الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بَابُ بَيَانِ شَرَائِطِ الرَّاوِي)
الَّتِي هِيَ مِنْ صِفَاتِ الرَّاوِي وَهِيَ أَرْبَعَةٌ الْعَقْلُ وَالضَّبْطُ وَالْإِسْلَامُ وَالْعَدَالَةُ أَمَّا الْعَقْلُ فَهُوَ شَرْطٌ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَلَامِ مَا يُسَمَّى كَلَامًا صُورَةً وَمَعْنًى وَمَعْنَى الْكَلَامِ لَا يُوجَدُ إلَّا بِالتَّمْيِيزِ وَالْعَقْلِ؛ لِأَنَّهُ وُضِعَ لِلْبَيَانِ، وَلَا يَقَعُ الْبَيَانُ بِمُجَرَّدِ الصَّوْتِ وَالْحُرُوفِ بِلَا مَعْنَى وَلَا يُوجَدُ مَعْنَاهُ إلَّا بِالْعَقْلِ وَكُلُّ مَوْجُودٍ مِنْ الْحَوَادِثِ فَبِصُورَتِهِ وَمَعْنَاهُ يَكُونُ فَلِذَلِكَ كَانَ الْعَقْلُ شَرْطًا لِيَصِيرَ الْكَلَامَ مَوْجُودًا، وَأَمَّا الضَّبْطُ فَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ إذَا صَحَّ خَبَرًا فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ، وَالْحُجَّةُ هُوَ الصِّدْقُ فَأَمَّا الْكَذِبُ فَبَاطِلٌ وَالْكَلَامُ فِي خَبَرٍ هُوَ حُجَّةٌ فَصَارَ الصِّدْقُ وَالِاسْتِقَامَةُ شَرْطًا لِلْخَبَرِ لِيَثْبُتَ حُجَّةً بِمَنْزِلَةِ الْمَعْرِفَةِ وَالتَّمْيِيزِ لِأَصْلِ الْكَلَامِ، وَالصِّدْقُ بِالضَّبْطِ يَحْصُلُ فَأَمَّا الْعَدَالَةُ فَإِنَّمَا شُرِطَتْ؛ لِأَنَّ كَلَامَنَا فِي خَبَرِ مُخْبِرٍ غَيْرِ مَعْصُومٍ عَنْ الْكَذِبِ فَلَا يَثْبُتُ صِدْقُهُ ضَرُورَةً بَلْ بِالِاسْتِدْلَالِ وَالِاحْتِمَالِ وَذَلِكَ بِالْعَدَالَةِ وَهُوَ الِانْزِجَارُ عَنْ مَحْظُورَاتِ دِينِهِ لِيَثْبُتَ بِهِ رُجْحَانُ الصِّدْقِ فِي خَبَرِهِ وَأَمَّا الْإِسْلَامُ فَلَيْسَ بِشَرْطٍ لِثُبُوتِ الصِّدْقِ؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ لَا يُنَافِي الصِّدْقَ وَلَكِنْ الْكُفْرُ فِي هَذَا الْبَابِ يُوجِبُ شُبْهَةً يَجِبُ بِهَا رَدُّ الْخَبَرِ؛ لِأَنَّ الْبَابَ بَابُ الدِّينِ، وَالْكَافِرُ سَاعٍ لِمَا يَهْدِمُ الدِّينَ الْحَقَّ فَيَصِيرُ مُتَّهَمًا فِي بَابِ الدِّينِ فَثَبَتَ بِالْكُفْرِ تُهْمَةٌ زَائِدَةٌ لَا نُقْصَانُ حَالٍ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ فِيمَا يَشْهَدُ لِوَلَدِهِ؛ وَلِهَذَا لَمْ يُقْبَلْ شَهَادَةُ الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ لِمَا قُلْنَا: مِنْ الْعَدَاوَةِ وَلِانْقِطَاعِ الْوَلَايَةُ.
