الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إذْ الْعَقْدُ فَضْلٌ عَلَى الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَاتِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل: 14]، وَقَالَ تَعَالَى {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} [البقرة: 146] فَصَحَّ الِابْتِلَاءُ بِالْعَقْدِ كَمَا صَحَّ بِالْعَمَلِ بِالْبَدَنِ وَلِهَذَا جَوَّزْنَا الْقَوْلَ بِالنَّسْخِ قَبْلَ الْعَمَلِ، وَقَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْعَمَلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ حُجَّةٌ قُلْنَا: إنَّهُ مُنْقَسِمٌ وَهَذَا
(بَابُ تَقْسِيمِ الرَّاوِي الَّذِي جُعِلَ خَبَرُهُ حُجَّةً)
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ رضي الله عنه وَهُوَ ضَرْبَانِ مَعْرُوفٌ وَمَجْهُولٌ وَالْمَعْرُوفُ نَوْعَانِ مَنْ عُرِفَ بِالْفِقْهِ وَالتَّقَدُّمِ فِي الِاجْتِهَادِ وَمَنْ عُرِفَ بِالرِّوَايَةِ دُونَ الْفِقْهِ وَالْفُتْيَا وَأَمَّا الْمَجْهُولُ فَعَلَى وُجُوهٍ إمَّا أَنْ يَرْوِيَ عَنْهُ الثِّقَاتُ وَيَعْمَلُوا بِحَدِيثِهِ وَيَشْهَدُوا لَهُ بِصِحَّةِ حَدِيثِهِ وَيَسْكُتُوا عَنْ الطَّعْنِ فِيهِ أَوْ يُعَارِضُوهُ بِالطَّعْنِ وَالرَّدِّ أَوْ اُخْتُلِفَ فِيهِ أَوْ لَمْ يَظْهَرْ حَدِيثُهُ بَيْنَ السَّلَفِ فَصَارَ قِسْمُ الْمَجْهُولِ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ
ــ
[كشف الأسرار]
مِنْ حِلِّ الصَّلَاةِ مَا لَا يَثْبُتُ بِغُسْلِ عُضْوٍ وَاحِدٍ. وَيَثْبُتُ بِالطَّلْقَاتِ الثَّلَاثِ مَا لَا يَثْبُتُ بِطَلْقَةٍ فَعَرَفْنَا أَنَّ اعْتِبَارَ الِاجْتِمَاعِ بِحَالَةِ الِانْفِرَادِ وَعَكْسَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَأَنَّهُ يَحْدُثُ لِلْخَبَرِ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ مِنْ الْقُوَّةِ مَا لَا يَكُونُ لَهُ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالَةِ قَوْلُهُ (إذْ الْعَقْدُ) أَيْ اعْتِقَادُ الْقَلْبِ فَضْلٌ عَلَى الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ قَدْ يَكُونُ بِدُونِ عَقْدِ الْقَلْبِ كَعِلْمِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِحَقِّيَّةِ النَّبِيِّ عليه السلام مَعَ عَدَمِ اعْتِقَادِهِمْ حَقِّيَّتَهُ، وَكَعِلْمِنَا بِدَلَائِلِ الْخُصُومِ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْتَقِدَهَا وَعَلَى الْعَكْسِ، وَالْعَقْدُ قَدْ يَكُونُ بِدُونِ الْعِلْمِ أَيْضًا كَاعْتِقَادِ الْمُقَلِّدِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ جَازَ أَنْ يَكُونَ خَبَرُ الْوَاحِدِ مُوجِبًا لِلِاعْتِقَادِ الَّذِي هُوَ عَمَلُ الْقَلْبِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُوجِبًا لِلْعِلْمِ.
قَالَ أَبُو الْيُسْرِ: الْأَخْبَارُ الْوَارِدَةُ فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ مِنْ بَابِ الْعَمَلِ فَإِنَّ الْعَمَلَ نَوْعَانِ عَمَلُ الْجَوَارِحِ وَاعْتِقَادُ الْقَلْبِ فَالْعَمَلُ بِالْجَوَارِحِ إنْ تَعَذَّرَ لَمْ يَتَعَذَّرْ الْعَمَلُ بِالْقَلْبِ اعْتِقَادًا عَلَى أَنَّا إنَّمَا عَرَفْنَا عَذَابَ الْقَبْرِ بِدَلَالَاتِ النُّصُوصِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، وَإِشَارَاتِهَا لَا بِأَخْبَارِ الْآحَادِ. وَلِهَذَا أَيْ؛ وَلِأَنَّ الِابْتِلَاءَ بِعَقْدِ الْقَلْبِ يَصِحُّ بِدُونِ عَمَلِ الْبَدَنِ جَوَّزْنَا النَّسْخَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْعَمَلِ لِحُصُولِ الْفَائِدَةِ، وَهُوَ الِابْتِلَاءُ لِعَقْدِ الْقَلْبِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[بَابُ تَقْسِيمِ الرَّاوِي الَّذِي جُعِلَ خَبَرُهُ حُجَّةً]
[الرَّاوِي الْمَعْرُوفُ]
(بَابُ تَقْسِيمِ الرَّاوِي الَّذِي جُعِلَ خَبَرُهُ حُجَّةً) :
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ حُجَّةٌ فَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ خَبَرٍ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْقَبُولِ التَّصْدِيقُ، وَلَا بِالرَّدِّ التَّكْذِيبُ بَلْ يَجِبُ عَلَيْنَا قَبُولُ قَوْلِ الْعَدْلِ، وَرُبَّمَا يَكُونُ كَاذِبًا أَوْ غَالِطًا، وَلَا يَجُوزُ قَبُولُ قَوْلِ الْفَاسِقِ، وَرُبَّمَا يَكُونُ صَادِقًا بَلْ الْمَقْبُولُ مَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ وَالْمَرْدُودُ مَا لَا تَكْلِيفَ عَلَيْنَا فِي الْعَمَلِ بِهِ ثُمَّ لِلْقَبُولِ شَرَائِطُ بَعْضُهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَبَعْضُهَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَهَذَا الْبَابُ لِبَيَانِ بَعْضِ شَرَائِطِهِ؛ لِأَنَّ حَاصِلَهُ اشْتِرَاطُ كَوْنِ الرَّاوِي مَعْرُوفًا بِالرِّوَايَةِ وَالْعَدَالَةِ وَالضَّبْطِ وَالْفَقَاهَةِ لِقَبُولِ خَبَرِهِ مُطْلَقًا، مُوَافِقًا لِلْقِيَاسِ أَوْ مُخَالِفًا وَلَيْسَتْ الْفَقَاهَةُ فِيهِ شَرْطًا عِنْدَ الْبَعْضِ.
أَمَّا الْمَعْرُوفُونَ يَعْنِي بِالْفِقْهِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ مِثْلِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَوْلُهُ (وَحَدِيثُهُمْ حُجَّةٌ إنْ وَافَقَ الْقِيَاسَ أَوْ خَالَفَهُ) وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَأَئِمَّةِ الْحَدِيثِ فَإِنْ وَافَقَهُ تَأَيَّدَ بِهِ أَيْ قَوِيَ الْحَدِيثُ بِالْقِيَاسِ يَعْنِي يَكُونُ التَّمَسُّكُ بِالْحَدِيثِ لَا بِالْقِيَاسِ بَلْ يَكُونُ الْقِيَاسُ مُؤَيِّدًا لَهُ وَقَالَ مَالِكٌ رحمه الله فِيمَا يُحْكَى عَنْهُ: بَلْ الْقِيَاسُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْحَدِيثِ أَرَادَ أَنَّهُ لَمْ يُشْتَهَرْ هَذَا الْمَذْهَبُ عَنْهُ قَالَ صَاحِبُ الْقَوَاطِعِ وَقَدْ حُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ إذَا خَالَفَ الْقِيَاسَ لَا يُقْبَلُ وَهَذَا الْقَوْلُ بَاطِلٌ سَمْجٌ مُسْتَقْبَحٌ عَظِيمٌ، وَأَنَا أُجِلُّ مَنْزِلَةَ مَالِكٍ عَنْ مِثْلِ هَذَا الْقَوْلِ وَلَا يُدْرَى ثُبُوتُهُ مِنْهُ.
وَذَكَرَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ فِي الْمُعْتَمَدِ أَنَّ الْقِيَاسَ إذَا عَارَضَهُ خَبَرُ وَاحِدٍ فَإِنْ كَانَتْ عِلَّةُ الْقِيَاسِ مَنْصُوصَةً بِنَصٍّ قَطْعِيٍّ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ يَنْفِي مُوجِبَهَا، وَجَبَ الْعَمَلُ بِالْقِيَاسِ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ النَّصَّ عَلَى الْعِلَّةِ كَالنَّصِّ عَلَى حُكْمِهَا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَارِضَهَا خَبَرُ الْوَاحِدِ.
وَإِنْ كَانَتْ مَنْصُوصَةً بِنَصٍّ ظَنِّيٍّ يَتَحَقَّقُ الْمُعَارَضَةُ وَيَكُونُ الْعَمَلُ بِالْخَبَرِ أَوْلَى مِنْ الْقِيَاسِ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّهُ دَالٌّ عَلَى الْحُكْمِ بِصَرِيحِهِ وَالْخَبَرُ الدَّالُّ عَلَى الْعِلَّةِ يَدُلُّ عَلَى الْحُكْمِ بِوَاسِطَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ مُسْتَنْبَطَةً مِنْ أَصْلٍ ظَنِّيٍّ كَانَ الْأَخْذُ بِالْخَبَرِ أَوْلَى بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ الظَّنَّ وَالِاحْتِمَالَ كُلَّمَا كَانَ أَقَلَّ كَانَ أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ وَذَلِكَ فِي الْخَبَرِ، وَإِنْ كَانَتْ مُسْتَنْبَطَةً مِنْ أَصْلٍ قَطْعِيٍّ وَالْخَبَرُ الْمُعَارِضُ لِلْقِيَاسِ خَبَرُ وَاحِدٍ فَهُوَ مَوْضِعُ الْخِلَافِ
أَمَّا الْمَعْرُوفُونَ فَالْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَعَبْدُ اللَّهُ بْنُ عَمْرٍو وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَمُعَاذُ بْنُ جَبْلٍ وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَعَائِشَةُ رضي الله عنهم وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ اُشْتُهِرَ بِالْفِقْهِ وَالنَّظَرِ وَحَدِيثُهُمْ حُجَّةٌ إنْ وَافَقَ الْقِيَاسَ أَوْ خَالَفَهُ فَإِنْ وَافَقَهُ تَأَيَّدَ بِهِ، وَإِنْ خَالَفَهُ تُرِكَ الْقِيَاسُ بِهِ، وَقَالَ مَالِكٌ رحمه الله فِيمَا يُحْكَى عَنْهُ بَلْ الْقِيَاسُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ حُجَّةٌ بِإِجْمَاعِ السَّلَفِ وَفِي اتِّصَالِ هَذَا الْحَدِيثِ شُبْهَةٌ وَالْجَوَابُ أَنَّ الْخَبَرَ يَقِينٌ بِأَصْلِهِ؛ وَإِنَّمَا دَخَلَتْ الشُّبْهَةُ فِي نَقْلِهِ وَالرَّأْيُ مُحْتَمَلٌ بِأَصْلِهِ فِي كُلِّ وَصْفٍ عَلَى الْخُصُوصِ فَكَانَ الِاحْتِمَالُ فِي الرَّأْيِ أَصْلًا وَفِي الْحَدِيثِ عَارِضًا
ــ
[كشف الأسرار]
وَإِنْ كَانَ الْأُصُولِيُّونَ ذَكَرُوا الْخِلَافَ مُطْلَقًا.
فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ الْخَبَرُ رَاجِحٌ سَوَاءٌ كَانَ الرَّاوِي عَالِمًا فَقِيهًا أَوْ لَمْ يَكُنْ بَعْدُ إنْ كَانَ عَدْلًا ضَابِطًا وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ وَقَالَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ إنْ كَانَ الرَّاوِي عَدْلًا ضَابِطًا عَالِمًا وَجَبَ تَقْدِيمُ خَبَرِهِ عَلَى الْقِيَاسِ وَإِلَّا كَانَ مَوْضِعَ الِاجْتِهَادِ.
وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ رَجَّحَ الْقِيَاسَ عَلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ فَإِنَّهُ عَمِلَ بِالْقِيَاسِ فِي الصَّائِمِ إذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا وَلَمْ يَعْمَلْ بِالْخَبَرِ الْوَارِدِ فِيهِ وَاحْتَجَّ فِي ذَلِكَ بِأَنَّهُ قَدْ اُشْتُهِرَ مِنْ الصَّحَابَةِ الْأَخْذُ بِالْقِيَاسِ وَرَدُّ خَبَرِ الْوَاحِدِ فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمَّا سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنهم يَرْوِي «تَوَضَّئُوا مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ» قَالَ لَوْ تَوَضَّأْت بِمَاءٍ سُخْنٍ أَكُنْت تَتَوَضَّأُ مِنْهُ وَلَمَّا سَمِعَهُ يَرْوِي «مَنْ حَمَلَ جِنَازَةً فَلْيَتَوَضَّأْ» قَالَ أَيَلْزَمُنَا الْوُضُوءُ مِنْ حَمْلِ عِيدَانٍ يَابِسَةٍ وَرَدَّ عَلِيٌّ رضي الله عنه حَدِيثَ بِرْوَعَ بِالْقِيَاسِ وَرَدَّ عُمَرُ رضي الله عنه حَدِيثَ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ بِالْقِيَاسِ وَرَدَّ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَالشَّعْبِيُّ مَا يُرْوَى أَنَّ وَلَدَ الزِّنَا شَرُّ الثَّلَاثَةِ، وَقَالَ: لَوْ كَانَ وَلَدُ الزِّنَا شَرَّ الثَّلَاثَةِ لَمَا اُنْتُظِرَ بِأُمِّهِ أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا وَهَذَا نَوْعُ قِيَاسٍ وَبِأَنَّ الْقِيَاسَ حُجَّةٌ بِإِجْمَاعِ السَّلَفِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَفِي اتِّصَالِ خَبَرٍ إلَى النَّبِيِّ عليه السلام شُبْهَةٌ فَكَانَ الثَّابِتُ بِالْقِيَاسِ الَّذِي هُوَ ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ أَقْوَى مِنْ الثَّابِتِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَكَانَ الْعَمَلُ بِهِ أَوْلَى وَبِأَنَّ الْقِيَاسَ أَثْبَتُ مِنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ لِجَوَازِ السَّهْوِ وَالْكَذِبِ عَلَى الرَّاوِي، وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي الْقِيَاسِ وَبِأَنَّ الْقِيَاسَ لَا يَحْتَمِلُ تَخْصِيصًا وَالْخَبَرُ يَحْتَمِلُهُ فَكَانَ غَيْرُ الْمُحْتَمَلِ أَوْلَى مِنْ الْمُحْتَمَلِ وَاحْتَجَّ مَنْ قَدَّمَ خَبَرَ الْوَاحِدِ عَلَى الْقِيَاسِ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَتْرُكُونَ أَحْكَامَهُمْ بِالْقِيَاسِ إذَا سَمِعُوا خَبَرَ الْوَاحِدِ فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ رضي الله عنه نَقَضَ حُكْمًا حَكَمَ فِيهِ بِرَأْيِهِ لِحَدِيثٍ سَمِعَهُ مِنْ بِلَالٍ وَتَرَكَ عُمَرُ رضي الله عنه رَأْيَهُ فِي الْجَنِينِ وَفِي دِيَةِ الْأَصَابِعِ بِالْحَدِيثِ حَتَّى قَالَ كِدْنَا نَقْضِي فِيهِ بِرَأْيِنَا وَفِيهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ عليه السلام وَتَرَكَ رَأْيَهُ فِي عَدَمِ تَوْرِيثِ الْمَرْأَةِ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ وَتَرَكَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما رَأْيَهُ فِي الْمُزَارَعَةِ بِالْحَدِيثِ الَّذِي سَمِعَهُ مِنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وَنَقَضَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مَا حَكَمَ بِهِ مِنْ رَدِّ الْغَلَّةِ عَلَى الْبَائِعِ عِنْدَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ بِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ عليه السلام أَنَّ «الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ» وَفِي نَظَائِرِهِ كَثْرَةٌ.
