المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ الكلام إذا كانت له حقيقة مستعملة ومجاز متعارف - كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي - جـ ٢

[علاء الدين عبد العزيز البخاري - فخر الإسلام البزدوي]

فهرس الكتاب

- ‌بَابُ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ)

- ‌أَلْفَاظُ الْعُمُومِ قِسْمَانِ

- ‌[الْقَسْم الْأَوَّل عَامٌّ بِصِيغَتِهِ وَمَعْنَاهُ وَعَامٌّ بِمَعْنَاهُ دُونَ صِيغَتِهِ]

- ‌ مَا هُوَ فَرْدٌ وُضِعَ لِلْجَمْعِ

- ‌[أَنْوَاع الْعَامُّ بِمَعْنَاهُ دُونَ صِيغَتِهِ]

- ‌ كَلِمَةُ كُلٍّ

- ‌[كَلِمَةُ الْجَمِيعِ]

- ‌كَلِمَةُ مَا

- ‌ كَلِمَةُ الَّذِي

- ‌ النَّكِرَةُ إذَا اتَّصَلَ بِهَا دَلِيلُ الْعُمُومِ

- ‌[الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ الْعَامِّ مَعْنًى لَا صِيغَةً]

- ‌ لَامُ التَّعْرِيفِ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ التَّعْرِيفَ بِعَيْنِهِ لِمَعْنَى الْعَهْدِ

- ‌[النَّكِرَةِ إذَا اتَّصَلَ بِهَا وَصْفٌ عَامٌّ]

- ‌ كَلِمَةُ أَيُّ

- ‌ النَّكِرَةُ الْمُفْرَدَةُ فِي مَوْضِعِ إثْبَاتٍ

- ‌[بَابُ مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الظَّاهِرُ وَالنَّصُّ وَالْمُفَسَّرُ وَالْمُحْكَمُ]

- ‌(بَابُ أَحْكَامِ الْحَقِيقَةِ) (وَالْمَجَازِ وَالصَّرِيحِ) (وَالْكِنَايَةِ)

- ‌[تعارض الْحَقِيقَة وَالْمَجَاز]

- ‌طَرِيقُ الِاسْتِعَارَةِ عِنْدَ الْعَرَبِ

- ‌ الِاتِّصَالَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ مِنْ قِبَلِ حُكْمِ الشَّرْعِ يَصْلُحُ طَرِيقًا لِلِاسْتِعَارَةِ

- ‌[يُسْتَعَارَ الْأَصْلُ لِلْفَرْعِ وَالسَّبَبُ لِلْحُكْمِ]

- ‌ الِاسْتِعَارَةُ لِلْمُنَاسَبَةِ فِي الْمَعَانِي

- ‌[الْمَجَازَ خَلَفٌ عَنْ الْحَقِيقَةِ فِي حَقِّ التَّكَلُّمِ لَا فِي حَقِّ الْحُكْمِ]

- ‌ الْعَمَلَ بِالْحَقِيقَةِ مَتَى أَمْكَنَ سَقَطَ الْمَجَازُ

- ‌إِذَا كَانَتْ الْحَقِيقَةُ مُتَعَذِّرَةٌ أَوْ مَهْجُورَةٌ صِيرَ إلَى الْمَجَازِ

- ‌قَدْ يَتَعَذَّرُ الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ مَعًا إذَا كَانَ الْحُكْمُ مُمْتَنِعًا

- ‌ الْكَلَامَ إذَا كَانَتْ لَهُ حَقِيقَةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ وَمَجَازٌ مُتَعَارَفٌ

- ‌(بَابُ جُمْلَةِ مَا يُتْرَكُ بِهِ الْحَقِيقَةُ)

- ‌دَلَالَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَالْعَادَةِ

- ‌ الثَّابِتُ بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ فِي نَفْسِهِ

