المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فهرس الكتاب

- ‌بَابُ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ)

- ‌أَلْفَاظُ الْعُمُومِ قِسْمَانِ

- ‌[الْقَسْم الْأَوَّل عَامٌّ بِصِيغَتِهِ وَمَعْنَاهُ وَعَامٌّ بِمَعْنَاهُ دُونَ صِيغَتِهِ]

- ‌ مَا هُوَ فَرْدٌ وُضِعَ لِلْجَمْعِ

- ‌[أَنْوَاع الْعَامُّ بِمَعْنَاهُ دُونَ صِيغَتِهِ]

- ‌ كَلِمَةُ كُلٍّ

- ‌[كَلِمَةُ الْجَمِيعِ]

- ‌كَلِمَةُ مَا

- ‌ كَلِمَةُ الَّذِي

- ‌ النَّكِرَةُ إذَا اتَّصَلَ بِهَا دَلِيلُ الْعُمُومِ

- ‌[الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ الْعَامِّ مَعْنًى لَا صِيغَةً]

- ‌ لَامُ التَّعْرِيفِ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ التَّعْرِيفَ بِعَيْنِهِ لِمَعْنَى الْعَهْدِ

- ‌[النَّكِرَةِ إذَا اتَّصَلَ بِهَا وَصْفٌ عَامٌّ]

- ‌ كَلِمَةُ أَيُّ

- ‌ النَّكِرَةُ الْمُفْرَدَةُ فِي مَوْضِعِ إثْبَاتٍ

- ‌[بَابُ مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الظَّاهِرُ وَالنَّصُّ وَالْمُفَسَّرُ وَالْمُحْكَمُ]

- ‌(بَابُ أَحْكَامِ الْحَقِيقَةِ) (وَالْمَجَازِ وَالصَّرِيحِ) (وَالْكِنَايَةِ)

- ‌[تعارض الْحَقِيقَة وَالْمَجَاز]

- ‌طَرِيقُ الِاسْتِعَارَةِ عِنْدَ الْعَرَبِ

- ‌ الِاتِّصَالَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ مِنْ قِبَلِ حُكْمِ الشَّرْعِ يَصْلُحُ طَرِيقًا لِلِاسْتِعَارَةِ

- ‌[يُسْتَعَارَ الْأَصْلُ لِلْفَرْعِ وَالسَّبَبُ لِلْحُكْمِ]

- ‌ الِاسْتِعَارَةُ لِلْمُنَاسَبَةِ فِي الْمَعَانِي

- ‌[الْمَجَازَ خَلَفٌ عَنْ الْحَقِيقَةِ فِي حَقِّ التَّكَلُّمِ لَا فِي حَقِّ الْحُكْمِ]

- ‌ الْعَمَلَ بِالْحَقِيقَةِ مَتَى أَمْكَنَ سَقَطَ الْمَجَازُ

- ‌إِذَا كَانَتْ الْحَقِيقَةُ مُتَعَذِّرَةٌ أَوْ مَهْجُورَةٌ صِيرَ إلَى الْمَجَازِ

- ‌قَدْ يَتَعَذَّرُ الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ مَعًا إذَا كَانَ الْحُكْمُ مُمْتَنِعًا

- ‌ الْكَلَامَ إذَا كَانَتْ لَهُ حَقِيقَةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ وَمَجَازٌ مُتَعَارَفٌ

- ‌(بَابُ جُمْلَةِ مَا يُتْرَكُ بِهِ الْحَقِيقَةُ)

- ‌دَلَالَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَالْعَادَةِ

- ‌ الثَّابِتُ بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ فِي نَفْسِهِ

- ‌ الثَّابِتُ بِسِيَاقِ النَّظْمِ

- ‌ الثَّابِتُ بِدَلَالَةِ مَحَلِّ الْكَلَامِ

- ‌(بَابُ حُرُوفِ) (الْمَعَانِي)

- ‌[معانى الْوَاوُ]

- ‌[معانى الْفَاءُ]

- ‌[معانى ثُمَّ]

- ‌[معانى بَلْ]

- ‌[معانى لَكِنْ]

- ‌[معانى أَوْ]

- ‌بَابُ حَتَّى) :

- ‌بَابُ حُرُوفِ الْجَرِّ)

- ‌[مَعْنَى الْبَاءُ]

- ‌[مَعْنَى عَلَى]

- ‌[مَعْنَى مِنْ]

- ‌[مَعْنَى إلَى]

- ‌[مَعْنَى فِي]

- ‌[حُرُوفِ الْقَسَمِ]

- ‌ اَيْمُ اللَّهِ

- ‌ أَسْمَاءُ الظُّرُوفِ

- ‌ حُرُوفُ الِاسْتِثْنَاءِ

- ‌ حُرُوفِ الشَّرْطِ

- ‌(بَابُ الصَّرِيحِ) (وَالْكِنَايَةِ)

- ‌بَابُ وُجُوهِ) (الْوُقُوفِ عَلَى) (أَحْكَامِ النَّظْمِ)

- ‌مَا سِيقَ الْكَلَامُ لَهُ وَأُرِيدَ بِهِ الْقَصْدُ أَوْ الْإِشَارَةُ

- ‌ دَلَالَةُ النَّصِّ

- ‌[دَلَالَة الْمُقْتَضِي]

- ‌الثَّابِتُ بِدَلَالَةِ النَّصِّ لَا يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ

- ‌ الْحُكْمَ إذَا أُضِيفَ إلَى مُسَمًّى بِوَصْفٍ خَاصٍّ كَانَ دَلِيلًا عَلَى نَفْيِهِ عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ الْوَصْفِ

- ‌ الْقِرَانَ فِي النَّظْمِ يُوجِبُ الْقِرَانَ فِي الْحُكْمِ

- ‌ الْعَامَّ يَخْتَصُّ بِسَبَبِهِ

- ‌ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ مُوجِبٌ الْعَدَمَ

- ‌ مَنْ حَمَلَ الْمُطْلَقَ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي حَادِثَةٍ وَاحِدَةٍ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ

- ‌(بَابُ الْعَزِيمَةِ) (وَالرُّخْصَةِ)

- ‌[أَقْسَام الْعَزِيمَةُ]

- ‌[أَقْسَام الرُّخَصُ]

- ‌{بَابُ حُكْمِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فِي أَضْدَادِهِمَا}

- ‌(بَابُ بَيَانِ أَسْبَابِ الشَّرَائِعِ)

- ‌سَبَبُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ

- ‌سَبَبُ وُجُوبِ الصَّوْمِ

- ‌سَبَبُ وُجُوبِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ

- ‌سَبَبُ وُجُوبِ الْعُشْرِ

- ‌[سَبَبُ وُجُوبِ الْحَجِّ]

- ‌ سَبَبُ الْخَرَاجِ

- ‌سَبَبُ وُجُوبِ الطَّهَارَةِ

- ‌سَبَبُ الْكَفَّارَاتِ

- ‌سَبَبُ الْمُعَامَلَاتِ

- ‌(بَابُ بَيَانِ أَقْسَامِ) (السُّنَّةِ)

- ‌(بَابُ الْمُتَوَاتِرِ)

- ‌(بَابُ الْمَشْهُورِ)

- ‌(بَابُ خَبَرِ الْوَاحِدِ)

- ‌(بَابُ تَقْسِيمِ الرَّاوِي الَّذِي جُعِلَ خَبَرُهُ حُجَّةً)

- ‌[الرَّاوِي الْمَعْرُوفُ]

- ‌[الرَّاوِي الْمَجْهُولُ]

- ‌بَابُ بَيَانِ شَرَائِطِ الرَّاوِي)

- ‌[بَابُ تَفْسِيرِ شُرُوطِ الرَّاوِي وَتَقْسِيمِهَا]

الفصل: ‌(باب بيان أسباب الشرائع)

وَلِهَذَا قَالَ فِي مُسَافِرٍ تَرَكَ الْقِرَاءَةَ إنَّ إحْرَامَ الصَّلَاةِ لَا يَنْقَطِعُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله؛ لِأَنَّ التَّرْكَ مُتَرَدِّدٌ مُحْتَمِلٌ لِلْوُجُودِ لِاحْتِمَالِ نِيَّةِ الْإِقَامَةِ فَلَمْ يَصِحَّ مُفْسِدًا فَصَارَ هَذَا الْبَابُ أَصْلًا يَجِبُ ضَبْطُهُ يُبْتَنَى عَلَيْهِ فُرُوعٌ يَطُولُ تَعْدَادُهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَقَائِقِ.

(بَابُ بَيَانِ أَسْبَابِ الشَّرَائِعِ)

اعْلَمْ أَنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ

ــ

[كشف الأسرار]

بِالْقِرَاءَةِ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ عليه السلام «لَا صَلَاةَ إلَّا بِقِرَاءَةٍ» . يَقْتَضِي ذَلِكَ أَيْضًا فَكَانَ الْفَسَادُ ثَابِتًا بِدَلِيلٍ فِيهِ قُصُورٌ فَلَا يَتَعَدَّى إلَى الْإِحْرَامِ فَقُلْنَا بِبَقَاءِ التَّحْرِيمَةِ حَتَّى صَحَّ شُرُوعُهُ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي وَقُلْنَا بِفَسَادِ الْأَدَاءِ أَيْضًا أَخْذًا بِالِاحْتِيَاطِ فِي كُلِّ بَابٍ، فَعَلَى مَا ذَكَرْنَا تَخْرُجُ الْمَسَائِلُ.