ــ
[كشف الأسرار]
[بَابُ بَيَانِ شَرَائِطِ الرَّاوِي]
(بَابُ بَيَانِ شَرَائِطِ الرَّاوِي الَّتِي هِيَ مِنْ صِفَاتِ الرَّاوِي) مَا ذُكِرَ فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مَعْرُوفًا أَوْ مَجْهُولًا لَيْسَ بِصِفَةٍ لَهُ حَقِيقَةً، وَإِنْ كَانَ لَهُ تَعَلُّقٌ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ أَوْ الْجَهْلَ لَيْسَ بِقَائِمٍ بِهِ بَلْ يَقُومُ بِغَيْرِهِ كَالْعِلْمِ لَا يَقُومُ بِالْمَعْلُومِ بَلْ بِالْعَالِمِ فَأَمَّا الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ الْعَقْلِ وَالضَّبْطِ وَالْإِسْلَامِ وَالْعَدَالَةِ فَقَائِمٌ بِالرَّاوِي وَصِفَةٌ لَهُ فَلِهَذَا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ مِنْ صِفَاتِ الرَّاوِي، قَوْلُهُ (لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَلَامِ) كَذَا يَعْنِي الْخَبَرُ الَّذِي يَرْوِيهِ كَلَامٌ لَا مَحَالَةَ وَالْكَلَامُ فِي الْعُرْفِ مَالَهُ صُورَةٌ وَهِيَ أَنْ يُنَظَّمَ مِنْ حُرُوفٍ مُهَجَّاةٍ وَمَعْنًى وَهُوَ أَنْ يَدُلَّ عَلَى مَدْلُولِهِ وَالدَّلَالَةُ عَلَى مَعْنًى لَا تُوجَدُ بِدُونِ الْعَقْلِ؛ لِأَنَّهُ أَيْ الْكَلَامُ وُضِعَ لِلْبَيَانِ أَيْ لِإِظْهَارِ الْمَعْنَى الَّذِي وَقَعَ فِي الْقَلْبِ، وَلَا يَحْصُلُ الْبَيَانُ بِمُجَرَّدِ الصَّوْتِ وَالْحُرُوفِ بِلَا مَعْنًى، وَلَا يُوجَدُ الْمَعْنَى بِدُونِ الْعَقْلِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَدْ يُسْمَعُ مِنْ الطُّيُورِ حُرُوفٌ مَنْظُومَةٌ وَيُسَمَّى ذَلِكَ لَحْنًا لَا كَلَامًا لِعَدَمِ صُدُورِهَا عَنْ عَقْلٍ وَتَمْيِيزٍ؛ وَلِهَذَا لَا يَجِبُ سُجُودُ التِّلَاوَةِ بِقِرَاءَةِ الْبَبَّغَاءِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْمُحَقِّقِينَ لِعَدَمِ صُدُورِهَا عَنْ عَقْلٍ وَتَمْيِيزٍ وَكَذَلِكَ لَوْ سُمِعَ مِنْ إنْسَانٍ حُرُوفٌ مَنْظُومَةٌ لَا تَدُلُّ عَلَى مَعْنًى مَعْلُومٍ لَا تُسَمَّى كَلَامًا فَعَرَفْنَا أَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ فِي الشَّاهِدِ مَا يَكُونُ مُمَيِّزًا بَيْنَ أَسْمَاءِ الْأَعْلَامِ فَمَا لَا يَكُونُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ يَكُونُ كَلَامًا صُورَةً لَا مَعْنًى بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ صُنِعَ مِنْ خَشَبٍ صُورَةُ آدَمِيٍّ لَا يَكُونُ آدَمِيًّا لِعَدَمِ مَعْنَاهُ فِيهَا، ثُمَّ التَّمْيِيزُ الَّذِي يَتِمُّ بِهِ الْكَلَامُ بِصُورَتِهِ وَمَعْنَاهُ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ وُجُودِ الْعَقْلِ فَلِذَلِكَ شَرَطْنَاهُ فِي الْمُخْبِرِ لِيَصِيرَ خَبَرُهُ كَلَامًا بِمَنْزِلَةِ الْمَعْرِفَةِ وَالتَّمْيِيزِ لِأَصْلِ الْكَلَامِ يَعْنِي لَا بُدَّ لِأَصْلِ الْكَلَامِ عَنْ أَنْ يَصْدُرَ عَنْ مَعْرِفَةٍ أَيْ عَنْ عَقْلٍ وَتَمْيِيزٍ لِيَقَعَ صَحِيحًا هَكَذَا لَا بُدَّ لِهَذَا النَّوْعِ مِنْهُ وَهُوَ الْخَبَرُ عَنْ أَنْ يَصْدُرَ عَنْ ضَبْطٍ لِيَكُونَ مُحْتَمَلًا لِلصِّدْقِ؛ لِأَنَّ الْمَرْءَ بِدُونِ الضَّبْطِ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ التَّكَلُّمِ صَادِقًا وَبِالضَّبْطِ يَتَمَكَّنُ مِنْهُ.