- ‌ الثَّابِتُ بِسِيَاقِ النَّظْمِ

- ‌ الثَّابِتُ بِدَلَالَةِ مَحَلِّ الْكَلَامِ

- ‌(بَابُ حُرُوفِ) (الْمَعَانِي)

- ‌[معانى الْوَاوُ]

- ‌[معانى الْفَاءُ]

- ‌[معانى ثُمَّ]

- ‌[معانى بَلْ]

- ‌[معانى لَكِنْ]

- ‌[معانى أَوْ]

- ‌بَابُ حَتَّى) :

- ‌بَابُ حُرُوفِ الْجَرِّ)

- ‌[مَعْنَى الْبَاءُ]

- ‌[مَعْنَى عَلَى]

- ‌[مَعْنَى مِنْ]

- ‌[مَعْنَى إلَى]

- ‌[مَعْنَى فِي]

- ‌[حُرُوفِ الْقَسَمِ]

- ‌ اَيْمُ اللَّهِ

- ‌ أَسْمَاءُ الظُّرُوفِ

- ‌ حُرُوفُ الِاسْتِثْنَاءِ

- ‌ حُرُوفِ الشَّرْطِ

- ‌(بَابُ الصَّرِيحِ) (وَالْكِنَايَةِ)

- ‌بَابُ وُجُوهِ) (الْوُقُوفِ عَلَى) (أَحْكَامِ النَّظْمِ)

- ‌مَا سِيقَ الْكَلَامُ لَهُ وَأُرِيدَ بِهِ الْقَصْدُ أَوْ الْإِشَارَةُ

- ‌ دَلَالَةُ النَّصِّ

- ‌[دَلَالَة الْمُقْتَضِي]

- ‌الثَّابِتُ بِدَلَالَةِ النَّصِّ لَا يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ

- ‌ الْحُكْمَ إذَا أُضِيفَ إلَى مُسَمًّى بِوَصْفٍ خَاصٍّ كَانَ دَلِيلًا عَلَى نَفْيِهِ عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ الْوَصْفِ

- ‌ الْقِرَانَ فِي النَّظْمِ يُوجِبُ الْقِرَانَ فِي الْحُكْمِ

- ‌ الْعَامَّ يَخْتَصُّ بِسَبَبِهِ

- ‌ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ مُوجِبٌ الْعَدَمَ

- ‌ مَنْ حَمَلَ الْمُطْلَقَ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي حَادِثَةٍ وَاحِدَةٍ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ

- ‌(بَابُ الْعَزِيمَةِ) (وَالرُّخْصَةِ)

- ‌[أَقْسَام الْعَزِيمَةُ]

- ‌[أَقْسَام الرُّخَصُ]

- ‌{بَابُ حُكْمِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فِي أَضْدَادِهِمَا}

- ‌(بَابُ بَيَانِ أَسْبَابِ الشَّرَائِعِ)

- ‌سَبَبُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ

- ‌سَبَبُ وُجُوبِ الصَّوْمِ

- ‌سَبَبُ وُجُوبِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ

- ‌سَبَبُ وُجُوبِ الْعُشْرِ

- ‌[سَبَبُ وُجُوبِ الْحَجِّ]

- ‌ سَبَبُ الْخَرَاجِ

- ‌سَبَبُ وُجُوبِ الطَّهَارَةِ

- ‌سَبَبُ الْكَفَّارَاتِ

- ‌سَبَبُ الْمُعَامَلَاتِ

- ‌(بَابُ بَيَانِ أَقْسَامِ) (السُّنَّةِ)

- ‌(بَابُ الْمُتَوَاتِرِ)

- ‌(بَابُ الْمَشْهُورِ)

- ‌(بَابُ خَبَرِ الْوَاحِدِ)

- ‌(بَابُ تَقْسِيمِ الرَّاوِي الَّذِي جُعِلَ خَبَرُهُ حُجَّةً)

- ‌[الرَّاوِي الْمَعْرُوفُ]

- ‌[الرَّاوِي الْمَجْهُولُ]