وَأَمَّا مَا ذُكِرَ مِنْ رَدِّهِمْ خَبَرَ الْوَاحِدِ فَذَلِكَ لِأَسْبَابٍ عَارِضَةٍ لَا لِتَرْجِيحِهِمْ الْقِيَاسَ عَلَيْهِ وَبِأَنَّ الْخَبَرَ يَقِينٌ بِأَصْلِهِ؛ لِأَنَّهُ قَوْلُ الرَّسُولِ عليه السلام لَا احْتِمَالَ لِلْخَطَأِ فِيهِ؛ وَإِنَّمَا الشُّبْهَةُ فِي طَرِيقِهِ وَهُوَ النَّقْلُ؛ وَلِهَذَا لَوْ ارْتَفَعَتْ الشُّبْهَةُ كَانَ حُجَّةً قَطْعًا بِمَنْزِلَةِ الْمَسْمُوعِ مِنْهُ عليه السلام وَالرَّأْيُ مُحْتَمَلٌ بِأَصْلِهِ فِي كُلِّ وَصْفٍ أَيْ كُلِّ وَصْفٍ مِنْ أَوْصَافِ النَّصِّ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُؤَثِّرَ فِي الْحُكْمِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَكُونَ فَكَانَ الِاحْتِمَالُ الثَّابِتُ فِي الْأَصْلِ أَقْوَى مِنْ الِاحْتِمَالِ الثَّابِتِ فِي الطَّرِيقِ بَعْدَ التَّيَقُّنِ بِالْأَصْلِ فَكَانَ الْأَخْذُ بِمَا هُوَ أَضْعَفُ احْتِمَالًا وَهُوَ الْخَبَرُ أَوْلَى.
وَقَوْلُهُ فَكَانَ الِاحْتِمَالُ فِي الرَّأْيِ أَصْلًا يَعْنِي الْأَصْلَ فِي الرَّأْيِ الِاحْتِمَالُ وَعَدَمُ الْيَقِينِ؛ لِأَنَّ الْوُقُوفَ عَلَى الْوَصْفِ الَّذِي هُوَ مَنَاطُ الْحُكْمِ لَا يَتَحَقَّقُ بِطَرِيقِ التَّيَقُّنِ إلَّا بِالنَّصِّ أَوْ بِالْإِجْمَاعِ، وَذَلِكَ أَمْرٌ عَارِضٌ وَالْيَقِينُ فِي الْخَبَرِ أَصْلٌ؛ لِأَنَّهُ الْكَلَامُ الْمَسْمُوعُ مِنْ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ حُجَّةٌ بِلَا شُبْهَةٍ؛ وَإِنَّمَا تَحَقَّقَتْ الشُّبْهَةُ
وَلِأَنَّ الْوَصْفَ فِي النَّصِّ كَالْخَبَرِ، وَالرَّأْيُ وَالنَّظَرُ فِيهِ كَالسَّمَاعِ، وَالْقِيَاسُ عَمَلٌ بِهِ وَالْوَصْفُ سَاكِتٌ عَنْ الْبَيَانِ وَالْخَبَرُ بَيَانُ نَفْسِهِ فَكَانَ الْخَبَرُ فَوْقَ الْوَصْفِ فِي الْإِبَانَةِ، وَالسَّمَاعُ فَوْقَ الرَّأْيِ فِي الْإِصَابَةِ.
وَلِهَذَا قَدَّمْنَا خَبَرَ الْوَاحِدِ عَلَى التَّحَرِّي فِي الْقِبْلَةِ فَلَا يَجُوزُ التَّحَرِّي مَعَهُ، وَأَمَّا رِوَايَةُ مَنْ لَمْ يُعْرَفْ بِالْفِقْهِ وَلَكِنَّهُ مَعْرُوفٌ بِالْعَدَالَةِ وَالضَّبْطِ مِثْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنهما فَإِنْ وَافَقَ الْقِيَاسَ عُمِلَ بِهِ، وَإِنْ خَالَفَهُ لَمْ يُتْرَكْ إلَّا بِالضَّرُورَةِ وَانْسِدَادِ بَابِ الرَّأْيِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ ضَبْطَ حَدِيثِ النَّبِيِّ عليه السلام عَظِيمُ الْخَطَرِ وَقَدْ كَانَ النَّقْلُ بِالْمَعْنَى مُسْتَفِيضًا فِيهِمْ فَإِذَا قَصُرَ فِقْهُ الرَّاوِي عَنْ دَرْكِ مَعَانِي حَدِيثِ النَّبِيِّ عليه السلام وَإِحَاطَتِهَا لَمْ يُؤْمَنْ مِنْ أَنْ يَذْهَبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ مَعَانِيهِ بِنَقْلِهِ فَيَدْخُلُهُ شُبْهَةٌ زَائِدَةٌ يَخْلُو عَنْهَا الْقِيَاسُ فَيُحْتَاطُ فِي مِثْلِهِ
ــ
[كشف الأسرار]
بِعَارِضِ النَّقْلِ وَتَخَلُّلِ الْوَاسِطَةِ وَاحْتِمَالِ الْغَلَطِ وَالنِّسْيَانِ فَكَانَ الِاحْتِمَالُ فِيهِ عَارِضًا وَالِاحْتِمَالُ الْأَصْلِيُّ أَقْوَى مِنْ الِاحْتِمَالِ الْعَارِضِ فَلِهَذَا كَانَ الْعَمَلُ بِالْخَبَرِ أَوْلَى وَذَكَرَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ التَّمَسُّكَ بِالْخَبَرِ لَا يَتِمُّ إلَّا بِثَلَاثِ مُقَدِّمَاتٍ ثُبُوتِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَدَلَالَتِهِ عَلَى الْحُكْمِ وَوُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ وَالْأُولَى ظَنِّيَّةٌ وَالثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ يَقِينِيَّتَانِ فَأَمَّا التَّمَسُّكُ بِالْقِيَاسِ فَلَا يَتِمُّ إلَّا بِأَرْبَعِ مُقَدِّمَاتٍ أَوْ خَمْسٍ ثُبُوتِ حُكْمِ الْأَصْلِ.
