المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فهرس الكتاب

- ‌بَابُ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ)

- ‌أَلْفَاظُ الْعُمُومِ قِسْمَانِ

- ‌[الْقَسْم الْأَوَّل عَامٌّ بِصِيغَتِهِ وَمَعْنَاهُ وَعَامٌّ بِمَعْنَاهُ دُونَ صِيغَتِهِ]

- ‌ مَا هُوَ فَرْدٌ وُضِعَ لِلْجَمْعِ

- ‌[أَنْوَاع الْعَامُّ بِمَعْنَاهُ دُونَ صِيغَتِهِ]

- ‌ كَلِمَةُ كُلٍّ

- ‌[كَلِمَةُ الْجَمِيعِ]

- ‌كَلِمَةُ مَا

- ‌ كَلِمَةُ الَّذِي

- ‌ النَّكِرَةُ إذَا اتَّصَلَ بِهَا دَلِيلُ الْعُمُومِ

- ‌[الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ الْعَامِّ مَعْنًى لَا صِيغَةً]

- ‌ لَامُ التَّعْرِيفِ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ التَّعْرِيفَ بِعَيْنِهِ لِمَعْنَى الْعَهْدِ

- ‌[النَّكِرَةِ إذَا اتَّصَلَ بِهَا وَصْفٌ عَامٌّ]

- ‌ كَلِمَةُ أَيُّ

- ‌ النَّكِرَةُ الْمُفْرَدَةُ فِي مَوْضِعِ إثْبَاتٍ

- ‌[بَابُ مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الظَّاهِرُ وَالنَّصُّ وَالْمُفَسَّرُ وَالْمُحْكَمُ]

- ‌(بَابُ أَحْكَامِ الْحَقِيقَةِ) (وَالْمَجَازِ وَالصَّرِيحِ) (وَالْكِنَايَةِ)

- ‌[تعارض الْحَقِيقَة وَالْمَجَاز]

- ‌طَرِيقُ الِاسْتِعَارَةِ عِنْدَ الْعَرَبِ

- ‌ الِاتِّصَالَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ مِنْ قِبَلِ حُكْمِ الشَّرْعِ يَصْلُحُ طَرِيقًا لِلِاسْتِعَارَةِ

- ‌[يُسْتَعَارَ الْأَصْلُ لِلْفَرْعِ وَالسَّبَبُ لِلْحُكْمِ]

- ‌ الِاسْتِعَارَةُ لِلْمُنَاسَبَةِ فِي الْمَعَانِي

- ‌[الْمَجَازَ خَلَفٌ عَنْ الْحَقِيقَةِ فِي حَقِّ التَّكَلُّمِ لَا فِي حَقِّ الْحُكْمِ]

- ‌ الْعَمَلَ بِالْحَقِيقَةِ مَتَى أَمْكَنَ سَقَطَ الْمَجَازُ

- ‌إِذَا كَانَتْ الْحَقِيقَةُ مُتَعَذِّرَةٌ أَوْ مَهْجُورَةٌ صِيرَ إلَى الْمَجَازِ

- ‌قَدْ يَتَعَذَّرُ الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ مَعًا إذَا كَانَ الْحُكْمُ مُمْتَنِعًا

- ‌ الْكَلَامَ إذَا كَانَتْ لَهُ حَقِيقَةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ وَمَجَازٌ مُتَعَارَفٌ

- ‌(بَابُ جُمْلَةِ مَا يُتْرَكُ بِهِ الْحَقِيقَةُ)

- ‌دَلَالَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَالْعَادَةِ

- ‌ الثَّابِتُ بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ فِي نَفْسِهِ

- ‌ الثَّابِتُ بِسِيَاقِ النَّظْمِ

- ‌ الثَّابِتُ بِدَلَالَةِ مَحَلِّ الْكَلَامِ

- ‌(بَابُ حُرُوفِ) (الْمَعَانِي)

- ‌[معانى الْوَاوُ]

- ‌[معانى الْفَاءُ]

