الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(بَابُ أَحْكَامِ الْحَقِيقَةِ)(وَالْمَجَازِ وَالصَّرِيحِ)(وَالْكِنَايَةِ)
قَالَ حُكْمُ الْحَقِيقَةِ وُجُودُ مَا وُضِعَ لَهُ أَمْرًا كَانَ أَوْ نَهْيًا خَاصًّا أَوْ عَامًّا وَحُكْمُ الْمَجَازِ وُجُودُ مَا اُسْتُعِيرَ لَهُ خَاصًّا كَانَ أَوْ عَامًّا وَطَرِيقُ مَعْرِفَةِ الْحَقِيقَةِ التَّوْقِيفُ وَالسَّمَاعُ بِمَنْزِلَةِ النُّصُوصِ
ــ
[كشف الأسرار]
وَالْقَبْرُ لَيْسَ بِحِرْزٍ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ دُفِنَ فِيهِ ثَوْبٌ آخَرُ مِنْ جِنْسِ الْكَفَنِ فَسُرِقَ لَا يَجِبُ الْقَطْعُ وَمَا كَانَ حِرْزًا لِشَيْءٍ كَانَ حِرْزًا لِجِنْسِهِ لَا مَحَالَةَ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الصِّيَانَةِ لَا يَخْتَلِفُ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ كَحَظِيرَةِ الْغَنَمِ وَلَا يَصِيرُ حِرْزًا بِالْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُ جَمَادٌ لَا يُحَرِّزُ نَفْسَهُ فَكَيْفَ يُحَرِّزُ غَيْرَهُ وَإِنَّمَا يُحْفَرُ الْقَبْرُ حِرْزًا لِلْمَيِّتِ عَنْ السِّبَاعِ وَإِخْفَاءً لَهُ عَنْ الْأَعْيُنِ لَا إحْرَازًا لِلْكَفَنِ وَلَا يُقَالُ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ إحْرَازًا كَانَ التَّكْفِينُ تَضْيِيعًا وَلِأَنَّا نَقُولُ لَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ مَصْرُوفٌ إلَى حَاجَةِ الْمَيِّتِ وَصَرْفُ الشَّيْءِ إلَى الْحَاجَةِ لَا يَكُونُ تَضْيِيعًا وَلَا إحْرَازًا كَتَنَاوُلِ الطَّعَامِ وَإِلْقَاءِ الْبَذْرِ فِي الْأَرْضِ (فَإِنْ قِيلَ) يَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ حِرْزًا عِنْدَ الِانْفِرَادِ وَيَصِيرُ حِرْزًا عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ كَالْحِيطَانِ لَيْسَتْ بِحِرْزٍ بِدُونِ الْبَابِ وَكَذَا الْبَابُ بِدُونِهَا عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ يَصِيرُ حِرْزًا.
(قُلْنَا) نَعَمْ إذَا حَدَثَ بِالِاجْتِمَاعِ مَعْنًى يَصْلُحُ لِإِضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهِ كَمَا فِي الْحِيطَانِ مَعَ الْبَابِ يَصْلُحُ بَعْدَ الِاجْتِمَاعِ لِحِفْظِ الْأَمْتِعَةِ لِصَيْرُورَتِهَا بَيْتًا صَالِحًا لِلْحِفْظِ فَأَمَّا الِاجْتِمَاعُ هَهُنَا فَلَا يَصِيرُ هَذَا الْمَكَانُ مَوْضِعًا لِحِفْظِ الثِّيَابِ وَالْأَمْتِعَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُحْفَظُ فِيهِ مَا سِوَى الْكَفَنِ مِنْ الثِّيَابِ وَلَوْ صَارَ حِرْزًا لِلْكَفَنِ بَعْدَ الِاجْتِمَاعِ لَصَارَ حِرْزًا لِجِنْسِهِ مِنْ الثِّيَابِ. وَأَمَّا مَا رُوِيَ «أَنَّهُ عليه السلام قَطَعَ نَبَّاشًا» فَمُعَارَضٌ بِمَا رُوِيَ عَنْهُ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ «لَا قَطْعَ فِي الْمُخْتَفِي» وَهُوَ النَّبَّاشُ بِلُغَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ كَذَا فَسَّرَ أَبُو عُبَيْدٍ وَفِي الصِّحَاحِ اخْتَفَيْت الشَّيْءَ أَسْتَخْرَجْته وَالْمُخْتَفِي وَالنَّبَّاشُ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَخْرِجُ الْأَكْفَانَ فَيُحْمَلُ عَلَى السِّيَاسِيَّةِ وَكَذَا حَدِيثُ عُمَرَ رضي الله عنه فَإِنَّ لِلْإِمَامِ ذَلِكَ، أَلَا تَرَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رضي الله عنه قَطَعَ أَيْدِي نِسْوَةٍ أَظْهَرْنَ الشَّمَاتَةَ بِوَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَضَرَبْنَ الدُّفُوفَ وَكَانَ ذَلِكَ سِيَاسَةً لَا حَدًّا وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ رضي الله عنها فَمَحْمُولٌ عَلَى التَّشْبِيهِ فِي اسْتِحْقَاقِ الِاسْمِ؛ لِأَنَّ كَافَ التَّشْبِيهِ لَا يُوجِبُ التَّعْمِيمَ وَرَوَى مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ أَنَّ نَبَّاشًا أُخِذَ فِي زَمَنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ فَشَاوَرَ مَنْ بَقِيَ مِنْ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم فَأَجْمَعُوا أَنْ لَا قَطْعَ عَلَيْهِ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى الْقَطْعَ عَلَى النَّبَّاشِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ أَحْكَامِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ وَالصَّرِيحِ وَالْكِنَايَةِ]
[تعارض الْحَقِيقَة وَالْمَجَاز]
(بَابُ أَحْكَامِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ)
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ رحمه الله حُكْمُ الْحَقِيقَةِ وُجُودُ مَا وُضِعَ لَهُ أَيْ ثُبُوتُ مَا وُضِعَ اللَّفْظُ أَمْرًا كَانَ أَوْ نَهْيًا خَاصًّا كَانَ أَوْ عَامًّا كَقَوْلِهِ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77] .
وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ {وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ} [الأنعام: 151] فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ النَّصَّيْنِ خَاصٌّ فِي الْمَأْمُورِ بِهِ وَالْمَنْهِيِّ عَنْهُ عَامٌّ فِي الْمَأْمُورِ وَالْمَنْهِيِّ وَهَذَا بِلَا خِلَافٍ وَحُكْمُ الْمَجَازِ وُجُودُ مَا اُسْتُعِيرَ لَهُ أَيْ ثُبُوتُ مَا اُسْتُعِيرَ اللَّفْظُ لَهُ خَاصًّا كَانَ أَوْ عَامًّا عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} [النساء: 43]{إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} [يوسف: 36] وَقَوْلُهُ عليه السلام «لَا تُتْبِعُوا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ وَلَا الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ» وَفِيهِ خِلَافُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَسَنُبَيِّنُهُ وَطَرِيقُ مَعْرِفَةِ الْحَقِيقَةِ التَّوْقِيفُ أَيْ التَّنْصِيصُ مِنْ الْوَاضِعِ وَالسَّمَاعُ مِنْ السَّامِعِ يَعْنِي لَا يُوقَفُ عَلَيْهَا إلَّا بِالنَّقْلِ عَنْ وَاضِعِ اللُّغَةِ بِمَنْزِلَةِ النُّصُوصِ فِي الشَّرْعِ فَإِنَّهَا لَا تَثْبُتُ حُجَجًا إلَّا بَعْدَ السَّمَاعِ مِنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ
وَطَرِيقُ مَعْرِفَةِ الْمَجَازِ التَّأَمُّلُ فِي مَوَاضِعِ الْحَقَائِقِ وَأَمَّا فِي الْحُكْمِ فَهُمَا سَوَاءٌ إلَّا عِنْدَ التَّعَارُضِ فَإِنَّ الْحَقِيقَةَ أَوْلَى مِنْهُ وَمِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مَنْ قَالَ لَا عُمُومَ لِلْمَجَازِ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ «لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ إلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ» فَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ رحمه الله بِعُمُومِهِ وَأَبَى أَنْ يُعَارِضَهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمَيْنِ وَالصَّاعِ بِالصَّاعَيْنِ؛ لِأَنَّ الصَّاعَ مَجَازٌ عَمَّا يَحْوِيهِ وَلَا عُمُومَ لَهُ
ــ
[كشف الأسرار]
وَالنَّقْلِ عَنْهُ وَطَرِيقُ مَعْرِفَةِ الْمَجَازِ التَّأَمُّلُ فِي مَوَاضِعِ الْحَقَائِقِ لِيَمْتَازَ الْوَصْفُ الْخَاصُّ الْمَشْهُورُ مِنْ غَيْرِ امْتِيَازِ الْوَصْفِ الْمُؤَثِّرِ فِي بَابِ الْقِيَاسِ عَنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْمَجَازَ لَا يَصِحُّ بِكُلِّ وَصْفٍ وَحَاصِلُهُ أَنَّ جَوَازَ اسْتِعْمَالِ الْمَجَازِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى السَّمَاعِ بَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى مَعْرِفَةِ طَرِيقِهِ الَّذِي سَلَكَهُ أَهْلُ اللِّسَانِ فِي اسْتِعْمَالِهِ وَهُوَ رِعَايَةُ الِاتِّصَالِ بَيْنَ مَحَلِّ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ بِوَجْهٍ وَقَدْ مَرَّ مِنْ قَبْلُ أَمَّا فِي الْحُكْمِ أَيْ فِي إثْبَاتِ الْحُكْمِ وَإِيجَابِ الْعَمَلِ فَالْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ سَوَاءٌ إلَّا عِنْدَ التَّعَارُضِ يَعْنِي إذَا تَعَارَضَ فِي كَلَامٍ وَاحِدٍ جِهَةَ كَوْنِهِ مُسْتَعْمَلًا فِي مَوْضُوعِهِ وَجِهَةَ كَوْنِهِ مُسْتَعْمَلًا فِي غَيْرِ مَوْضُوعِهِ كَانَ حَمْلُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ أَصْلٌ وَالْمَجَازَ عَارِضٌ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ إذَا تَعَارَضَ كَلَامٌ هُوَ حَقِيقَةٌ وَكَلَامٌ آخَرُ هُوَ مَجَازٌ كَانَتْ الْحَقِيقَةُ أَوْلَى مِنْ الْمَجَازِ وَرَاجِحَةً عَلَيْهِ وَرَأَيْت فِي بَعْضِ نُسَخِ أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ الْحَقِيقَةَ تُرَجَّحُ عَلَى الْمَجَازِ لِعَدَمِ افْتِقَارِهَا إلَى الْقَرِينَةِ الْمُخِلَّةِ بِالتَّفَاهُمِ لِخَفَائِهَا وَعَدَمِ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهَا وَلَكِنِّي مَا ظَفِرْت بِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ أَصْحَابِنَا صَرِيحًا فَكَانَ حَمْلُ كَلَامِ الشَّيْخِ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ أَوْلَى لِتَأَيُّدِهِ بِمَا ذَكَرَ الْقَاضِي الْإِمَامُ فِي التَّقْوِيمِ أَنَّ الْمَجَازَ أَحَدُ نَوْعِ الْكَلَامِ وَلَهُ مِنْ الْأَنْوَاعِ الْعُمُومُ وَالْأَحْكَامُ مَا لِلْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ بِمَنْزِلَتِهَا إلَّا أَنَّ الْمُطْلَقَ مِنْ الْكَلَامِ لِحَقِيقَتِهِ حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى مَجَازِهِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْحَقِيقَةِ أَصْلٌ وَالثَّانِي طَارِئٌ عَلَيْهِ فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِدَلِيلِهِ.
قَوْلُهُ (فَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِعُمُومِهِ وَأَبَى أَنْ يُعَارِضَهُ) إلَى آخِرِهِ بَيَانُهُ أَنَّ قَوْلَهُ عليه السلام «لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ» يَدُلُّ بِعِبَارَتِهِ وَعُمُومِهِ عَلَى حُرْمَةِ بَيْعِ الْمَطْعُومِ بِالْمَطْعُومِ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا مُسَاوِيًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُسَاوٍ؛ لِأَنَّ الطَّعَامَ مُعَرَّفٌ بِاللَّامِ فَيَقْتَضِي الِاسْتِغْرَاقَ إلَّا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ عَارَضَهُ فِي الْكَثِيرِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ الْمُسَاوَاةُ فِي الْكَيْلِ بِالْإِجْمَاعِ فَبَقِيَ مَا وَرَاءَهُ دَاخِلًا تَحْتَ الْعُمُومِ فَيَحْرُمُ بَيْعُ حَفْنَةٍ بِحَفْنَةٍ وَبِحَفْنَتَيْنِ وَتُفَّاحَةٍ بِتُفَّاحَةٍ وَبِتُفَّاحَتَيْنِ وَبِإِشَارَتِهِ يَقْتَضِي كَوْنَ الطُّعْمِ عِلَّةً؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ مَتَى تَرَتَّبَ عَلَى اسْمٍ مُشْتَقٍّ كَانَ مَأْخَذُهُ عِلَّةً لِذَلِكَ الْحُكْمِ كَالسَّرِقَةِ وَالزِّنَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38]{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا} [النور: 2] عَلَى مَا عُرِفَ وَالطَّعَامُ اسْمٌ لِمَا يُؤْكَلُ مُشْتَقٌّ مِنْ الطُّعْمِ وَهُوَ الْأَكْلُ فَكَانَ الطُّعْمُ هُوَ الْعِلَّةُ.
وَإِذَا ثَبَتَ كَوْنُهُ عِلَّةً وَقَدْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ لَيْسَتْ إلَّا أَحَدَ أَوْصَافِ النَّصِّ لَمْ يَبْقَ الْكَيْلُ عِلَّةً ضَرُورَةً فَلَا يَحْرُمُ بَيْعُ الْغَيْرِ الْمَطْعُومِ كَالْجِصِّ وَالنُّورَةِ مُتَفَاضِلًا لِعَدَمِ الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلْحُرْمَةِ وَهِيَ الطُّعْمُ وَحَدِيثُ الصَّاعِ وَهُوَ مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ «لَا تَبِيعُوا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ وَلَا الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمْ الرَّمَاءَ» وَفِي بَعْضِ الرَّاوِيَاتِ الرَّمَاءُ يَعْنِي الرِّبَا إذْ الرَّمَاءُ الزِّيَادَةُ وَالرِّبَا وَأُرْمَى الشَّيْءَ إرْمَاءً أَيْ زَادَ وَأَرْمَى فُلَانٌ أَيْ أَرْبَى يَدُلُّ بِعِبَارَتِهِ وَعُمُومِهِ أَنَّ الرِّبَا يَجْرِي فِي غَيْرِ الْمَطْعُومِ كَالْجِصِّ وَالنُّورَةِ؛ لِأَنَّ الصَّاعَ مُحَلًّى فَاللَّامُ التَّعْرِيفِ فَاسْتَغْرَقَ جَمِيعَ مَا يُحِلُّهُ مِنْ الْمَطْعُومِ وَغَيْرِهِ فَيَحْرُمُ بَيْعُ الْجِصِّ وَالنُّورَةِ مُتَفَاضِلًا وَبِإِشَارَتِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكَيْلَ هَذَا لِعِلَّةٍ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمُرَادُ مِنْ الصَّاعِ مَا يُكَالُ بِهِ صَارَ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ وَلَا مَا يُكَالُ بِصَاعٍ بِمَا يُكَالُ بِصَاعَيْنِ أَوْ وَلَا مَكِيلٍ بِمَكِيلَيْنِ فَيَقْتَضِي جَوَازَ بَيْعِ حَفْنَةٍ بِحَفْنَتَيْنِ وَتُفَّاحَةٍ بِتُفَّاحَتَيْنِ لِعَدَمِ مَعْنَى الْكَيْلِ عَلَى خِلَافِ مَا اقْتَضَاهُ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ فَهَذَا هُوَ
فَإِذَا ثَبَتَ الْمَطْعُومُ بِهِ مُرَادًا سَقَطَ غَيْرُهُ قَالَ؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ أَصْلُ الْكَلَامِ وَالْمَجَازَ ضَرُورِيٌّ يُصَارُ إلَيْهِ تَوْسِعَةً وَلَا عُمُومَ لِمَا ثَبَتَ ضَرُورَةَ تَكَلُّمِ الْبَشَرِ وَالصَّحِيحُ مَا قُلْنَا؛ لِأَنَّ الْمَجَازَ أَحَدُ نَوْعَيْ الْكَلَامِ فَكَانَ مِثْلَ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ عُمُومَ الْحَقِيقَةِ لَمْ يَكُنْ لِكَوْنِهِ حَقِيقَةً بَلْ لِدَلَالَةٍ زَائِدَةٍ عَلَى ذَلِكَ أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا اسْمٌ خَاصٌّ فَإِذَا زِدْت عَلَيْهِ لَامَ الْعَرِيفِ مِنْ غَيْرِ مَعْهُودٍ ذَكَرْته انْصَرَفَ إلَى تَعْرِيفِ الْجِنْسِ فَصَارَ عَامًّا بِهَذِهِ الدَّلَالَةِ
ــ
[كشف الأسرار]
مَعْنَى الْمُعَارَضَةِ إلَّا أَنَّ الْخَصْمَ قَالَ هَذَا النَّصُّ مَجَازٌ عِبَارَةً عَمَّا يُحِلُّهُ وَيُجَاوِرُهُ بِطَرِيقِ إطْلَاقِ اسْمِ الْمَحَلِّ عَلَى الْحَالِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31] أَيْ صَلَاةٍ فَلَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِعُمُومِهِ؛ لِأَنَّ الْعُمُومَ لَا يَجْرِي إلَّا فِي الْحَقَائِقِ وَقَدْ أُرِيدَ الْمَطْعُومُ مِنْهُ بِالْإِجْمَاعِ فَلَمْ يَبْقَ غَيْرُهُ مُرَادًا وَصَارَ كَأَنَّهُ قِيلَ وَلَا الْمَطْعُومِ الْمُقَدَّرِ بِالصَّاعِ بِالْمَطْعُومِ الْمُقَدَّرِ بِالصَّاعَيْنِ وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَمْ يَبْقَ لَهُ دَلَالَةٌ عَلَى حُرْمَةِ بَيْعِ مَا وَرَاءَ الْمَطْعُومِ مُتَفَاضِلًا وَلَا عَلَى كَوْنِ الْمَكِيلِ عِلَّةً وَصَارَ مُوَافِقًا لِلْأَوَّلِ وَشُبْهَةُ الْخَصْمِ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْكَلَامِ هُوَ الْحَقِيقَةُ؛ لِأَنَّ الْأَلْفَاظَ وُضِعَتْ دَلَالَاتٍ عَلَى الْمَعَانِي لِلْإِفَادَةِ.