- ‌بَابُ بَيَانِ شَرَائِطِ الرَّاوِي)

- ‌[بَابُ تَفْسِيرِ شُرُوطِ الرَّاوِي وَتَقْسِيمِهَا]

الفصل: ‌ الكلام إذا كانت له حقيقة مستعملة ومجاز متعارف

وَمِنْ حُكْمِ هَذَا الْبَابِ أَنَّ‌

‌ الْكَلَامَ إذَا كَانَتْ لَهُ حَقِيقَةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ وَمَجَازٌ مُتَعَارَفٌ

فَالْحَقِيقَةُ أَوْلَى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ الْعَمَلُ بِعُمُومِ الْمَجَازِ أَوْلَى وَهَذَا يَرْجِعُ إلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَصْلِ أَنَّ الْمَجَازَ عِنْدَهُمَا خَلَفٌ عَنْ الْحَقِيقَةِ فِي الْحُكْمِ وَفِي الْحُكْمِ لِلْمَجَازِ رُجْحَانٌ؛ لِأَنَّهُ يَنْطَلِقُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ مَعًا فَصَارَ مُشْتَمِلًا عَلَى حُكْمِ الْحَقِيقَةِ فَصَارَ أَوْلَى وَمِنْ أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ خَلَفٌ فِي التَّكَلُّمِ دُونَ الْحُكْمِ فَاعْتُبِرَ الرُّجْحَانُ فِي التَّكَلُّمِ دُونَ الْحُكْمِ فَصَارَتْ الْحَقِيقَةُ أَوْلَى مِثَالُهُ مَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ الْحِنْطَةِ

ــ

[كشف الأسرار]

مُوجِبُ الْبُنُوَّةِ فَيُجْعَلُ كِنَايَةً عَنْهُ.

وَقَرَّرَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ رحمه الله مَا ذَكَرْنَاهُ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ فَإِنْ قِيلَ يَصِيرُ قَوْلُهُ هَذِهِ بِنْتِي كِنَايَةً عَنْ قَوْلِهِ هِيَ عَلَيَّ حَرَامٌ قُلْنَا أَعَنْ حُرْمَةٍ يَمْلِكُ الزَّوْجُ إثْبَاتَهَا بِمِلْكِ النِّكَاحِ أَوْ عَنْ حُرْمَةٍ لَا يَمْلِكُهَا فَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ عَنْ تَحْرِيمٍ يَمْلِكُ الزَّوْجُ إثْبَاتَهُ بِحَقِّ الْمِلْكِ لِيَنْفُذَ مِنْهُ وَيَلْزَمُهُ بِقَوْلِهِ فَإِنَّ تَحْرِيمًا غَيْرُ مَمْلُوكٍ لَهُ بِحَقِّ الْمِلْكِ غَيْرُ لَازِمٍ وَلَا نَافِذٍ كَمَا لَوْ أَخْبَرَ بِحُرْمَةٍ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ أَوْ أَخْبَرَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ إنَّهَا بِنْتُ هَذَا الزَّوْجِ وَالتَّحْرِيمُ الْمَمْلُوكُ لِلزَّوْجِ بِحَقِّ الْمِلْكِ تَحْرِيمٌ بَعْدَ الْمِلْكِ مِنْ حَيْثُ قَطْعِ الْمِلْكِ لَا مِنْ حَيْثُ إثْبَاتِ حُرْمَةٍ مُؤَبَّدَةٍ فَالْحُرُمَاتُ الْمُؤَبَّدَةُ عُلِّقَتْ بِأَسْبَابٍ حُكْمِيَّةٍ يَثْبُتُ قَبْلَ مِلْكِ الْمَالِكِ غَيْرِ مَمْلُوكٍ لِلرَّجُلِ بِمِلْكِ النِّكَاحِ وَاللَّفْظُ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ لَا يَحْتَمِلُ هَذَا الْفِرَاقَ الَّذِي قُلْنَاهُ وَلَا يَكُونُ سَبَبًا لَهُ بِحَالٍ بَلْ هُوَ سَبَبٌ لِحُرْمَةٍ مُؤَبَّدَةٍ مُنَافِيَةٍ لِلنِّكَاحِ مِنْ حَيْثُ يَثْبُتُ لَا مِنْ حَيْثُ تُمْلَكُ فَإِنَّا لَوْ تَوَهَّمْنَاهُ صَادِقًا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا نِكَاحٌ مِنْ الْأَصْلِ وَلَا تَحِلُّ لَهُ بِحَالٍ وَإِذَا لَمْ يَحْتَمِلْهُ لَمْ يَصِحَّ كِنَايَةً عَنْهُ فَلَغَا صَرِيحُهُ وَكِفَايَتُهُ جَمِيعًا.