وَكَوْنِهِ مُعَلَّلًا بِالْعِلَّةِ الْفُلَانِيَّةِ وَحُصُولِ تِلْكَ الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ وَعَدَمِ الْمَانِعِ فِي الْفَرْعِ عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُ تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ وَوُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ، وَالْأُولَى وَالْخَامِسَةُ يَقِينِيَّتَانِ، وَالْبَوَاقِي ظَنِّيَّةٌ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ الْعَمَلُ بِالْخَبَرِ أَقَلَّ ظَنًّا مِنْ الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ رَاجِحًا، قَوْلُهُ (وَلِأَنَّ الْوَصْفَ فِي النَّصِّ كَالْخَبَرِ) أَيْ الْوَصْفُ الَّذِي عَيَّنَهُ الْمُجْتَهِدُ لِتَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِهِ بِمَنْزِلَةِ الْخَبَرِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْحُكْمَ يُضَافُ إلَيْهِ كَالْخَبَرِ وَالنَّظَرُ فِيهِ أَيْ التَّأَمُّلُ وَالْوُقُوفُ عَلَى تَأْثِيرِهِ بِمَنْزِلَةِ سَمَاعِ الْخَبَرِ مِنْ الرَّاوِي وَالْقِيَاسُ عَمَلٌ بِهِ أَيْ تَعْدِيَةُ الْحُكْمِ بِوَسَاطَتِهِ إلَى الْفَرْعِ وَهُوَ الْعَمَلُ بِذَلِكَ الْوَصْفِ بِمَنْزِلَةِ الْعَمَلِ بِالْخَبَرِ.
وَالْوَصْفُ سَاكِتٌ عَنْ الْبَيَانِ أَيْ عَنْ إثْبَاتِ الْمُدَّعَى نَصًّا؛ لِأَنَّ الْقَايِسَ إنَّمَا جَعَلَهُ شَاهِدًا عَلَى الْحُكْمِ بِضَرْبِ إشَارَةٍ مِنْ الشَّرْعِ وَالْخَبَرُ بَيَانُ نَفْسِهِ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ نَاطِقٌ بِالْحُكْمِ فَكَانَ أَقْوَى مِنْ الْوَصْفِ فِي الْإِبَانَةِ أَيْ فِي إظْهَارِ الْحُكْمِ وَإِثْبَاتِهِ، وَالسَّمَاعُ فَوْقَ الرَّأْيِ فِي الْإِصَابَةِ إذْ لَا مَدْخَلَ لِلِاحْتِمَالِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ حِسًّا، وَالْغَلَطُ لَا يَجْرِي فِي الْمَحْسُوسَاتِ، وَلَا كَذَلِكَ الرَّأْيُ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُ الْقَوِيِّ بِالضَّعِيفِ وَأَمَّا مَا تَمَسّك الْخَصْمُ بِهِ مِنْ رَدِّ الصَّحَابَةِ الْخَبَرَ بِالْقِيَاسِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ رَدُّوهُ لِعَدَمِ فِقْهِ الرَّاوِي أَوْ لَمَعَانٍ عَارِضَةٍ ذَكَرْنَاهَا وَنَذْكُرُهَا أَيْضًا.
وَقَوْلُهُ بِأَنَّ الْقِيَاسَ حُجَّةٌ بِالْإِجْمَاعِ وَفِي اتِّصَالِ خَبَرِ الْوَاحِدِ شُبْهَةٌ فِي غَايَةِ السُّقُوطِ؛ لِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ حُجَّةٌ بِالْإِجْمَاعِ أَيْضًا وَالشُّبْهَةُ فِي الْقِيَاسِ أَكْثَرُ مِنْهَا فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ فَكَيْفَ يَكُونُ أَقْوَى مِنْهُ وَقَوْلُهُ لِاحْتِمَالِ الْكَذِبِ وَالسَّهْوِ مَدْخَلٌ فِي الْخَبَرِ دُونَ الْقِيَاسِ مُعَارَضٌ بِأَنَّ احْتِمَالَ كَوْنِ الْحُكْمِ غَيْرَ مُتَعَلِّقٍ بِالْوَصْفِ الْمُسْتَنْبَطِ ثَابِتٌ فِي الْقِيَاسِ دُونَ الْخَبَرِ وَقَوْلُهُ الْخَبَرُ مُحْتَمِلٌ لِلتَّخْصِيصِ، وَالْقِيَاسُ لَا يَحْتَمِلُهُ قُلْنَا: الْكَلَامُ فِي خَبَرٍ يَرِدُ وَيُخَالِفُهُ الْقِيَاسُ وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَا احْتِمَالَ، قَوْلُهُ (فَإِنْ وَافَقَ) أَيْ خَبَرُ مَنْ عُرِفَ بِالْعَدَالَةِ وَالضَّبْطِ دُونَ الْفِقْهِ الْقِيَاسَ عُمِلَ بِهِ أَيْ يَجِبُ الْعَمَلُ بِذَلِكَ الْخَبَرِ، وَإِنْ خَالَفَ الْقِيَاسَ لَمْ يُتْرَكْ الْخَبَرُ إلَّا بِالضَّرُورَةِ وَانْسِدَادِ بَابِ الرَّأْيِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ حَتَّى إذَا كَانَ مُوَافِقًا لِقِيَاسٍ مُخَالِفًا لِقِيَاسٍ آخَرَ لَمْ يُتْرَكْ الْحَدِيثُ بِخِلَافِ خَبَرِ الْمَجْهُولِ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ مُوَافِقًا لِقِيَاسٍ مُخَالِفًا لِآخَرَ جَازَ تَرْكُهُ وَالْعَمَلُ بِالْقِيَاسِ الْمُخَالِفِ كَذَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ فَوَائِدِ هَذَا الْكِتَابِ.