- ‌[معانى ثُمَّ]

- ‌[معانى بَلْ]

- ‌[معانى لَكِنْ]

- ‌[معانى أَوْ]

- ‌بَابُ حَتَّى) :

- ‌بَابُ حُرُوفِ الْجَرِّ)

- ‌[مَعْنَى الْبَاءُ]

- ‌[مَعْنَى عَلَى]

- ‌[مَعْنَى مِنْ]

- ‌[مَعْنَى إلَى]

- ‌[مَعْنَى فِي]

- ‌[حُرُوفِ الْقَسَمِ]

- ‌ اَيْمُ اللَّهِ

- ‌ أَسْمَاءُ الظُّرُوفِ

- ‌ حُرُوفُ الِاسْتِثْنَاءِ

- ‌ حُرُوفِ الشَّرْطِ

- ‌(بَابُ الصَّرِيحِ) (وَالْكِنَايَةِ)

- ‌بَابُ وُجُوهِ) (الْوُقُوفِ عَلَى) (أَحْكَامِ النَّظْمِ)

- ‌مَا سِيقَ الْكَلَامُ لَهُ وَأُرِيدَ بِهِ الْقَصْدُ أَوْ الْإِشَارَةُ

- ‌ دَلَالَةُ النَّصِّ

- ‌[دَلَالَة الْمُقْتَضِي]

- ‌الثَّابِتُ بِدَلَالَةِ النَّصِّ لَا يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ

- ‌ الْحُكْمَ إذَا أُضِيفَ إلَى مُسَمًّى بِوَصْفٍ خَاصٍّ كَانَ دَلِيلًا عَلَى نَفْيِهِ عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ الْوَصْفِ

- ‌ الْقِرَانَ فِي النَّظْمِ يُوجِبُ الْقِرَانَ فِي الْحُكْمِ

- ‌ الْعَامَّ يَخْتَصُّ بِسَبَبِهِ

- ‌ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ مُوجِبٌ الْعَدَمَ

- ‌ مَنْ حَمَلَ الْمُطْلَقَ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي حَادِثَةٍ وَاحِدَةٍ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ

- ‌(بَابُ الْعَزِيمَةِ) (وَالرُّخْصَةِ)

- ‌[أَقْسَام الْعَزِيمَةُ]

- ‌[أَقْسَام الرُّخَصُ]

- ‌{بَابُ حُكْمِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فِي أَضْدَادِهِمَا}

- ‌(بَابُ بَيَانِ أَسْبَابِ الشَّرَائِعِ)

- ‌سَبَبُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ

- ‌سَبَبُ وُجُوبِ الصَّوْمِ

- ‌سَبَبُ وُجُوبِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ

- ‌سَبَبُ وُجُوبِ الْعُشْرِ

- ‌[سَبَبُ وُجُوبِ الْحَجِّ]

- ‌ سَبَبُ الْخَرَاجِ

- ‌سَبَبُ وُجُوبِ الطَّهَارَةِ

- ‌سَبَبُ الْكَفَّارَاتِ

- ‌سَبَبُ الْمُعَامَلَاتِ

- ‌(بَابُ بَيَانِ أَقْسَامِ) (السُّنَّةِ)

- ‌(بَابُ الْمُتَوَاتِرِ)

- ‌(بَابُ الْمَشْهُورِ)

- ‌(بَابُ خَبَرِ الْوَاحِدِ)

- ‌(بَابُ تَقْسِيمِ الرَّاوِي الَّذِي جُعِلَ خَبَرُهُ حُجَّةً)

- ‌[الرَّاوِي الْمَعْرُوفُ]

- ‌[الرَّاوِي الْمَجْهُولُ]

- ‌بَابُ بَيَانِ شَرَائِطِ الرَّاوِي)

- ‌[بَابُ تَفْسِيرِ شُرُوطِ الرَّاوِي وَتَقْسِيمِهَا]