وَقَوْلُهُ أَبْلَيْنَاهُ أَيْ بَيِّنَاهُ مُتَعَدٍّ إلَى مَفْعُولَيْنِ يُقَالُ أَبْلَيْت فُلَانًا عُذْرًا إذَا بَيِّنَتُهُ لَهُ بَيَانًا وَحَقِيقَتُهُ جَعَلْته بَالِيًا بِعُذْرِي وَعَالِمًا بِكُنْهِهِ مِنْ بَلَاهُ إذَا أَخْبَرَهُ وَجَرَّبَهُ وَأَحَدُ الْمَفْعُولَيْنِ هَهُنَا مَحْذُوفٌ وَالتَّقْدِيرُ أَبْلَيْنَاكَ إيَّاهُ وَاعْلَمْ أَنَّ الْحُكْمَ فِي مَجْهُولَةِ النَّسَبِ أَيْضًا مَا عَرَفْته فِي مَعْرُوفَتِهِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأَسْرَارِ فَقِيلَ إذَا قَالَ الرَّجُلُ لِامْرَأَةٍ هَذِهِ بِنْتِي وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ وَلَهَا نَسَبٌ مَعْرُوفٌ أَوْ لَيْسَ لَهَا نَسَبٌ مَعْرُوفٌ وَقَالَ غَلِطْت أَوْ أَخْطَأْت حَلَّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا.