ثُمَّ الضَّابِطُ قَدْ يَكْذِبُ وَقَدْ يَصْدُقُ؛ لِأَنَّ كَلَامَنَا فِي خَبَرِ مُخْبِرٍ غَيْرِ مَعْصُومٍ فَلَا يَثْبُتُ صِدْقُهُ فِي خَبَرِهِ ضَرُورَةً أَيْ لَا يَكُونُ جِهَةُ الصِّدْقِ مُتَعَيِّنَةً فِي خَبَرِهِ بِطَرِيقِ الضَّرُورَةِ كَمَا فِي خَبَرِ الرَّسُولِ بَلْ بِالِاسْتِدْلَالِ وَالِاحْتِمَالِ أَوْ بَلْ يَثْبُتُ الصِّدْقُ فِي خَبَرِهِ بِالِاسْتِدْلَالِ وَذَلِكَ بِالْعَدَالَةِ وَالِانْزِجَارِ أَيْ الِامْتِنَاعِ عَنْ مَحْظُورَاتِ دِينِهِ لِيَثْبُتَ بِهِ أَيْ بِالِانْزِجَارِ عَنْ الْمَحْظُورَاتِ رُجْحَانُ الصِّدْقِ فِي خَبَرِهِ؛ لِأَنَّ الْكَذِبَ مَحْظُورُ دِينِهِ فَيُسْتَدَلُّ بِانْزِجَارِهِ عَنْ سَائِرِ مَا يَعْتَقِدُهُ مَحْظُورًا عَلَى انْزِجَارِهِ عَنْ الْكَذِبِ الَّذِي يَعْتَقِدُهُ مَحْظُورًا أَوْ لَمَّا كَانَ مُنْزَجِرًا عَنْ الْكَذِبِ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا كَانَ ذَلِكَ دَلِيلَ انْزِجَارِهِ عَنْ الْكَذِبِ فِي أُمُورِ الدِّينِ وَأَحْكَامِ الشَّرْعِ بِالطَّرِيقِ أَوْلَى وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَدْلًا فِي تَعَاطِيهِ فَاعْتِبَارُ جَانِبِ اعْتِقَادِهِ، وَإِنْ دَلَّ عَلَى الصِّدْقِ فِي خَبَرِهِ فَاعْتِبَارُ جَانِبِ تَعَاطِيهِ يُرَجِّحُ مَعْنَى الْكَذِبِ فِي خَبَرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَالِ مِنْ ارْتِكَابِ سَائِرِ الْمَحْظُورَاتِ مَعَ اعْتِقَادِ حُرْمَتِهَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُبَالِي مِنْ الْكَذِبِ مَعَ اعْتِقَادِ حُرْمَتِهِ أَيْضًا فَيَقَعُ الْمُعَارَضَةُ وَيَجِبُ التَّوَقُّفُ لِلْعَمَلِ شَرْعًا فَعَرَفْنَا أَنَّ الْعَدَالَةَ فِي الرَّاوِي شَرْطٌ لِكَوْنِ خَبَرِهِ حُجَّةً، قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْإِسْلَامُ) فَكَذَا ذَكَرَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ اشْتِرَاطَ الْإِسْلَامِ فِي الرَّاوِي بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْكُفْرَ أَعْظَمُ أَنْوَاعِ الْفِسْقِ، وَالْفَاسِقُ غَيْرُ مَقْبُولِ الرِّوَايَةِ فَالْكَافِرُ أَوْلَى بِأَنْ لَا يُوثَقَ بِهِ فَشُرِطَ الْإِسْلَامُ لِتَرَجُّحِ الصِّدْقِ كَمَا شُرِطَتْ الْعَدَالَةُ وَالضَّبْطُ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كشف الأسرار]