الفصل: ‌ الثابت بدلالة اللفظ في نفسه

وَأَمَّا‌

‌ الثَّابِتُ بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ فِي نَفْسِهِ

فَمِثْلُ قَوْلِهِ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا أَنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَى السَّمَكِ وَهُوَ لَحْمٌ فِي الْحَقِيقَةِ لَكِنَّهُ نَاقِصٌ لِأَنَّ اللَّحْمَ يَتَكَامَلُ بِالدَّمِ فَمَا لَا دَمَ لَهُ قَاصِرٌ مِنْ وَجْهٍ فَخَرَجَ عَنْ مُطْلَقِهِ بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ وَكَذَلِكَ قَوْلُ الرَّجُلِ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ. لَا يَتَنَاوَلُ الْمُكَاتَبَ، وَكُلُّ امْرَأَةٍ لِي طَالِقٌ،

ــ

[كشف الأسرار]

كَمَا شَاعَ فِي بَيْضِ الدَّجَاجِ وَالْإِوَزِّ لَكِنَّ الْعَادَةَ الظَّاهِرَةَ فِي الْأَكْلِ اخْتَصَّتْ بِأَكْلِ بَيْضِ الدَّجَاجِ وَالْإِوَزِّ دُونَ غَيْرِهِمَا. وَهَكَذَا فِي مَسْأَلَةِ الطَّبِيخِ وَالشِّوَاءِ فَتُرِكَتْ الْحَقِيقَةُ وَهِيَ الْعُمُومُ بِالْعَادَةِ. بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ فَإِنَّ الْحَقِيقَةَ تُرِكَتْ فِيهِ بِغَلَبَةِ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي تِلْكَ الْمَعَانِي كَمَا بَيَّنَّا لَا بِالْعَادَةِ لِأَنَّ النَّاسَ كَمَا اعْتَادُوا فِعْلَ الصَّلَاةِ اعْتَادُوا الدُّعَاءَ أَيْضًا. فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ قَوْلَهُ بِدَلَالَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَالْعَادَةِ لَيْسَ بِتَرَادُفٍ كَمَا زَعَمَ الْبَعْضُ وَأَنَّ الْوَاوَ فِيهِ بِمَعْنَى أَوْ.

[الثَّابِتُ بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ فِي نَفْسِهِ]