وَإِنْ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ الْعَقْدِ لَمْ يَحْرُمْ إلَّا أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا نَسَبٌ مَعْرُوفٌ وَدَامَ عَلَى قَوْلِهِ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَكَذَا ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو الْفَضْلِ الْكَرْمَانِيُّ فِي إشَارَاتِ الْأَسْرَارِ فَقَالَ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ هَذِهِ بِنْتِي وَهِيَ مَجْهُولَةُ النَّسَبِ وَتَصْلُحُ بِنْتًا لَهُ ثُمَّ قَالَ غَلِطْت لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا عِنْدَنَا وَهَكَذَا ذُكِرَ فِي الْمَبْسُوطِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ عَنْ الْإِقْرَارِ بِالنَّسَبِ صَحِيحٌ قَبْلَ تَصْدِيقِ الْمُقَرِّ لَهُ إيَّاهُ كَمَا صَحَّ الرُّجُوعُ عَنْ الْإِيجَابِ فِي الْعُقُودِ قَبْلَ وُجُودِ الْقَبُولِ فَلَا يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِمُوجِبِ هَذَا الْإِقْرَارِ قَبْلَ تَأَكُّدِهِ بِالْقَبُولِ لِاحْتِمَالِ انْتِقَاضِهِ بِالرُّجُوعِ أَوْ بِالرَّدِّ إلَّا أَنَّ الشَّيْخَ وَضَعَ الْمَسْأَلَةَ فِي مَعْرُوفَةِ النَّسَبِ؛ لِأَنَّ تَعَذُّرَ الْعَمَلِ بِالْحَقِيقَةِ فِيهَا أَظْهَرُ وَقَدْ أَشَارَ الشَّيْخُ إلَى مَا ذَكَرْنَاهُ أَيْضًا بِقَوْلِهِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ النَّسَبَ ثَابِتًا إلَى آخِرِهِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى تَعَذُّرِ الْعَمَلِ بِالْحَقِيقَةِ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ لِأَنَّ الرُّجُوعَ عَنْهُ صَحِيحٌ يَعْنِي قَبْلَ تَصْدِيقِ الْمُقِرِّ لَهُ وَإِنْ كَانَ مَجْهُولَ النَّسَبِ وَالْقَاضِي كَذَّبَهُ هَهُنَا أَيْ فِي مَعْرُوفَةِ النَّسَبِ فَقَامَ تَكْذِيبُ الْقَاضِي إيَّاهُ مَقَامَ تَكْذِيبِهِ نَفْسِهِ وَأُوضِحَ هَذَا الْمَعْنَى فِي عَتَاقِ الْمَبْسُوطِ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ هَذِهِ بِنْتِي وَهِيَ مَعْرُوفَةُ النَّسَبِ مِنْ الْغَيْرِ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ الْفُرْقَةَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُكَذِّبًا شَرْعًا فِي حَقِّ النَّسَبِ وَلَوْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ بِأَنْ قَالَ غَلِطْت لَا يَقَعُ الْفُرْقَةُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا نَسَبٌ مَعْرُوفٌ فَكَذَلِكَ إذَا صَارَ مُكَذِّبًا فِي النَّسَبِ شَرْعًا وَفِي الْعَتَاقِ لَوْ أَكْذَبَ الْمَوْلَى نَفْسَهُ فِي حَقِّ مَنْ لَا نَسَبَ لَهُ كَانَ الْعِتْقُ ثَابِتًا فَكَذَلِكَ إذَا صَارَ مُكَذِّبًا شَرْعًا.

[الْكَلَامَ إذَا كَانَتْ لَهُ حَقِيقَةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ وَمَجَازٌ مُتَعَارَفٌ]

قَوْلُهُ (وَمِنْ حُكْمِ هَذَا الْبَابِ) إذَا كَانَتْ الْحَقِيقَةُ مُسْتَعْمَلَةً وَالْمَجَازُ غَيْرَ مُسْتَعْمَلٍ أَوْ كَانَا مُسْتَعْمَلَيْنِ وَكَانَتْ الْحَقِيقَةُ أَكْثَرَ اسْتِعْمَالًا أَوْ كَانَا فِي الِاسْتِعْمَالِ عَلَى السَّوَاءِ فَالْعِبْرَةُ لِلْحَقِيقَةِ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْكَلَامِ هُوَ الْحَقِيقَةُ وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُعَارِضُ هَذَا الْأَصْلِ فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ وَإِنْ كَانَ

ص: 93

يَقَعُ عَلَى عَيْنِهَا دُونَ مَا يُتَّخَذُ مِنْهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله لِمَا قُلْنَا وَعِنْدَهُمَا يَقَعُ عَلَى مَضْمُونِهَا عَلَى الْعُمُومِ مَجَازًا وَكَذَلِكَ إذَا حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ الْفُرَاتِ

ــ

[كشف الأسرار]