فَأَشَارَ الشَّيْخُ إلَى ضَعْفِ هَذَا الدَّلِيلِ وَقَالَ لَيْسَ الْإِسْلَامُ بِشَرْطٍ لِثُبُوتِ الصِّدْقِ إذْ الْكُفْرُ لَا يُنَافِي الصِّدْقَ؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ إذَا كَانَ مُتَرَهِّبًا عَدْلًا فِي دِينِهِ مُعْتَقِدًا لِحُرْمَةِ الْكَذِبِ تَقَعُ الثِّقَةُ بِخَبَرِهِ كَمَا لَوْ أَخْبَرَ عَنْ أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا بِخِلَافِ الْفَاسِقِ فَإِنَّ جُرْأَتَهُ عَلَى فِعْلِ الْمُحَرَّمَاتِ مَعَ اعْتِقَادِ تَحْرِيمِهَا تُزِيلُ الثِّقَةَ عَنْ خَبَرِهِ وَلَكِنَّ اشْتِرَاطَ الْإِسْلَامِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْكُفْرَ يُورِثُ تُهْمَةً زَائِدَةً فِي خَبَرِهِ يَدُلُّ عَلَى كَذِبِهِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْأَخْبَارِ الَّتِي تَثْبُتُ بِهَا أَحْكَامُ الشَّرْعِ وَهُمْ يُعَادُونَنَا فِي الدِّينِ أَشَدَّ الْعَدَاوَةِ فَتَحْمِلُهُمْ الْمُعَادَاةُ عَلَى السَّعْيِ فِي هَدْمِ أَرْكَانِ الدِّينِ بِإِدْخَالِ مَا لَيْسَ مِنْهُ فِيهِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ {لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالا} [آل عمران: 118] أَيْ لَا يُقَصِّرُونَ فِي الْإِفْسَادِ عَلَيْكُمْ وَقَدْ ظَهَرَ مِنْهُمْ هَذَا بِطَرِيقِ الْكِتْمَانِ فَإِنَّهُمْ كَتَمُوا نَعْتَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَثُبُوتَهُ مِنْ كِتَابِهِمْ بَعْدَمَا أُخِذَ عَلَيْهِمْ الْمِيثَاقُ بِإِظْهَارِ ذَلِكَ فَلَا يُؤْمَنُ مِنْ أَنْ يَقْصِدُوا مِثْلَ ذَلِكَ بِزِيَادَةٍ هِيَ كَذِبٌ لَا أَصْلَ لَهُ بِطَرِيقِ الرِّوَايَةِ بَلْ هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ فَلِهَذَا شَرَطْنَا الْإِسْلَامَ فِي الرَّاوِي فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ رَدَّ خَبَرَ الْكَافِرِ لَيْسَ لِعَيْنِ الْكُفْرِ بَلْ لِمَعْنًى زَائِدٍ: تَمَكُّنُ تُهْمَةُ الْكَذِبِ فِي خَبَرِهِ وَهُوَ الْمُعَادَاةُ بِمَنْزِلَةِ شَهَادَةِ الْأَبِ لِوَلَدِهِ فَإِنَّهَا لَا تُقْبَلُ لِمَعْنًى زَائِدٍ: تَمَكُّنُ تُهْمَةُ الْكَذِبِ فِي شَهَادَتِهِ وَهُوَ الشَّفَقَةُ وَالْمَيْلُ إلَى الْوَلَدِ طَبْعًا وَذَكَرَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ الِاعْتِمَادَ فِي رَدِّ رِوَايَةِ الْكَافِرِ عَلَى الْإِجْمَاعِ الْمُنْعَقِدِ عَلَى سَلْبِ أَهْلِيَّةِ هَذَا الْمَنْصِبِ فِي الدِّينِ عَنْ الْكَافِرِ لِخِسَّتِهِ.