وَلِهَذَا لَا يُعَارِضُ الْمَجَازُ الْحَقِيقَةَ بِالِاتِّفَاقِ حَتَّى لَا يَصِيرَ اللَّفْظُ الْمُتَرَدِّدُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فِي حُكْمِ الْمُشْتَرَكِ فَكَانَ الْأَصْلُ أَنْ لَا يَجُوزَ اسْتِعْمَالُهَا فِي غَيْرِ مَوْضُوعَاتِهَا لِتَأْدِيَةِ ذَلِكَ إلَى الْإِخْلَالِ بِالْفَهْمِ إلَّا أَنَّهُمْ جَوَّزُوا ذَلِكَ ضَرُورَةَ التَّوْسِعَةِ فِي الْكَلَامِ بِمَنْزِلَةِ الرُّخَصِ الشَّرْعِيَّةِ فِي الْأَحْكَامِ فَإِنَّهَا بُنِيَتْ ضَرُورَةَ التَّوْسِعَةِ عَلَى النَّاسِ وَهَذِهِ الضَّرُورَةُ يَرْتَفِعُ بِدُونِ إثْبَاتِ حُكْمِ الْعُمُومِ لِلْمَجَازِ فَلَا يُصَارُ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَكَانَ الْمَجَازُ فِي هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا ثَبَتَ بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ فَكَمَا لَا يَثْبُتُ هُنَاكَ وَصْفُ الْعُمُومِ عِنْدَكُمْ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ تَرْتَفِعُ بِدُونِهِ فَكَذَا هُنَا عِنْدِي وَلَكِنَّا نَقُولُ الْمَجَازُ أَحَدُ نَوْعَيْ الْكَلَامِ فَكَانَ مِثْلَ صَاحِبِهِ فِي احْتِمَالِ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي الْكِتَابِ وَفِي قَوْلِهِ أَحَدُ نَوْعَيْ الْكَلَامِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمَجَازَ لَيْسَ بِضَرُورِيٍّ بَلْ هُوَ أَحَدُ قِسْمَيْ الْكَلَامِ حَتَّى كَادَ الْمَجَازُ يَغْلِبُ الْحَقِيقَةَ فَكَيْفَ يُسَمَّى هَذَا ضَرُورِيًّا.
قَوْلُهُ (لِأَنَّ عُمُومَ الْحَقِيقَةِ لَمْ يَكُنْ لِكَوْنِهِ حَقِيقَةً) إذًا لَوْ كَانَ كَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُوجَدَ حَقِيقَةً إلَّا وَأَنْ تَكُونَ عَامَّةً وَالْأَمْرُ بِخِلَافِهِ بَلْ لِدَلِيلٍ زَائِدٍ لِيُحَقَّقَ بِهِ مِثْلُ الْوَاوِ وَالنُّونِ أَوْ الْأَلِفِ وَالتَّاءِ فِي قَوْلِهِ مُسْلِمُونَ وَمُسْلِمَاتٌ أَوْ الْأَلِفِ وَاللَّامِ فِيمَا لَا مَعْهُودَ فِيهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي بَابِ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ فَإِذَا وُجِدَ ذَلِكَ الدَّلِيلُ فِي الْمَجَازِ وَجَبَ الْقَوْلُ بِعُمُومِهِ إذَا كَانَ الْمَحَلُّ قَابِلًا لَهُ كَمَا فِي الْحَقِيقَةِ (فَإِنْ قِيلَ) سَلَّمْنَا أَنَّ الْعُمُومَ فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَ لِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ حَقِيقَةً وَلَكِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِذَلِكَ وَلِلدَّلِيلِ الَّذِي التَّحَقُّقُ بِهِ فَيَثْبُتُ الْعُمُومُ بِالْمَجْمُوعِ وَلَمْ يُوجَدْ بِالْمَجْمُوعِ فِي الْمَجَازِ فَلَا يَصِحُّ الْقَوْلُ بِعُمُومِهِ.
(قُلْنَا) لَا بُدَّ فِي مِثْلِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ نَوْعُ تَأْثِيرٍ فِي إثْبَاتِ ذَلِكَ الْحُكْمِ لِيَصِحَّ إضَافَتُهُ إلَيْهِمَا وَقَدْ وَجَدْنَا التَّأْثِيرَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ لِلدَّلِيلِ اللَّاحِقِ لَا لِكَوْنِهِ حَقِيقَةً فَلَا يَصِحُّ إضَافَتُهُ إلَيْهِمَا بَلْ يَجِبُ إضَافَتُهُ إلَى ذَلِكَ الدَّلِيلِ الْمُؤَثِّرِ وَذَلِكَ أَنَّا قَدْ وَجَدْنَا الْوَاوَ وَالنُّونَ وَلَامَ التَّعْرِيفِ فِي اسْمِ الْجِنْسِ، وَسَائِرُ دَلَائِلِ الْعُمُومِ تَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ دَلَالَةً مُطَّرِدَةً وَلَمْ نَجِدْ الْحَقِيقَةَ كَذَلِكَ إذْ هِيَ مَوْجُودَةٌ فِي مُسْلِمٍ وَضَارِبٍ وَرَجُلٍ وَلَا تَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ بِوَجْهٍ فَعَرَفْنَا أَنْ لَا تَأْثِيرَ لَهَا فَأَضَفْنَا ثُبُوتَ الْعُمُومِ إلَى الدَّلِيلِ الْمُؤَثِّرِ إلَى كَوْنِهِ حَقِيقَةً وَلَكِنْ لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا إنَّمَا اطَّرَدَ دَلَالَةُ الْوَاوِ وَالنُّونِ وَغَيْرِهِمَا عَلَى الْعُمُومِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَنْفَكُّ عَنْ صِيغَةٍ تَلْحَقُ بِهَا فَتَدُلُّ حَقِيقَةُ تِلْكَ الصِّيغَةِ مَعَ الدَّلِيلِ اللَّاحِقِ بِهِ عَلَى الْعُمُومِ لِاجْتِمَاعِ الْوَصْفَيْنِ فَأَمَّا الْحَقِيقَةُ فَقَدْ انْفَصَلَتْ عَنْ دَلِيلِ الْعُمُومِ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ النَّظَائِرِ فَلَا يَثْبُتُ الْعُمُومُ بِهَا وَحْدَهَا؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ الْمُتَعَلِّقَ بِالْوَصْفَيْنِ لَا يَثْبُتُ بِوَصْفٍ وَاحِدٍ فَإِذًا لَا بُدَّ مِنْ إقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى انْتِفَاءِ كَوْنِ
فَالصَّاعُ نَكِرَةٌ زِيدَ عَلَيْهَا لَامُ التَّعْرِيفِ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَعْهُودٌ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ فَانْصَرَفَ إلَى جِنْسِ مَا أُرِيدَ بِهِ وَلَوْ أُرِيدَ بِهِ عَيْنُهُ لَصَارَ عَامًّا فَإِذَا أُرِيدَ بِهِ مَا يُحِلُّهُ وَيُجَاوِرُهُ مَجَازًا كَانَ كَذَلِكَ لِوُجُودِ دَلَالَتِهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ اُسْتُعِيرَ لَهُ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ لِيَعْمَلَ فِي ذَلِكَ عَمَلَهُ فِي مَوْضِعِهِ كَالثَّوْبِ يَلْبَسُهُ الْمُسْتَعِيرُ كَانَ أَثَرُهُ فِي دَفْعِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ مِثْلَ عَمَلِهِ إذَا لَبِسَ بِحَقِّ الْمِلْكِ إلَّا أَنَّهُمَا يَتَفَاوَتَانِ لُزُومًا وَبَقَاءً.
وَالْمَجَازُ طَرِيقٌ مُطْلَقٌ لَا ضَرُورِيٌّ
ــ
[كشف الأسرار]
الْحَقِيقَةِ مُؤَثِّرًا فِي الْعُمُومِ.
قَوْلُهُ (وَالصَّاعُ نَكِرَةٌ) أَيْ لَفْظُ الصَّاعِ فِي قَوْلِهِ عليه السلام «وَلَا الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ» قَبْلَ دُخُولِ اللَّامِ عَلَيْهِ كَانَ نَكِرَةً يَعْنِي لَوْ تَصَوَّرْنَاهُ بِدُونِ اللَّامِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ كَانَ نَكِرَةً فَزِيدَ عَلَيْهَا لَامُ التَّعْرِيفِ وَلَيْسَ ثَمَّ مَعْهُودٌ فَانْصَرَفَ إلَى الْجِنْسِ فَأَوْجَبَ التَّعْمِيمَ وَفِي ضَمِّ قَوْلِهِ وَيُجَاوِرُهُ إلَى مَا يُحِلُّهُ إشَارَةً إلَى الْمَعْنَى الْمُجَوِّزِ لِلْمَجَازِ أَيْ جَوَازِ إرَادَةِ مَا يُحِلُّهُ بِاعْتِبَارِ الْمُجَاوَرَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ اُسْتُعِيرَ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ الضَّمِيرِ فِي أَنَّهُ لِشَأْنٍ أَيْ أَنَّ الشَّأْنَ اسْتِعَارَةُ ذَلِكَ اللَّفْظِ الَّذِي صَارَ عَامًّا بِدَلِيلٍ وَهُوَ الصَّاعُ مَثَلًا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ لِيَعْمَلَ فِي ذَلِكَ أَيْ فِيمَا اُسْتُعِيرَ لَهُ وَهُوَ مَا يُحِلُّهُ وَيُجَاوِرُهُ عَمَلُهُ أَيْ كَعَمَلِهِ فِي مَحَلِّهِ وَهُوَ مَوْضُوعُهُ الْأَصْلِيُّ وَلَمَّا كَانَ عَمَلُهُ فِي مَحَلِّهِ إثْبَاتُ الْعُمُومِ كَانَ كَذَلِكَ فِيمَا اُسْتُعِيرَ لَهُ أَيْضًا لِوُجُودِ دَلَالَتِهِ وَهِيَ لَامُ التَّعْرِيفِ.
قَوْلُهُ (إلَّا أَنَّهُمَا يَتَفَاوَتَانِ) جَوَابٌ عَمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ الْحَقِيقَةَ تَتَرَجَّحُ عِنْدَ التَّعَارُضِ أَيْ هُمَا مُسْتَوِيَانِ فِي الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ وَلَكِنَّهُمَا يَفْتَرِقَانِ فِي اللُّزُومِ وَالْبَقَاءِ فَإِنَّ الْحَقِيقَةَ لَازِمَةٌ بَاقِيَةٌ حَتَّى لَمْ يَصِحَّ نَفْيُهَا عَنْ مَوْضُوعِهَا وَالْمَجَازُ لَيْسَ بِلَازِمٍ بَاقٍ حَتَّى صَحَّ نَفْيُهُ كَالثَّوْبِ الْمَلْبُوسِ لَا يُسْتَرَدُّ إذَا كَانَ مَمْلُوكًا وَيُسْتَرَدُّ إذَا كَانَ عَارِيَّةً، وَلِهَذَا تَتَرَجَّحُ الْحَقِيقَةُ عِنْدَ التَّعَارُضِ؛ لِأَنَّهَا أَلْزَمُ وَأَدْوَمُ وَالْمَطْلُوبُ بِكُلِّ كَلِمَةٍ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ مَا هِيَ مَوْضُوعَةٌ لَهُ فِي الْأَصْلِ فَيَتَرَجَّحُ ذَلِكَ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ الْمَجَازِ بِمَنْزِلَةِ الْمَلْبُوسِ يَتَرَجَّحُ جِهَةُ الْمِلْكِ لِلَّابِسِ فِيهِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ الْعَارِيَّةِ كَذَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ رحمه الله وَهَذَا التَّرَجُّحُ لَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ الْمَجَازِ ضَرُورِيًّا كَتَرْجِيحِ الْمُحْكَمِ عَلَى الظَّاهِرِ لَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ ضَرُورِيًّا وَعَلَى انْتِفَاءِ الْعُمُومِ عَنْهُ.
قَوْلُهُ (وَالْمَجَازُ طَرِيقٌ مُطْلَقٌ) أَيْ طَرِيقٌ جَازَ سُلُوكُهُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ فَإِنَّا نَجِدُ الْفَصِيحَ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ الْقَادِرَ عَلَى التَّعْبِيرِ عَنْ مَقْصُودِهِ بِالْحَقِيقَةِ يَعْدِلُ إلَى التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِالْمَجَازِ لَا لِحَاجَةٍ وَلَا لِضَرُورَةٍ وَقَدْ ظَهَرَ اسْتِحْسَانُ النَّاسِ لِلْمَجَازَاتِ فَوْقَ مَا ظَهَرَ مِنْ اسْتِحْسَانِهِمْ لِلْحَقَائِقِ فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ قَوْلَهُمْ هُوَ ضَرُورِيٌّ فَاسِدٌ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْقُرْآنَ فِي أَعْلَى رُتَبِ الْفَصَاحَةِ وَأَرْفَعِ دَرَجِ الْبَلَاغَةِ، وَالْمَجَازُ مَوْجُودٌ فِيهِ عُدَّ مِنْ غَرِيبِ بَدَائِعِهِ وَعَجِيبِ بَلَاغَتِهِ قَوْله تَعَالَى {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} [الإسراء: 24] وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلذُّلِّ جَنَاحٌ وَقَوْلُهُ {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} [الحجر: 94] أَيْ أَظْهِرْهُ غَايَةَ الْإِظْهَارِ فَكَانَ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالصَّدْعِ أَبْلَغَ وَهُوَ فِي الْأَصْلِ لِصَدْعِ الزُّجَاجِ وَقَوْلُهُ عَزَّ اسْمُهُ {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي} [هود: 44] وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} [آل عمران: 15] وَالْجَرْيُ لِلْمَاءِ لَا لِلْأَنْهَارِ وَقَوْلُهُ عَلَتْ كَلِمَتُهُ {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} [الكهف: 77] وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُعَدُّ وَلَا يُحْصَى وَاَللَّهُ تَعَالَى عَلِيٌّ أَيْ مُنَزَّهٌ عَنْ الْعَجْزِ وَالضَّرُورَاتِ فَثَبَتَ أَنَّهُ لَيْسَ بِضَرُورِيٍّ وَلَا يُقَالُ الْمُقْتَضَى ضَرُورِيٌّ عِنْدَكُمْ حَتَّى أَنْكَرْتُمْ جَوَازَ عُمُومِهِ أَصْلًا مَعَ أَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي الْقُرْآنِ فَلْيَكُنْ الْمَجَازُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الضَّرُورَةُ فِي الْمُقْتَضَى رَاجِعَةٌ إلَى الْكَلَامِ وَالسَّامِعِ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَثْبُتُ ضَرُورَةً تَصْحِيحُ الْكَلَامِ شَرْعًا لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى الْإِخْلَالِ بِفَهْمِ السَّامِعِ، وَالضَّرُورَةُ فِي الْمَجَازِ لَوْ ثَبَتَتْ كَانَتْ رَاجِعَةً إلَى الْمُتَكَلِّمِ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَهُ لِتَوْسِعَةِ طَرِيقِ التَّكَلُّمِ عَلَى الْمُتَكَلِّمِ.