الْمَجَازُ أَغْلَبَ اسْتِعْمَالًا فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله الْعِبْرَةُ لِلْحَقِيقَةِ وَعِنْدَهُمَا الْعِبَرُ لِلْمَجَازِ وَهَذَا أَيْ هَذَا الِاخْتِلَافُ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي خَلْفِيَّةِ الْمَجَازِ فَعِنْدَ هُمَا لَمَّا كَانَتْ الْخَلَفِيَّةُ بِاعْتِبَارِ إثْبَاتِ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ هُوَ الْمَقْصُودُ دُونَ الْعِبَارَةِ كَانَ الْعَمَلُ بِعُمُومِ الْمَجَازِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ رَاجِعٌ عَلَى حُكْمِ الْحَقِيقَةِ لِدُخُولِ حُكْمِ الْحَقِيقَةِ تَحْتَ عُمُومِهِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله لَمَّا كَانَتْ الْخَلَفِيَّةُ فِي التَّكَلُّمِ بِهِ لَا فِي الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ مِنْ الْمُتَكَلِّمِ فِي عِبَارَتِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُجْعَلُ عِبَارَةً قَائِمَةً مَقَامَ عِبَارَةٍ ثُمَّ يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِالْمَجَازِ مَقْصُودًا لَا أَنَّهُ خَلَفٌ عَنْ الْحُكْمِ عَلَى مَا عَرَفْته لَا يُثْبَتُ الْمُزَاحِمَةُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْخَلَفِ فَيُجْعَلُ اللَّفْظُ عَامِلًا فِي حَقِيقَتِهِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ وَإِنَّمَا يُصَارُ إلَى أَعْمَالِهِ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ فِيمَا تَعَذَّرَ إعْمَالُهُ فِي حَقِيقَتِهِ هَذَا بَيَانُ كَلَامِ الشَّيْخِ وَسِيَاقُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عِنْدَهُمَا إنَّمَا يَتَرَجَّحُ الْمَجَازُ الْمُتَعَارَفُ إذَا كَانَ عُمُومُهُ مُتَنَاوِلًا لِلْحَقِيقَةِ وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى حُكْمِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ مُتَنَاوِلًا لِلْحَقِيقَةِ.

وَذُكِرَ فِي شُرُوحِ الْجَامِعِ الْبُرْهَانِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى تَرَجُّحِهِ بِكُلِّ حَالٍ فَقِيلَ إنْ كَانَ الْمَجَازُ أَغْلَبَ اسْتِعْمَالًا فَعِنْدَهُمَا الْعِبْرَةُ لِلْمَجَازِ؛ لِأَنَّ الْمَرْجُوحَ بِمُقَابَلَةِ الرَّاجِحِ سَاقِطٌ فَكَانَتْ هَذِهِ الْحَقِيقَةُ كَالْمَهْجُورَةِ وَعِنْدَ الْعِبْرَةِ لِلْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِالْأَصْلِ مُمْكِنٌ فَلَا يُصَارُ إلَى الْمَجَازِ إلَّا بِدَلِيلٍ مُرَجِّحٍ وَغَلَبَةُ الِاسْتِعْمَالِ لَا تَصْلُحُ مُرَجِّحَةً؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ لَا تَتَرَجَّحُ بِالزِّيَادَةِ مِنْ جِنْسِهَا فَكَانَ الِاسْتِعْمَالُ فِي حَدِّ التَّعَارُضِ فَبَقِيَتْ الْعِبْرَةُ لِلْحَقِيقَةِ بِخِلَافِ الْمَهْجُورَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَعَارُضَ هُنَاكَ فِي الِاسْتِعْمَالِ فَبَقِيَتْ الْعِبْرَةُ لِلْمَجَازِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ التَّعَارُفِ قَالَ مَشَايِخُ بَلْخٍ رحمهم الله الْمُرَادُ بِهِ التَّعَارُفُ بِالتَّعَامُلِ وَقَالَ مَشَايِخُ الْعِرَاقِ الْمُرَادُ التَّعَارُفُ بِالتَّفَاهُمِ وَقَالَ مَشَايِخُ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ مَا قَالَ مَشَايِخُ الْعِرَاقِ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَا قَالَهُ مَشَايِخُ بَلْخٍ قَوْلَهُمَا بِدَلِيلِ مَا إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا فَأَكَلَ لَحْمَ آدَمِيٍّ أَوْ خِنْزِيرٍ حَنِثَ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ التَّفَاهُمَ يَقَعُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُسَمَّى لَحْمًا وَلَا يَحْنَثُ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ التَّعَامُلَ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ لَحْمَهُمَا لَا يُؤْكَلُ عَادَةً.