وَإِنْ كَانَ عَدْلًا فِي دِينِ نَفْسِهِ؛ وَلِهَذَا أَيْ وَلِثُبُوتِ التُّهْمَةِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَةُ الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّ الْعَدَاوَةَ رُبَّمَا تَحْمِلُهُمْ عَلَى الْقَصْدِ إلَى الْإِضْرَارِ بِالْمُسْلِمِ بِشَهَادَةِ الزُّورِ كَمَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ ذِي الضَّغَنِ لِظُهُورِ عَدَاوَتِهِ بِسَبَبٍ بَاطِلٍ وَقَبِلْنَا شَهَادَةَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ لِانْتِفَاءِ هَذِهِ التُّهْمَةِ فِيمَا بَيْنَهُمْ ثُمَّ أَشَارَ إلَى مَعْنًى آخَرَ لِرَدِّ شَهَادَتِهِ بِقَوْلِهِ وَلِانْقِطَاعِ الْوِلَايَةِ يَعْنِي لَوْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ التُّهْمَةُ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ بَابِ الْوِلَايَةِ وَانْقَطَعَتْ وِلَايَةُ الْكَافِرِ عَنْ الْمُسْلِمِ شَرْعًا بِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا} [النساء: 141] .
وَاعْلَمْ أَنَّ حَاصِلَ الشُّرُوطِ الْأَرْبَعَةِ، وَإِنْ كَانَ يَرْجِعُ إلَى اثْنَيْنِ وَهُمَا الضَّبْطُ وَالْعَدَالَةُ؛ لِأَنَّ الضَّبْطَ بِدُونِ الْعَقْلِ لَا يُتَصَوَّرُ وَكَذَا الْعَدَالَةُ بِدُونِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ تَفْسِيرَهَا الِاسْتِقَامَةُ فِي الدِّينِ وَهِيَ بِدُونِ الْإِسْلَامِ لَا تُوجَدُ؛ وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ: مَلَاكُ الْأَمْرِ شَيْئَانِ صِدْقُ اللَّهْجَةِ وَجَوْدَةُ الضَّبْطِ لِمَا يَرْوِيهِ إلَّا أَنَّ عَامَّتَهُمْ لَمَّا رَأَوْا الْمُغَايَرَةَ بَيْنَ الْعَقْلِ وَالضَّبْطِ وَبَيْنَ الْعَدَالَةِ وَالْإِسْلَامِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْعَقْلَ لَا يَسْتَلْزِمُ الضَّبْطَ وَالْإِسْلَامَ لَا يَسْتَلْزِمُ الْعَدَالَةَ فَصَلُوا بَيْنَهَا وَجَعَلُوا كُلَّ وَاحِدٍ شَرْطًا عَلَى حِدَةٍ وَلِأَنَّهُمْ لَوْ ذَكَرُوا الضَّبْطَ وَلَمْ يَذْكُرُوا الْعَقْلَ لَا يَحْصُلُ الِاحْتِرَازُ عَنْ رِوَايَةِ الصَّبِيِّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَهُ الضَّبْطُ الْكَامِلُ كَالْبَالِغِ إلَّا أَنْ يُجْعَلَ الضَّبْطُ الْكَامِلُ مُتَوَقِّفًا عَلَى الْعَقْلِ الْكَامِلِ وَهُوَ بَعِيدٌ وَلَوْ اقْتَصَرُوا عَلَى ذِكْرِ الْعَدَالَةِ رُبَّمَا لَا يَحْصُلُ الِاحْتِرَازُ عَنْ رِوَايَةِ الْكَافِرِ فَإِنَّ الْكَافِرَ قَدْ يُوصَفُ بِالْعَدَالَةِ لِاسْتِقَامَتِهِ عَلَى مُعْتَقَدِهِ وَيُسَمَّى مُعْتَقَدُهُ دِينًا.
وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا؛ وَلِهَذَا يَسْأَلُ الْقَاضِي عَنْ عَدَالَةِ الْكَافِرِ إذَا شَهِدَ عَلَى كَافِرٍ آخَرَ عِنْدَ طَعْنِ الْخَصْمِ فَثَبَتَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْكُلِّ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -