِيبَ الَّذِي نَحْنُ بِصَدَدِهِ هُوَ التَّقَدُّمُ وَالتَّأَخُّرُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ زَمَانًا وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ هَذَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالزَّمَانِ وَهُوَ الْفِعْلُ دُونَ الْعَيْنِ وَلِهَذَا لَا يُقَالُ هَذَا أَوَّلٌ وَهَذَا آخِرٌ وَإِنَّمَا يُقَالُ هَذَا ثَبَتَ أَوَّلًا أَوْ جَلَسَ أَوْ قَامَ أَوْ نَحْوُهُ وَالدَّرَاهِمُ فِي الذِّمَّةِ