قَوْلُهُ (يَقَعُ عَلَى عَيْنِهَا) ؛ لِأَنَّ عَيْنَهَا مَأْكُولَةٌ عَادَةً فَإِنَّهَا تُقْلَى فَيُؤْكَلُ وَيُتَّخَذُ مِنْهَا الْكِشْكُ وَالْهَرِيسَةُ وَقَدْ يُؤْكَلُ أَيْضًا نِيًّا حَبًّا فَإِنَّ مَنْ اشْتَرَى حِنْطَةً يَمْضُغُهَا كَمَا هِيَ لِيَخْتَبِرَ أَنَّهَا رَخْوَةٌ أَمْ عَلِكَةٌ وَلَمَّا كَانَتْ عَيْنُهَا مَأْكُولَةٌ يَنْصَرِفُ الْيَمِينُ إلَى الْحَقِيقَةِ دُونَ الْمَجَازِ كَمَا فِي الْعِنَبِ وَالرُّطَبِ.

وَعِنْدَهُمَا لَمَّا كَانَ الْمُتَعَارَفُ مِنْ أَكْلِ الْحِنْطَةِ أَكْلَ مَا فِي بَطْنِهَا كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ يَقَعُ يَمِينُهُ عَلَى مَضْمُونِهَا أَيْ عَلَى الْأَجْزَاءِ الَّتِي تَضَمَّنَتْهَا هَذِهِ الْحِنْطَةُ لِلتَّعَارُفِ وَكَوْنِ الْحَقِيقَةِ دَاخِلَةً فِي عُمُومِ الْمَجَازِ، وَأَشَارَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ رحمه الله فِي شَرْحِ الْأَيْمَانِ الْأَصْلِ إلَى أَنَّ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ مِثْلُ قَوْلِهِمَا فِي أَنَّ الْحَقِيقَةَ تُتْرَكُ بِالتَّعَارُفِ وَلَكِنَّهُ خَالَفَهُمَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ التَّعَارُفُ فِي حِنْطَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ لَا فِي حِنْطَةٍ بِعَيْنِهَا أَلَا تَرَى إنَّك فِي قَوْلِك فُلَانٌ يَأْكُلُ الْحِنْطَةَ لَا تُرِيدُ حِنْطَةً مُعَيَّنَةً وَلَا اسْتِغْرَاقَ جِنْسِ الْحِنْطَةِ وَاللَّامُ فِيهَا يُفِيدُ تَعْرِيفَهَا كَمَا فِي قَوْلِهِ:

وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي

وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ التَّعَارُفُ فِي الْمُعَيَّنَةِ لَا يُتْرَكُ الْعَمَلُ بِالْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ إنَّمَا يُتْرَكُ بِنِيَّةِ غَيْرِهَا أَوْ بِالْعُرْفِ وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا قَالَ وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ كَمَا قَالَا إذَا عَقَدَ الْيَمِينَ عَلَى حِنْطَةٍ بِغَيْرِ عَيْنِهَا بِأَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ حِنْطَةً وَفِي التَّهْذِيبِ لِمُحْيِي السُّنَّةِ رحمه الله وَلَوْ حَلَفَ عَلَى الْحِنْطَةِ فَلَهُ أَحْوَالٌ ثَلَاثٌ أَحَدُهَا أَنْ يُشِيرَ إلَى حِنْطَةٍ فَيَقُولُ لَا آكُلُ هَذِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَذْكُرَ لَفْظَ الْحِنْطَةِ فَيَحْنَثُ بِأَكْلِهَا سَوَاءٌ أَكَلَهَا كَذَلِكَ أَوْ طَحَنَهَا فَأَكَلَ الطَّحِينَ أَوْ خَبَزَهَا

ص: 94