قَوْلُهُ (وَأَمَّا الثَّابِتُ بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ فِي نَفْسِهِ) تَرْكُ الْحَقِيقَةِ الثَّابِتُ بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ فِي نَفْسِهِ هُوَ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مُتَنَاوِلًا لِأَفْرَادٍ بِعُمُومِهِ عَلَى سَبِيلِ الْحَقِيقَةِ وَلَكِنَّهُ يَكُونُ مَعْنَوِيًّا فَيَتَخَصَّصُ بِالْبَعْضِ بِالنَّظَرِ إلَى مَأْخَذِ اشْتِقَاقِهِ كَمَا إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا كَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَدْخُلَ فِي عُمُومِهِ لَحْمُ السَّمَكِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ لِأَنَّهُ لَحْمٌ حَقِيقَةً وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ نَفْيُهُ عَنْهُ وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى لَحْمًا فِي قَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ {لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا} [النحل: 14] . وَلَكِنَّهُ تَخَصَّصَ بِدَلَالَةِ الِاشْتِقَاقِ كَمَا تَخَصَّصَ مَا تَقَدَّمَ بِدَلَالَةِ الْعُرْفِ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّحْمَ اسْمٌ مَعْنَوِيٌّ وَأَصْلُ تَرْكِيبِهِ يَدُلُّ عَلَى الشِّدَّةِ وَالْقُوَّةِ يُقَالُ الْتَحَمَ الْقِتَالُ أَيْ اشْتَدَّ وَالْمَلْحَمَةُ الْوَاقِعَةُ الْعَظِيمَةُ ثُمَّ سُمِّيَ اللَّحْمُ بِهَذَا الِاسْمِ لِقُوَّةٍ فِيهِ بِاعْتِبَارِ تَوَلُّدِهِ مِنْ الدَّمِ الَّذِي هُوَ أَقْوَى الْأَخْلَاطِ فِي الْحَيَوَانِ وَلَيْسَ لِلسَّمَكِ دَمٌ فَكَانَ فِي لَحْمِهِ قُصُورٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى فَكَانَ صَرْفُ مُطْلَقِ الِاسْمِ إلَى مَالَهُ قُوَّةٌ أَوْلَى مِنْ صَرْفِهِ إلَى مَا فِيهِ قُصُورٌ وَإِنْ كَانَ الِاسْمُ لَهُ حَقِيقَةً كَاسْمِ الْوُجُودِ بِالْجَوْهَرِ أَوْلَى مِنْهُ بِالْعَرَضِ وَإِنْ كَانَ الِاسْمُ لَهُ حَقِيقَةً لِقُصُورِ الْعَرَضِ فِي مَعْنَى الْوُجُودِ لِعَدَمِ ثَبَاتِهِ وَلِتَوَقُّفِهِ عَلَى وُجُودِ الْجَوْهَرِ. يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ لَا يُذْكَرُ إلَّا بِقَرِينَةٍ لِلْقُصُورِ الَّذِي ذَكَرْنَا فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ مُطْلَقِ الِاسْمِ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ لَمَّا لَمْ تُذْكَرْ إلَّا بِقَرِينَةٍ لِقُصُورٍ فِيهَا لَا يَتَنَاوَلُهَا مُطْلَقُ اسْمِ الصَّلَاةِ (فَإِنْ قِيلَ) أَلَيْسَ أَنَّهُ لَوْ أَكَلَ لَحْمَ خِنْزِيرٍ أَوْ لَحْمَ إنْسَانٍ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ مَعَ أَنَّهُ لَا يُذْكَرُ إلَّا بِقَرِينَةٍ (قُلْنَا) قَدْ ذَكَرَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا فِيهِ الْخِلَافَ. وَبَعْضُهُمْ ذَكَرُوا أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ أَوْ الْآدَمِيِّ لِانْعِدَامِ الْعُرْفِ فِي أَكْلِهِمَا فَصَارَ كَالرَّأْسِ وَالْبَيْضِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْإِمَامِ التُّمُرْتَاشِيِّ.

وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ يَحْنَثُ عَلَى مَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْمَبْسُوطِ وَغَيْرِهِ فَالْجَوَابُ أَنَّ ذِكْرَ الْقَرِينَةِ هَهُنَا لَيْسَ لِقُصُورِ مَعْنَى اللَّحْمِيَّةِ فِيهِ لِأَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ الدَّمِ كَلَحْمِ الشَّاةِ وَكَذَا مَعْنَى الْغِذَاءِ الْمَطْلُوبِ مِنْ اللَّحْمِ يَتِمُّ فِي لَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَالْآدَمِيِّ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْقَرِينَةَ لِلتَّعْرِيفِ كَلَحْمِ الشَّاةِ وَالطَّيْرِ وَلِبَيَانِ الْحُرْمَةِ لَا لِقُصُورٍ فِي مَعْنَى اللَّحْمِيَّةِ وَلَيْسَ لِلْحُرْمَةِ تَأْثِيرٌ فِي الْمَنْعِ مِنْ إتْمَامِ شَرْطِ الْحِنْثِ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ شَرَابًا فَشَرِبَ الْخَمْرَ يَحْنَثُ قَوْلُهُ (لَا يَتَنَاوَلُ الْمُكَاتَبُ) إذَا قَالَ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ لَا يَدْخُلُ فِيهِ الْمُكَاتَبُونَ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ الْعِتْقَ لِكُلِّ مَمْلُوكٍ يُضَافُ إلَيْهِ بِالْمِلْكِ مُطْلَقًا بِقَوْلِهِ لِي وَهَذَا غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْمُكَاتَبِينَ لِأَنَّهُ يَمْلِكُهُمْ رَقَبَةً لَا يَدًا بَلْ الْمُكَاتَبُ كَالْحُرِّ يَدًا حَتَّى كَانَ أَحَقَّ بِمَكَاسِبِهِ وَلَا يَمْلِكُ الْمَوْلَى اسْتِكْسَابَهُ وَلَا وَطْءَ الْمُكَاتَبَةِ وَالثَّابِتُ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ لَا يَكُونُ ثَابِتًا مُطْلَقًا. وَكَذَلِكَ صَرَّحَ بِالْإِضَافَةِ إلَى نَفْسِهِ وَالْمُكَاتَبُ مُضَافٌ إلَيْهِ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ فَلِلدَّلَالَةِ فِي لَفْظِهِ وَهِيَ إطْلَاقُ الْمِلْكِ وَالْإِضَافَةُ لَا يَتَنَاوَلُهُ الْكَلَامُ بِدُونِ النِّيَّةِ وَلَكِنْ يَتَنَاوَلُهُ مُطْلَقُ اسْمِ الرَّقَبَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي قَوْله تَعَالَى {أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المائدة: 89] . لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الذَّاتَ الْمَرْقُوقَ وَالرِّقُّ لَا يَنْتَقِصُ بِالْكِتَابَةِ لِقَوْلِهِ عليه السلام «الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ» . وَلِأَنَّهَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ وَاشْتِرَاطَ الْمِلْكِ بِقَدْرِ مَا يَصِحُّ بِهِ التَّحْرِيرُ وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي الْمُكَاتَبِ