وَقَوْلُهُ وَانْسِدَادِ بَابِ الرَّأْيِ تَفْسِيرٌ لِلضَّرُورَةِ وَفِي قَوْلِهِ لَمْ يُتْرَكْ إلَّا بِالضَّرُورَةِ لُطْفٌ وَرِعَايَةُ أَدَبٍ كَمَا تَرَى وَوَجْهُ ذَلِكَ أَيْ وَجْهُ عَدَمِ الْقَبُولِ عِنْدَ انْسِدَادِ بَابِ الرَّأْيِ أَنَّ ضَبْطَ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَظِيمُ الْخَطَرِ؛ لِأَنَّهُ عليه السلام قَدْ أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ وَاخْتُصِرَ لَهُ اخْتِصَارًا كَمَا أَخْبَرَ عَنْ ذَلِكَ، وَالْوُقُوفُ عَلَى كُلِّ مَعْنًى ضَمَّنَهُ فِي كَلَامِهِ أَمْرٌ عَظِيمٌ؛ وَلِهَذَا قَلَّتْ رِوَايَةُ الْكِبَارِ مِنْ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم، أَلَا تَرَى إلَى مَا رُوِيَ عَنْ عَمْرُو بْنِ مَيْمُونَ أَنَّهُ قَالَ
وَإِنَّمَا نَعْنِي بِمَا قُلْنَا قُصُورًا عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ بِفِقْهِ الْحَدِيثِ فَأَمَّا الِازْدِرَاءُ بِهِمْ فَمَعَاذَ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ مُحَمَّدًا رحمه الله يَحْكِي عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّهُ احْتَجَّ بِمَذْهَبِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه وَقَلَّدَهُ فَمَا ظَنَّك فِي أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه حَتَّى أَنَّ الْمَذْهَبَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا رحمهم الله فِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُرَدُّ حَدِيثُ أَمْثَالِهِمْ إلَّا إذَا انْسَدَّ بَابُ الرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ إذَا انْسَدَّ صَارَ الْحَدِيثُ نَاسِخًا لِلْكِتَابِ وَالْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ وَمُعَارِضًا لِلْإِجْمَاعِ، وَذَلِكَ مِثْلُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه فِي الْمُصَرَّاةِ أَنَّهُ انْسَدَّ فِيهِ بَابُ الرَّأْيِ فَصَارَ نَاسِخًا لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمَعْرُوفَةِ مُعَارِضًا لِلْإِجْمَاعِ فِي ضَمَانِ الْعُدْوَانِ بِالْمِثْلِ وَالْقِيمَةِ دُونَ التَّمْرِ
ــ
[كشف الأسرار]
صَحِبْت ابْنَ مَسْعُودٍ رضي الله عنه سِنِينَ مَا سَمِعْتُهُ يَرْوِي حَدِيثًا إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً فَإِنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ عليه السلام ثُمَّ أَخَذَهُ الْبُهْرُ وَالْفَرَقُ وَجَعَلَتْ فَرَائِصُهُ تَرْتَعِدُ فَقَالَ نَحْوَ هَذَا أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ أَوْ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ عليه السلام يَقُولُ كَذَا وَقَدْ كَانَ نَقْلُ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى مُسْتَفِيضًا فِيهِمْ عَلَى مَا جَاءَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَخْبَارِ أَمَرَ النَّبِيُّ عليه السلام بِكَذَا وَنَهَى عَنْ كَذَا وَلَمَّا ظَهَرَ ذَلِكَ مِنْهُمْ اُحْتُمِلَ أَنَّ هَذَا الرَّاوِيَ نَقَلَ مَعْنَى كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِعِبَارَةٍ لَا تَنْتَظِمُ الْمَعَانِيَ الَّتِي انْتَظَمَهَا عِبَارَةُ الرَّسُولِ عليه السلام لِقُصُورِ فِقْهِهِ عَنْ دَرْكِهَا إذْ النَّقْلُ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِقَدْرِ فَهْمِ الْمَعْنَى فَيَدْخُلُ هَذَا الْخَبَرُ شُبْهَةٌ زَائِدَةٌ تَخْلُو عَنْهَا الْقِيَاسُ فَإِنَّ الشُّبْهَةَ فِي الْقِيَاسِ لَيْسَتْ إلَّا فِي الْوَصْفِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الْقِيَاسِ وَهَاهُنَا تَمَكَّنَتْ شُبْهَةٌ فِي مَتْنِ الْخَبَرِ بَعْدَمَا تَمَكَّنَتْ شُبْهَةٌ فِي الِاتِّصَالِ فَكَانَ فِيهِ شُبْهَتَانِ وَفِي الْقِيَاسِ شُبْهَةٌ وَاحِدَةٌ فَيُحْتَاطُ فِي مِثْلِ هَذَا الْخَبَرِ بِتَرْجِيحِ مَا هُوَ أَقَلُّ شُبْهَةً وَهُوَ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ؛
1 -
وَلِهَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا لَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي نَقْلُ عِبَارَةِ الشُّهُودِ إلَى عِبَارَةِ نَفْسِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ فَقِيهًا لِاحْتِمَالِ الزِّيَادَةِ فِي مَحَلِّ النُّقْصَانِ أَوْ النُّقْصَانِ فِي مَحَلِّ الزِّيَادَةِ.
ثُمَّ هَذَا الْكَلَامُ لَمَّا أَوْهَمَ أَنَّهُ ازْدَرَى بِبَعْضِ الصَّحَابَةِ وَطَعَنَ فِيهِمْ بِالْغَلَطِ وَعَدَمِ الْفَهْمِ كَمَا تَرَى اعْتَذَرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ؛ وَإِنَّمَا نَعْنِي بِمَا قُلْنَا مِنْ قُصُورِ فِقْهِ الرَّاوِي قُصُورًا عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ بِفِقْهِ الْحَدِيثِ أَيْ عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ بِمَا هُوَ فِقْهُ لَفْظِ النَّبِيِّ عليه السلام فَإِمَّا أَنْ نَعْنِيَ بِهِ الِازْدِرَاءَ أَيْ الِاسْتِخْفَافَ بِهِمْ فَمَعَاذَ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ فَإِنَّ مُحَمَّدًا حَكَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّهُ احْتَجَّ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِثْلِ تَقْدِيرِ الْحَيْضِ وَغَيْرِهِ بِمَذْهَبِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه مُقَلِّدًا لَهُ فَمَا ظَنُّك فِي أَبِي هُرَيْرَةَ مَعَ أَنَّهُ أَعْلَى دَرَجَةً فِي الْعِلْمِ مِنْ أَنَسٍ رضي الله عنهما لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الصُّحْبَةِ وَاخْتِصَاصِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِدُعَاءِ الرَّسُولِ عليه السلام لَهُ بِالْفَهْمِ وَنَفْثِهِ فِي رِدَائِهِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ «حَضَرْت مَجْلِسًا لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ مَنْ يَبْسُطُ مِنْكُمْ رِدَاءَهُ حَتَّى أُفِيضَ فِيهِ مَقَالَتِي فَيَضُمُّهَا إلَيْهِ ثُمَّ لَا يَنْسَاهَا فَبَسَطْت بُرْدَةً كَانَتْ عَلَيَّ فَأَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ عليه السلام فِيهَا مَقَالَتَهُ فَضَمَمْتُهَا إلَى صَدْرِي فَمَا نَسِيتُ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا» ؛ لِأَنَّهُ إذَا انْسَدَّ بَابُ الرَّأْيِ صَارَ الْحَدِيثُ نَاسِخًا يَعْنِي إذَا تَحَقَّقَتْ الضَّرُورَةُ بِانْسِدَادِ بَابِ الرَّأْيِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَجَبَ تَرْكُ الْخَبَرِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ عُمِلَ بِهِ وَتُرِكَ الْقِيَاسُ صَارَ الْحَدِيثُ مَعَ التَّوَهُّمِ الَّذِي ذَكَرْنَا نَاسِخًا لِلْكِتَابِ وَهُوَ، قَوْله تَعَالَى {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ} [الحشر: 2] فَإِنَّهُ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ وَالْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ وَهُوَ حَدِيثُ مُعَاذٍ وَغَيْرِهِ مُعَارِضًا لِلْإِجْمَاعِ فَإِنَّ الْأُمَّةَ أَجْمَعَتْ عَلَى كَوْنِ الْقِيَاسِ حُجَّةً عِنْدَ عَدَمِ دَلِيلٍ أَقْوَى مِنْهُ وَنُفَاة الْقِيَاسِ حَدَثُوا بَعْدَ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ فَلَا يُعْبَأُ بِخِلَافِهِمْ بِخِلَافِ خَبَرِ الْفَقِيهِ؛ لِأَنَّ التَّوَهُّمَ الْمَذْكُورَ لَمَّا انْقَطَعَ عَنْهُ كَانَ أَقْوَى مِنْ الْقِيَاسِ لِبَقَاءِ الشُّبْهَةِ فِي طَرِيقِهِ دُونَ أَصْلِهِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَقْدِيمِهِ عَلَيْهِ مُخَالَفَةُ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ؛ لِأَنَّهَا تُوجِبُ الْعَمَلَ بِهِ عِنْدَ عَدَمِ الْأَقْوَى فَأَمَّا عِنْدَ وُجُودِهِ فَتُوجِبُ الْعَمَلَ بِالْأَقْوَى وَتَرْكَ الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ فَلَا يَتَحَقَّقُ النَّسْخُ وَالْمُعَارَضَةُ.