وَلِهَذَا ذُكِرَ الْمَجَازُ فِي أَقْسَامِ اسْتِعْمَالِ النَّظْمِ الَّذِي هُوَ رَاجِعٌ إلَى الْمُتَكَلِّمِ وَالْمُقْتَضَى فِي أَقْسَامِ الْوُقُوفِ عَلَى الْمُرَادِ الَّذِي هُوَ حَظُّ السَّامِعِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ جَازَ أَنْ يُوجَدَ الْمُقْتَضَى
حَتَّى كَثُرَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ أَفْصَحُ اللُّغَاتِ وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى عَلَا عَنْ الْعَجْزِ وَالضَّرُورَاتِ.
ــ
[كشف الأسرار]
فِي الْقُرْآنِ بِخِلَافِ الْمَجَازِ لَوْ كَانَ ضَرُورِيًّا وَبِهَذَا ظَهَرَ أَنَّ اسْتِدْلَالَهُمْ بِالْمُقْتَضَى لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْعُمُومَ الْعَوَارِضُ الْأَلْفَاظُ عَلَى مَا مَرَّ وَالْمَجَازُ مَلْفُوظٌ فَإِذَا وُجِدَ دَلِيلُ الْعُمُومِ فِيهِ أَمْكَنَ الْقَوْلُ بِعُمُومِهِ فَأَمَّا الْمُقْتَضَى فَغَيْرُ مَلْفُوظٍ لَا تَحْقِيقًا وَلَا تَقْدِيرًا بَلْ هُوَ ثَابِتٌ شَرْعًا فَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْعُمُومُ بِخِلَافِ الْمَحْذُوفِ فَإِنَّهُ مَلْفُوظٌ تَقْدِيرًا فَأَمْكَنَ الْقَوْلُ بِعُمُومِهِ عِنْدَ وُجُودِ دَلِيلِهِ. قَالَ أَبُو الْيُسْرِ الْمُقْتَضَى إذَا كَانَ ثَابِتًا لُغَةً يُوجِبُ الْعُمُومَ فَأَمَّا إذَا كَانَ ثَابِتًا شَرْعًا فَلَا؛ لِأَنَّهُ صُيِّرَ إلَيْهِ لِلضَّرُورَةِ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا وَفِي قَوْلِهِ حَتَّى كَثُرَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى إشَارَةً إلَى رَدِّ قَوْلِ مَنْ أَنْكَرَ وُقُوعَ الْمَجَازِ فِي الْقُرْآنِ مِنْ الرَّافِضَةِ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ مِنْهُمْ دَاوُد الْأَصْفَهَانِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الْأَصْبَهَانِيُّ وَاتِّبَاعُهُمَا مُتَمَسِّكِينَ بِأَنَّ الْمَجَازَ كَذِبٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُصَدَّقُ نَافِيهِ وَإِذَا كَانَ صِدْقًا كَانَ إثْبَاتُهُ كَذِبًا ضَرُورَةً وَإِذَا كَانَ كَذِبًا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَبِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَجَازَ هُوَ اسْتِعَارَةُ الْكَلِمَةِ لِغَيْرِ مَا وُضِعَتْ وَهَذَا لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ ذِي الْحَاجَةِ وَأَنَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ الْحَاجَةِ وَبِأَنَّ الْمَجَازَ لَوْ كَانَ وَاقِعًا فِي الْقُرْآنِ لَصَحَّ وَصْفُهُ تَعَالَى بِكَوْنِهِ مُتَجَوِّزًا لِصُدُورِ التَّكَلُّمِ بِالْمَجَازِ وَالْأَمْرُ بِخِلَافِهِ وَكُلُّ ذَلِكَ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْمَجَازَ مَوْجُودٌ فِي الْقُرْآنِ بِحَيْثُ لَا وَجْهَ إلَى إنْكَارِهِ وَنَظَائِرُهُ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى وَقَوْلُهُمْ الْمَجَازُ كَذِبٌ فَيَمْتَنِعُ وُقُوعُهُ فِي كَلَامِهِ تَعَالَى وَهْمٌ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ كَذِبَهُ إنَّمَا يَلْزَمُ لَوْ كَانَ النَّفْيُ وَالْإِثْبَاتُ لِلْحَقِيقَةِ كَقَوْلِنَا هُوَ أَسَدٌ بِالْحَقِيقَةِ لَيْسَ بِأَسَدٍ بِالْحَقِيقَةِ لِتَنَاقُضِهِمَا ح.
وَأَمَّا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا بِالْحَقِيقَةِ وَالْآخَرُ بِالْمَجَازِ كَقَوْلِنَا لَيْسَ بِأَسَدٍ بِالْحَقِيقَةِ هُوَ أَسَدٌ بِالْمَجَازِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ صِدْقِ النَّفْيِ كَذِبُ الْإِثْبَاتِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَتَنَافَيَانِ وَإِنَّمَا لَمْ يَصِحَّ وَصْفُهُ تَعَالَى بِكَوْنِهِ مُتَجَوِّزًا؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْإِطْلَاقِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْإِذْنِ؛ لِأَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ تَعَالَى تَوْقِيفِيَّةٌ وَذَكَرَ عَبْدُ الْقَاهِرِ الْبَغْدَادِيُّ فِي أُصُولِهِ بَعْدَ ذِكْرِ قَوْلِ هَذِهِ الطَّائِفَةِ وَذَكَرَ شُبْهَتَهُمْ ثُمَّ افْتِرَاقَ هَؤُلَاءِ فِي كَلِمَاتٍ مِنْ الْقُرْآنِ طَرِيقُهَا الْمَجَازُ فَمِنْهُمْ مَنْ تَأَوَّلَ بَعْضَهُمَا عَلَى الْحَقِيقَةِ وَتَقَوَّلَ فِي مِثْلِ قَوْله تَعَالَى {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82] وَقَوْلُهُ {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ} [الكهف: 77] إنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى إنْطَاقِ الْأَرْضِ لِأَنْبِيَائِهِ وَعَلَى خَلْقِ الْإِرَادَةِ فِي الْجِدَارِ وَمِنْهُمْ مَنْ شَكَّ فِي كَوْنِ الْمَجَازَاتِ الَّتِي فِي الْقُرْآنِ أَنَّهَا مِنْهُ وَقَالَ لَعَلَّهَا مِنْ الْجِنْسِ الَّذِي غُيِّرَ مِنْهُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْإِمَامِيَّةُ مِنْ الرَّافِضَةِ فِي دَعْوَاهَا أَنَّ الصَّحَابَةَ غَيَّرَتْ نَظْمَ الْقُرْآنِ وَزَادَتْ فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ وَنَقَضَتْ مِنْهُ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ إمَامَةِ عَلِيٍّ وَأَوْلَادِهِ وَزَعْمِهِمْ أَيْضًا أَنَّ مَا فِيهِ مِنْ مَجَازَاتٍ فَهُوَ مَنْ زِيَادَاتِ الْمُبَدِّلِينَ ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَأَمَّا الَّذِينَ أَنْكَرُوا وُجُودَ الْمَجَازِ فِي الْقُرْآنِ وَزَعَمُوا أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِيهِ مَجَازٌ لَكَانَ كَذِبًا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُمْ أَنْ يَكُونَ قَوْله تَعَالَى {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] كَذِبًا؛ لِأَنَّ إنَّا وَنَحْنُ لِلْجَمَاعَةِ دُونَ الْوَاحِدِ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ.
وَإِنْ قَالُوا صَحَّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ فَهُوَ الْمَجَازُ الَّذِي أَنْكَرُوهُ وَأَيْضًا فَإِنَّ مُنْكِرَ الْمَجَازِ فِي الْقُرْآنِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَقُولَ الْمَعْدُومُ شَيْءٌ كَمَا قَالَتْ الْقَدَرِيَّةُ أَوْ يَقُولَ لَيْسَ بِشَيْءٍ كَمَا قَالَ غَيْرُهُمْ وَعَلَى الْأَوَّلِ يَلْزَمُهُ أَنْ يَكُونَ قَوْله تَعَالَى {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا} [مريم: 9] مَجَازًا وَعَلَى الثَّانِي يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ عَزَّ اسْمُهُ {إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} [الحج: 1] مَجَازًا وَأَمَّا الرَّافِضَةُ الْمُدَّعِيَةُ أَنَّ الْمَجَازَاتِ كُلَّهَا مِمَّا غَيَّرَتْهَا الصَّحَابَةُ فَلَا كَلَامَ مَعَهُمْ فِي هَذِهِ
وَمِنْ حُكْمِ الْحَقِيقَةِ أَنَّهُ لَا تَسْقُطُ عَنْ الْمُسَمَّى بِحَالٍ وَإِذَا اُسْتُعِيرَ لِغَيْرِهِ احْتَمَلَ السُّقُوطَ يُقَالُ لِلْوَالِدِ أَبٌ وَلَا يُنْفَى عَنْهُ بِحَالٍ وَيُقَالُ لِلْجَدِّ أَبٌ مَجَازًا وَيَصِحُّ أَنْ يُنْفَى عَنْهُ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْحَقِيقَةَ وَضْعٌ وَهَذَا مُسْتَعَارٌ فَكَانَا كَالْمِلْكِ وَالْعَارِيَّةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَهْجُورًا فَيَصِيرُ ذَلِكَ دَلَالَةَ الِاسْتِثْنَاءِ كَمَا قُلْنَا فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَسْكُنُ الدَّارَ فَانْتَقَلَ مِنْ سَاعَتِهِ وَكَمَنْ حَلَفَ لَا يَقْتُلُ وَقَدْ كَانَ جَرَحَ وَلَا يُطْلَقُ وَقَدْ كَانَ حَلَفَ كَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ الدَّقِيقِ لَا يَحْنَثُ بِالْأَكْلِ مِنْ عَيْنِهِ عِنْدَ بَعْضِ مَشَايِخِنَا وَإِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذَا الشَّجَرِ فَأَكَلَ مِنْ عَيْنِ الشَّجَرِ لَمْ يَحْنَثْ أَيْضًا.
وَمِنْ أَحْكَامِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ
ــ
[كشف الأسرار]
الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّهُمْ فِي حِيرَةٍ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ وَفِي تِيهٍ إلَى أَنْ يَظْهَرَ إمَامُهُمْ الَّذِي يَنْتَظِرُونَهُ وَمَنْ لَا يَثِقُ بِشَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ فَلَا يُنَاظَرُ فِي صِفَاتِ كَلِمَاتِ الْقُرْآنِ وَلَا فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ
قَوْلُهُ (وَمِنْ حُكْمِ الْحَقِيقَةِ أَنَّهُ) أَيْ أَنَّ لَفْظَ الْحَقِيقَةِ وَلَا يَسْقُطُ عَنْ الْمُسَمَّى بِحَالٍ أَيْ يَصِحُّ إطْلَاقُهُ عَلَى مَوْضُوعِهِ أَبَدًا وَلَا يَصِحُّ نَفْيُهُ عَنْهُ بِحَالٍ فَإِذَا أُطْلِقَ كَانَ مُسَمَّاهُ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِهِ وَإِلَّا إذَا كَانَ مَهْجُورًا الِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ لَا يَسْقُطُ عَنْ الْمُسَمَّى بِحَالٍ يَعْنِي إذَا كَانَ الْمُسَمَّى مَهْجُورًا أَيْ تَرَكَ النَّاسُ الْعَمَلَ بِهِ وَإِرَادَتَهُ عَنْ هَذَا اللَّفْظِ " فح " بِجَوَازِ أَنْ يَسْقُطَ عَنْهُ لَفْظُهُ الْمَوْضُوعُ لَهُ لَا يَتَنَاوَلُهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ سَوَاءٌ كَانَ الْهِجْرَانُ بِالْعَادَةِ أَوْ بِالتَّعَذُّرِ بَلْ يَتَعَيَّنُ الْمَجَازُ وَيَصِيرُ ذَلِكَ أَيْ كَوْنُهُ مَجْهُورًا دَلِيلَ الِاسْتِثْنَاءِ أَيْ نَازِلًا مَنْزِلَتَهُ فَيَصِيرُ الْمُسَمَّى الْمَهْجُورُ مُسْتَثْنًى تَقْدِيرًا مِنْ جُمْلَةِ مُحْتَمَلَاتِ اللَّفْظِ مَعَ صَلَاحِيَتِهِ لِلدُّخُولِ تَحْتَ اللَّفْظِ كَمَنْ حَلَفَ لَا يَسْكُنُ هَذِهِ الدَّارَ وَهُوَ فِيهَا مُوجِبُ هَذَا الْكَلَامِ وُجُوبَ الِامْتِنَاعِ عَنْ السُّكْنَى مِنْ زَمَانِ الْحَلِفِ إلَى آخِرِ الْعُمُرِ؛ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ " لَا يَسْكُنُ " نَكِرَةٌ وَقَعَتْ فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ فَيَعُمُّ جَمِيعَ مَا يُتَصَوَّرُ مِنْ السُّكْنَى فِي الْعُمُرِ فَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَحْنَثَ وَإِنْ أَخَذَ فِي النَّقْلَةِ مِنْ سَاعَتِهِ كَمَا قَالَ زُفَرُ رحمه الله لِوُجُودِ حَقِيقَةِ السُّكْنَى بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْيَمِينِ وَإِنْ قَلَّ لِفَوَاتِ شَرْطِ الْبِرِّ بِهِ وَهُوَ اسْتِغْرَاقُ الْعَدَمِ جَمِيعَ الْعُمُرِ كَمَا لَوْ دَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ عَلَى الْفَوْرِ بَعْدَ الِانْتِقَالِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ عِنْدَنَا اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْقَدْرَ مِنْ السُّكْنَى صَارَ مُسْتَثْنًى عَنْ الْيَمِينِ لِكَوْنِهِ مَهْجُورًا فِي مِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ بِدَلَالَةِ أَنَّ مَقْصُودَ الْحَالِفِ مَنْعُ نَفْسِهِ عَمَّا فِي وُسْعِهِ مِنْ السُّكْنَى إذْ الْيَمِينُ تُعْقَدُ لِلْبِرِّ لَا لِلْحِنْثِ وَلَا يُتَصَوَّرُ الْمَنْعُ وَمُحَافَظَةُ الْبِرِّ إلَّا بِإِخْرَاجِ هَذَا الْقَدْرِ مِنْ الْيَمِينِ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِهِ تَحْقِيقًا لِلْمَقْصُودِ وَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ لَا أَسْكُنُ هَذِهِ الدَّارَ إلَّا زَمَانَ الِانْتِقَالِ.