ص: 99

لَا يَتَنَاوَلُ الْمَبْتُوتَةَ الْمُعْتَدَّةَ لِمَا قُلْنَا فَصَارَ مَخْصُوصًا وَلِلْمَخْصُوصِ شِبَهٌ بِالْمَجَازِ وَمِنْ هَذَا الْقِسْمِ مَا يَنْعَكِسُ وَذَلِكَ مِثْلُ رَجُلٍ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ فَاكِهَةً لَمْ يَحْنَثْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله بِأَكْلِ الرُّطَبِ وَالرُّمَّانِ وَالْعِنَبِ وَقَالَا يَحْنَثُ لِأَنَّ الِاسْمَ مُطْلَقٌ فَيَتَنَاوَلُ الْكَامِلَ مِنْهُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْفَاكِهَةُ اسْمٌ لِلتَّوَابِعِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَفَكَّهَ مَأْخُوذٌ وَهُوَ التَّنَعُّمُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {انْقَلَبُوا فَكِهِينَ} [المطففين: 31] أَيْ نَاعِمِينَ وَذَلِكَ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى مَا يَقَعُ بِهِ الْقِوَامُ وَهُوَ الْغِذَاءُ فَصَارَ تَابِعًا وَالرُّطَبُ وَالْعِنَبُ قَدْ يَصْلُحَانِ لِلْغِذَاءِ وَقَدْ يَقَعُ بِهِمَا الْقِوَامُ وَالرُّمَّانُ قَدْ يَقَعُ بِهِ الْقِوَامُ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْأَدْوِيَةِ وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَانَ فِيهَا وَصْفٌ زَائِدٌ

ــ

[كشف الأسرار]

فَيَتَأَدَّى بِهِ الْكَفَّارَةُ.