وَإِنَّمَا قَالَ مُعَارِضًا؛ لِأَنَّهُ لَا نَسْخَ لِلْإِجْمَاعِ بِالْحَدِيثِ؛ وَإِنَّمَا يُنْسَخُ بِإِجْمَاعٍ آخَرَ مِثْلِهِ، قَوْلُهُ (وَذَلِكَ) أَيْ كَوْنُ الْحَدِيثِ نَاسِخًا عِنْدَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كشف الأسرار]
انْسِدَادِ بَابِ الرَّأْيِ، مِثْلُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ مِثَالُ مَا ذَكَرْنَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْمُصَرَّاةِ وَهُوَ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَة رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ «لَا تُصَرُّوا الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ فَمَنْ ابْتَاعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا إنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ» وَيُرْوَى بِأَحَدِ النَّظَرَيْنِ وَيُرْوَى «مَنْ اشْتَرَى شَاةً مُحَفَّلَةً فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» الْحَدِيثَ وَالتَّصْرِيَةُ فِي اللُّغَةِ الْجَمْعُ يُقَالُ صَرَيْت الْمَاءَ وَصَرَّيْتُهُ أَيْ جَمَعْتُهُ وَالْمُرَادُ بِهَا فِي الْحَدِيثِ جَمْعُ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ بِالشَّدِّ وَتَرْكُ الْحَلْبِ مُدَّةً لِيَتَخَيَّلَ الْمُشْتَرِي أَنَّهَا غَزِيرَةُ اللَّبَنِ وَالتَّحْفِيلُ بِمَعْنَاهَا أَيْضًا وَقَوْلُهُ بِأَحَدِ النَّظَرَيْنِ قِيلَ النَّظَرُ الْأَوَّلُ عِنْدَ الْحَلْبَةِ الْأُولَى وَالنَّظَرُ الْآخَرُ عِنْدَ الْحَلْبَةِ الْأُخْرَى، وَمَعْنَى قَوْلِهِ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ نَظَرُهُ لِنَفْسِهِ بِالِاخْتِيَارِ وَالْإِمْسَاكِ، وَنَظَرُهُ لِلْبَائِعِ بِالرَّدِّ وَالْفَسْخِ ثُمَّ الشَّافِعِيُّ رحمه الله جَعَلَ التَّصْرِيَةَ عَيْبًا حَتَّى كَانَ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ إذَا تَبَيَّنَ بَعْدَ الْحَلْبِ خِلَافَ مَا تَخَيَّلَهُ تَمَسُّكًا بِهَذَا الْحَدِيثِ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَإِذَا صَحَّ الْحَدِيثُ يُتْرَكُ الْقِيَاسُ بِمُقَابَلَتِهِ مَعَ أَنَّ الْحَدِيثَ مُوَافِقٌ لِلْأُصُولِ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ إنَّمَا يَثْبُتُ لِغُرُورٍ كَانَ مِنْ الْبَائِعِ، وَالْغُرُورُ يُثْبِتُ لِلْمُشْتَرِي حَقَّ الرُّجُوعِ كَمَا لَوْ اشْتَرَى صُبْرَةَ حِنْطَةٍ فَوَجَدَ فِي وَسَطِهَا دُكَّانًا أَوْ اشْتَرَى قُفَّةً مِنْ الثِّمَارِ فَوَجَدَ فِي أَسْفَلِهَا حَشِيشًا.
وَالْمَذْكُورُ فِي بَعْضِ كُتُبِهِمْ أَنَّ التَّغْرِيرَ الْفِعْلِيَّ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ الِالْتِزَامِ اللَّفْظِيِّ فَصَارَ كَمَا لَوْ شَرَطَ الْغَزَارَةَ، وَعِنْدَنَا التَّصْرِيَةُ لَيْسَتْ بِعَيْبٍ، وَلَا يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي وِلَايَةُ الرَّدِّ بِسَبَبِهَا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يَقْتَضِي سَلَامَةَ الْمَبِيعِ وَبِقِلَّةِ اللَّبَنِ لَا يَنْعَدِمُ صِفَةُ السَّلَامَةِ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ ثَمَرَةٌ وَبِعَدَمِهَا لَا تَنْعَدِمُ صِفَةُ السَّلَامَةِ فَبِقِلَّتِهَا أَوْلَى، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ الْخِيَارُ لِلْغُرُورِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ مُغْتَرٌّ لَا مَغْرُورٌ فَإِنَّهُ ظَنَّهَا غَزِيرَةَ اللَّبَنِ بِنَاءً عَلَى شَيْءٍ مُشْتَبَهٍ فَإِنَّ انْتِفَاخَ الضَّرْعِ قَدْ يَكُونُ بِكَثْرَةِ اللَّبَنِ وَقَدْ يَكُونُ بِالتَّحْفِيلِ وَهُوَ أَظْهَرُ عَلَى مَا عَلَيْهِ عَادَاتُ النَّاسِ فِي تَرْوِيجِ السِّلْعَةِ بِالْحِيَلِ فَيَكُونُ هُوَ مُغْتَرًّا فِي بِنَاءِ ظَنِّهِ عَلَى الْمُحْتَمَلِ وَالْمُحْتَمَلُ لَا يَكُونُ حُجَّةً.
فَأَمَّا الْحَدِيثُ فَمُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ فَكَانَ نَاسِخًا لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُوجِبَيْنِ لِلْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ مُعَارِضًا لِلْإِجْمَاعِ الْمُوجِبِ لِلْعَمَلِ بِهِ كَمَا ذَكَرْنَا فَيَكُونُ مَرْدُودًا؛ لِأَنَّ مِنْ أَحَادِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه إنَّمَا يُقْبَلُ مَا لَا يُخَالِفُ الْقِيَاسَ فَأَمَّا مَا خَالَفَهُ فَالْقِيَاسُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ كَذَا فِي الْأَسْرَارِ وَالْمَبْسُوطِ وَأَمَّا الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ سَوْقُ الْكَلَامِ فِي الْكِتَابِ فَهُوَ أَنَّ حَدِيثَ الْمُصَرَّاةِ وَرَدَ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ وَانْسَدَّ فِيهِ بَابُ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الْعُدْوَانِ فِيمَا لَهُ مِثْلٌ مُقَدَّرٌ بِالْمِثْلِ بِالْكِتَابِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194] .
وَفِيمَا لَا مِثْلَ لَهُ مُقَدَّرٌ بِالْقِيمَةِ بِالْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِ وَهُوَ، قَوْلُهُ عليه السلام «مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِي عَبْدٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ نَصِيبُ شَرِيكِهِ إنْ كَانَ مُوسِرًا» عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي بَابِ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ وَقَدْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ أَيْضًا عَلَى وُجُوبِ الْمِثْلِ أَوْ الْقِيمَةِ عِنْدَ فَوَاتِ الْعَيْنِ وَتَعَذُّرِ الرَّدِّ ثُمَّ اللَّبَنُ إنْ كَانَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ يُضْمَنُ بِالْمِثْلِ وَيَكُونُ الْقَوْلُ فِي بَيَانِ الْمِقْدَارِ قَوْلَ مَنْ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهَا يُضْمَنُ بِالْقِيمَةِ فَإِيجَابُ التَّمْرِ مَكَانَهُ يَكُونُ مُخَالِفًا لِلْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ فَيَكُونُ نَسْخًا وَمُعَارَضَةً كَمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ.