فَإِذَا قَرَأَ فِي الْأَوَّلَيْنِ لَا غَيْرُ أَوْ فِي الْآخَرَيْنِ لَا غَيْرُ أَوْ فِي الْأُولَيَيْنِ، وَإِحْدَى الْأُخْرَيَيْنِ. أَوْ فِي الْأُخْرَيَيْنِ، وَإِحْدَى الْأُولَيَيْنِ كَانَ عَلَيْهِ قَضَاءُ رَكْعَتَيْنِ بِالِاتِّفَاقِ. وَلَوْ قَرَأَ فِي إحْدَى الْأُولَيَيْنِ لَا غَيْرُ. أَوْ فِي إحْدَى الْأُولَيَيْنِ، وَإِحْدَى الْأُخْرَيَيْنِ كَانَ عَلَيْهِ قَضَاءُ رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَقَضَاءُ الْأَرْبَعِ عِنْدَهُمَا. وَلَوْ قَرَأَ فِي إحْدَى الْأُخْرَيَيْنِ لَا غَيْرَ. أَوْ لَمْ يَقْرَأْ فِيهِنَّ شَيْئًا عَلَيْهِ قَضَاءُ الْأَرْبَعِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَقَضَاءُ رَكْعَتَيْنِ عِنْدَهُمَا قَوْلُهُ (وَلِهَذَا) أَيْ، وَلِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْفَسَادَ مَتَى ثَبَتَ بِطَرِيقٍ مُحْتَمَلٍ لَمْ يَتَعَدَّ إلَى الْإِحْرَامِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي مُسَافِرٍ صَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ وَتَرَكَ الْقِرَاءَةَ فِيهِمَا لَا يَنْقَطِعُ بِهِ الْإِحْرَامُ حَتَّى لَوْ نَوَى الْإِقَامَةَ يُتِمُّ صَلَاتَهُ أَرْبَعًا وَيَقْرَأُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ رحمه الله صَلَاتُهُ فَاسِدَةٌ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ فَسَادَ الصَّلَاةِ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ مُؤَثِّرٌ فِي قَطْعِ التَّحْرِيمَةِ عِنْدَهُ فَصَارَ ظُهْرُ الْمُسَافِرِ كَفَجْرِ الْمُقِيمِ يَفْسُدُ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ فِيهِمَا أَوْ فِي أَحَدَيْهِمَا عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُهُ إصْلَاحُهُ فَكَذَا الظُّهْرُ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ إذْ لَا تَأْثِيرَ لِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ فِي رَفْعِ صِفَةِ الْفَسَادِ. وَعِنْدَهُمَا لَمَّا كَانَ الِاحْتِمَالُ مَانِعًا مِنْ تَعَدِّي الْفَسَادِ إلَى الْإِحْرَامِ لَمْ تَفْسُدْ الصَّلَاةُ فَإِنَّ صَلَاةَ الْمُسَافِرِ بِعَرْضٍ أَنْ تَصِيرَ أَرْبَعًا بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ فَكَانَ التَّرْكُ مُتَرَدِّدًا مُحْتَمِلًا لِلْوُجُودِ أَيْ وُجُودِ الْقِرَاءَةِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ وَنِيَّةُ الْإِقَامَةِ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ مِثْلُهَا فِي أَوَّلِهَا، وَلَوْ كَانَتْ فِي أَوَّلِهَا لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ فِي الْأُولَيَيْنِ فَهَاهُنَا مِثْلُهُ بِخِلَافِ فَجْرِ الْمُقِيمِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَرْضِ أَنْ تَصِيرَ أَرْبَعًا. يُبْتَنَى عَلَيْهِ فُرُوعٌ يَطُولُ تَعْدَادُهَا. مِثْلُ الِاعْتِكَافِ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ بِالْخُرُوجِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ؛ لِأَنَّ اللُّبْثَ الدَّائِمَ يَنْقَطِعُ بِهِ كَالصَّوْمِ بِالْأَكْلِ. وَمِثْلُ الصَّلَاة يَبْطُلُ بِالِانْحِرَافِ عَنْ الْقِبْلَةِ بِالْبَدَنِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ؛ لِأَنَّ اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ فَرْضٌ دَائِمٌ فَيَفُوتُ بِالِانْحِرَافِ. وَقِسْ عَلَيْهِ سَتْرَ الْعَوْرَةِ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ بِقُرْبِ النَّجَاسَةِ فَتُكْرَهُ، وَلَا تَفْسُدُ؛ لِأَنَّ فَرْضَ تَطْهِيرِ الْمَكَانِ لَا يَفُوتُ بِهِ، وَلَكِنْ يُقَرِّبُ إلَى الْفَوَاتِ.، وَكَذَا أَدَاءُ النِّصَابِ بِنِيَّةِ الزَّكَاةِ إلَى فَقِيرٍ وَاحِدٍ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ، وَهُوَ الْإِيتَاءُ إلَى الْفَقِيرِ لَمْ يَفُتْ، وَلَكِنْ يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ شَبَهًا بِالْأَدَاءِ إلَى الْغَنِيِّ لِاتِّصَالِ الْغَنِيِّ بِالْأَدَاءِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ بَيَانِ أَسْبَابِ الشَّرَائِعِ]

وَلَمَّا فَرَغَ الشَّيْخُ عَنْ بَيَانِ الْمَقَاصِدِ وَتَقْسِيمِهَا، وَهِيَ الْأَحْكَامُ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْوَسَائِلِ إلَيْهَا، وَهِيَ الْأَسْبَابُ فَقَالَ {بَابُ بَيَانِ أَسْبَابِ الشَّرَائِعِ}

أَيْ بَيَانِ الطُّرُقِ الَّتِي تُعْرَفُ بِهَا الْمَشْرُوعَاتُ. قَالَ عَامَّةُ أَصْحَابِنَا وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَعَامَّةُ الْمُتَكَلِّمِينَ إنَّ لِأَحْكَامِ الشَّرْعِ أَسْبَابًا تُضَافُ إلَيْهَا وَالْمُوجِبُ لِلْحُكْمِ فِي الْحَقِيقَةِ وَالشَّارِعُ لَهُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى دُونَ السَّبَبِ؛ لِأَنَّ الْإِيجَابَ إلَى الشَّرْعِ دُونَ غَيْرِهِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ أَبِي مَنْصُورٍ رحمه الله فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي مَأْخَذِ الشَّرَائِعِ أَنَّ أَوْقَاتَ الصَّلَاةِ أَسْبَابٌ لِوُجُودِ الْعِبَادَاتِ.، وَقَالَ جُمْهُورُ الْأَشْعَرِيَّةِ لِلْعُقُوبَاتِ وَحُقُوقِ الْعِبَادِ أَسْبَابٌ يُضَافُ وُجُوبُهَا إلَيْهَا فَأَمَّا الْعِبَادَاتُ

ص: 339

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[كشف الأسرار]

فَلَا تُضَافُ إلَّا إلَى إيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَخِطَابِهِ.، وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ الْأَسْبَابَ أَصْلًا، وَقَالُوا الْحُكْمُ فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ يَثْبُتُ بِظَاهِرِ النَّصِّ، وَفِي غَيْرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ يَتَعَلَّقُ بِالْوَصْفِ الَّذِي جُعِلَ عِلَّةً، وَيَكُونُ ذَلِكَ أَمَارَةً لِثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِثْبَاتِهِ مُتَمَسِّكِينَ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ الْمُوجِبَ لِلْأَحْكَامِ وَالشَّارِعَ لَهَا هُوَ اللَّهُ جل جلاله كَمَا أَنَّ مُوجِبَ الْأَشْيَاءِ الْمَحْسُوسَةِ وَخَالِقَهَا هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَصِفَةُ الْإِيجَابِ صِفَةٌ خَاصَّةٌ لَهُ لَا يَجُوزُ اتِّصَافُ الْغَيْرِ بِهَا كَصِفَةِ التَّخْلِيقِ فَكَانَ فِي إضَافَةِ الْإِيجَابِ إلَى الْأَسْبَابِ قَطْعُهُ عَنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَكِنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ بَعْضَ أَوْصَافِ النَّصِّ عَلَامَةً، وَأَمَارَةً عَلَى الْحُكْمِ فِي الْفُرُوعِ فَيُقَالُ أَسْبَابٌ مُوجِبَةٌ أَوْ عِلَلٌ مُوجِبَةٌ مَجَازًا لِظُهُورِ أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَهَا.

وَبِأَنَّ الْأَسْبَابَ فِي أَفْعَالِ الْعِبَادِ بِمَنْزِلَةِ الْآلَاتِ وَالْجَوَارِحِ السَّلِيمَةِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ قُدْرَةَ الْعِبَادِ نَاقِصَةٌ لَا يَظْهَرُ أَثَرُهَا فِي الْمَحَالِّ إلَّا بِأَسْبَابٍ وَآلَاتٍ فَيَكُونُ عَمَلُهَا فِي تَتْمِيمِ الْقُدْرَةِ النَّاقِصَةِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى مَوْصُوفٌ بِالْقُدْرَةِ التَّامَّةِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ وُجُوبُ أَحْكَامِهِ وَوُجُودُهَا بِالْأَسْبَابِ حَقِيقَةً. وَبِأَنَّ الْأَسْبَابَ كَانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ الشَّرْعِ، وَلَا أَحْكَامَ مَعَهَا، وَقَدْ تُوجَدُ بِغَيْرِ الشَّرْعِ أَيْضًا بِلَا أَحْكَامٍ كَمَا فِي الْمَجَانِينِ وَالصِّبْيَانِ وَغَيْرِهِمْ، وَلَوْ كَانَتْ عِلَلًا لِلْأَحْكَامِ لَمْ يُتَصَوَّرْ انْفِكَاكُهَا عَنْ الْأَحْكَامِ كَمَا فِي الْعِلَلِ الْعَقْلِيَّةِ فَإِنَّ الْكَسْرَ لَا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ الِانْكِسَارِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْعِبَادَ لَا تَجِبُ عَلَى مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ، وَهُوَ الَّذِي أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَلَمْ يُهَاجِرْ إلَيْنَا، وَلَوْ كَانَ الْوُجُوبُ بِالْأَسْبَابِ دُونَ الْخِطَابِ لَوَجَبَ عَلَيْهِ الْعِبَادَاتُ لِتَحَقُّقِ الْأَسْبَابِ فِي حَقِّهِ. وَتَمَسَّكَ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْعِبَادَاتِ وَغَيْرِهَا بِأَنَّ الْعِبَادَاتِ وَجَبَتْ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى الْخُلُوصِ فَتُضَافُ إلَى إيجَابِهِ؛ لِأَنَّا مَا عَرَفْنَا وُجُوبَهَا إلَّا بِالشَّرْعِ، وَأَمَّا الْعُقُوبَاتُ فَتُضَافُ إلَى الْأَسْبَابِ؛ لِأَنَّهَا أَجْزِيَةُ الْأَفْعَالِ الْمَحْظُورَةِ فَتُضَافُ إلَيْهَا تَغْلِيظًا، وَكَذَا الْمُعَامَلَاتُ تُضَافُ إلَى الْأَسْبَابِ؛ لِأَنَّهَا حَاصِلَةٌ بِكَسْبِ الْعَبْدِ فَتُضَافُ إلَيْهِ.

وَبِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْعِبَادَاتِ لَيْسَ إلَّا الْفِعْلُ وَوُجُوبُهُ بِالْخِطَابِ بِالْإِجْمَاعِ فَلَا يُمْكِنُ إضَافَتُهُ إلَى شَيْءٍ آخَرَ فَأَمَّا الْمُعَامَلَاتُ فَالْوَاجِبُ فِيهَا شَيْئَانِ الْمَالُ وَالْفِعْلُ فَيُمْكِنُ إضَافَةُ وُجُوبِ الْمَالِ إلَى السَّبَبِ، وَإِضَافَةُ وُجُوبِ الْفِعْلِ إلَى الْخِطَابِ، وَكَذَا الْعُقُوبَاتُ فَإِنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْجَانِي لَيْسَ إلَّا تَسْلِيمُ النَّفْسِ وَتَحَمُّلُ الْعُقُوبَةِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ الْفِعْلُ عَلَى الْوُلَاةِ فَيَجُوزُ أَنْ يُضَافَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ إلَى السَّبَبِ، وَمَا وَجَبَ عَلَى الْوُلَاةِ إلَى الْخِطَابِ إلَيْهِمْ حَيْثُ قِيلَ {فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً {فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2] . فَعَلَى هَذَا الطَّرِيقِ يَجُوزُ أَنْ تُضَافَ الْعِبَادَاتُ الْمَالِيَّةُ إلَى الْأَسْبَابِ عِنْدَهُمْ أَيْضًا.

وَأَمَّا الْعَامَّةُ فَقَالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَعَ لِلْعِبَادَاتِ أَسْبَابًا يُضَافُ وُجُوبُهَا إلَيْهَا وَالْمُوجِبُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى كَمَا شَرَعَ لِوُجُوبِ الْقِصَاصِ وَالْحُدُودِ أَسْبَابًا يُضَافُ الْوُجُوبُ إلَيْهَا، وَالْمُوجِبُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى فَجَعَلَ سَبَبَ وُجُوبِ الْقِصَاصِ الْقَتْلَ وَسَبَبَ وُجُوبِ الضَّمَانِ الْإِتْلَافَ وَسَبَبَ مِلْكِ الْوَاطِئِ النِّكَاحَ، فَكَذَا شَرَعَ لِوُجُوبِ الْعِبَادَاتِ أَسْبَابًا أَيْضًا. فَمَنْ أَنْكَرَ جَمِيعَ الْأَسْبَابِ وَعَطَّلَهَا، وَأَضَافَ الْإِيجَابَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَقَطْ خَالَفَ النَّصَّ وَالْإِجْمَاعَ وَصَارَ جَبْرِيًّا خَارِجًا عَنْ مَذْهَبِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ

ص: 340

عَلَى الْأَقْسَامِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا إنَّمَا يُرَادُ بِهَا طَلَبُ الْأَحْكَامِ الْمَشْرُوعَةِ، وَأَدَاؤُهَا، وَإِنَّمَا الْخِطَابُ لِلْأَدَاءِ وَلِهَذِهِ الْأَحْكَامِ أَسْبَابٌ تُضَافُ إلَيْهَا شَرْعِيَّةٌ وُضِعَتْ تَيْسِيرًا عَلَى الْعِبَادِ، وَإِنَّمَا الْوُجُوبُ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى لَا أَثَرَ لِلْأَسْبَابِ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا وُضِعَتْ تَيْسِيرًا عَلَى الْعِبَادِ لَمَّا كَانَ الْإِيجَابُ غَيْبًا فَنُسِبَ الْوُجُوبُ إلَى الْأَسْبَابِ الْمَوْضُوعَةِ وَثَبَتَ الْوُجُوبُ جَبْرًا لَا اخْتِيَارَ لِلْعَبْدِ فِيهِ ثُمَّ الْخِطَابُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ لِلْأَدَاءِ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ يَجِبُ بِهِ الثَّمَنُ ثُمَّ يُطَالَبُ بِالْأَدَاءِ

ــ

[كشف الأسرار]

وَمَنْ أَنْكَرَ الْبَعْضَ، وَأَقَرَّ بِالْبَعْضِ فَلَا وَجْهَ لَهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ إضَافَةُ بَعْضِ الْأَحْكَامِ إلَى الْأَسْبَابِ بِالدَّلِيلِ فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُضَافَ سَائِرُهَا إلَى الْأَسْبَابِ أَيْضًا بِالدَّلِيلِ.

وَقَوْلُهُمْ لَوْ أُضِيفَ الْوُجُوبُ إلَى الْأَسْبَابِ لَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ مُضَافًا إلَى اللَّهِ عز وجل فَاسِدٌ؛ لِأَنَّا لَا نَجْعَلُ الْأَسْبَابَ مُوجِبَةً بِذَوَاتِهَا إذْ الْإِيجَابُ وَالْإِلْزَامُ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا مِنْ مُفْتَرِضِ الطَّاعَةِ لَكِنَّ السَّبَبَ مَا يَكُونُ مَوْصِلًا إلَى الْحُكْمِ وَطَرِيقًا إلَيْهِ فَإِضَافَةُ الْحُكْمِ إلَى السَّبَبِ لَا يَمْنَعُ مِنْ إضَافَتِهِ إلَى غَيْرِهِ فَإِنَّ مَنْ قَتَلَ إنْسَانًا بِالسَّيْفِ يَحْصُلُ الْقَتْلُ حَقِيقَةً بِالسَّيْفِ ثُمَّ لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ إضَافَتِهِ إلَى الْقَاتِلِ حَتَّى يَجِبَ الْقِصَاصُ عَلَيْهِ، وَكَذَا الشِّبَعُ يَحْصُلُ بِالطَّعَامِ وَالرَّيُّ بِالْمَاءِ ثُمَّ يُضَافَانِ إلَى الْمُطْعِمِ وَالسَّاقِي فَكَذَا هَذَا.

وَقَوْلُهُمْ الْأَسْبَابُ كَانَتْ، وَلَا حُكْمَ فَاسِدٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّا نَجْعَلُهَا مُوجِبَةً بِجَعَلِ اللَّهِ تَعَالَى إيَّاهَا كَذَلِكَ لَا بِأَنْفُسِهَا فَلَا تَكُونُ أَسْبَابًا قَبْلَ ذَلِكَ كَأَسْبَابِ الْعُقُوبَاتِ وَحُقُوقِ الْعِبَادِ كَانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ الْخِطَابِ، وَلَمْ تَكُنْ أَسْبَابًا ثُمَّ صَارَتْ أَسْبَابًا بِجَعْلِ اللَّهِ تَعَالَى.، وَأَمَّا الَّذِي أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَلَمْ يُهَاجِرْ إلَيْنَا فَإِنَّمَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْعِبَادَاتُ قَبْلَ بُلُوغِ الْخِطَابِ؛ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ إلَى إيجَابِ الْأَدَاءِ فِي حَقِّهِ تَحْقِيقًا، وَلَا تَقْدِيرًا إذْ لَا ثُبُوتَ لِلْخِطَابَاتِ فِي حَقِّهِ أَصْلًا، وَلَا إلَى إيجَابِ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى وُجُوبِ الْأَدَاءِ؛ وَلِأَنَّ فِي إيجَابِهَا عَلَيْهِ حَرَجًا لِاجْتِمَاعِ عِبَادَاتٍ كَثِيرَةٍ عَلَيْهِ لِطُولِ مُدَّةِ بَقَائِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ عَادَةً فَيَسْقُطُ عَنْهُ دَفْعًا لِلْحَرَجِ وَالْقَصِيرُ لِنُدْرَتِهِ مُلْحَقٌ بِالْكَثِيرِ وَبَاقِي الْكَلَامِ مَذْكُورٌ فِي الْكِتَابِ، وَقَوْلُهُ (عَلَى الْأَقْسَامِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا) مِنْ كَوْنِ الْأَمْرِ مُطْلَقًا عَنْ الْوَقْتِ، وَمُقَيَّدًا بِهِ، وَكَوْنِهِ إيجَابًا عَلَى سَبِيلِ التَّوَسُّعِ أَوْ التَّضْيِيقِ وَالتَّخْيِيرِ وَغَيْرِهَا.

إنَّمَا يُرَادُ بِهَا أَيْ بِالْأَقْسَامِ الْمَذْكُورَةِ طَلَبُ الْأَحْكَامِ الْمَشْرُوعَةِ الثَّابِتَةِ قَبْلَ الْخِطَابِ. وَأَدَاؤُهَا تَأْكِيدٌ يَعْنِي الْخِطَابَ لِطَلَبِ أَدَاءِ الْمَشْرُوعَاتِ بِأَسْبَابٍ نَصَبَهَا الشَّرْعُ، وَإِنْ اسْتَقَامَ الْإِيجَابُ بِمُجَرَّدِ الْأَمْرِ. لَا أَثَرَ لِلْأَسْبَابِ فِي ذَلِكَ أَيْ فِي حَقِيقَةِ الْوُجُوبِ بِخِلَافِ السَّبَبِ الْعَقْلِيِّ وَالْحِسِّيِّ فَإِنَّ لَهُمَا أَثَرًا فِي إثْبَاتِ الْمَعْلُولِ بِحَيْثُ لَا يَتَخَلَّفُ عَنْ السَّبَبِ كَالْكَسْرِ مَعَ الِانْكِسَارِ وَالْإِحْرَاقِ مَعَ الِاحْتِرَاقِ. وَإِنَّمَا وُضِعَتْ الْأَسْبَابُ لِأَجْلِ التَّيْسِيرِ عَلَى الْعِبَادِ لِيَتَوَصَّلُوا إلَى مَعْرِفَةِ الْوَاجِبَاتِ بِمَعْرِفَةِ الْأَسْبَابِ الظَّاهِرَةِ إذْ الْإِيجَابُ الَّذِي هُوَ فِعْلُ اللَّهِ تَعَالَى كَانَ غَيْبًا عَنَّا، وَفِي الْوُقُوفِ عَلَى مَعْرِفَتِهِ حَرَجٌ خُصُوصًا عِنْدَ انْقِطَاعِ زَمَانِ الْوَحْيِ فَوُضِعَتْ الْأَسْبَابُ وَنُسِبَ الْوُجُوبُ إلَيْهَا تَيْسِيرًا، وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ أَمَارَاتٌ عَلَى الْإِيجَابِ وَثَبَتَ الْوُجُوبُ جَبْرًا يَعْنِي لَمْ يُشْتَرَطْ لِأَصْلِ الْوُجُوبِ اخْتِيَارُ الْعَبْدِ، وَقُدْرَتُهُ بَلْ يَثْبُتْ بِدُونِ اخْتِيَارٍ مِنْهُ كَمَا يَثْبُتُ السَّبَبُ بِدُونِ اخْتِيَارِهِ فَأَمَّا وُجُوبُ الْأَدَاءِ الثَّابِتِ بِالْخِطَابِ فَلَا يَنْفَكُّ عَنْ اخْتِيَارِ الْعَبْدِ عَنَى بِهِ أَنَّهُ إنَّمَا يَثْبُتُ فِي حَالٍ لَوْ اخْتَارَ الْعَبْدُ فِيهَا الْأَدَاءَ لَقَدَرَ عَلَيْهِ لَا أَنَّ وُجُوبَ الْأَدَاءِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى اخْتِيَارِهِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ إنْ اخْتَارَ وُجُوبَهُ ثَبَتَ، وَإِلَّا فَلَا.

وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَصْلَ الْوُجُوبِ يَثْبُتُ بِالسَّبَبِ خَبَرًا، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقُدْرَةُ عَلَى الْأَدَاءِ وَوُجُوبُ الْأَدَاءِ يَثْبُتُ بِالْخِطَابِ جَبْرًا، وَلَكِنْ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقُدْرَةُ عَلَى الْأَدَاءِ أَعْنِي قُدْرَةَ الْأَسْبَابِ وَالْآلَاتِ، وَوُجُودُ الْأَدَاءِ يَتَوَقَّفُ عَلَى اخْتِيَارِهِ الْفِعْلُ. وَلَا يُقَالُ مَا ذَكَرْتُمْ لَا يَسْتَقِيمُ فِي النَّهْيِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يُخَاطَبُ بِأَدَاءِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: الْوَاجِبُ بِالنَّهْيِ انْتِهَاءُ الْعَبْدِ عَمَّا نُهِيَ عَنْهُ فَانْتِهَاؤُهُ وَامْتِنَاعُهُ عَنْهُ يَكُونُ أَدَاءً

ص: 341

وَدَلَالَةُ صِحَّةِ هَذَا الْأَصْلِ إجْمَاعُهُمْ عَلَى وُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّائِمِ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ وَالْخِطَابُ عَنْهُ مَوْضُوعٌ وَوُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَجْنُونِ إذَا انْقَطَعَ جُنُونُهُ دُونَ يَوْمٍ، وَلَيْلَةٍ وَعَلَى الْمُغْمَى عَلَيْهِ كَذَلِكَ وَالْخِطَابُ عَنْهُمَا مَوْضُوعٌ، وَكَذَلِكَ الْجُنُونُ إذَا لَمْ يَسْتَغْرِقْ شَهْرَ رَمَضَانَ كُلَّهُ وَالْإِغْمَاءُ وَالنَّوْمُ، وَإِنْ اسْتَغْرَقَهُ لَا يَمْتَنِعُ بِهِمَا الْوُجُوبُ وَلَا خِطَابَ عَلَيْهِمَا بِالْإِجْمَاعِ. وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَى الصَّبِيِّ، وَهُوَ غَيْرُ مُخَاطَبٍ وَقَالُوا جَمِيعًا بِوُجُوبِ الْعُشْرِ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ عَلَيْهِ فَعُلِمَ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنَّ الْوُجُوبَ فِي حَقِّنَا مُضَافٌ إلَى أَسْبَابٍ شَرْعِيَّةٍ غَيْرَ الْخِطَابِ.

ــ

[كشف الأسرار]

لِمُوجِبِ النَّهْيِ قَوْلُهُ (وَدَلَالَةُ صِحَّةِ هَذَا الْأَصْلِ) أَيْ الدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْأَصْلِ، وَهُوَ أَنَّ نَفْسَ الْوُجُوبِ بِالسَّبَبِ وَوُجُوبَ الْأَدَاءِ بِالْخِطَابِ إجْمَاعُهُمْ.، وَهُوَ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ نَحْنُ لَا نَعْلَمُ إيجَابًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا بِالْأَمْرِ فَبِمَ عَرَفْتُمْ أَنَّ وُجُوبَ الْعِبَادَاتِ بِالْأَسْبَابِ. فَقَالَ عَرَفْنَا ذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى إيجَابِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ عَلَى مَنْ لَا يَصْلُحُ لِلْخِطَابِ مِثْلَ النَّائِمِ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ فَإِنَّهُ مُؤَاخَذٌ بِالْقَضَاءِ بَعْدَ الِانْتِبَاهِ.

وَكَذَا الْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالْمَجْنُونُ عِنْدَنَا يُؤَاخَذَانِ بِالْقَضَاءِ بَعْدَ الْإِفَاقَةِ إذَا لَمْ يَزْدَدْ الْإِغْمَاءُ وَالْجُنُونُ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فِي الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَسْتَغْرِقْ الْجُنُونُ وَالْقَضَاءُ إنَّمَا يَجِبُ بَدَلًا عَنْ الْفَائِتِ مِنْ عِنْدِ مَنْ وُجِدَ مِنْهُ التَّفْوِيتُ كَضَمَانِ الْمُتْلَفَاتِ، وَلَوْلَا التَّفْوِيتُ لَمَا وَجَبَ الْقَضَاءُ، وَلَوْلَا الْوُجُوبُ لَمَا تُصُوِّرَ التَّفْوِيتُ. وَلَا يُقَالُ ذَلِكَ ابْتِدَاءً عِبَادَةٌ تَجِبُ بَعْدَ الِانْتِبَاهِ أَوْ الْإِفَاقَةِ بِخِطَابٍ جَدِيدٍ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ يَجِبُ رِعَايَةُ شَرَائِطِ الْقَضَاءِ فِيهِ كَنِيَّةِ الْقَضَاءِ وَغَيْرِهَا، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ ابْتِدَاءَ فَرْضٍ لَمَا رُوعِيَتْ فِيهِ شَرَائِطُ الْقَضَاءِ بَلْ كَانَ ذَلِكَ أَدَاءً فِي نَفْسِهِ كَالْمُؤَدَّى فِي الْوَقْتِ.

أَلَا تَرَى أَنَّ الصَّلَاةَ مَتَى لَمْ تَجِبْ فِي الْوَقْتِ لَا يَجِبُ قَضَاؤُهَا بَعْدَ خُرُوجِهِ كَالْكَافِرِ وَالصَّبِيِّ وَالْحَائِضِ إذَا أَسْلَمَ أَوْ بَلَغَ أَوْ ظَهَرَتْ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْقَضَاءُ لِعَدَمِ الْوُجُوبِ فِي الْوَقْتِ وَحَيْثُ وَجَبَ هَاهُنَا، وَمَعَ الْوُجُوبِ رُوعِيَتْ شَرَائِطُ الْقَضَاءِ دَلَّ أَنَّ الْأَمْرَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا. وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ وَوُجُوبُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَجْنُونِ يَنْبَغِي أَنْ يُقْرَأَ بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ أَوْ عَطْفًا عَلَى إجْمَاعِهِمْ لَا بِالْجَرِّ إذْ لَوْ قُرِئَ بِالْجَرِّ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ سَوْقُ الْكَلَامِ لَصَارَ مَعْطُوفًا عَلَى الْوُجُوبِ الْمُتَقَدِّمِ، وَلَدَخَلَ وُجُوبُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ تَحْتَ الْإِجْمَاعِ أَيْضًا كَوُجُوبِهَا عَلَى النَّائِمِ. وَهُوَ لَيْسَ بِمُجْمَعٍ عَلَيْهِ فَإِنَّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا تَجِبُ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ إذَا اسْتَغْرَقَ الْجُنُونُ وَالْإِغْمَاءُ وَقْتَ الصَّلَاةِ وَحِينَئِذٍ لَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَال بِهَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ عَلَى الْخَصْمِ. إلَّا إذَا كَانَ الْكَلَامُ مَعَ مَنْ أَنْكَرَ سَبَبِيَّةَ الْأَوْقَاتِ لِلصَّلَوَاتِ مِنْ أَصْحَابِنَا فَحِينَئِذٍ يَسْتَقِيمُ أَنْ يُقْرَأَ بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الْوُجُوبِ الْمُتَقَدِّمِ وَيَصِحُّ الِاسْتِدْلَال بِالْمَسْأَلَتَيْنِ أَيْضًا وَيَكُونُ الْمُرَادُ مِنْ الْإِجْمَاعِ اتِّفَاقَ أَصْحَابِنَا خَاصَّةً دُونَ اتِّفَاقِ الْجَمِيعِ. وَقَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ الْجُنُونُ إذَا لَمْ يَسْتَغْرِقْ مَذْهَبَنَا أَيْضًا دُونَ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَبِوُجُوبِ كَفَّارَاتِ الْإِحْرَامِ وَالْقَتْلِ مَعَ أَنَّ الْخِطَابَ عَنْهُمَا مَوْضُوعٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَقَالُوا أَيْ الْفُقَهَاءُ جَمِيعًا بِوُجُوبِ الْعُشْرِ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ عَلَى الصَّبِيِّ إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ عِنْدَ تَقَرُّرِ السَّبَبِ، وَهُوَ الْأَرْضُ النَّامِيَةُ وَالرَّأْسُ الَّذِي يُمَوِّنُهُ مَعَ أَنَّ الْخِطَابَ عَنْهُ مَوْضُوعٌ، وَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ وَعَلَى الْمَجْنُونِ حُقُوقُ الْعِبَادِ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْأَسْبَابِ مِنْهُمَا.

وَيَثْبُتُ الْعِتْقُ لِلْقَرِيبِ عَلَيْهِمَا عِنْدَ دُخُولِهِ فِي مِلْكِهِمَا بِالْإِرْثِ لِتَقَرُّرِ السَّبَبِ، وَهُوَ الْمِلْكُ، وَإِنْ كَانَ الْخِطَابُ مَوْضُوعًا عَنْهُمَا. أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَدَاءَ لَمَّا وَجَبَ بِالْخِطَابِ لَمْ يَلْزَمْ عَلَيْهِمَا، وَإِنَّمَا لَزِمَ عَلَى الْمَوْلَى. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ رحمه الله، وَقَدْ دَلَّ عَلَى مَا بَيَّنَّا قَوْله تَعَالَى:{وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43] فَالْأَلِفُ وَاللَّامُ دَلَّتَا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ الَّتِي أَوْجَبْتُهَا عَلَيْكُمْ بِالسَّبَبِ الَّذِي جَعَلْتُهُ سَبَبًا لَهَا، وَأَدُّوا الزَّكَاةَ الْوَاجِبَةَ عَلَيْكُمْ بِسَبَبِهَا كَقَوْلِ الْقَائِلِ أَدِّ الثَّمَنَ إنَّمَا يُفْهَمُ مِنْهُ الْخِطَابُ بِأَدَاءِ ثَمَنِ الْوَاجِبِ بِسَبَبِهِ، وَهُوَ الْبَيْعُ.

ص: 342

وَإِنَّمَا يُعْرَفُ السَّبَبُ بِنِسْبَةِ الْحُكْمِ إلَيْهِ وَتَعَلُّقِهِ بِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي إضَافَةِ الشَّيْءِ إلَى الشَّيْءِ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لَهُ حَادِثًا بِهِ

ــ

[كشف الأسرار]

قَوْلُهُ (وَإِنَّمَا يُعْرَفُ السَّبَبُ) ثُمَّ بَيَّنَ الشَّيْخُ أَمَارَةَ كَوْنِ الشَّيْءِ سَبَبًا فَقَالَ: إنَّمَا يُعْرَفُ السَّبَبُ بِنِسْبَةِ الْحُكْمِ إلَيْهِ أَيْ إضَافَتِهِ إلَيْهِ كَقَوْلِك صَلَاةُ الظُّهْرِ وَصَوْمُ الشَّهْرِ وَحَجُّ الْبَيْتِ وَحَدُّ الشُّرْبِ، وَكَفَّارَةُ الْقَتْلِ. وَتَعَلُّقُهُ بِهِ أَيْ تَعَلُّقُ الْحُكْمِ بِالسَّبَبِ بِأَنْ لَا يُوجَدَ بِدُونِهِ وَيَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي إضَافَةِ الشَّيْءِ إلَى الشَّيْءِ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الْمُضَافُ إلَيْهِ سَبَبًا لِلْمُضَافِ، وَأَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الْمُضَافُ حَادِثًا بِالْمُضَافِ إلَيْهِ كَقَوْلِك كَسْبُ فُلَانٍ أَيْ حَدَثَ بِفِعْلِهِ وَاخْتِيَارِهِ؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ لَمَّا كَانَتْ مَوْضُوعَةً لِلتَّمْيِيزِ كَانَ الْأَصْلُ فِيهَا الْإِضَافَةَ إلَى أَخَصِّ الْأَشْيَاءِ بِهِ لِيَحْصُلَ التَّمْيِيزُ، وَأَخَصُّ الْأَشْيَاءِ بِالْحُكْمِ سَبَبُهُ؛ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ بِهِ فَكَانَتْ الْإِضَافَةُ إلَيْهِ أَصْلًا فَأَمَّا الشَّرْطُ فَإِنَّمَا يُضَافُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يُوجَدُ عِنْدَهُ فَكَانَتْ الْإِضَافَةُ إلَيْهِ مَجَازًا، وَالْمُعْتَبَرُ هُوَ الْحَقِيقَةُ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ الْمَجَازِ وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الْإِضَافَةَ لِلتَّعْرِيفِ فَإِنَّ الْمُضَافَ نَكِرَةٌ قَبْلَ الْإِضَافَةِ، وَقَدْ تُعْرَفُ بَعْدَهَا بِالْمُضَافِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ تُوجِبُ الِاخْتِصَاصَ، وَالشَّيْءُ مَتَى اُخْتُصَّ فِي نَفْسِهِ تَعَرَّفَ فَإِذَا قُلْت جَاءَنِي غُلَامٌ نَكِرَةٌ لِشُيُوعِهِ فِي الْغِلْمَانِ، وَلَوْ قُلْت جَاءَنِي غُلَامُ زَيْدٍ صَارَ مَعْرِفَةً لِاخْتِصَاصِهِ بِهِ.

ثُمَّ اخْتِصَاصُ الشَّيْءِ بِغَيْرِهِ قَدْ يَكُونُ بِمَعَانٍ فَاخْتِصَاصُ الْغُلَامِ بِزَيْدٍ بِمَعْنَى الْمِلْكِ وَاخْتِصَاصُ الِابْنِ بِالْأَبِ فِي قَوْلِك ابْنُ فُلَانٍ بِمَعْنَى النَّسَبِ وَاخْتِصَاصُ الْيَدِ بِزَيْدٍ فِي قَوْلِك يَدُ زَيْدٍ بِمَعْنَى الْجُزْئِيَّةِ، وَقِسْ عَلَيْهِ. ثُمَّ تُعَرَّفُ الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ بِإِضَافَتِهِمَا إلَى الْوَقْتِ إمَّا بِمَعْنَى السَّبَبِيَّةِ بِأَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَاجِبًا بِمَا أُضِيفَ إلَيْهِ. أَوْ بِمَعْنَى الشَّرْطِيَّةِ عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْوُجُوبَ يَثْبُتُ عِنْدَهُ. أَوْ بِمَعْنَى الظَّرْفِيَّةِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ وُجُودَ الْوَاجِبِ يَحْصُلُ فِي هَذَا الْوَقْتِ. ثُمَّ تَرَجَّحَ مَعْنَى السَّبَبِيَّةِ عَلَى الشَّرْطِيَّةِ وَالظَّرْفِيَّةِ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ إضَافَةِ الْحَادِثِ إلَى شَيْءٍ يَدُلُّ عَلَى حُدُوثِهِ بِهِ كَقَوْلِك عَبْدُ اللَّهِ وَنَاقَةُ اللَّهِ، وَكَفَّارَةُ الْقَتْلِ، وَكَسْبُ فُلَانٍ وَتَرِكَتُهُ وَالْوُجُوبُ هُوَ الْحَادِثُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ بِالْوَقْتِ. وَاعْتَرَضَ الشَّيْخُ أَبُو الْمُعِينِ رحمه الله عَلَى هَذَا الْكَلَامِ فَقَالَ هَذَا كَلَامٌ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ مَا وَضَعُوا الْإِضَافَةَ لِمَعْرِفَةِ الْحُدُوثِ، وَلَا فَهِمُوهُ مِنْهَا أَلْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا وَضَعُوهَا لِلتَّعْرِيفِ، وَفَهِمُوا مِنْهَا الِاخْتِصَاصَ الْمُوجِبَ لِلتَّعْرِيفِ.

وَكَذَا الْإِضَافَةُ إلَى غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي اللُّغَةِ شَائِعٌ، وَلَوْ كَانَ وَضْعُ الْإِضَافَةِ دَالًّا عَلَى الْحُدُوثِ لَمَا جَازَتْ إضَافَةُ الْأَشْيَاءِ إلَى غَيْرِ اللَّهِ عز وجل حَقِيقَةً لِتَأَدِّيهَا إلَى الشَّرِكَةِ فِي الْأَحْدَاثِ. وَقَدْ يُضَافُ الْأَجْسَامُ وَالْجَوَاهِرُ إلَى الْعِبَادِ فَيُقَالُ دَارُ عَبْدِ اللَّهِ، وَفَرَسُ زَيْدٍ وَسَيْفُ خَالِدٍ وَيُقَالُ هَذَا عَبْدُ فُلَانٍ كَمَا يُقَالُ عَبْدُ اللَّهِ فَثَبَتَ أَنَّ الْإِضَافَةَ لَا تَدُلُّ عَلَى الْحُدُوثِ. وَكَذَا مَا اُسْتُدِلَّ بِهِ مِنْ قَوْلِهِمْ كَسْبُ فُلَانٍ وَتَرِكَتُهُ يُوجِبُ بُطْلَانَ هَذَا الْكَلَامِ لَا تَصْحِيحَهُ؛ لِأَنَّ الْكَسْبَ قَدْ يَكُونُ عَبْدًا وَجَارِيَةً وَدَارًا وَضَيْعَةً، وَكَذَا التَّرِكَةُ وَرُبَّمَا كَانَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ أَقْدَمَ وُجُودًا مِنْ الْكَاسِبِ وَالتَّارِكِ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ حُدُوثُهَا بِهِ. وَلَوْ كَانَ هُوَ أَسْبَقَ وُجُودًا مِنْهَا فَأَنَّى يُتَصَوَّرُ حُدُوثُهَا بِهِ. وَلَوْ قِيلَ كَانَ مِلْكُهَا حَادِثًا بِسَبَبِهِ تَقُولُ لَمْ يُضَفْ إلَيْهِ الْمِلْكُ إنَّمَا أُضِيفَ إلَيْهِ أَعْيَانُهَا فَإِذَنْ لَمْ تَدُلَّ الْإِضَافَةُ عَلَى حُدُوثِ الْمُضَافِ بِالْمُضَافِ إلَيْهِ بَلْ دَلَّتْ عَلَى حُدُوثِ غَيْرِ الْمُضَافِ بِالْمُضَافِ إلَيْهِ فَيَبْطُلُ هَذَا الْكَلَامُ.

ثُمَّ قَالَ فِي قَوْلِهِ صَوْمُ الشَّهْرِ وَصَلَاةُ الظُّهْرِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ حُدُوثُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْوَقْتِ؛ لِأَنَّ

ص: 343

وَكَذَلِكَ إذَا لَازَمَهُ فَتَكَرَّرَ بِتَكَرُّرِهِ دَلَّ أَنَّهُ مُضَافٌ إلَيْهِ

ــ

[كشف الأسرار]

حُدُوثَهُمَا بِإِحْدَاثِ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ مُبَاشَرَةِ الْعَبْدِ وَاكْتِسَابِهِ إيَّاهُمَا، وَهُمَا يَتَعَلَّقَانِ بِفِعْلِ فَاعِلٍ مُخْتَارٍ فَإِضَافَةُ حُدُوثِهِمَا إلَى الْأَزْمِنَةِ مُحَالٌ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ وُجُوبُهُمَا حَادِثًا بِالْوَقْتِ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ لَيْسَ بِمُضَافٍ إلَى الْوَقْتِ بَلْ نَفْسُ الْعِبَادَةِ هِيَ الْمُضَافَةُ، وَهِيَ لَيْسَتْ بِحَادِثَةٍ بِالْوَقْتِ، وَلَا يَصِحُّ إضَافَةُ مَا يَحْدُثُ عَلَى زَعْمِ هَذَا الْقَائِلِ بِالْوَقْتِ إلَى الْوَقْتِ فَإِنَّك لَوْ قُلْت وُجُوبُ الْوَقْتِ كَانَ فَاسِدًا لَا يُفْهَمُ حُدُوثُهُ بِهِ، وَلَوْ قُلْت وُجُوبُ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ لَا يُفْهَمُ حُدُوثُ الْوُجُوبِ بِفِعْلِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ.

وَالْعَجَبُ مِنْ قَوْلِهِ وَالْوُجُوبُ هُوَ الْحَادِثُ فَدَلَّ أَنَّهُ كَانَ بِالْوَقْتِ كَانَ مَا اتَّصَفَ بِالْوُجُوبِ لَيْسَ بِحَادِثٍ أَوْ كَانَ الْوُجُوبُ هُوَ الْمُضَافُ أَوْ مَا اتَّصَفَ بِالْوُجُوبِ لَيْسَ بِمُضَافٍ وَسَاقَ كَلَامًا طَوِيلًا إلَى أَنْ قَالَ: وَالْوَجْهُ الصَّحِيحُ لِتَرْجِيحِ جِهَةِ السَّبَبِيَّةِ عَلَى جِهَتَيْ الشَّرْطِ وَالظَّرْفِ أَنْ يَقُولَ ثَمَرَةُ الْإِضَافَةِ التَّعْرِيفُ، وَلَنْ يَحْصُلَ هُوَ إلَّا بِالِاخْتِصَاصِ، وَهُوَ تَمَيُّزُ الشَّيْءِ عَنْ غَيْرِهِ بِمَا يُوجِبُ ذَلِكَ مِنْ صِفَةٍ لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا غَيْرُهُ أَوْ اسْمِ عَلَمٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ثُمَّ قَوْلُك صَوْمُ الشَّهْرِ وَصَلَاةُ الظُّهْرِ تَعْرِيفٌ لَهُمَا فَيَخْتَصُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِصِفَةٍ لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا غَيْرُهُ مِنْ جِنْسِهِ، وَذَلِكَ إمَّا وُجُودُهُ فِي الْوَقْتِ، وَإِمَّا وُجُوبُهُ بِهِ أَوْ وُجُوبُهُ فِيهِ وَجَانِبُ الْوُجُودِ مُنْتَفٍ لِزَوَالِ الِاخْتِصَاصِ بِهَذَا الْوَصْفِ فَإِنَّ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ يُوجَدُ غَيْرُهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ مِنْ الْقَضَاءِ وَالنَّذْرِ وَالنَّوَافِلِ وَالسُّنَنِ الرَّوَاتِبِ، وَكَذَا الصَّوْمُ فِي وَقْتِهِ غَالِبُ الْوُجُودِ لَا مُتَيَقَّنُ الْوُجُودِ فَإِنَّ نِيَّةَ النَّفْلِ مِمَّنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ يَصِحُّ عِنْدَ مَالِكٍ وَيَقَعُ عَنْ النَّفْلِ. وَكَذَا الْمُسَافِرُ لَوْ صَامَ عَنْ وَاجِبٍ آخَرَ يَقَعُ عَنْهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله. وَكَذَا يُتَصَوَّرُ الِانْفِكَاكُ بَيْنَ الْوُجُودِ وَبَيْنَ الْوَقْتِ فَإِنَّ الِامْتِنَاعَ عَنْ أَدَاءِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ مِنْ جُمْلَةِ النَّاسِ مُتَصَوَّرٌ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَحْصُلْ الِاخْتِصَاصُ بِطَرِيقِ الْيَقِينِ فَلَمْ يَحْصُلْ التَّعْرِيفُ يَقِينًا. فَأَمَّا الْوُجُوبُ بِالْوَقْتِ أَوْ فِيهِ فَمُتَيَقَّنٌ فَكَانَ صَرْفُ مُطْلَقِ الْكَلَامِ إلَيْهِ أَوْلَى. فَصَارَ مُطْلَقُ الْإِضَافَةِ دَلِيلَ تَعَلُّقِ الصَّوْمِ بِهِ وُجُوبًا إمَّا بِطَرِيقِ السَّبَبِيَّةِ أَوْ بِالشَّرْطِيَّةِ. ثُمَّ يُرَجَّحُ جَانِبُ السَّبَبِيَّةِ عَلَى الشَّرْطِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ أَقْوَى اخْتِصَاصًا وَآكَدُ لُزُومًا بِالسَّبَبِ مِنْهُ بِالشَّرْطِ؛ لِأَنَّ تَعَلُّقَهُ بِالسَّبَبِ تَعَلُّقُ الْوُجُودِ وَتَعَلُّقَهُ بِالشَّرْطِ تَعَلُّقُ الْمُجَاوَرَةِ كَمَا فِي الظَّرْفِ فَكَانَ اتِّصَالُ الثُّبُوتِ وَالْوُجُودِ أَقْوَى مِنْهُ، وَكَذَا تَعَلُّقُ الْحُكْمِ بِالسَّبَبِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ وَتَعَلُّقُهُ بِالشَّرْطِ بِوَاسِطَةٍ بَلْ لَا تَعَلُّقَ لِلشَّرْطِ بِالْحُكْمِ فَإِنَّهُ لَمْ يُجْعَلْ شَرْطًا لِثُبُوتِ الْحُكْمِ بَلْ جُعِلَ لِانْعِقَادِ الْعِلَّةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ الِاخْتِصَاصَ بِمُقَابَلَةِ هَذَا عَدَمٌ، وَاخْتِصَاصُ الْحُكْمِ بِالسَّبَبِ حَقِيقِيٌّ وَبِالشَّرْطِ جَارٍ مَجْرَى الْمَجَازِ بِمُقَابَلَةِ هَذَا فَانْصَرَفَتْ الْإِضَافَةُ فِي الدَّلَالَةِ إلَى هَذَا النَّوْعِ مِنْ الِاخْتِصَاصِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ إذَا لَازَمَهُ) دَلِيلُ قَوْلِهِ وَتَعَلُّقُهُ بِهِ يَعْنِي كَمَا أَنَّ الْإِضَافَةَ تَدُلُّ عَلَى السَّبَبِيَّةِ تَدُلُّ عَلَى مُلَازَمَةِ الشَّيْءِ الشَّيْءَ وَتَعَلُّقِهِ بِهِ وَتَكَرُّرِهِ بِتَكَرُّرِهِ عَلَى السَّبَبِيَّةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْأُمُورَ تُضَافُ إلَى الْأَسْبَابِ الظَّاهِرَةِ فَلَمَّا تَكَرَّرَ الْحُكْمُ بِتَكَرُّرِ شَيْءٍ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ حَادِثٌ بِهِ إذْ هُوَ السَّبَبُ الظَّاهِرُ لِحُدُوثِهِ. ثُمَّ الْوُجُوبُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ أَمْرٌ حَادِثٌ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ سَبَبٍ يُضَافُ إلَيْهِ، وَلَيْسَ هَاهُنَا إلَّا الْأَمْرُ أَوْ الْوَقْتُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُضَافَ إلَى الْأَمْرِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْفِعْلِ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ، وَلَا يَحْتَمِلُهُ، وَإِنْ تَعَلَّقَ بِوَقْتٍ أَوْ شَرْطٍ فَإِنَّ مَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ تَصَدَّقْ مِنْ مَالِي بِدِرْهَمٍ إذَا أَمْسَيْتَ أَوْ إذَا دَلَكَتْ

ص: 344

فَإِذَا ثَبَتَ هَذِهِ الْجُمْلَةُ قُلْنَا: وُجُوبُ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ تَعَالَى كَمَا هُوَ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ مُضَافٌ إلَى إيجَابِهِ فِي الْحَقِيقَةِ لَكِنَّهُ مَنْسُوبٌ إلَى حَدَثِ الْعَالَمِ تَيْسِيرًا عَلَى الْعِبَادِ، وَقَطْعًا لِحُجَجِ الْمُعَانِدِينَ، وَهَذَا سَبَبٌ يُلَازِمُ الْوُجُوبَ

ــ

[كشف الأسرار]

الشَّمْسُ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارُ كَمَا لَوْ قَالَ تَصَدَّقْ مِنْ مَالِي بِدِرْهَمٍ مُطْلَقًا عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ وَالتَّكْرَارُ ثَابِتٌ هَاهُنَا فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْوَقْتَ هُوَ السَّبَبُ، وَأَنَّ أَصْلَ الْوُجُوبِ مُضَافٌ إلَيْهِ، وَأَنَّ تَكَرُّرَهُ بِسَبَبِ تَكَرُّرِهِ كَسَائِرِ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَسْبَابِ مِثْلَ الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ فَإِنَّهَا تُكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ أَسْبَابِهَا. قَوْلُهُ (فَإِذَا ثَبَتَ هَذِهِ الْجُمْلَةُ) وَلَمَّا أَثْبَتَ الشَّيْخُ أَنَّ لِلْمَشْرُوعَاتِ أَسْبَابًا بَيَّنَ سَبَبَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا وَبَدَأَ بِبَيَانِ سَبَبِ وُجُوبِ الْإِيمَانِ؛ لِأَنَّهُ رَأْسُ الْعِبَادَاتِ. فَقَالَ وُجُوبُ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ تَعَالَى كَمَا هُوَ أَيْ الْإِيمَانُ الَّذِي هُوَ مُطَابِقٌ لِلْحَقِيقَةِ بِأَنْ يُؤْمِنَ بِوُجُودِهِ وَبِوَحْدَانِيِّتِهِ جل جلاله، وَبِأَسْمَائِهِ مِثْلُ الْعَلِيمِ وَالْقَادِرِ وَالْحَكِيمِ وَسَائِرِ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، وَصِفَاتِهِ مِثْلُ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْحَيَاةِ وَجَمِيعِ صِفَاتِهِ الْعُلَى. وَالْبَاءُ بِمَعْنَى مَعَ وَالْأَسْمَاءُ بِمَعْنَى التَّسْمِيَاتِ يَعْنِي يُصَدِّقُ بِقَلْبِهِ وَيُقِرُّ بِلِسَانِهِ أَنَّهُ تَعَالَى وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَا مِثْلَ، وَأَنَّ لَهُ أَسْمَاءً كَامِلَةً أَيْ تَسَمِّيَاتٍ يَصِحُّ إطْلَاقُهَا عَلَى ذَاتِهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ كَمَا يَصِحُّ إطْلَاقُ الْعَالِمِ عَلَى زَيْدٍ مَثَلًا، وَهِيَ قَائِمَةٌ بِالْوَاصِفِ وَوَصْفٌ لِلْمَوْصُوفِ، وَأَنَّ لَهُ جل جلاله صِفَاتٍ ثُبُوتِيَّةً قَدِيمَةً قَائِمَةً بِذَاتِهِ لَيْسَتْ عَيْنَ ذَاتِهِ، وَلَا غَيْرَهُ تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ وَتَنَزَّهَتْ صِفَاتُهُ، لَا كَمَا زَعَمَتْ الْمُجَسِّمَةُ أَنَّهُ جِسْمٌ، وَأَنَّ صِفَاتِهِ حَادِثَةٌ.

وَلَا كَمَا ذَهَبَتْ الْمُعَطِّلَةُ وَالْفَلَاسِفَةُ إلَيْهِ مِنْ إنْكَارِ الصِّفَاتِ، وَلَا كَمَا ظَنَّ الْبَعْضُ أَنَّ بَعْضَ الصِّفَاتِ قَدِيمٌ وَبَعْضَهَا حَادِثٌ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا فَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ. مُضَافٌ إلَى إيجَابِهِ أَيْ إيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى كَسَائِرِ الْإِيجَابَاتِ. لَكِنَّهُ أَيْ لَكِنَّ وُجُوبَ الْإِيمَانِ فِي الظَّاهِرِ مَنْسُوبٌ إلَى حَدَثِ الْعَالَمِ تَيْسِيرًا عَلَى الْعِبَادِ؛ لِأَنَّ إيجَابَهُ غَيْبٌ عَنَّا فَنُسِبَ إلَى سَبَبٍ ظَاهِرٍ يُمْكِنُ الْوُصُولُ إلَى مَعْرِفَةِ الْإِيجَابِ بِوَاسِطَتِهِ تَيْسِيرًا لِلْأَمْرِ عَلَيْنَا.، وَقَطْعًا لِحُجَجِ الْمُعَانِدِينَ إذْ لَوْ لَمْ يُوضَعْ لَهُ سَبَبٌ ظَاهِرٌ رُبَّمَا أَنْكَرَ الْمُعَانِدُ وُجُوبَهُ، وَلَمْ يُمْكِنْ الْإِلْزَامُ عَلَيْهِ فَوُضِعَ السَّبَبُ الظَّاهِرُ إلْزَامًا لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِ، وَقَطْعًا لِشُبْهَتِهِ بِالْكُلِّيَّةِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُجْعَلْ حَدَثُ الْعَالَمِ سَبَبًا رُبَّمَا احْتَجُّوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَقَالُوا مَا ثَبَتَ لَنَا دَلِيلُ الْإِيمَانِ بِك فَلِذَلِكَ لَمْ نُؤْمِنْ بِكَ فَجُعِلَ الْعَالَمُ سَبَبًا لِوُجُوبِ الْإِيمَانِ قَطْعًا لِلِجَاجِهِمْ.

ثُمَّ حَدَثُ الْعَالَمِ يَصْلُحُ سَبَبًا لِوُجُوبِهِ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الصَّنْعَةِ وَالْحُدُوثِ، وَهُمَا يَدُلَّانِ عَلَى الصَّانِعِ وَالْمُحْدِثِ فَيُسْتَدَلُّ بِهِمَا عَلَى أَزَلِهِ مُحْدِثًا مَوْصُوفًا بِصِفَاتِ الْكَمَالِ مُنَزَّهًا عَنْ النَّقِيصَةِ وَالزَّوَالِ فَيَكُونُ سَبَبًا لِوُجُوبِهِ كَذَا ذَكَرَ أَبُو الْيُسْرِ. وَإِلَيْهِ أَشَارَ عُمَرُ رضي الله عنه فِي قَوْلِهِ الْبَعْرَةُ تَدُلُّ عَلَى الْبَعِيرِ، وَآثَارُ الْمَشْيِ تَدُلُّ عَلَى الْمَسِيرِ، فَهَذَا الْهَيْكَلُ الْعَلَوِيُّ وَالْمَرْكَزُ السُّفْلِيُّ أَمَا يَدُلَّانِ عَلَى الصَّانِعِ الْعَلِيمِ الْخَبِيرِ. وَهَذَا السَّبَبُ يُلَازِمُ الْوُجُوبَ يَعْنِي لَا يَنْفَكُّ عَنْ الْوُجُوبِ، وَلَا الْوُجُوبُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ كَوْنِهِ سَبَبًا أَنَّهُ مُوجِبٌ لِفِعْلِ الْعَبْدِ، وَهُوَ التَّصْدِيقُ وَالْإِقْرَارُ، وَلَا يُتَصَوَّرُ وُجُوبُ الْفِعْلِ إلَّا عَلَى مَنْ هُوَ أَهْلُهُ إذْ الْحُكْمُ لَا يَثْبُتُ بِدُونِ الْأَهْلِيَّةِ كَمَا لَا يَثْبُتُ بِدُونِ السَّبَبِ.، وَلَا وُجُودَ لِمَنْ هُوَ أَهْلُ وُجُوبِ الْإِيمَانِ عَلَى مَا أَجْرَى اللَّهُ بِهِ سُنَّتَهُ إلَّا وَالسَّبَبُ يُلَازِمُهُ إذْ لَا تَصَوُّرَ لِلْمُحْدِثِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُحْدِثٍ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ. وَالْإِنْسَانُ الْمَقْصُودُ بِهِ أَيْ بِخَلْقِ الْعَالَمِ أَوْ بِالتَّكْلِيفِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمَلَكِ وَالْجِنِّ مِمَّنْ يَجِبُ الْإِيمَانُ عَلَيْهِمْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَالِمٌ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ وُجُودَهُ يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ

ص: 345

لِأَنَّا لَا نَعْنِي بِهَذَا أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ وَإِنَّمَا نَعْنِي بِهِ أَنَّهُ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الْإِيمَانِ الَّذِي هُوَ فِعْلُ الْعِبَادِ، وَلَا وُجُوبَ إلَّا عَلَى مَنْ هُوَ أَهْلٌ لَهُ، وَلَا وُجُودَ لِمَنْ هُوَ أَهْلُهُ عَلَى مَا أَجْرَى بِهِ سُنَّتَهُ إلَّا وَالسَّبَبُ يُلَازِمُهُ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ الْمَقْصُودَ بِهِ وَغَيْرَهُ مِمَّنْ يَلْزَمُهُ الْإِيمَانُ عَالِمٌ بِنَفْسِهِ سُمِّيَ عَالِمًا؛ لِأَنَّهُ جُعِلَ عَلَمًا عَلَى وُجُودِهِ وَوَحْدَانِيِّتِهِ وَلِهَذَا قُلْنَا إنَّ إيمَانَ الصَّبِيِّ صَحِيحٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُخَاطَبًا وَلَا مَأْمُورًا؛ لِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ بِنَفْسِهِ وَسَبَبُهُ قَائِمٌ فِي حَقِّهِ دَائِمٌ لِقِيَامِ دَوَامِ مَنْ هُوَ مَقْصُودٌ بِهِ وَصِحَّةُ الْأَدَاءِ تُبْتَنَى عَلَى كَوْنِ الْمُؤَدَّى مَشْرُوعًا بَعْدَ قِيَامِ سَبَبِهِ مِمَّنْ هُوَ أَهْلُهُ لَا عَلَى لُزُومِ أَدَائِهِ كَتَعْجِيلِ الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَوَاجِبَةٌ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى بِلَا شُبْهَةٍ وَسَبَبُ وُجُوبِهَا فِي الظَّاهِرِ فِي حَقِّنَا الْوَقْتُ الَّذِي تُنْسَبُ وُجُوبُهَا فِي الظَّاهِرِ فِي حَقِّنَا الْوَقْتُ الَّذِي تُنْسَبُ إلَيْهِ

ــ

[كشف الأسرار]

وَوَحْدَانِيِّتِهِ وَصِفَاتِهِ الْكَامِلَةِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْعَالَمُ الْأَكْبَرُ فَكَانَ وُجُوبُ الْإِيمَانِ دَائِمًا بِدَوَامِ سَبَبِهِ غَيْرَ مُحْتَمِلٍ لِلنَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ، وَكَانَ الشَّيْخُ إنَّمَا ذَكَرَ قَوْلَهُ؛ لِأَنَّا لَا نَعْنِي بِهِ كَذَا جَوَابًا عَمَّا يُقَالُ كَيْفَ يَصْلُحُ حُدُوثُ الْعَالَمِ سَبَبًا لِلْإِيمَانِ الَّذِي هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى ثُبُوتِ وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهِيَ أَمْرٌ أَزَلِيٌّ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِسَبَبٍ وَيَلْزَمُ مِنْهُ تَقَدُّمُ الْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ أَيْضًا. فَقَالَ لَا نَعْنِي بِهِ أَنَّهُ سَبَبٌ لِلْوَحْدَانِيَّةِ، وَإِنَّمَا نَعْنِي بِهِ كَذَا. وَذُكِرَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّهُ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ الْإِيمَانُ يُوجَدُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهِدَايَتِهِ الَّذِي هُوَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَبِفِعْلِ الْعَبْدِ، وَكَسْبِهِ الَّذِي هُوَ مَخْلُوقٌ فَلَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يُجْعَلَ حَدَثُ الْعَالَمِ سَبَبًا لِفِعْلِ اللَّهِ الَّذِي هُوَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَقَالَ: إنَّمَا نَجْعَلُهُ سَبَبًا لِفِعْلِ الْعَبْدِ لَا لِفِعْلِ اللَّهِ عز وجل، وَلَكِنْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ لَا نَعْنِي بِهَذَا أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى وَهِدَايَتِهِ، وَإِنَّمَا نَعْنِي بِهِ كَذَا، وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَوْفَقُ لِنَظْمِ الْكِتَابِ فَإِنْ قِيلَ مَا مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَى مَا أَجْرَى بِهِ سُنَنَهُ، وَأَنَّهُ يُذْكَرُ فِيمَا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ عَلَى خِلَافِ الْمَذْكُورِ، وَهَا هُنَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَنْفَكَّ السَّبَبُ عَنْ الْوُجُوبِ لِاسْتِحَالَةِ زَوَالِ الْحُدُوثِ عَنْ الْمُحْدِثِ، وَلَمْ يُذْكَرْ هَذَا اللَّفْظُ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.

(قُلْنَا) ذُكِرَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَ مَنْ هُوَ أَهْلٌ لِوُجُوبِ الْإِيمَانِ عَلَيْهِ مَعَ وُجُودِ أَشْيَاءَ أُخَرَ مِنْ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَغَيْرِهِمَا، وَكُلُّ ذَلِكَ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الْإِيمَانِ عَلَى مَنْ هُوَ أَهْلٌ لَهُ، وَإِنْ كَانَ يُتَصَوَّرُ وُجُودُ مَنْ هُوَ أَهْلٌ لِلْوُجُوبِ بِدُونِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَكُونُ سَبَبًا لِوُجُوبِ الْإِيمَانِ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ عَالِمًا بِنَفْسِهِ فَمَعَ وُجُودِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ يَتَكَثَّرُ أَسْبَابُ وُجُوبِ الْإِيمَانِ. وَالْأَوْجَهُ أَنْ يُقَالَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ حَدَثَ الْعَالَمِ الَّذِي هُوَ لَازِمٌ لِلْوُجُوبِ سَبَبًا، وَأَمَارَةً عَلَى إيجَابِهِ الَّذِي هُوَ فِعْلُهُ مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ شَيْئًا آخَرَ سَبَبًا، وَأَمَارَةً عَلَى إيجَابِهِ الْإِيمَانَ لَا يَكُونُ ذَلِكَ الشَّيْءُ لَازِمًا لِلْوُجُوبِ كَمَا فُعِلَ كَذَلِكَ فِي حَقِّ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ فَإِنَّ الْوَقْتَ الَّذِي هُوَ سَبَبٌ لَيْسَ بِمُلَازِمٍ لِلْوُجُوبِ فَإِنَّ الْوُجُوبَ ثَابِتٌ بَعْدَ مُضِيِّ الْوَقْتِ وَانْقِضَاءِ الشَّهْرِ، وَلَكِنَّهُ جل جلاله أَجْرَى سُنَّتَهُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ الْإِيمَانِ شَيْئًا دَائِمًا مُلَازِمًا لِلْوُجُوبِ لِيَدُلَّ عَلَى دَوَامِ الْوُجُوبِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ قَوْلُهُ (وَلِهَذَا قُلْنَا) أَيْ؛ وَلِأَنَّ السَّبَبَ يُلَازِمُ مَنْ هُوَ أَهْلٌ لَهُ. قُلْنَا إنَّ إيمَانَ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ صَحِيحٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُخَاطَبًا بِأَدَاءِ الْإِيمَانِ فِي الْحَالِ، وَلَا مَأْمُورًا بِهِ؛ لِأَنَّ الْإِيمَانَ مَشْرُوعٌ بِنَفْسِهِ لَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَشْرُوعٍ، وَقَدْ تَحَقَّقَ سَبَبُهُ فِي حَقِّهِ، وَوُجِدَ رُكْنُهُ، وَهُوَ التَّصْدِيقُ وَالْإِقْرَارُ عَنْ مَعْرِفَةٍ وَتَمْيِيزٍ مِمَّنْ هُوَ أَهْلُهُ، وَهُوَ الصَّبِيُّ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِصِحَّتِهِ كَمَا إذَا ثَبَتَ تَبَعًا لِأَحَدِ أَبَوَيْهِ. أَمَّا تَحَقُّقُ السَّبَبِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا وُجُودُ الرُّكْنِ فَكَذَلِكَ إذْ الْكَلَامُ فِي صَبِيٍّ عَاقِلٍ مُمَيِّزٍ يُنَاظِرُ فِي وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْحُجَجِ، وَقَدْ ضُمَّ الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ إلَى التَّصْدِيقِ بِالْقَلْبِ وَلِهَذَا صَحَّتْ وَصِيَّتُهُ بِأَعْمَالِ الْبَشَرِ عِنْدَ الْخَصْمِ. وَأَمَّا الْأَهْلِيَّةُ فَلِأَنَّ الْإِيمَانَ قَدْ يَتَحَقَّقُ فِي حَقِّهِ تَبَعًا لِأَحَدِ أَبَوَيْهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِمَا تَحَقَّقَ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ أَصْلًا فَبَعْدَ ذَلِكَ امْتِنَاعُ صِحَّةِ الْأَدَاءِ لَا يَكُونُ إلَّا بِحَجْرٍ شَرْعِيٍّ، وَالْقَوْلُ بِالْحَجْرِ عَنْ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ تَعَالَى مُحَالٌ فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَرِدَ الشَّرْعُ بِهِ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِصِحَّتِهِ ضَرُورَةً. ثُمَّ سُقُوطُ الْخِطَابِ عَنْهُ بِسَبَبِ الصِّبَا يَدُلُّ عَلَى سُقُوطِ لُزُومِ الْأَدَاءِ الَّذِي يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ فَإِنَّ الْكَافِرَ إذَا أَرَادَ أَنْ يُسْلِمَ فَأُكْرِهَ عَلَى أَنْ لَا يُسْلِمَ

ص: 346

وَمَا بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِ مَنْ قَالَ إنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ بِإِيجَابِهِ وَمِلْكُ الْمَالِ سَبَبُهُ وَالْقِصَاصَ يَجِبُ بِإِيجَابِهِ وَالْقَتْلُ الْعَمْدُ سَبَبُهُ فَرْقٌ، وَلَيْسَ السَّبَبُ بِعِلَّةٍ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهَا أُضِيفَتْ إلَى الْوَقْتِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: 78] فَالنِّسْبَةُ بِاللَّامِ أَقْوَى وُجُوهِ الدَّلَالَةِ عَلَى تَعَلُّقِهَا بِالْوَقْتِ وَكَذَلِكَ يُقَالُ صَلَاةُ الظُّهْرِ وَالْفَجْرِ وَعَلَى ذَلِكَ إجْمَاعُ الْأُمَّةِ وَيَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الْوَقْتِ وَيَبْطُلُ قَبْلَ الْوَقْتِ أَدَاؤُهُ وَيَصِحُّ بَعْدَ هُجُومِ الْوَقْتِ، وَإِنْ تَأَخَّرَ لُزُومُهَا فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ أَحْكَامِ هَذَا الْقِسْمِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْوَقْتِ.

ــ

[كشف الأسرار]

وَلَا يَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الْإِسْلَامِ رُخِّصَ لَهُ التَّأْخِيرُ.

وَالْمُسْلِمُ إذَا أُكْرِهَ عَلَى إجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ عَلَى لِسَانِهِ رُخِّصَ لَهُ ذَلِكَ لَكِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ الْأَدَاءِ فَإِنَّ صِحَّةَ الْأَدَاءِ يُبْتَنَى عَلَى كَوْنِ الْمُؤَدَّى مَشْرُوعًا بِنَفْسِهِ بَعْدَ قِيَامِ سَبَبِهِ مِنْ أَهْلِهِ لَا عَلَى لُزُومِ أَدَائِهِ أَيْ الْمُؤَدَّى كَالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ صَحَّ أَدَاؤُهُ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ لِتَقَرُّرِ سَبَبِهِ، وَإِنْ كَانَ الْخِطَابُ بِالْأَدَاءِ غَيْرَ مُتَوَجِّهٍ إلَيْهِ فِي الْحَالِ، وَكَالْمُسَافِرِ أَوْ الْمَرِيضِ إذَا صَامَ فِي حَالِ السَّفَرِ أَوْ الْمَرَضِ صَحَّ الْأَدَاءُ لِتَحَقُّقِ السَّبَبِ فِي حَقِّ الْأَهْلِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُخَاطَبًا قَبْلَ إدْرَاكِ عِدَّةٍ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ. قَوْلُهُ (وَمَا بَيْنَ هَذَا) أَيْ لَيْسَ بَيْنَ قَوْلِنَا الصَّلَاةُ وَاجِبَةٌ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَسَبَبُ وُجُوبِهَا فِي الظَّاهِرِ الْوَقْتُ وَبَيْنَ قَوْلِ مَنْ قَالَ الزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمِلْكُ الْمَالِ النَّامِي سَبَبُهُ فَرْقٌ، وَغَرَضُهُ مِنْهُ رَدُّ قَوْلِ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْوَاجِبَاتِ الْبَدَنِيَّةِ وَبَيْنَ الْوَاجِبَاتِ الْمَالِيَّةِ حَيْثُ جَوَّزَ إضَافَةَ الْقِسْمِ الثَّانِي إلَى الْأَسْبَابِ دُونَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ.

وَقَوْلُهُ: وَلَيْسَ السَّبَبُ بِعِلَّةٍ جَوَابٌ عَمَّا قَالُوا لَا تَأْثِيرَ لِلْوَقْتِ فِي إيجَابِ الْعِبَادَةِ لِيَكُونَ سَبَبًا لَهَا فَأَمَّا الْمَالُ فَلَهُ تَأْثِيرٌ فِي إيجَابِ الْمُوَاسَاةِ وَلِلْجِنَايَةِ أَثَرٌ فِي إيجَابِ الْعُقُوبَةِ فَيُمْكِنُ أَنْ يُضَافَ وُجُوبُ الزَّكَاةِ إلَى الْمَالِ وَوُجُوبُ الْقِصَاصِ إلَى الْقَتْلِ الْعَمْدِ الَّذِي هُوَ جِنَايَةٌ فَقَالَ لَيْسَ السَّبَبُ بِعِلَّةٍ عَقْلِيَّةٍ لِيُشْتَرَطَ التَّأْثِيرُ لِصِحَّتِهَا كَالْكَسْرِ مَعَ الِانْكِسَارِ بَلْ هِيَ عِلَّةٌ جَعْلِيَّةٌ وَضَعَهَا الشَّارِعُ أَمَارَةً عَلَى الْإِيجَابِ فَلَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهَا التَّأْثِيرُ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ رحمه الله فِي بَعْضِ نُسْخَةٍ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْعِلَّةِ وَالسَّبَبِ أَنَّ الْعِلَّةَ مَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ وَيَظْهَرُ تَأْثِيرُهُ فِي الْأَحْكَامِ وَالسَّبَبَ سَبَبٌ، وَإِنْ كَانَ لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ.

قَالَ: وَمِثَالُ هَذَا أَفْعَالُ الْعِبَادِ فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي فِعْلِ الْعَبْدِ لِمَوْلَاهُ أَنْ لَا يَصْلُحَ سَبَبًا لِاسْتِحْقَاقِ الْجَزَاءِ عَلَى مَوْلَاهُ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بِفَضْلِهِ جَعَلَ أَفْعَالَهُمْ سَبَبًا لِإِحْرَازِ الثَّوَابِ فِي الْآخِرَةِ فَكَذَا هَاهُنَا. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى أَنَّ الْوَقْتَ سَبَبُ وُجُوبِ الصَّلَاةِ أَنَّهَا أُضِيفَتْ إلَى الْوَقْتِ بِحَرْفِ اللَّامِ وَبِدُونِهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: 78] . نَسَبَ الصَّلَاةَ إلَى وَقْتِ الدُّلُوكِ بِحَرْفِ اللَّامِ وَالنِّسْبَةُ بِاللَّامِ أَقْوَى وُجُوهِ الدَّلَالَةِ عَلَى تَعَلُّقِ الصَّلَاةِ بِالْوَقْتِ؛ لِأَنَّ اللَّامَ لِلتَّعْلِيلِ وَالِاخْتِصَاصِ كَمَا يُقَالُ تَطَهَّرَ لِلصَّلَاةِ وَتَأَهَّبَ لِلشِّتَاءِ، وَيُقَالُ اتَّخَذَ فُلَانٌ الضِّيَافَةَ لِفُلَانٍ أَيْ بِسَبَبِهِ، وَخَرَجَ فُلَانٌ لِقُدُومِ فُلَانٍ يَعْنِي قُدُومَ فُلَانٍ سَبَبٌ لِخُرُوجِهِ كَذَا قَالَهُ أَبُو الْيُسْرِ. وَأَمَّا الْإِضَافَةُ بِدُونِ اللَّامِ فَإِجْمَاعُهُمْ عَلَى إضَافَةِ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ إلَى الْأَوْقَاتِ يُقَالُ صَلَاةُ الْفَجْرِ وَصَلَاةُ الظُّهْرِ وَنَحْوُهُمَا، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَصْلَ فِي إضَافَةِ الشَّيْءِ إلَى الشَّيْءِ أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا بِهِ كَإِضَافَةِ الْوَلَدِ إلَى الْوَالِدِ إذْ الْأَصْلُ فِي الْإِضَافَةِ أَنْ تَكُونَ بِأَخَصِّ الْأَوْصَافِ، وَأَخَصُّ الْأَوْصَافِ الْوُجُوبُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الثُّبُوتِ بِالسَّبَبِ سَابِقٌ عَلَى سَائِرِ وُجُوهِ الِاخْتِصَاصِ. وَمَجْمُوعُ قَوْلِهِ وَيَبْطُلُ قَبْلَ الْوَقْتِ إلَى قَوْلِهِ لُزُومُهَا أَيْ لُزُومُ أَدَائِهَا دَلِيلٌ وَاحِدٌ فَثَبَتَ بِمَجْمُوعِ مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ سَبَبٌ. وَعِبَارَةُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ تَعْجِيلُهَا قَبْلَ الْوَقْتِ وَيَجُوزُ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ مَعَ تَأَخُّرِ لُزُومِ الْأَدَاءِ بِالْخِطَابِ (فَإِنْ قِيلَ) لَا يُفْهَمُ مِنْ وُجُوبِ الْعِبَادَةِ شَيْءٌ سِوَى وُجُوبِ الْأَدَاءِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ وُجُوبَ الْأَدَاءِ بِالْخِطَابِ فَمَا الَّذِي يَكُونُ وَاجِبًا بِسَبَبِ الْوَقْتِ.

(قُلْنَا) الْوَاجِبُ بِسَبَبِ الْوَقْتِ مَا هُوَ الْمَشْرُوعُ نَفْلًا فِي غَيْرِ الْوَقْتِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْوُجُوبِ وَبَيَانُ هَذَا فِي الصَّوْمِ فَإِنَّهُ مَشْرُوعٌ نَفْلًا فِي كُلِّ يَوْمٍ وُجِدَ الْأَدَاءُ أَوْ لَمْ يُوجَدْ، وَفِي رَمَضَانَ يَكُونُ مَشْرُوعًا وَاجِبًا بِسَبَبِ الْوَقْتِ

ص: 347