وَهَذَا بِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ حَيْثُ يَدْخُلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي عُمُومِ قَوْلِهِ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ وَلَا يَتَأَدَّى بِهِمَا الْكَفَّارَةُ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِيهِمَا كَامِلٌ إذْ الْمَوْلَى يَمْلِكُهُمَا يَدًا وَرَقَبَةً وَيَمْلِكُ اسْتِغْلَالَهُمَا واستكسابهما وَطْءَ الْمُدَبَّرَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَمْلُوكًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي لَكِنَّ الرِّقَّ فِيهِمَا نَاقِصٌ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ مِنْ جِهَةِ الْعِتْقِ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ بِوَجْهٍ فَلَا يَتَأَدَّى بِهِمَا الْكَفَّارَةُ قَوْلُهُ (لَا يَتَنَاوَلُ الْمَبْتُوتَةَ الْمُعْتَدَّةَ) يَعْنِي مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ لِمَا قُلْنَا مِنْ مَعْنَى الْقُصُورِ فَإِنَّهَا امْرَأَتُهُ مِنْ وَجْهٍ لِبَقَاءِ مِلْكِ الْيَدِ وَالدَّوَاعِي فَلَا يَدْخُلُ وَلَوْ طَلَّقَهَا صَحَّ الطَّلَاقُ أَيْضًا، دُونَ وَجْهٍ لِزَوَالِ أَصْلِ مِلْكِ النِّكَاحِ حَتَّى حَرُمَ الْوَطْءُ وَالدَّوَاعِي فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ مُطْلَقِ الِاسْمِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ. وَفَائِدَةُ الْقَيْدَيْنِ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مُطَلَّقَةً رَجْعِيَّةً تَدْخُلُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ لِبَقَاءِ النِّكَاحِ وَالْحِلِّ وَلَوْ كَانَتْ مُنْقَضِيَةَ الْعِدَّةِ لَا تَدْخُلُ وَإِنْ نَوَى لِبُطْلَانِ النِّكَاحِ بِالْكُلِّيَّةِ. فَصَارَ الْعَامُّ أَيْ قَوْلُهُ لَحْمًا الْوَاقِعُ فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ وَقَوْلُهُ كُلُّ مَمْلُوكٍ وَكُلُّ امْرَأَةٍ. مَخْصُوصًا أَيْ مَخْصُوصًا مِنْهُ فَصَارَ شَبِيهًا بِالْمَجَازِ.

قَوْلُهُ (وَمِنْ هَذَا الْقِسْمِ مَا يَنْعَكِسُ) أَيْ وَمِنْ التَّرْكِ الثَّابِتِ بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ مَا هُوَ عَلَى عَكْسِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَسَائِلِ فَإِنَّ الْحَقِيقَةَ تُرِكَتْ فِيمَا ذَكَرْنَا بِاعْتِبَارِ النُّقْصَانِ وَالْقُصُورِ لِأَنَّ أَصْلَ الِاشْتِقَاقِ يَدُلُّ عَلَى الْكَمَالِ وَهَهُنَا تُرِكَتْ الْحَقِيقَةُ بِاعْتِبَارِ الْكَمَالِ لِأَنَّ أَصْلَ الِاشْتِقَاقِ يَدُلُّ عَلَى النُّقْصَانِ وَالتَّبَعِيَّةِ. إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ فَاكِهَةً وَلَا نِيَّةَ لَهُ لَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِ الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ وَالرُّمَّانِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا يَحْنَثُ بِأَكْلِهَا وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَإِنْ نَوَاهَا عِنْدَ الْحَلِفِ يَحْنَثُ بِالْإِجْمَاعِ كَذَا فِي التُّحْفَةِ. قَالُوا إنَّ الْفَاكِهَةَ مَا يُؤْكَلُ عَلَى سَبِيلِ التَّفَكُّهِ وَهُوَ التَّنَعُّمُ وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ أَكْمَلُ مَا يَكُونُ مِنْ ذَلِكَ وَمُطْلَقُ الِاسْمِ يَتَنَاوَلُ الْكَامِلَ وَكَذَا الْفَاكِهَةُ مَا يُقَدَّمُ بَيْنَ يَدَيْ الضِّيفَانِ لِلتَّفَكُّهِ بِهِ لَا لِشِبَعٍ وَالرُّمَّانُ وَالرُّطَبُ وَالْعِنَبُ مِنْ أَنْفَسِ ذَلِكَ كَالتِّينِ. وَأَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله يَقُولُ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ غَيْرُ الْفَاكِهَةِ قَالَ تَعَالَى {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} [الرحمن: 68] . وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ {فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا} [عبس: 27]{وَعِنَبًا وَقَضْبًا} [عبس: 28]{وَزَيْتُونًا وَنَخْلا} [عبس: 29]{وَحَدَائِقَ غُلْبًا} [عبس: 30]{وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} [عبس: 31] . فَتَارَةً عَطَفَ الْفَاكِهَةَ عَلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَتَارَةً عَطَفَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ عَلَيْهَا وَالشَّيْءُ لَا يُعْطَفُ عَلَى نَفْسِهِ مَعَ أَنَّهُ مَذْكُورٌ فِي مَوْضِعِ الْمِنَّةِ وَلَا يَلِيقُ بِالْحِكْمَةِ ذِكْرُ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ فِي مَوْضِعِ الْمِنَّةِ بِلَفْظَيْنِ وَلِأَنَّ الْفَاكِهَةَ اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِنْ التَّفَكُّهِ وَهُوَ التَّنَعُّمُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى. {انْقَلَبُوا فَكِهِينَ} [المطففين: 31] .