وَقَوْلُهُ فِي ضَمَانِ الْعُدْوَانِ مُتَعَلِّقٌ بِمَجْمُوعِ قَوْلِهِ صَارَ نَاسِخًا لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مُعَارِضًا لِلْإِجْمَاعِ أَيْ يَلْزَمُ مِنْ الْعَمَلِ بِهَذَا الْحَدِيثِ نَسْخُ الْكِتَابِ
وَفِي وُجُوهٍ أُخَرَ ذَكَرْنَاهَا فِي مَوْضِعِهَا.
ــ
[كشف الأسرار]
وَالسُّنَّةِ وَمُعَارَضَةُ الْإِجْمَاعِ فِي حَقِّ هَذَا الْحُكْمِ وَقَوْلُهُ وَفِي وُجُوهٍ أُخَرَ ذَكَرْنَاهَا فِي مَوْضِعِهَا عَطْفٌ عَلَيْهِ أَيْ صَارَ مُعَارِضًا لِلْإِجْمَاعِ فِي هَذَا الْوَجْهِ وَفِي وُجُوهٍ أُخَرَ وَهِيَ مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي بَعْضِ مُصَنَّفَاتِهِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَالْقَاضِي الْإِمَامُ فِي الْأَسْرَارِ أَنَّ حَدِيثَ الْمُصَرَّاةِ وَرَدَ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا أَنَّهُ أَوْجَبَ رَدَّ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ بِإِزَاءِ اللَّبَنِ وَاللَّبَنُ الَّذِي يُحْلَبُ بَعْدَ الشِّرَاءِ وَالْقَبْضِ لَا يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَى الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ فَرْعُ مِلْكِهِ الصَّحِيحِ فَلَا يُضْمَنُ بِالتَّعَدِّي لِعَدَمِ التَّعَدِّي.
وَلَا يُضْمَنُ بِالْعَقْدِ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الْعَقْدِ يَنْتَهِي بِالْقَبْضِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ اللَّبَنَ الَّذِي يَحْدُثُ بَعْدَ الْقَبْضِ فَكَذَلِكَ اللَّبَنُ الَّذِي كَانَ حِينَ الْعَقْدِ ثُمَّ حُلِبَ بَعْدَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ الَّذِي كَانَ عِنْدَ الْعَقْدِ لَمْ يَكُنْ مَالًا؛ لِأَنَّهُ بَاطِلٌ كَالْحَبَلِ؛ وَإِنَّمَا يَصِيرُ مَالًا بِالْحَلْبِ فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْعَقْدِ وَهُوَ فِي حُكْمِ مَا لَيْسَ بِمَالٍ فَيَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ الْحَادِثِ بَعْدَ الْقَبْضِ وَيَصِيرُ كَالْكَسْبِ وَلَئِنْ كَانَ مَالًا كَانَ صِفَةً لِلشَّاةِ فَيُعْتَبَرُ مَالًا تَبَعًا كَالصُّوفِ فَلَا يَكُونُ لَهُ حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ مَا لَمْ يُزَايِلْ الْأَصْلَ وَلَوْ زَالَ قَبْلَ الْقَبْضِ بِآفَةٍ لَمْ يَسْقُطْ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ نَقْدًا فَكَذَا إذَا قُبِضَ وَالْوَصْفُ مُتَّصِلٌ بِالْأَصْلِ لَا يَصِيرُ حِصَّةً مِنْ الثَّمَنِ، وَلَا يَصِيرُ مَضْمُونًا وَلَئِنْ جَازَ أَنْ يُقَابِلَهُ ضَمَانٌ فَهُوَ ضَمَانُ الْعَقْدِ يَنْبَغِي أَنْ يُسْقِطَ مِنْ الْبَائِعِ حِصَّتَهُ مِنْ الثَّمَنِ كَمَا لَوْ اشْتَرَى شَيْئَيْنِ ثُمَّ رَدَّ أَحَدَهُمَا وَلَئِنْ كَانَ ضَمَانَ التَّعَدِّي وَجَبَ أَنْ يَضْمَنَ مِثْلَ اللَّبَنِ كَيْلًا أَوْ دَرَاهِمَ كَمَا قُلْنَا أَمَّا الصَّاعُ مِنْ التَّمْرِ بِلَا تَقْوِيمٍ قَلَّ اللَّبَنُ أَوْ كَثُرَ فَلَا وَجْهَ لَهُ فِي الشَّرْعِ وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ ظَاهِرُهُ يَدُلُّ عَلَى تَوْقِيتِ خِيَارِ الْعَيْبِ وَهُوَ غَيْرُ مُوَقَّتٍ بِوَقْتٍ بِالْإِجْمَاعِ فَثَبَتَ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ فَوَجَبَ رَدُّهُ بِالْقِيَاسِ أَوْ حَمْلُهُ عَلَى تَأْوِيلٍ وَإِنْ بَعُدَ احْتِرَازًا عَنْ الرَّدِّ وَهُوَ أَنَّ الْخُصُومَةَ فِي شَاةٍ مُحَفَّلَةٍ فَنَدَبَ النَّبِيُّ عليه السلام الْبَائِعَ إلَى الِاسْتِرْدَادِ صُلْحًا لَا حُكْمًا فَأَبَى بِعِلَّةِ اللَّبَنِ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَزَادَ النَّبِيُّ عليه السلام بِذَلِكَ السَّبَبِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ فَقَبِلَ الْبَائِعُ الشَّاةَ وَالتَّمْرَ وَرَدَّ الثَّمَنَ صُلْحًا لَا حُكْمًا، وَكَانَ هَذَا شِرَاءً مُبْتَدَأً لَا حُكْمًا فَظَنَّ الرَّاوِي أَنَّهُ كَانَ حُكْمًا وَكَانُوا يَسْتَجِيزُونَ نَقْلَ الْخَبَرِ بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْمَعْنَى فَنَقَلَ عَلَى مَا ظَنَّ بِعِبَارَتِهِ فَإِنْ قِيلَ إنَّكُمْ حَمَلْتُمْ بِخَبَرِ الْقَهْقَهَةِ عَلَى مُخَالَفَةِ الْقِيَاسِ مَعَ أَنَّ رَاوِيَهُ مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ وَأَنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ بِالْفِقْهِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ فَخَبَرُ الْمُصَرَّاةِ أَوْلَى بِالْقَبُولِ وَالْعَمَلُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتُ مَتْنًا وَأَقْوَى سَنَدًا وَرَاوِيهِ وَهُوَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَعْلَى رُتْبَةً فِي الْعِلْمِ مِنْ مَعْبَدٍ.
قُلْنَا: قَدْ رَوَى خَبَرَ الْقَهْقَهَةِ كَثِيرٌ مِنْ الصَّحَابَةِ مِثْلُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَجَابِرٍ وَأَنَسٍ وَعِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ وَعَمِلَ بِهِ كُبَرَاءُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مِثْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَالْحَسَنِ وَإِبْرَاهِيمَ وَمَكْحُولٍ فَلِذَلِكَ وَجَبَ قَبُولُهُ وَتَقْدِيمُهُ عَلَى الْقِيَاسِ إلَيْهِ أُشِيرَ فِي الْأَسْرَارِ.
وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو الْفَضْلِ الْكَرْمَانِيُّ فِي إشَارَاتِ الْأَسْرَارِ أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ شَنَّعَ عَلَيْنَا وَنَسَبَ أَصْحَابَنَا إلَى الطَّعْنِ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَمْثَالِهِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ سُلُوكًا لِلْمُعَانَدَةِ؛ لِأَنَّا إنَّمَا نَتَّبِعُ الصَّحَابَةَ فَنَقُولُ: لَا إشْكَالَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ مِنْ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم وَكَانَا مُقَدَّمَيْنِ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْفِقْهِ وَالْفَتْوَى وَكَانَا لَا يَرَيَانِ تَرْكَ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ بِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَإِنَّهُ رَوَى أَنَّ الْوُضُوءَ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ فَرَدَّ عَلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ بِالْقِيَاسِ وَلَمْ يَشْتَغِلْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كشف الأسرار]
بِالسُّنَّةِ وَكَذَا عَائِشَةُ وَعَلِيٌّ رضي الله عنهم فَاتَّبَعْنَا الصَّحَابَةَ فِي تَرْكِ رِوَايَتِهِ بِالْقِيَاسِ وَلَكِنَّا لَا نَظُنّ بِهِ وَبِجَمِيعِ الصَّحَابَةِ إلَّا الصِّدْقَ وَاعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرْنَا مِنْ اشْتِرَاطِ فِقْهِ الرَّاوِي لِتَقْدِيمِ خَبَرِهِ عَلَى الْقِيَاسِ مَذْهَبُ عِيسَى بْنِ أَبَانَ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ وَخَرَّجَ عَلَيْهِ حَدِيثَ الْمُصَرَّاةِ وَخَبَرَ الْعَرَايَا وَتَابَعَهُ أَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ.
فَأَمَّا عِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ وَمَنْ تَابَعَهُ مِنْ أَصْحَابِنَا فَلَيْسَ فِقْهُ الرَّاوِي بِشَرْطٍ لِتَقْدِيمِ خَبَرِهِ عَلَى الْقِيَاسِ بَلْ يُقْبَلُ خَبَرُ كُلِّ عَدْلٍ ضَابِطٍ إذَا لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ وَيُقَدَّمُ عَلَى الْقِيَاسِ قَالَ أَبُو الْيُسْرِ وَإِلَيْهِ مَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّ التَّغْيِيرَ مِنْ الرَّاوِي بَعْدَ ثُبُوتِ عَدَالَتِهِ وَضَبْطِهِ مَوْهُومٌ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَرْوِي كَمَا سَمِعَ وَلَوْ غَيَّرَ لَغَيَّرَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَغَيَّرُ الْمَعْنَى هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ أَحْوَالِ الصَّحَابَةِ وَالرُّوَاةِ الْعُدُولِ؛ لِأَنَّ الْأَخْبَارَ وَرَدَّتْ بِلِسَانِهِمْ فَعِلْمُهُمْ بِاللِّسَانِ يَمْنَعُ مِنْ غَفْلَتِهِمْ عَنْ الْمَعْنَى وَعَدَمِ وُقُوفِهِمْ عَلَيْهِ وَعَدَالَتُهُمْ وَتَقْوَاهُمْ تَدْفَعُ تُهْمَةَ التَّزَايُدِ عَلَيْهِ وَالنُّقْصَانِ عَنْهُ قَالَ: وَلِأَنَّ الْقِيَاسَ الصَّحِيحَ هُوَ الَّذِي يُوجِبُ وَهْنًا فِي رِوَايَتِهِ، وَالْوُقُوفُ عَلَى الْقِيَاسِ الصَّحِيحِ مُتَعَذِّرٌ فَيَجِبُ الْقَبُولُ كَيْ لَا يَتَوَقَّفَ الْعَمَلُ بِالْأَخْبَارِ.
وَاسْتَدَلَّ غَيْرُهُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ بِأَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه قَبِلَ حَدِيثَ حَمَلِ بْنِ مَالِكٍ فِي الْجَنِينِ وَقَضَى بِهِ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ الْجَنِينَ إنْ كَانَ حَيًّا وَجَبَتْ الدِّيَةُ كَامِلَةً، وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا لَا يَجِبُ فِيهِ شَيْءٌ؛ وَلِهَذَا قَالَ كِدْنَا أَنْ نَقْضِيَ فِيهِ بِرَأْيِنَا وَفِيهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَبِلَ أَيْضًا خَبَرَ الضَّحَّاكِ فِي تَوْرِيثِ الْمَرْأَةِ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا وَكَانَ الْقِيَاسُ خِلَافَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمِيرَاثَ إنَّمَا يَثْبُتُ فِيمَا كَانَ يَمْلِكُهُ الْمُوَرِّثُ قَبْلَ الْمَوْتِ وَالزَّوْجُ لَا يَمْلِكُ الدِّيَةَ قَبْلَ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُمَا لَمْ يَكُونَا مِنْ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ وَلَهُ شَوَاهِدُ كَثِيرَةٌ وَلَمْ يُنْقَلْ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ أَصْحَابِنَا أَيْضًا بَلْ الْمَنْقُولُ عَنْهُمْ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْقِيَاسِ وَلَمْ يُنْقَلْ التَّفْضِيلُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ عَمِلُوا بِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه فِي الصَّائِمِ إذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ حَتَّى قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله لَوْلَا الرِّوَايَةُ لَقُلْتُ بِالْقِيَاسِ وَنُقِلَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله فِي بَعْضِ أَمَالِيهِ أَنَّهُ أَخَذَ لِحَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ وَأَثْبَتَ الْخِيَارَ لِلْمُشْتَرِي.
وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّهُ قَالَ مَا جَاءَنَا عَنْ اللَّهِ وَعَنْ رَسُولِهِ فَعَلَى الرَّأْسِ وَالْعَيْنِ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ اشْتِرَاطُ الْفِقْهِ فِي الرَّاوِي فَثَبَتَ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مُسْتَحْدَثٌ وَأَجَابَ عَنْ حَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ وَالْعَرِيَّةِ وَأَشْبَاهِهِمَا فَقَالَ: إنَّمَا تَرَكَ أَصْحَابُنَا الْعَمَلَ بِهَا لِمُخَالَفَتِهَا الْكِتَابَ أَوْ السُّنَّةَ الْمَشْهُورَة لَا لِفَوَاتِ فِقْهِ الرَّاوِي وَأَنَّ حَدِيثَ الْمُصَرَّاةِ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَمَا بَيَّنَّا وَحَدِيثُ الْعَرِيَّةِ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ وَهِيَ، قَوْلُهُ عليه السلام «وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلٌ بِمِثْلٍ كَيْلٌ بِكَيْلٍ» عَلَى أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه لَمْ يَكُنْ فَقِيهًا بَلْ كَانَ فَقِيهًا وَلَمْ يَعْدَمْ شَيْئًا مِنْ أَسْبَابِ الِاجْتِهَادِ وَقَدْ كَانَ يُفْتِي فِي زَمَانِ الصَّحَابَةِ وَمَا كَانَ يُفْتِي فِي ذَلِكَ الزَّمَانَ إلَّا فَقِيهٌ مُجْتَهِدٌ وَكَانَ مِنْ عِلْيَةِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَرَضِيَ عَنْهُمْ وَقَدْ دَعَا النَّبِيُّ عليه السلام لَهُ بِالْحِفْظِ فَاسْتَجَابَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ فِيهِ حَتَّى انْتَشَرَ فِي الْعَالَمِ ذِكْرُهُ وَحَدِيثُهُ وَقَالَ إِسْحَاقُ الْحَنْظَلِيُّ ثَبَتَ عِنْدَنَا فِي الْأَحْكَامِ ثَلَاثَةُ آلَافٍ مِنْ الْأَحَادِيثِ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مِنْهَا أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ رَوَى عَنْهُ سَبْعُمِائَةِ نَفَرٍ مِنْ أَوْلَادِ الْمُهَاجِرِينَ