أَيْ نَاعِمِينَ وَالتَّنَعُّمُ زَايِدٌ عَلَى مَا بِهِ الْقِوَامُ وَالْبَقَاءُ وَالرُّطَبُ وَالْعِنَبُ يَتَعَلَّقُ بِهِمَا الْقِوَامُ وَقَدْ يُجْتَزَأُ بِهِمَا فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ وَالرُّمَّانُ فِي مَعْنَى الدَّوَاءِ قَدْ يَقَعُ بِهِ الْقِوَامُ أَيْضًا وَهُوَ قُوتٌ مِنْ جُمْلَةِ التَّوَابِلِ إذَا يَبِسَ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَيْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا ذَكَرْنَا. كَانَ فِيهَا أَيْ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ وَصْفٌ زَايِدٌ وَهُوَ الْغِذَائِيَّةُ وَقِوَامُ الْبَدَنِ بِهَا فَلِهَذِهِ الزِّيَادَةِ لَا يَتَنَاوَلُهَا مُطْلَقُ اسْمِ الْفَاكِهَةِ كَمَا أَنَّ مُطْلَقَ اسْمِ اللَّحْمِ لَا يَتَنَاوَلُ لَحْمَ السَّمَكِ وَالْجَرَادِ لِلنُّقْصَانِ. وَلَا يَلْزَمُ دُخُولُ الطَّرَّارِ تَحْتَ اسْمِ السَّارِقِ وَإِنْ كَانَ فِي فِعْلِهِ وَصْفٌ زَائِدٌ وَهُوَ الْقَاطِعُ مِنْ الْيَقْظَانِ لِأَنَّا أَثْبَتْنَا الْحُكْمَ فِيهِ بِدَلَالَةِ النَّصِّ مِنْ غَيْرِ مُنَاقَضَةٍ تَلْزَمُ فَإِنَّ مِلْكَ الزِّيَادَةِ مُكَمِّلَةٌ لِمَعْنَى السَّرِقَةِ كَالضَّرْبِ وَالشَّتْمِ كُلُّ وَاحِدٍ مُكَمِّلٌ لِمَعْنَى الْإِيذَاءِ فَأَمَّا الِاسْمُ هَهُنَا فَوَاقِعٌ عَلَى مَا هُوَ تَبَعٌ وَالزِّيَادَةُ هَهُنَا مُغَيِّرَةٌ لِمَعْنَاهُ وَهُوَ التَّبَعِيَّةُ إذْ الْأَصَالَةُ تُنَافِي التَّبَعِيَّةَ فَلِذَلِكَ لَا يَصِحُّ دُخُولُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ تَحْتَ مُطْلَقِ الِاسْمِ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ أَنَّ كَمَالَ الْمَعْنَى فِيهِ أَيْ فِي التَّمْرِ إخْرَاجُهُ

ص: 100