قَوْلُهُ (وَكَمَنْ حَلَفَ لَا يَقْتُلُ فُلَانًا وَقَدْ كَانَ جَرَحَهُ قَبْلَ ذَلِكَ) فَمَاتَ الْمَجْرُوحُ بَعْدَ يَمِينِهِ مِنْ ذَلِكَ الْجُرْحِ لَا يَحْنَثُ وَإِنْ وُجِدَ الِانْزِهَاقُ الَّذِي بِهِ وَيَصِيرُ الْجُرْحُ السَّابِقُ قَتْلًا بَعْدَ الْيَمِينِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ مَقْصُودَ الْحَالِفِ مَنْعُ النَّفْسِ عَمَّا فِي وُسْعِهِ مِنْ الْقَتْلِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَصَارَ هَذَا الْمَوْتُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ مَقْصُودِهِ مُسْتَثْنًى عَنْ الْيَمِينِ لِكَوْنِهِ مَهْجُورًا وَقِسْ عَلَيْهِ مَسْأَلَةَ الطَّلَاقِ وَكَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذَا الدَّقِيقِ فَأَكَلَ مِنْ عَيْنِهِ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ عَيْنَهُ مَأْكُولٌ فَيَدْخُلُ تَحْتَ الْيَمِينِ كَأَكْلِ الْخُبْزِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ أَكْلَ عَيْنِ الدَّقِيقِ مَهْجُورٌ عَادَةً فَصَارَ ذَلِكَ دَلِيلَ الِاسْتِثْنَاءِ وَيَنْصَرِفُ يَمِينُهُ إلَى مَا يُتَّخَذُ مِنْهُ مِنْ الْخُبْزِ وَنَحْوِهِ، كَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَالْمَبْسُوطِ وَذَكَرَ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَالْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّهُ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الدَّقِيقَ يَتَأَتَّى أَكْلُ عَيْنِهِ وَمَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْأَكْلِ يَحْصُلُ بِأَكْلِ عَيْنِهِ وَقَدْ تُقْلَى فَيُؤْكَلُ أَيْضًا فَإِذَا كَانَ حَقِيقَةُ لَفْظِهِ مُتَعَارَفًا أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ (قُلْنَا) يَحْنَثُ بِهِ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ وَلَوْ نَوَى أَكْلَ الدَّقِيقِ بِعَيْنِهِ لَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِ الْخُبْزِ؛ لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ وَفِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلْقَاضِي الْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ رحمه الله فَإِنْ عَنَى أَكْلَ الدَّقِيقِ صَحَّتْ نِيَّتُهُ فِيمَا فِيهِ تَغْلِيظٌ حَتَّى يَحْنَثَ بِأَكْلِ الدَّقِيقِ وَلَا يَصْدُقُ فِي صَرْفِ الْيَمِينِ عَنْ الْخُبْزِ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ وَكَمَا إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذَا الشَّجَرِ فَأَكَلَ مِنْ عَيْنِهِ لَمْ يَحْنَثْ يَعْنِي فِي شَجَرٍ لَا يُؤْكَلُ عَيْنُهُ عَادَةً؛ لِأَنَّ أَكْلَ عَيْنِ الشَّجَرِ لَمَّا كَانَ
اسْتِحَالَةُ اجْتِمَاعِهِمَا مُرَادَيْنِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ
ــ
[كشف الأسرار]
مَهْجُورًا لِلتَّعَذُّرِ انْصَرَفَتْ يَمِينُهُ إلَى الْمَجَازِ وَهُوَ أَكْلُ ثَمَرِهِ إنْ كَانَ لَهُ ثَمَرٌ وَثَمَنِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ
قَوْلُهُ (اسْتِحَالَةَ اجْتِمَاعِهِمَا مُرَادَيْنِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ) اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي جَوَازِ إطْلَاقِ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ عَلَى مَدْلُولِهِ الْحَقِيقِيِّ وَمَدْلُولِهِ الْمَجَازِيِّ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَذَهَبَ أَصْحَابُنَا وَعَامَّةُ أَهْلِ الْأَدَبِ وَالْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَعَامَّةُ الْمُتَكَلِّمِينَ إلَى امْتِنَاعِهِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَعَامَّةُ أَصْحَابِهِ وَعَامَّةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَأَبُو عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ وَعَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ أَحْمَدَ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ إلَى جَوَازِهِ مُسْتَرْوِحِينَ فِي ذَلِكَ إلَى أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ إرَادَةِ الْمَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا فَإِنَّ الْوَاحِدَ مِنَّا قَدْ يَجِدُ نَفْسَهُ مُرِيدَةً بِالْعِبَارَةِ الْوَاحِدَةِ مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ كَمَا يَجِدُهَا مُرِيدَةً لِلْمَعْنَيَيْنِ الْمُتَّفِقَيْنِ جَمِيعًا وَنَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْ أَنْفُسِنَا قَطْعًا فَمَنْ ادَّعَى اسْتِحَالَتَهُ فَقَدْ جَحَدَ الضَّرُورَةَ وَعَانَدَ الْمَعْقُولَ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْوَاحِدَ مِنَّا قَدْ يَجِدُ فِي نَفْسِهِ إذَا قَالَ لِغَيْرِهِ لَا تَنْكِحْ مَا نَكَحَ أَبُوك أَوْ قَالَ تَوَضَّأَ مِنْ لَمْسِ الْمَرْأَةِ إرَادَةَ الْعَقْدِ وَالْوَطْءِ وَإِرَادَةَ الْمَسِّ بِالْيَدِ وَالْوَطْءِ حَتَّى لَوْ صَرَّحَ بِهِ وَقَالَ تَنْكِحُ مَا نَكَحَ أَبُوك وَطْئًا وَلَا عَقْدًا وَتَوَضَّأَ مِنْ اللَّمْسِ مُسَاوٍ وَطْئًا صَحَّ مِنْ غَيْرِ اسْتِحَالَةٍ فَكَذَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْله تَعَالَى {وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ} [النساء: 22] عَلَى الْوَطْءِ وَالْعَقْدِ وَقَوْلُهُ جل جلاله. {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [النساء: 43] . عَلَى الْوَطْءِ وَالْمَسِّ بِالْيَدِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحَالَةٍ. وَيُؤَيِّدُهُ صِحَّةُ اسْتِثْنَاءِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ النَّصِّ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَسُّ بِالْيَدِ وَإِلَّا أَنْ يَكُونَ بِالْوَطْءِ وَإِذَا صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ صَحَّتْ إرَادَةُ الْجَمِيعِ أَيْضًا عِنْدَ عَدَمِهِ.
قَالُوا وَقَدْ حُكِيَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أَنَّهُ قَالَ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِاللَّفْظِ الْوَاحِدِ الدُّعَاءُ عَلَى الْغَيْرِ وَالْخَبَرُ عَنْ حَالِهِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لِغَيْرِهِ لَهُ الْوَيْلُ فَهَذَا دُعَاءٌ عَلَيْهِ بِالْوَيْلِ وَخَبَرٌ عَنْ ثُبُوتِ الْوَيْلِ لَهُ وَهَذَانِ مَعْنَيَانِ مُخْتَلِفَانِ. قَالُوا وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا أُرِيدَ بِاللَّفْظِ الْوَاحِدِ مَعْنَيَانِ مُتَضَادَّانِ كَمَا إذَا أُرِيدَ بِالْأَمْرِ الْوُجُوبُ وَالنَّدْبُ أَوْ الْإِبَاحَةُ أَوْ التَّهْدِيدُ أَوْ أُرِيدَ بِالْمُشْرِكِينَ الْكُلُّ وَالْبَعْضُ حَيْثُ لَا يَجُوزُ مَعَ صَلَاحِيَتِهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِهِمَا مُسْتَحِيلٌ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الْفِعْلِ وَاجِبًا يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ يُضَادُّ كَوْنَهُ نَدْبًا أَوْ مُبَاحًا لَا نَأْثَمُ بِتَرْكِهِ فَيَسْتَحِيلُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا. وَكَذَا إرَادَةُ الْكُلِّ يُضَادُّ إرَادَةَ الْبَعْضِ فَأَمَّا إرَادَةُ وُجُوبِ الطُّهْرِ مِنْ الْمَسِّ بِالْيَدِ فَلَا يُضَادُّ إرَادَةَ وُجُوبِ الطُّهْرِ مِنْ الْجِمَاعِ فَلَا يَسْتَحِيلُ الْجَمْعُ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِجَوَازِ إرَادَتِهِمَا. وَلِمَنْ ذَهَبَ إلَى امْتِنَاعِهِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا أَنَّ الْقَوْلَ بِجَوَازِ إرَادَتِهِمَا يُؤَدِّي إلَى الْمُحَالِ فَيَكُونُ فَاسِدًا. وَبَيَانُ الِاسْتِحَالَةِ مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا مَا أَشَارَ الشَّيْخُ إلَيْهِ فِي الْكِتَابِ أَنَّ الْحَقِيقَةَ مَا يَكُونُ مُسْتَقِرًّا فِي مَوْضُوعِهِ مُسْتَعْمَلًا فِيهِ وَالْمَجَازُ مَا يَكُونُ مُتَجَاوِزًا عَنْ مَوْضُوعِهِ مُسْتَعْمَلًا فِي غَيْرِهِ وَالشَّيْءُ الْوَاحِدُ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَقِرًّا فِي مَوْضِعِهِ وَمُتَجَاوِزًا عَنْهُ ضَرُورَةَ أَنَّ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ لَا يُحِلُّ مَكَانَيْنِ.
وَثَانِيهَا أَنَّهُ لَوْ صَحَّ الْإِطْلَاقُ عَلَيْهِمَا يَكُونُ الْمُسْتَعْمِلُ مُرِيدًا لِمَا وُضِعَتْ لَهُ الْكَلِمَةُ أَوَّلًا لِاسْتِعْمَالِهَا فِيهِ غَيْرَ مُرِيدٍ لَهُ أَيْضًا لِلْعُدُولِ بِهَا عَمَّا وُضِعَتْ لَهُ فَيَكُونُ مَوْضُوعُهَا مُرَادًا أَوْ غَيْرَ مُرَادٍ وَهُوَ جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ. وَالِاسْتِحَالَةُ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ بِاعْتِبَارِ اللَّفْظِ وَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى. وَثَالِثُهَا أَنَّ اسْتِعْمَالَ الْكَلِمَةِ فِيمَا هِيَ مَجَازٌ فِيهِ يُوجِبُ إضْمَارَ كَافِ التَّشْبِيهِ لِمَا عُرِفَ وَاسْتِعْمَالُهَا فِيمَا هِيَ حَقِيقَةٌ فِيهِ لَا يُوجِبُ ذَلِكَ وَبَيْنَ الْإِضْمَارِ وَعَدَمِهِ تَنَافٍ. وَرَابِعُهَا أَنَّ الْمَجَازَ لَا يُعْقَلُ مِنْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كشف الأسرار]
الْخِطَابِ إلَّا بِقَرِينَةٍ وَتَقْيِيدٍ، وَالْحَقِيقَةُ تُفْهَمُ بِالْإِطْلَاقِ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ وَتَقْيِيدٍ وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ الْخِطَابُ الْوَاحِدُ جَامِعًا بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فَيَكُونُ مُطْلَقًا وَمُقَيَّدًا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ. وَلَكِنَّ الْفَرِيقَ الْأَوَّلَ اعْتَرَضُوا عَلَى هَذِهِ الْأَوْجُهِ فَقَالُوا عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحَقِيقَةَ مُسْتَقِرَّةٌ فِي مَوْضِعِهِ حَقِيقَةً وَالْمَجَازُ مُتَجَاوِزٌ عَنْ مَوْضِعِهِ كَذَلِكَ بَلْ اللَّفْظُ صَوْتٌ وَحَرْفٌ يَتَلَاشَى كَمَا وُجِدَ فَيَسْتَحِيلُ وَصْفُهُ بِالِاسْتِقْرَارِ وَالتَّجَاوُزِ وَلَكِنَّهُ اسْتَعْمَلَ أَيْ تَلَفَّظَ بِهِ وَأُرِيدَ بِهِ مَوْضُوعُهُ وَغَيْرُ مَوْضُوعِهِ وَلَا اسْتِحَالَةَ فِي ذَلِكَ كَمَا بَيَّنَّا. وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي أَنَّا لَا نُسَلِّمُ لُزُومَ كَوْنِهِ غَيْرَ مُرِيدٍ لِمَا وُضِعَتْ الْكَلِمَةُ لَهُ أَوْ لَا بَلْ اللَّازِمُ كَوْنُهُ مُرِيدًا لِمَا وُضِعَتْ لَهُ أَوَّلًا وَثَانِيًا وَهُوَ الْمَجْمُوعُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ إرَادَتِهِمَا مَعًا أَنْ لَا يَكُونَ الْأَوَّلُ مُرَادًا. وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّالِثِ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا قَالَ رَأَيْت الْأَسْوَدَ وَأَرَادَ بِهِ أَسَدًا وَرِجَالًا شُجْعَانًا لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُضْمِرَ كَافَ التَّشْبِيهِ فِي الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ.
وَعَلَى الْوَجْهِ الرَّابِعِ أَنَّ مَا ذَكَرْتُمْ لَا يَلْزَمُنَا؛ لِأَنَّا إنَّمَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ اللَّفْظُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ إذَا تَسَاوَيَا فِي الِاسْتِعْمَالِ لَكِنْ إذَا عَرِيَ عَنْ عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْمَجَازِ إلَّا أَنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ ثُمَّ قِيَامُ الدَّلَالَةِ عَلَى الْمَجَازِ لَا يَنْفِي عَنْ اللَّفْظِ إرَادَةَ الْحَقِيقَةِ لِصِحَّةِ تَعَلُّقِ الْقَصْدِ وَالْإِرَادَةِ بِهِمَا جَمِيعًا وَفِي بَعْضِ هَذِهِ الِاعْتِرَاضَاتِ وَهَاءٌ وَفِي الْجَوَابِ عَنْهَا كَلَامٌ طَوِيلٌ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي وَهُوَ اخْتِيَارُ أَكْثَرِ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّ إرَادَةَ الْمَعْنَيَيْنِ تَجُوزُ عَقْلًا وَلَكِنْ لَا تَجُوزُ لُغَةً؛ لِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ وَضَعُوا قَوْلَهُمْ حِمَارٌ لِلْبَهِيمَةِ الْمَخْصُوصَةِ وَحْدَهَا وَتَجَوَّزُوا بِهِ فِي الْبَلِيدِ وَحْدَهُ وَلَمْ يَسْتَعْمِلُوهُ فِيهِمَا مَعًا أَصْلًا أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا قَالَ رَأَيْت حِمَارًا لَا يُفْهَمُ مِنْهُ الْبَهِيمَةُ وَالْبَلِيدُ جَمِيعًا وَإِذَا قَالَ رَأَيْت حِمَارَيْنِ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ رَأَى أَرْبَعَةَ أَشْخَاصٍ بَهِيمَتَيْنِ وَبَلِيدَيْنِ بِوَجْهٍ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِمَا خَارِجًا عَنْ لُغَتِهِمْ فَلَا تَجُوزُ (فَإِنْ قِيلَ) صِحَّةُ إطْلَاقِ اللَّفْظِ عَلَى مَفْهُومَيْهِ الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ إنَّمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى اسْتِعْمَالِهِمْ إذَا جَوَّزْنَا ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ فَأَمَّا إذَا جَوَّزْنَاهُ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ فَلَا يُعَدُّ مَا كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى طَرِيقَةٍ مَنْقُولَةٍ عَنْهُمْ وَهُوَ إطْلَاقُ اسْمِ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ (قُلْنَا) نَعَمْ وَلَكِنْ إذَا صَحَّ بِنَاؤُهُ عَلَى تِلْكَ الطَّرِيقَةِ وَنَحْنُ لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ الَّذِي يَجُوزُ إطْلَاقُ اسْمِ جُزْئِهِ عَلَيْهِ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا تَحْتَ لَفْظٍ مَوْضُوعٍ لَهُ لِيُثْبِتَ كُلِّيَّتَهُ بِذَلِكَ الِاعْتِبَارِ ثُمَّ يُطْلِقُ عَلَيْهِ اسْمَ جُزْئِهِ كَإِطْلَاقِ اسْمِ الْوَجْهِ أَوْ الرَّقَبَةِ عَلَى الذَّاتِ فَإِنَّ جَمِيعَ أَجْزَاءِ الْبَدَنِ لَمَّا كَانَ دَاخِلًا تَحْتَ اسْمِ الذَّاتِ أَوْ الْإِنْسَانِ أَوْ الْبَدَنِ أَوْ النَّفْسِ أَوْ مَا أَشْبَهَهَا جَازَ إطْلَاقُ اسْمِ الْجُزْءِ وَهُوَ الْوَجْهُ أَوْ الرَّقَبَةُ عَلَيْهِ وَأَنْتَ لَا تَجِدُ لَفْظًا يَدُلُّ عَلَى الْهَيْكَلِ الْمَخْصُوصِ وَالْإِنْسَانُ الشُّجَاعُ بِالْوَضْعِ لِيُثْبِتَ الْكُلِّيَّةَ فِيهِمَا بِوَجْهٍ فَكَيْفَ يَجُوزُ إطْلَاقُ لَفْظِ الْأَسَدِ عَلَيْهِمَا بِطَرِيقِ إطْلَاقِ اسْمِ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ وَلَا جُزْئِيَّةَ وَلَا كُلِّيَّةَ.
وَلَا يُقَالُ الْكُلِّيَّةُ ثَابِتَةٌ مِنْ حَيْثُ إنَّ دَلَالَةَ اللَّفْظِ لَا يَعْدُو عَنْ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ فَكَانَا كُلًّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْكُلِّيَّةِ وَالْجُزْئِيَّةِ مِنْ طُرُقِ الْمَجَازِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَعْتَبِرُوهُ فِي شَيْءٍ مِنْ اسْتِعْمَالَاتِهِمْ فَكَانَا بِمَنْزِلَةِ وَصْفِ الْبَخَرِ وَالْحُمَّى فِي الْأَسَدِ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ فَلَا بُدَّ مِنْ إقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهُ يَصْلُحُ لِلْمَجَازِ. وَبِمَا ذَكَرْنَا خَرَجَ الْجَوَابُ عَنْ كَلِمَاتِهِمْ. وَلَا تَمَسُّكَ لَهُمْ فِيمَا حَكَوْهُ
لِمَا قُلْنَا أَحَدُهُمَا مَوْضُوعٌ وَالْآخَرُ مُسْتَعَارٌ مِنْهُ فَاسْتَحَالَ اجْتِمَاعُهُمَا كَمَا اسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ الثَّوْبُ عَلَى رَجُلٍ لَبِسَهُ مِلْكًا لَهُ وَعَارِيَّةً مَعًا، وَلِهَذَا قُلْنَا فِيمَنْ أَوْصَى لِمَوَالِيهِ وَلَهُ مَوَالٍ أَعْتَقَهُمْ وَلِمَوَالِيهِ مَوَالٍ أَعْتَقُوهُمْ أَنَّ الثُّلُثَ لِلَّذِينَ أَعْتَقَهُمْ وَلَيْسَ لِمَوَالِي مُعْتِقِيهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ مُعْتِقِيهِ مَوَالِيه حَقِيقَةً بِأَنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ
ــ
[كشف الأسرار]
عَنْ سِيبَوَيْهِ إذْ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ فِيهِمَا مَعًا بَلْ مَعْنَى مَا نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الدُّعَاءُ وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْخَبَرُ وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ. وَقَوْلُهُ اسْتِحَالَةُ اجْتِمَاعِهِمَا أَيْ اجْتِمَاعِ مَفْهُومَيْهِمَا. مُرَادَيْنِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ مُرَادَيْنِ احْتِرَازٌ عَنْ جَوَازِ اجْتِمَاعِهِمَا مِنْ حَيْثُ التَّنَاوُلُ الظَّاهِرِيُّ كَمَا إذَا اسْتَأْمَنَ عَلَى الْأَبْنَاءِ وَالْمَوَالِي. أَوْ احْتِرَازًا عَنْ جَوَازِ اجْتِمَاعِهِمَا فِي احْتِمَالِ اللَّفْظِ إيَّاهُمَا. لِمَا قُلْنَا إنَّ أَحَدَهُمَا أَيْ أَحَدُ الْمَفْهُومَيْنِ مَوْضُوعٌ أَيْ مَوْضُوعٌ لَهُ. وَالْآخَرُ أَيْ الْمَفْهُومُ الْآخَرُ مُسْتَعَارٌ مِنْهُ أَيْ لَهُ.
فَاسْتَحَالَ اجْتِمَاعُهُمَا أَيْ اجْتِمَاعُ هَذَيْنِ الْمَفْهُومَيْنِ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ لِتَأَدِّيهِ إلَى كَوْنِ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ حَقِيقَةً وَمَجَازًا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ. أَوْ يُقَالُ لَمَّا قُلْنَا إنَّ أَحَدَهُمَا أَيْ أَحَدُ الْمَذْكُورَيْنِ وَهُوَ الْحَقِيقَةُ مَوْضُوعٌ. وَالْآخَرُ وَهُوَ الْمَجَازُ مُسْتَعَارٌ مِنْهُ أَيْ مِمَّا وُضِعَ لَهُ؛ فَاسْتَحَالَ اجْتِمَاعُهُمَا أَيْ اجْتِمَاعُ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ كَمَا اسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ الثَّوْبُ الْوَاحِدُ عَلَى رَجُلٍ لَبِسَهُ أَيْ فِي حَالَةِ اسْتِعْمَالِهِ مِلْكًا لَهُ وَعَارِيَّةً فِي حَقِّهِ أَيْضًا. يَعْنِي الْأَلْفَاظَ لِلْمَعَانِي بِمَنْزِلَةِ الْكُسْوَةِ لِلْأَشْخَاصِ فَكَمَا أَنَّ فِي الْكُسْوَةِ الْوَاحِدَةِ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَجْتَمِعَ صِفَةُ الْمِلْكِ وَالْعَارِيَّةِ فِي اسْتِعْمَالِ وَاحِدٍ فَكَذَلِكَ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَجْتَمِعَ فِي اللَّفْظِ الْوَاحِدِ كَوْنُهُ حَقِيقَةً وَمَجَازًا فِي اسْتِعْمَالٍ وَاحِدٍ. وَلَا يُقَالُ إنْ أَرَدْتُمْ بِاسْتِحَالَةِ اجْتِمَاعِ الْمِلْكِ وَالْعَارِيَّةِ اسْتِحَالَتَهُ بِنِسْبَةِ شَخْصَيْنِ فَذَلِكَ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّ الثَّوْبَ الْمُسْتَعَارَ فِي حَالَةِ اسْتِعْمَالِ الْمُسْتَعِيرِ مَمْلُوكٌ وَمُسْتَعَارٌ فَقَدْ اجْتَمَعَ الْمِلْكُ وَالْعَرِيَّةُ فِيهِ وَلَكِنْ بِنِسْبَةِ شَخْصَيْنِ. وَإِنْ أَرَدْتُمْ اسْتِحَالَتَهُ بِنِسْبَةِ شَخْصٍ وَاحِدٍ فَمُسَلَّمٌ وَلَكِنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْكِتَابِ لَا يُطَابِقُهُ؛ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِيهِ اجْتِمَاعُ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ بِاعْتِبَارِ مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ بِالِاعْتِبَارِ مَعْنَى وَاحِدٍ فَلَا يَسْتَقِيمُ التَّشْبِيهُ. لِأَنَّا نَقُولُ الْمُرَادُ هُوَ التَّشْبِيهُ مِنْ حَيْثُ الِاسْتِعْمَالُ لَا غَيْرُ يَعْنِي كَمَا أَنَّ اسْتِعْمَالَ الثَّوْبِ الْوَاحِدِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ بِطَرِيقِ الْمِلْكِ وَالْعَارِيَّةِ جَمِيعًا مُسْتَحِيلٌ سَوَاءٌ كَانَ بِنِسْبَةِ شَخْصٍ أَوْ بِنِسْبَةِ شَخْصَيْنِ فَكَذَلِكَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ مَعًا مُسْتَحِيلٌ سَوَاءٌ كَانَ بِنِسْبَةِ مَعْنًى وَاحِدٍ أَوْ بِنِسْبَةِ مَعْنَيَيْنِ.
وَكَانَ الْأَحْسَنُ فِي التَّشْبِيهِ أَنْ يُقَالَ كَمَا اسْتَحَالَ أَنْ يَلْبَسَ الثَّوْبَ الْوَاحِدَ لَابِسَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَبِسَهُ بِكَمَالِهِ أَحَدُهُمَا بِطَرِيقِ الْمِلْكِ وَالْآخَرُ بِطَرِيقِ الْعَارِيَّةِ. إلَّا أَنَّ الشَّيْخَ اخْتَارَ هَذَا الْوَجْهَ مِنْ التَّشْبِيهِ؛ لِأَنَّهُ أَظْهَرُ فِي الِاسْتِحَالَةِ وَبَيَّنَ اسْتِحَالَةَ اجْتِمَاعِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَعْنَيَيْنِ لِتَعَرُّفِ الِاسْتِحَالَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَعْنَى وَاحِدٍ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ وَلِيَكُونَ إشَارَةً إلَى رَدِّ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ مِنْ مَشَايِخِنَا الْعِرَاقِيِّينَ أَنَّ الْحَقِيقَةَ وَالْمَجَازَ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ وَلَكِنْ أَنْ يَجْتَمِعَا فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ بِاعْتِبَارِ مَحَلَّيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ حَتَّى قَالُوا تَثْبُتُ حُرْمَةُ الْجَدَّاتِ وَبَنَاتِ الْأَوْلَادِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ} [النساء: 23] . مَعَ أَنَّ اسْمَ الْأُمِّ وَالْبِنْتِ لِلْجَدَّةِ وَبِنْتِ الْوَلَدِ مَجَازٌ؛ لِأَنَّ مَا ذَكَرُوا عَيْنَ مَذْهَبِ الْخُصُومِ. وَأَمَّا حُرْمَةُ الْجَدَّاتِ وَبَنَاتِ الْأَوْلَادِ وَنَحْوِهَا فَثَابِتَةٌ بِالْإِجْمَاعِ أَوْ بِعَيْنِ النَّصِّ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْأُمَّ فِي اللُّغَةِ الْأَصْلُ وَالْبِنْتُ الْفَرْعُ فَصَارَ كَأَنَّهُ قِيلَ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُصُولُكُمْ وَفُرُوعُكُمْ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْجَمِيعُ. أَوْ بِدَلَالَةِ النَّصِّ وَهِيَ أَنَّ الْعَمَّةَ وَالْخَالَةَ لَمَّا حُرِّمَتَا مَعَ بُعْدِ قَرَابَتِهِمَا وَهِيَ قَرَابَةُ الْمُجَاوَرَةِ فَالْجَدَّاتُ
وَصَارَ ذَلِكَ كَأَوْلَادِهِ لِإِحْيَائِهِمْ بِالْإِعْتَاقِ فَأَمَّا مَوَالِي الْمَوَالِي فَمَوَالِيه مَجَازًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَعْتَقَ الْأَوَّلِينَ فَقَدْ أَثْبَتَ لَهُمْ مَالِكِيَّةَ الْإِعْتَاقِ فَصَارَ ذَلِكَ مُسَبِّبًا لِإِعْتَاقِهِمْ فَنُسِبُوا إلَيْهِ بِحُكْمِ السَّبَبِيَّةِ مَجَازًا وَالْحَقِيقَةُ ثَابِتَةٌ فَلَمْ يَثْبُتْ الْمَجَازُ أَلَا تَرَى أَنَّ الِاسْمَ الْمُشْتَرَكَ لَا عُمُومَ لَهُ مِثْلُ الْمَوَالِي لَا يَعُمُّ الْأَعْلَيْنَ وَالْأَسْفَلِينَ حَتَّى أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْمَوَالِي وَلِلْمُوصِي مَوَالٍ أَعْتَقَهُمْ وَمَوَالٍ أَعْتَقُوهُ بَاطِلَةٌ وَهَذِهِ مَعَانٍ يَحْتَمِلُهَا الِاسْمُ احْتِمَالًا عَلَى السَّوَاءِ إلَّا أَنَّهَا لَمَّا اخْتَلَفَ سَقَطَ الْعُمُومُ فَالْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ وَهُمَا مُخْتَلِفَانِ وَدَلَالَةُ الِاسْمِ عَلَيْهِمَا مُتَفَاوِتَةٌ أَوْلَى أَنْ لَا يَجْتَمِعَا
ــ
[كشف الأسرار]
وَالْبَنَاتُ لَأَنْ يَحْرُمْنَ مِنْ قُرْبِ قَرَابَتِهِنَّ وَهِيَ قَرَابَةُ الْجُزْئِيَّةِ وَالْبَعْضِيَّةِ كَانَ أَوْلَى. وَلَا يُقَالُ الثَّوْبُ الْمَرْهُونُ إذَا اسْتَعَارَهُ الرَّاهِنُ وَلَبِسَهُ يَكُونُ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْمِلْكِ وَالْعَارِيَّةِ جَمِيعًا فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ.
لِأَنَّا نُسَلِّمُ أَنَّ انْتِفَاعَهُ بِهِ بِطَرِيقِ الْعَارِيَّةِ بَلْ بِأَصْلِ الْمِلْكِ الَّذِي هُوَ ثَابِتٌ لَهُ إذْ هُوَ الْمُطْلَقُ لِلِانْتِفَاعِ إلَّا أَنَّهُ كَانَ مَمْنُوعًا عَنْهُ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ وَقَدْ أَبْطَلَ حَقَّهُ بِالْإِعَارَةِ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ هَلَكَ فِي يَدِهِ هَلَكَ غَيْرَ مَضْمُونٍ عَلَى الْمُرْتَهِنِ وَلَمْ يَسْقُطْ عَنْ الدَّيْنِ شَيْءٌ. وَإِطْلَاقُ الْعَارِيَّةِ عَلَيْهِ مَجَازٌ؛ لِأَنَّ تَمْلِيكَ الْمَنَافِعِ مِمَّنْ لَا يَمْلِكُهَا حَقِيقَةً لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَسْتَرِدَّ لِبَقَاءِ عَقْدِ الرَّهْنِ تُصُوِّرَ بِصُورَةِ الْإِعَارَةِ فَلِذَلِكَ سُمِّيَ إعَارَةً.
قَوْلُهُ (فَصَارَ ذَلِكَ) أَيْ الْإِنْعَامُ عَلَيْهِمْ بِالْإِعْتَاقِ. كَوِلَادِهِمْ لِإِحْيَائِهِمْ بِالْإِعْتَاقِ. يَعْنِي أَنَّ الْمَوْلَى بِالْإِعْتَاقِ صَارَ سَبَبًا لِحَيَاتِهِمْ كَالْأَبِ صَارَ سَبَبًا لِوُجُودِ الْوَلَدِ. وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ فِي حُكْمِ الْمَوْتِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ} [الأنعام: 122] . أَيْ كَافِرًا فَهَدَيْنَاهُ وَقَالَ {إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [النمل: 80] . وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْكَافِرَ لَمَّا لَمْ يَنْتَفِعْ لِحَيَاتِهِ صَارَ فِي حُكْمِ الْأَمْوَاتِ كَمَا أَنَّهُ إذَا لَمْ يَنْتَفِعْ بِسَمْعِهِ وَنُطِقْهُ وَبَصَرِهِ وَعَقْلِهِ صَارَ فِي حُكْمِ عَدِيمِ الْحَوَاسِّ وَالْعَقْلِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ} [البقرة: 171] .
وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا قُلْنَا إنَّ الرِّقَّ أَثَرُ الْكُفْرِ، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ ضَرْبُ الرِّقِّ عَلَى الْمُسْلِمِ ابْتِدَاءً فَالْمَوْلَى بِالْإِعْتَاقِ يَصِيرُ مُسَبِّبًا لِحَيَاتِهِ بِإِزَالَةِ مَا هُوَ أَثَرُ الْمَوْتِ فَكَانَ إعْتَاقُهُ بِمَنْزِلَةِ الْإِحْيَاءِ كَالْوِلَادَةِ فَيَكُونُ مُتَعَلِّقٌ بِمَنْزِلَةِ الْوَلَدِ وَمُعْتَقُ الْمُعْتِقِ بِمَنْزِلَةِ وَلَدِ الْوَالِدِ فَيَكُونُ إطْلَاقُ اسْمِ الْمَوْلَى عَلَى الْأَوَّلِ حَقِيقَةً وَعَلَى الثَّانِي مَجَازًا كَمَا فِي الْوَلَدِ وَوَلَدِ الْوَلَدِ فَلَا يَدْخُلُ الثَّانِي تَحْتَ الْوَصِيَّةِ.
قَوْلُهُ (أَلَا تَرَى مُتَّصِلٌ) بِقَوْلِهِ مِلْكًا وَعَارِيَّةً وَتَوْضِيحٌ لِمَا ذَكَرَ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ إرَادَةِ مَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَالْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ مِنْ لَفْظٍ وَاحِدٍ فَقَالَ الِاسْمُ الْمُشْتَرَكُ لَا عُمُومَ لَهُ لِمَا مَرَّ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ مِثْلُ الْمَوَالِي لَا يَعُمُّ الْمُعْتَقِينَ وَالْمُعْتِقِينَ فِي مَسْأَلَةِ الْوَصِيَّةِ وَيُبْطِلُ الْوَصِيَّةَ. وَفِي رِوَايَةٍ يَصِحُّ الْوَصِيَّةُ وَيَكُونُ بَيْنَهُمْ عَلَى السَّوِيَّةِ النِّصْفُ لِلْمُعْتَقِينَ وَالنِّصْفُ لِلْمُعْتِقِينَ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَفِي رِوَايَةٍ تُرَجِّحُ الْأَعْلَى عَلَى الْأَسْفَلِ. وَفِي رِوَايَةٍ عَلَى الْعَكْسِ. وَهَذِهِ مَعَانٍ أَيْ الْمَعَانِي الَّتِي دَلَّ عَلَيْهَا الِاسْمُ الْمُشْتَرَكُ. يَحْتَمِلُهَا الِاسْمُ احْتِمَالًا عَلَى السَّوَاءِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَابِتٌ بِالْوَضْعِ. إلَّا أَنَّهَا أَيْ لَكِنَّهَا لَمَّا اخْتَلَفَ سَقَطَ الْعُمُومُ لِمَا عُرِفَ أَنَّ مِنْ شَرْطِ الْعَامِّ تَسَاوِي الْأَفْرَادِ الدَّاخِلَةِ تَحْتَهُ فِي الْمَعْنَى الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ. فَالْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ أَيْ مَفْهُومَاهُمَا. وَهُمَا مُخْتَلِفَانِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ الشُّجَاعَ مُخَالِفُ الْأَسَدِ.
وَدَلَالَةُ الِاسْمِ عَلَيْهِمَا أَيْ عَلَى مَفْهُومَيْ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ مُتَفَاوِتَةٌ لِلِاحْتِيَاجِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى أَحَدِهِمَا إلَى الْقَرِينَةِ دُونَ الْآخَرِ. أَوْلَى أَنْ لَا يَجْتَمِعَا لِوُجُودِ ذَلِكَ الْمَانِعِ الْمَوْجُودِ فِي الْمُشْتَرَكِ وَهُوَ الِاخْتِلَافُ وَزِيَادَةٌ وَهِيَ عَدَمُ التَّسَاوِي فِي الدَّلَالَةِ. .
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا مِنْ قَبِيلِ الِاسْتِدْلَالِ بِالْمُخْتَلَفِ عَلَى الْمُخْتَلِفِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ جَوَّزَ الْجَمْعَ غَيْرَ أَصْحَابِنَا الْعِرَاقِيِّينَ قَالَ بِالْعُمُومِ فِي الْمُشْتَرَكِ بَلْ اسْتَدَلَّ بِجَوَازِ عُمُومِ الْمُشْتَرَكِ عَلَى جَوَازِ التَّعْمِيمِ هَهُنَا وَقَالَ التَّعْمِيمُ هَهُنَا أَوْلَى مِنْ التَّعْمِيمِ فِي الْمُشْتَرَكِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَعَلُّقٍ بَيْنَ مَحَلَّيْ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ وَلَمَّا جَازَ تَعْمِيمُ الْمُشْتَرَكِ بِدُونِ عَلَاقَةٍ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ كَانَ التَّعْمِيمُ هُنَا مَعَ وُجُودِ التَّعَلُّقِ أَوْلَى بِالْجَوَازِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَصْلُحُ مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ لِلْإِلْزَامِ عَلَى الْخَصْمِ لَكِنْ لَمَّا تَمَهَّدَ وَتَقَرَّرَ عِنْدَ
وَلِهَذَا قُلْنَا فِي غَيْرِ الْخَمْرِ أَنَّهُ لَا يَلْحَقُ بِالْخَمْرِ فِي الْحَدِّ؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ أُرِيدَتْ بِذَلِكَ النَّصِّ فَبَطَلَ الْمَجَازُ، وَلِهَذَا قُلْنَا فِي قَوْله تَعَالَى {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [النساء: 43] أَنَّ الْمَسَّ بِالْيَدِ غَيْرُ مُرَادٍ؛ لِأَنَّ الْمَجَازَ مُرَادٌ بِالْإِجْمَاعِ وَهُوَ الْوَطْءُ حَتَّى حَلَّ لِلْجُنُبِ التَّيَمُّمُ فَبَطَلَ الْحَقِيقَةُ، وَلِهَذَا قِيلَ فِيمَنْ أَوْصَى لِأَوْلَادِ فُلَانٍ أَوْ لِأَبْنَائِهِ وَلَهُ بَنُونَ وَبَنُو بَنِينَ جَمِيعًا أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِأَبْنَائِهِ دُونَ بَنِي بَنِيهِ لِمَا قُلْنَا. .
ــ
[كشف الأسرار]
الشَّيْخِ انْتِفَاءُ جَوَازِ التَّعْمِيمِ فِي الْمُشْتَرَكِ بِدَلَائِلَ قَوِيَّةٍ ذَكَرْنَاهَا فِي أَوَّلِ هَذَا الْكِتَابِ لَمْ يُبَالِ بِالِاسْتِدْلَالِ بِهِ كَمَا فَعَلَ مُحَمَّدٌ هَكَذَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كُتُبِهِ.
قَوْلُهُ (وَلِهَذَا قُلْنَا) أَيْ وَلِامْتِنَاعِ الْجَمْعِ بَيْنَ مَفْهُومَيْ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ. قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله يَجِبُ الْحَدُّ بِشُرْبِ الْقَلِيلِ مِنْ سَائِرِ الْأَشْرِبَةِ الْمُسْكِرَةِ وَكَثِيرِهِ كَمَا فِي الْخَمْرِ وَاسْتَدَلَّ بَعْضُ أَصْحَابِهِ عَلَى ذَلِكَ بِعُمُومِ قَوْلِهِ عليه السلام. «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ» .
وَقَالَ سَائِرُ الْأَشْرِبَةِ يُسَمَّى خَمْرًا بِاعْتِبَارِ مُخَامَرَةِ الْعَقْلِ فَيَدْخُلُ تَحْتَ عُمُومِ هَذَا النَّصِّ كَالْخَمْرِ. فَقَالَ الشَّيْخُ لَا يَصِحُّ إلْحَاقُ سَائِرِ الْأَشْرِبَةِ بِالْخَمْرِ بِهَذَا الطَّرِيقِ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْخَمْرِ لِلنِّيءِ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ إذَا غَلَى وَاشْتَدَّ حَقِيقَةٌ وَلِسَائِرِ الْأَشْرِبَةِ مَجَازٌ بِاعْتِبَارِ الْمُخَامَرَةِ وَقَدْ يَثْبُتُ الْحَقِيقَةُ مُرَادَةً بِهَذَا النَّصِّ فَيَخْرُجُ الْمَجَازُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا. وَلَا يُقَالُ قَدْ أَلْحَقَ سَائِرَ الْأَشْرِبَةِ بِالْخَمْرِ عِنْدَ حُصُولِ السُّكْرِ فِي إيجَابِ الْحَدِّ فَيَجُوزُ أَنْ يُلْحَقَ بِهَا الْقَلِيلُ أَيْضًا. لِأَنَّا نَقُولُ قَدْ ثَبَتَ الْحُكْمُ فِي الْكَثِيرِ بِالْإِجْمَاعِ وَبِقَوْلِهِ عليه السلام. «وَالسُّكْرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ» . لَا بِطَرِيقِ الْإِلْحَاقِ.
قَوْلُهُ (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِلِامْتِنَاعِ الْمَذْكُورِ قُلْنَا فِي قَوْله تَعَالَى. {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [النساء: 43] . إنَّ الْمَسَّ بِالْيَدِ غَيْرُ مُرَادٍ حَتَّى لَا يَكُونَ مَسُّ الْمَرْأَةِ حَدَثًا خِلَافًا لِمَا يَقُولُهُ الشَّافِعِيُّ وَعَامَّةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ فَإِنَّ الْمَنْقُولَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ أَحْمِلُ آيَةَ اللَّمْسِ عَلَى الْمَسِّ وَالْوَطْءِ جَمِيعًا كَذَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ وَهَكَذَا رَأَيْت فِي بَعْضِ كُتُبِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمَجَازَ وَهُوَ الْوَطْءُ أُرِيدَ مِنْهُ بِالْإِجْمَاعِ حَتَّى حَلَّ لِلْجُنُبِ التَّيَمُّمُ بِهَذَا النَّصِّ وَلَا ذِكْرَ لَهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا هَهُنَا فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ الْحَقِيقَةُ مُرَادَةً.
وَلِهَذَا مَنْ حَمَلَ الْآيَةَ عَلَى اللَّمْسِ بِالْيَدِ لَمْ يُجَوِّزْ التَّيَمُّمَ لِلْجُنُبِ مِثْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه وَمَنْ حَمَلَهَا عَلَى الْوَطْءِ جَوَّزَهُ لَهُ مِثْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ (فَإِنْ قِيلَ) قَدْ قُرِئَتْ الْآيَةُ بِقِرَاءَتَيْنِ لَامَسْتُمْ وَلَمَسْتُمْ مِنْ الْمُلَامَسَةِ وَاللَّمْسِ فَيُحْمَلُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْوَطْءِ وَالْأُخْرَى عَلَى الْمَسِّ بِالْيَدِ كَمَا حَمَلْتُمْ الْقِرَاءَتَيْنِ فِي قَوْله تَعَالَى. {حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222] . بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ وَقَوْلُهُ {وَأَرْجُلَكُمْ} [المائدة: 6] بِالنَّصْبِ وَالْجَرِّ عَلَى الْحَالَيْنِ (قُلْنَا) لَا نِزَاعَ فِيهِ وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي حَمْلِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ كَمَا هُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ الْخُصُومِ. وَإِنَّمَا يَجُوزُ مَا ذَكَرْتُمْ إذَا لَمْ يَمْنَعْ عَنْهُ مَانِعٌ وَقَدْ وُجِدَ هَهُنَا فَإِنَّهُ رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُقَبِّلُ بَعْضَ نِسَائِهِ ثُمَّ يَخْرُجُ إلَى الصَّلَاةِ» . وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ وَالسَّلَفَ رضي الله عنهم اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ فَبَعْضُهُمْ قَالُوا الْمُرَادُ مِنْهَا الْمَسُّ بِالْيَدِ وَلَمْ يُجَوِّزُوا التَّيَمُّمَ لِلْجُنُبِ وَبَعْضُهُمْ الْمُرَادُ هُوَ الْجِمَاعُ وَجَوَّزُوا التَّيَمُّمَ لِلْجُنُبِ وَلَمْ يَجْعَلُوا الْمَسَّ حَدَثًا فَالْقَوْلُ بِجَوَازِ التَّيَمُّمِ لِلْجُنُبِ وَكَوْنِ الْمَسِّ حَدَثًا أَيْضًا عَمَلًا بِالْقِرَاءَتَيْنِ كَانَ خَارِجًا عَنْ أَقْوَالِهِمْ وَإِجْمَاعِهِمْ فَيَكُونُ مَرْدُودًا كَذَا ذُكِرَ فِي شَرْحِ التَّأْوِيلَاتِ.
قَوْلُهُ (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِامْتِنَاعِ الْجَمْعِ قُلْنَا فِيمَنْ أَوْصَى لِأَوْلَادِ فُلَانٍ. ذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ وَلَوْ أَوْصَى بِثُلُثِهِ لِبَنِي فُلَانٍ وَلِفُلَانٍ ذَلِكَ أَوْلَادٌ فَالثُّلُثُ لِلذُّكُورِ مِنْ وَلَدِهِ دُونَ الْإِنَاثِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ الْآخَرِ وَفِي قَوْلِهِ الْأَوَّلِ وَهُوَ قَوْلُهُمَا إذَا اخْتَلَطَ الذُّكُورُ بِالْإِنَاثِ فَالثُّلُثُ بَيْنَهُمْ وَإِنْ انْفَرَدَ الْإِنَاثُ فَلَا شَيْءَ لَهُنَّ بِالِاتِّفَاقِ. وَإِنْ كَانَ لَهُ أَوْلَادٌ وَأَوْلَادُ ابْنٍ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله الْوَصِيَّةُ لِبَنِيهِ لِصُلْبِهِ
فَإِنْ قِيلَ قَدْ قَالُوا فِيمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَضَعَ قَدَمَهُ فِي دَارِ فُلَانٍ أَنَّهُ يَحْنَثُ إذَا دَخَلَهَا حَافِيًا أَوْ مُتَنَعِّلًا وَفِيمَنْ قَالَ عَبْدِي حُرٌّ يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ أَنَّهُ إنْ قَدِمَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا عَتَقَ عَبْدُهُ وَفِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ قَالَ فِي حَرْبِيٍّ اسْتَأْمَنَ عَلَى نَفْسِهِ وَأَبْنَائِهِ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْبَنُونَ وَبَنُو الْبَنِينَ وَفِيمَنْ حَلَفَ لَا يَسْكُنُ دَارَ فُلَانٍ أَنَّهُ يَقَعُ عَلَى الْمِلْكِ وَالْإِجَارَةِ وَالْعَارِيَّةِ جَمِيعًا قِيلَ لَهُ وَضْعُ الْقَدَمِ مَجَازٌ عَنْ الدُّخُولِ
ــ
[كشف الأسرار]
دُونَ بَنِي ابْنِهِ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ لِأَوْلَادِ الصُّلْبِ حَقِيقَةٌ وَلِبَنِي الِابْنِ مَجَازٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَسْتَقِيمُ نَفْيُهُ عَنْهُمْ وَالْمَجَازُ لَا يُزَاحِمُ الْحَقِيقَةَ. وَفِي قَوْلِهِمَا الْكُلُّ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ عُمُومَ الْمَجَازِ يَتَنَاوَلُهُمْ فَيُطْلَقُ الْبَنِينَ فِي الْعُرْفِ عَلَى الْفَرِيقَيْنِ وَهُوَ نَظِيرُ مَذْهَبِهِمْ فِي مَسْأَلَةِ الْحِنْطَةِ وَالشُّرْبِ مِنْ الْفُرَاتِ. وَلَوْ أَوْصَى لِوَلَدِ فُلَانٍ دَخَلَ فِيهِ أَوْلَادُهُ لِصُلْبِهِ الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ فِي حَالَتَيْ الِاخْتِلَاطِ وَالِانْفِرَادِ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْوَلَدِ لِلْجِنْسِ. وَإِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ لِصُلْبِهِ وَأَوْلَادُ ابْنٍ فَالْوَصِيَّةُ لِوَلَدِهِ لِصُلْبِهِ دُونَ أَوْلَادِ ابْنِهِ. ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأَوْلَى وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الثَّانِيَةِ. فَإِنْ كَانَتْ عَلَى الْخِلَافِ كَمَا يُشِيرُ لَفْظُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ حَيْثُ قَالَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِيمَنْ أَوْصَى لِبَنِي فُلَانٍ أَوْ لِأَوْلَادِ فُلَانٍ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْفَرْقِ. وَلَوْ كَانَتْ عَلَى الْوِفَاقِ فَالْفَرْقُ لَهُمَا أَنَّ لَفْظَ بَنِي فُلَانٍ قَدْ اُسْتُعْمِلَ فِي أَوْلَادِ الصُّلْبِ وَأَوْلَادِ الْبَنِينَ اسْتِعْمَالًا شَائِعًا فَأَمَّا لَفْظُ الْوَلَدِ فَلَمْ يُسْتَعْمَلْ فِي أَوْلَادِ الْبَنِينَ اسْتِعْمَالَ الْأَوَّلِ. فَتَبَيَّنَ أَنَّ مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ دُونَ مَذْهَبِهِمَا.
قَوْلُهُ (فَإِنْ قِيلَ) إلَى آخِرِهِ لَمَّا فَرَغَ مِنْ تَمْهِيدِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَإِقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِمَا شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يَرِدُ نَقْضًا عَلَى هَذَا الْأَصْلِ مِنْ الْمَسَائِلِ وَالْجَوَابُ عَنْهَا وَهِيَ عِدَّةُ مَسَائِلَ. إحْدَاهَا مَسْأَلَةُ وَضْعِ الْقَدَمِ فَإِنَّهُ إذَا حَلَفَ لَا يَضَعُ قَدَمَهُ فِي دَارِ فُلَانٍ فَدَخَلَهَا حَافِيًا أَوْ مُتَنَعِّلًا أَوْ رَاكِبًا حَنِثَ وَفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ؛ لِأَنَّ الدُّخُولَ حَافِيًا حَقِيقَةُ هَذَا اللَّفْظِ وَغَيْرُهُ مَجَازٌ. وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَإِنْ نَوَى حِينَ حَلَفَ أَنْ لَا يَضَعَ قَدَمَهُ فِيهَا مَاشِيًا فَدَخَلَهَا رَاكِبًا لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ وَهَذِهِ حَقِيقَةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ غَيْرُ مَهْجُورَةٍ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ. وَذَكَرَ فِي الْمُحِيطِ إذَا عَنَى بِهِ حَقِيقَةَ وَضْعِ الْقَدَمِ لَا يَحْنَثُ بِالدُّخُولِ رَاكِبًا؛ لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ فَيُصَدَّقُ دِيَانَةً وَقَضَاءً. وَالثَّانِيَةُ قَوْلُهُ عَبْدِي حُرٌّ يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ فَقَدِمَ فُلَانٌ لَيْلًا وَنَهَارًا يَحْنَثُ وَفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ؛ لِأَنَّ الْيَوْمَ لِلنَّهَارِ حَقِيقَةٌ وَلِلَيْلِ مَجَازٌ. فَإِنْ نَوَى بَيَاضَ النَّهَارِ يُصَدَّقُ دِيَانَةً وَقَضَاءً وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّهُ يُصَدَّقُ دِيَانَةً لَا قَضَاءً؛ لِأَنَّ الْيَوْمَ مَتَى ذُكِرَ مَقْرُونًا بِمَا لَا يَمْتَدُّ صَارَ عِبَارَةً عَنْ الْوَقْتِ بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ فَكَانَ لِبَيَاضِ النَّهَارِ بِمَنْزِلَةِ الْمَجَازِ فَيَكُونُ خِلَافَ الظَّاهِرِ فَلَا يُصَدِّقُهُ الْقَاضِي.
وَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّهُ اسْمٌ لِبَيَاضِ النَّهَارِ حَقِيقَةً وَبِمُجَرَّدِ الِاسْتِعْمَالِ لَا يَصِيرُ الْحَقِيقَةُ كَالْمَجَازِ كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ لَا يَضَعُ قَدَمَهُ فِي كَذَا يَنْصَرِفُ إلَى الدُّخُولِ بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ وَيُصَدَّقُ إذَا نَوَى حَقِيقَةَ وَضْعِ الْقَدَمِ فِي الْقَضَاءِ، كَذَا ذَكَرَ الْإِمَامُ خُوَاهَرْ زَادَهْ رحمه الله. وَالثَّالِثَةُ مَسْأَلَةُ السِّيَرِ وَهِيَ ظَاهِرَةٌ. وَالرَّابِعَةُ مَا إذَا حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ وَلَمْ يُسَمِّ دَارًا بِعَيْنِهَا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ يَقَعُ عَلَى الدَّارِ الْمَمْلُوكَةِ وَالْمُسْتَأْجَرَةِ وَالْعَارِيَّةِ وَالْإِضَافَةِ إلَى فُلَانٍ بِالْمَلِكِ حَقِيقَةٌ وَبِغَيْرِهِ مَجَازٌ بِدَلِيلِ صِحَّةِ النَّفْيِ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ وَعَدَمِ صِحَّتِهِ فِي الْمِلْكِ فَيَكُونُ فِيهِ جَمْعٌ بَيْنَهُمَا. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ إذَا قَالَ لَا أَدْخُلُ مَسْكَنَ فُلَانٍ فَكَذَا الْجَوَابُ. وَإِنْ قَالَ بَيْتَ فُلَانٍ أَوْ دَارَ فُلَانٍ لَا يَحْنَثُ إلَّا فِي الْمِلْكِ؛ لِأَنَّ سُكْنَى فُلَانٍ حَقِيقَةٌ مَوْجُودَةٌ فِي الْمَسْكَنِ الْمُسْتَأْجَرِ وَالْمُسْتَعَارِ بِخِلَافِ الْبَيْتِ وَالدَّارِ.
قَوْلُهُ. (قِيلَ لَهُ وَضْعُ الْقَدَمِ مَجَازٌ عَنْ الدُّخُولِ) أَيْ عِبَارَةٌ عَنْهُ. ضَمَّنَ لَفْظَ الْمَجَازِ مَعْنَى الْعِبَارَةِ فَلِذَلِكَ ذُكِرَ بِصِلَةِ عَنْ أَوْ كَلِمَةِ عَنْ بِمَعْنَى فِي؛ لِأَنَّ حُرُوفَ الصِّلَاتِ تَنُوبُ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ يَعْنِي هُوَ مَجَازٌ
لِأَنَّهُ مُوجِبُهُ وَالدُّخُولُ مُطْلَقٌ فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِإِطْلَاقِ الْمَجَازِ وَعُمُومِهِ.
وَكَذَلِكَ الْيَوْمُ اسْمٌ لِلْوَقْتِ وَلِبَيَاضِ النَّهَارِ وَدَلَالَةُ تَعَيُّنِ أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ أَنْ يَنْظُرَ إلَى مَا دَخَلَ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ فِعْلًا يَمْتَدُّ كَانَ النَّهَارُ أَوْلَى بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَصْلُحُ مِعْيَارًا لَهُ وَإِذَا كَانَ لَا يَمْتَدُّ كَانَ الظَّرْفُ أَوْلَى وَهُوَ الْوَقْتُ ثُمَّ الْعَمَلُ بِعُمُومِ الْوَقْتِ وَاجِبٌ فَلِذَلِكَ دَخَلَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ بِخِلَافِ قَوْلِهِ لَيْلَةَ يَقْدَمُ فُلَانٌ فَإِنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ النَّهَارَ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِلسَّوَادِ الْخَالِصِ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ مِثْلُ النَّهَارِ اسْمٌ لِلْبَيَاضِ الْخَالِصِ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ.
ــ
[كشف الأسرار]
فِي هَذَا الْمَعْنَى وَهُوَ الدُّخُولُ. لِأَنَّهُ مُوجِبُهُ أَيْ الدُّخُولَ مُوجِبُ وَضْعِ الْقَدَمَيْنِ وَهُوَ سَبَبُهُ فَاسْتُعِيرَ لِحُكْمِهِ.
وَإِنَّمَا حَمَلْنَاهُ عَلَى الدُّخُولِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْحَالِفِ مَنْعُ نَفْسِهِ عَنْ الدُّخُولِ لَا عَنْ مُجَرَّدِ وَضْعِ الْقَدَمِ فَيَصِيرُ بِاعْتِبَارِ مَقْصُودِهِ كَأَنَّهُ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ وَالدُّخُولُ مُطْلَقٌ لِعَدَمِ تَقَيُّدِهِ بِالرُّكُوبِ وَالتَّنَعُّلِ وَالْحَفَاءِ فَيَحْنَثُ فِي الْكُلِّ بِاعْتِبَارِ الدُّخُولِ الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ لَا بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ رَاكِبًا أَوْ حَافِيًا كَمَا فِي إعْتَاقِ الرَّقَبَةِ يَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ بِمُطْلَقِ الرَّقَبَةِ لَا بِكَوْنِهَا كَبِيرَةً أَوْ صَغِيرَةً أَوْ كَافِرَةً أَوْ مُؤْمِنَةً. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ وَضَعَ قَدَمَيْهِ وَلَمْ يَدْخُلْ لَا يَحْنَثْ فِي يَمِينِهِ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا صَارَ مَجَازًا عَنْ الدُّخُولِ لَا يُعْتَبَرُ حَقِيقَتُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ (بِإِطْلَاقِ الْمَجَازِ وَعُمُومِهِ بِمَنْزِلَةِ التَّرَادُفِ) وَإِنَّمَا جَمَعَ الشَّيْخُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ الْإِمَامَ ذَكَرَ لَفْظَةَ الْإِطْلَاقِ فَقَالَ يَحْنَثُ بِمُطْلَقِ الدُّخُولِ الَّذِي هُوَ مَجَازُهُ وَذَكَرَ غَيْرُهُ لَفْظَةَ الْعُمُومِ فَقَالَ يَحْنَثُ بِعُمُومِ الْمَجَازِ فَجَمَعَ الشَّيْخُ بَيْنَهُمَا. وَالْمُطْلَقُ يُشَابِهُ الْعَامَّ مِنْ حَيْثُ الشُّيُوعُ حَتَّى ظَنَّ أَنَّهُ عَامٌّ.
قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ الْيَوْمُ) إلَى آخِرِهِ. اعْلَمْ أَنَّ لَفْظَ الْيَوْمِ يُطْلَقُ عَلَى بَيَاضِ النَّهَارِ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ اتِّفَاقًا وَعَلَى مُطْلَقِ الْوَقْتِ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ عِنْدَ الْبَعْضِ فَيَصِيرُ مُشْتَرَكًا وَبِطَرِيقِ الْمَجَازِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ حَمْلَ الْكَلَامِ عَلَى الْمَجَازِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الِاشْتِرَاكِ؛ لِأَنَّ الْمَجَازَ فِي الْكَلَامِ أَكْثَرُ فَيُحْمَلُ عَلَى الْأَغْلَبِ. وَلِأَنَّهُ لَا يُؤَدِّي إلَى إبْهَامِ الْمُرَادِ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ إنْ خَلَا عَنْ قَرِينَةٍ فَالْحَقِيقَةُ مُتَعَيِّنَةٌ وَإِنْ لَمْ يَخْلُ عَنْهَا فَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْقَرِينَةُ وَهُوَ الْمَجَازُ مُتَعَيِّنٌ بِخِلَافِ الِاشْتِرَاكِ فَإِنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الِاخْتِلَالِ فِي الْكَلَامِ بِعَدَمِ إفْهَامِ الْمُرَادِ. ثُمَّ لَا شَكَّ فِي أَنَّهُ ظَرْفٌ عَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ عِنْدَ الْفَرِيقَيْنِ فَيُرَجَّحُ أَحَدُ مُحْتَمَلَيْهِ بِمَظْرُوفِهِ فَإِنْ كَانَ مَظْرُوفُهُ مِمَّا يَمْتَدُّ وَهُوَ مَا يَصِحُّ فِيهِ ضَرْبُ الْمُدَّةِ أَيْ يَصِحُّ تَقْدِيرُهُ بِمُدَّةٍ كَاللُّبْسِ وَالرُّكُوبِ وَالْمُسَاكَنَةِ وَنَحْوِهَا فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَدَّرَ بِزَمَانٍ يُقَالُ لَبِسْت هَذَا الثَّوْبَ يَوْمًا وَرَكِبْت هَذِهِ الدَّابَّةَ يَوْمًا وَسَاكَنْته فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ شَهْرًا يُحْمَلُ عَلَى بَيَاضِ النَّهَارِ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ مِقْدَارًا لَهُ فَكَانَ الْحَمْلُ عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ مَظْرُوفُهُ مِمَّا لَا يَمْتَدُّ كَالْخُرُوجِ وَالدُّخُولِ وَالْقُدُومِ إذْ لَا يَصِحُّ تَقْدِيرُ هَذِهِ الْأَفْعَالِ بِزَمَانٍ يُحْمَلُ عَلَى مُطْلَقِ الْوَقْتِ اعْتِبَارًا لِلتَّنَاسُبِ. ثُمَّ فِي قَوْلِهِ أَنْتَ حُرٌّ أَوْ عَبْدِي حُرٌّ يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ امْرَأَتُهُ طَالِقٌ يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ الْيَوْمُ ظَرْفٌ لِلتَّحْرِيرِ أَوْ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ انْتَصَبَ بِهِ إذْ التَّقْدِيرُ حَرَّرْتُك أَوْ طَلَّقْتُك يَوْمَ كَذَا وَإِنَّهُمَا مِمَّا لَا يَمْتَدُّ فَيُحْمَلُ الْيَوْمُ عَلَى مُطْلَقِ الْوَقْتِ فَيَحْنَثُ إذَا قَدِمَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا بِإِطْلَاقِ الْمَجَازِ كَمَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى. وَفِي قَوْلِهِ أَمْرُك بِيَدِك يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ أَوْ اخْتَارِي نَفْسَك يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ التَّفْوِيضُ وَالتَّخْيِيرُ مِمَّا يَمْتَدُّ فَيُحْمَلُ الْيَوْمُ عَلَى بَيَاضِ النَّهَارِ حَتَّى لَوْ قَدِمَ فُلَانٌ لَيْلًا لَا يَصِيرُ الْأَمْرُ بِيَدِهَا وَلَا يَثْبُتُ لَهَا الْخِيَارُ. .
وَاعْلَمْ أَيْضًا أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ لِمَا أُضِيفَ إلَيْهِ الْيَوْمُ وَهُوَ الْقُدُومُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ مَثَلًا فِي تَرْجِيحِ أَحَدِ مُحْتَمَلَيْهِ بِهِ؛ لِأَنَّ إضَافَةَ الْيَوْمِ إلَيْهِ لِتَعْرِيفِهِ وَتَمْيِيزِهِ مِنْ الْأَيَّامِ وَالْأَوْقَاتِ الْمَجْهُولَةِ كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ أَنْتَ حُرٌّ يَوْمَ الْخَمِيسِ لَا لِلظَّرْفِيَّةِ، وَلِهَذَا لَمْ يُؤَثِّرْ يَقْدَمُ فِي انْتِصَابِ يَوْمٍ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ اللُّغَةِ إذْ الْمُضَافُ إلَيْهِ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْمُضَافِ بِحَالٍ بَلْ هُوَ مَنْصُوبٌ بِمَظْرُوفِهِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ تَقْدِيرَهُ حَرَّرْتُك فِي يَوْمِ قُدُومِ فُلَانٍ أَوْ فَوَّضْت أَمْرَك إلَيْك فِي يَوْمِ قُدُومِهِ فَكَانَ اعْتِبَارُهُ بِمَظْرُوفِهِ الَّذِي يُؤَثِّرُ فِيهِ أَوْلَى مِنْ اعْتِبَارِهِ بِمَا لَا أَثَرَ لَهُ فِيهِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ لِلْمُضَافِ إلَيْهِ فِي تَرْجِيحِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كشف الأسرار]
أَحَدِ مُحْتَمَلَيْهِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ رحمه الله فِي شَرْحِ كِتَابِ الطَّلَاقِ وَلَوْ قَالَ امْرَأَتُهُ طَالِقٌ يَوْمَ أَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ فَدَخَلَهَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا طَلُقَتْ؛ لِأَنَّ الْيَوْمَ إذَا قُرِنَ بِمَا لَا يَكُونُ مُمْتَدًّا كَانَ بِمَعْنَى الْوَقْتِ كَالطَّلَاقِ وَإِذَا قُرِنَ بِمَا يَكُونُ مُمْتَدًّا كَانَ بِمَعْنَى بَيَاضِ النَّهَارِ كَقَوْلِهِ أَمْرُك بِيَدِك يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ. وَذَكَرَ فِي بَابِ الْخِيَارِ مِنْهُ وَإِنْ قَالَ اخْتَارِي يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ فَقَدِمَ لَيْلًا فَلَا خِيَارَ لَهَا وَلَوْ قَدِمَ بِالنَّهَارِ فَلَهَا الْخِيَارُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ مِمَّا يَتَوَقَّفُ فَذِكْرُ الْيَوْمَ فِيهِ لِلتَّوْقِيتِ فَيَتَنَاوَلُ بَيَاضَ النَّهَارِ خَاصَّةً بِخِلَافِ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَحْتَمِلُ التَّوْقِيتَ فَذَكَرَ الْيَوْمَ فِيهِ عِبَارَةٌ عَنْ الْوَقْتِ وَهَكَذَا ذَكَرَ فِي كِتَابِ الصَّوْمِ أَيْضًا. وَذَكَرَ فِي الْهِدَايَةِ فِي فَصْلِ إضَافَةِ الطَّلَاقِ إلَى الزَّمَانِ فِي قَوْلِ الرَّجُلِ لِامْرَأَةٍ يَوْمَ أَتَزَوَّجُك فَأَنْتِ طَالِقٌ فَتَزَوَّجَهَا لَيْلًا طَلُقَتْ أَنَّ الْيَوْمَ إذَا قُرِنَ بِفِعْلٍ لَا يَمْتَدُّ يُحْمَلُ عَلَى مُطْلَقِ الْوَقْتِ وَالطَّلَاقُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ. فَفِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ اُعْتُبِرَ الطَّلَاقُ وَالْأَمْرُ بِالْيَدِ وَالْخِيَارُ الَّذِي هُوَ مَظْرُوفٌ دُونَ الْقُدُومِ الَّذِي هُوَ مُضَافٌ إلَيْهِ فَثَبَتَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ مَا ذَكَرْنَا (فَإِنْ قِيلَ) قَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ الْمُصَنِّفُ رحمه الله فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ التَّزَوُّجَ مِمَّا لَا يَمْتَدُّ فَحُمِلَ فِيهِ عَلَى الْوَقْتِ الْمَظْرُوفِ فَاعْتُبِرَ التَّزَوُّجُ الَّذِي هُوَ مُضَافٌ إلَيْهِ وَلَمْ يُعْتَبَرْ الطَّلَاقُ الَّذِي هُوَ مَظْرُوفٌ. وَكَذَا اعْتَبَرَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ الْمُضَافَ إلَيْهِ دُونَ الْمَظْرُوفِ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ فِي قَوْلِهِ يَوْمَ أُكَلِّمُ فُلَانًا فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ أَنَّهُ يَقَعُ عَلَى اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ حَيْثُ قَالَ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ مِمَّا لَا يَمْتَدُّ وَلَمْ يَقُلْ لِأَنَّ الطَّلَاقَ مِمَّا لَا يَمْتَدُّ وَهَذَا ذُكِرَ فِي عَامَّةِ شُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَيْضًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
وَكَذَا عَامَّةُ الْمَشَايِخِ رحمهم الله اعْتَبَرُوا الْمُضَافَ إلَيْهِ فِي هَذَا الْبَابِ دُونَ الْمَظْرُوفِ. وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِي اعْتِبَارِ الْمُضَافِ إلَيْهِ اعْتِبَارَ الْمَظْرُوفِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الظَّرْفَ إذَا أُضِيفَ إلَى فِعْلٍ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْفِعْلُ مَظْرُوفًا لِلْمُضَافِ وَيَكُونُ الْمُضَافُ ظَرْفًا لَهُ لَا مَحَالَةَ لِوُقُوعِ ذَلِكَ الْفِعْلِ فِيهِ فَيَكُونُ هَذَا أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ مِمَّا ذَكَرْت وَفِيهِ مُوَافَقَةُ الْعَامَّةِ وَاحْتِرَازٌ عَنْ نِسْبَتِهِمْ إلَى الْخَطَأِ (قُلْنَا) بَعْدَ مَا ظَفِرَ بِحَقِيقَةِ الْمَعْنَى مُؤَكَّدَةً بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الدَّلِيلِ وَالشَّوَاهِدِ يَعَضُّ عَلَيْهَا بِالنَّاجِذِ وَلَا يُصَارُ إلَى التَّقْلِيدِ الصِّرْفِ ثُمَّ يُحْمَلُ مَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ عَلَى وَجْهٍ صَحِيحٍ وَذَلِكَ أَنَّ الْفِعْلَ الْمَظْرُوفَ وَالْمُضَافَ إلَيْهِ إنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُمْتَدًّا كَقَوْلِك أَمْرُك بِيَدِك يَوْمَ يَرْكَبُ فُلَانٌ أَوْ يُسَافِرُ فُلَانٌ. أَوْ غَيْرَ مُمْتَدٍّ كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ أَنْتَ حُرٌّ يَوْمَ أَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ لَا يَخْتَلِفُ الْجَوَابُ إنْ اُعْتُبِرَ الْمَظْرُوفُ وَالْمُضَافُ إلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ الْمَظْرُوفُ مُمْتَدًّا وَالْمُضَافُ إلَيْهِ غَيْرُ مُمْتَدٍّ كَقَوْلِهِ أَمْرُك بِيَدِك يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ أَوْ عَلَى الْعَكْسِ كَقَوْلِهِ أَنْتَ حُرٌّ يَوْمَ يَرْكَبُ فُلَانٌ أَوْ يُسَافِرُ فُلَانٌ فَحِينَئِذٍ يَخْتَلِفُ الْجَوَابُ بِاعْتِبَارِ الْمَظْرُوفِ وَالْمُضَافِ إلَيْهِ فَاعْتِبَارُ الْمَظْرُوفِ يَقْتَضِي حَمْلَ الْيَوْمِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى عَلَى بَيَاضِ النَّهَارِ وَفِي الثَّانِيَةِ عَلَى مُطْلَقِ الْوَقْتِ فَلَا يَصِيرُ الْأَمْرُ بِيَدِهَا فِي الْأَوْلَى إنْ قَدِمَ فُلَانٌ لَيْلًا وَيَعْتِقُ الْعَبْدُ فِي الثَّانِيَةِ إنْ سَافَرَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا وَاعْتِبَارُ الْمُضَافِ إلَيْهِ يَقْتَضِي حَمْلُهُ فِي الْأُولَى عَلَى مُطْلَقِ الْوَقْتِ وَالثَّانِيَةِ عَلَى بَيَاضِ النَّهَارِ فَيَصِيرُ الْأَمْرُ بِيَدِهَا إنْ قَدِمَ فُلَانٌ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا وَلَا يَعْتِقُ الْعَبْدُ إنْ سَافَرَ أَوْ رَكِبَ لَيْلًا. فَبَعْضُ الْمَشَايِخِ تَسَامَحُوا فِي الْعِبَارَةِ فِيمَا لَا يَخْتَلِفُ الْجَوَابُ وَاعْتَبَرُوا الْمُضَافَ إلَيْهِ نَظَرًا إلَى حُصُولِ
وَأَمَّا إضَافَةُ الدَّارِ فَإِنَّمَا يُرَادُ بِهِ نِسْبَةُ السُّكْنَى إلَيْهِ فَيُسْتَعَارُ الدَّارُ لِلسُّكْنَى فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِعُمُومِ نِسْبَةِ السُّكْنَى وَفِي نِسْبَةِ الْمِلْكِ نِسْبَةُ السُّكْنَى مَوْجُودَةٌ لَا مَحَالَةَ فَيَتَنَاوَلُهُ عُمُومُ الْمَجَازِ.
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ السِّيَرِ فَفِيهَا رِوَايَةٌ أُخْرَى بَعْدَ ذَلِكَ الْبَابِ أَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُهُمْ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأَوْلَى أَنَّ الْأَمَانَ لِحَقْنِ الدَّمِ فَبُنِيَ عَلَى الشُّبُهَاتِ
ــ
[كشف الأسرار]
الْمَقْصُودِ وَهُوَ اسْتِقَامَةُ الْجَوَابِ وَبَعْضَهُمْ سَلَكُوا طَرِيقَةَ التَّحْقِيقِ وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إلَى الْمُضَافِ إلَيْهِ أَصْلًا كَمَا ذَكَرْنَا. فَأَمَّا فِيمَا يَخْتَلِفُ الْجَوَابُ فِيهِ بِالِاعْتِبَارَيْنِ فَالْكُلُّ سَلَكُوا طَرِيقَ التَّحْقِيقِ وَاعْتَبَرُوا الْمَظْرُوفَ وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إلَى الْمُضَافِ إلَيْهِ أَصْلًا. فَفِي مَسْأَلَةِ الْأَمْرِ بِالْيَدِ الَّتِي هِيَ مَسْأَلَةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ اعْتَبَرَ الْكُلُّ الْأَمْرَ بِالْيَدِ الَّذِي هُوَ مَظْرُوفٌ دُونَ الْقُدُومِ الَّذِي هُوَ الْمُضَافُ إلَيْهِ وَكَذَا فِي مَسْأَلَةِ الْخِيَارِ الَّتِي هِيَ مَسْأَلَةُ الْمَبْسُوطِ.
فَأَمَّا قَوْلُهُ يَوْمَ أُكَلِّمُ فُلَانًا فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ فَإِنْ كَانَ الْكَلَامُ مِمَّا يَمْتَدُّ وَهُوَ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ ضَرْبُ الْمُدَّةِ فِيهِ كَاللُّبْسِ وَالرُّكُوبِ فَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَا وَيَكُونُ مِنْ الْقِسْمِ الَّذِي يَخْتَلِفُ الْجَوَابُ فِيهِ بِالِاعْتِبَارَيْنِ فَيُعْتَبَرُ الْمَظْرُوفُ الَّذِي هُوَ غَيْرُ مُمْتَدٍّ دُونَ الْمُضَافِ إلَيْهِ الَّذِي هُوَ مُمْتَدٌّ. وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُمْتَدٍّ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ وَتَابَعَهُمْ فِيهِ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مَعَ أَنَّ دَلِيلَ عَدَمِ امْتِدَادِهِ غَيْرُ مُتَّضِحٍ فَهُوَ مِنْ الْقِسْمِ الَّذِي لَا يَخْتَلِفُ الْجَوَابُ فِيهِ بِالِاعْتِبَارَيْنِ فَيَنْدَرِجُ فِي الْجَوَابِ الَّذِي ذَكَرْنَا وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي اعْتِبَارِ الْمُضَافِ إلَيْهِ اعْتِبَارُ الْمَظْرُوفِ أَيْضًا فَفَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْمَظْرُوفِيَّةَ الَّتِي لَزِمَتْ مِنْ الْإِضَافَةِ لَيْسَتْ بِمَقْصُودَةٍ فِي الْكَلَامِ فَلِذَا لَا تُؤَثِّرُ فِي اللَّفْظِ أَصْلًا وَلَوْ اُعْتُبِرَتْ لَا تَكُونُ مُطَّرِدَةً فَلَا يَصِحُّ اعْتِبَارُهَا فَأَمَّا الْمَظْرُوفِيَّةُ الَّتِي هِيَ مَقْصُودَةٌ فِي الْكَلَامِ فَهِيَ الَّتِي أَثَّرَتْ فِي اللَّفْظِ وَلَوْ اُعْتُبِرَتْ يَكُونُ مُطَّرِدَةً فِي جَمِيعِ الْمَسَائِلِ فَيَجِبُ اعْتِبَارُهَا إذْ تَرْكُ مَا هُوَ مَقْصُودٌ وَاعْتِبَارُ مَا لَيْسَ بِمَقْصُودٍ قَلْبُ الْمَعْقُولِ وَخِلَافُ الْأُصُولِ قَالَ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ جَامِعُ هَذِهِ الْمُتَفَرِّقَاتِ هَذَا مَا يُخَيَّلُ لِي مِنْ الْوَجْهِ الصَّوَابِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَتَرَاءَى لِي أَنَّهُ هُوَ الْحَقُّ وَلَعَلَّ نَظَرَ غَيْرِي أَدَقُّ وَمَا قَالَهُ أَصْوَبُ وَأَحَقُّ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْحَقِيقَةِ وَالصَّوَابِ.
قَوْلُهُ (وَأَمَّا إضَافَةُ الدَّارِ فَإِنَّمَا يُرَادُ بِهِ) أَيْ بِالْمَذْكُورِ أَوْ بِقَوْلِهِ دَارَ فُلَانٍ نِسْبَةُ السُّكْنَى؛ لِأَنَّ الدَّارَ لَا تُعَادَى وَلَا تُهْجَرُ لِذَاتِهَا عَادَةً وَإِنَّمَا تُهْجَرُ لِبُغْضِ صَاحِبِهَا فَكَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ هَذِهِ الْإِضَافَةِ نِسْبَةَ السُّكْنَى لَا إضَافَةَ الْمِلْكِ. فَيُسْتَعَارُ الدَّارُ لِلسُّكْنَى أَيْ لِمَوْضِعِ السُّكْنَى وَصَارَ كَأَنَّهُ قِيلَ لَا أَدْخُلُ مَوْضِعَ سُكْنَى فُلَانٍ أَوْ دَارًا مَسْكُونَةً لِفُلَانٍ فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِهِ الْمِلْكُ وَالْإِجَارَةُ وَالْعَارِيَّةُ فَيَحْنَثُ فِي الدَّارِ الْمَمْلُوكَةِ بِعُمُومِ الْمَجَازِ لَا بِالْمِلْكِ حَتَّى لَوْ كَانَ السَّاكِنُ فِيهَا غَيْرَ فُلَانٍ لَمْ يَحْنَثْ وَإِنْ كَانَتْ مَمْلُوكَةً لِفُلَانٍ كَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ. وَذَكَرَ فِي فَتَاوَى الْقَاضِي الْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ وَالْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ وَلَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَدَخَلَ دَارًا يَسْكُنُهَا فُلَانٌ بِإِجَارَةِ أَوْ بِإِعَارَةٍ يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ وَإِنْ دَخَلَ دَارًا مَمْلُوكَةً لِفُلَانٍ وَفُلَانٌ لَا يَسْكُنُهَا يَحْنَثُ أَيْضًا. فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَا يَنْدَفِعُ السُّؤَالُ لِبَقَاءِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ إلَّا أَنْ يَجْعَلَ قَوْلَهُ دَارَ فُلَانٍ عِبَارَةً عَمَّا يُضَافُ إلَيْهِ مُطْلَقًا فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِهِ الدَّارُ الْمُضَافَةُ إلَيْهِ بِالسُّكْنَى وَبِالْمِلْكِ جَمِيعًا كَمَا أُشِيرَ إلَيْهِ فِي الْمَبْسُوطِ فَقِيلَ إذَا حَلَفَ لَا يَسْكُنُ دَارَ فُلَانٍ وَلَمْ يُسَمِّ دَارًا بِعَيْنِهَا وَلَمْ يَنْوِهَا فَسَكَنَ دَارًا كَانَتْ مَمْلُوكَةً لِفُلَانٍ مِنْ وَقْتِ الْيَمِينِ إلَى وَقْتِ السُّكْنَى حَنِثَ وَإِنْ سَكَنَ دَارًا لَهُ قَدْ بَاعَهَا بَعْدَ يَمِينِهِ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ شَرْطَ الْحِنْثِ وُجُودَ السُّكْنَى فِي دَارٍ مُضَافَةٍ إلَى فُلَانٍ وَلَمْ يُوجَدْ.
قَوْلُهُ (وَأَمَّا مَسْأَلَةُ السِّيَرِ) الْكَبِيرِ إذَا قَالَ الْكُفَّارُ أَمِّنُونَا عَلَى أَبْنَائِنَا وَلَهُمْ أَبْنَاءٌ وَأَبْنَاءُ أَبْنَاءٍ فَالْأَمَانُ عَلَى الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا اسْتِحْسَانًا وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ الْأَمَانُ لِلْأَبْنَاءِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ الِاسْمَ حَقِيقَةٌ لِلْأَبْنَاءِ مَجَازٌ فِي حَقِّ أَبْنَاءِ الْأَبْنَاءِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كشف الأسرار]
فَلَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَلِهَذَا جَعَلَ أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله الْوَصِيَّةَ لِلْأَبْنَاءِ خَاصَّةً بِهَذَا اللَّفْظِ. وَلَكِنَّا اسْتَحْسَنَّا وَقُلْنَا الْمَقْصُودُ مِنْ الْأَمَانِ حَقْنُ الدَّمِ أَيْ صِيَانَتُهُ وَحِفْظُهُ يُقَالُ حَقَنْت دَمَهُ أَيْ مَنَعْته أَنْ يُسْفَكَ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّوَسُّعِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الدِّمَاءِ أَنْ يَكُونَ مَحْقُونَةً لِقَوْلِهِ عليه السلام. «الْآدَمِيُّ بُنْيَانُ الرَّبِّ» . وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ الْقَتْلُ قَبْلَ الدَّعْوَةِ وَبَعْدَ قَبُولِ الْجِزْيَةِ فَيَثْبُتُ بِأَدْنَى شُبْهَةٍ وَاسْمُ الْأَبْنَاءِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ يَتَنَاوَلُ الْفُرُوعَ فَإِنَّهُمْ يُنْسَبُونَ إلَيْهِ بِالْبُنُوَّةِ يُقَالُ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو تَمِيمٍ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى. يَا بَنِي آدَمَ. إلَّا أَنَّ الْحَقِيقَةَ تَقَدَّمَتْ عَلَى الْمَجَازِ فِي الْإِرَادَةِ فَبَقِيَ مُجَرَّدُ صُورَةِ الِاسْمِ شُبْهَةً فَيَثْبُتُ الْأَمَانُ بِهِ؛ لِأَنَّ الشُّبْهَةَ كَافِيَةٌ لَحِقْنَ الدَّمِ كَمَا يَثْبُتُ الْأَمَانُ بِمُجَرَّدِ الْإِشَارَةِ إذَا دَعَا بِهَا الْكَافِرُ إلَى نَفْسِهِ بِأَنْ أَشَارَ أَنْ انْزِلْ إنْ كُنْت رَجُلًا أَوْ إنْ كُنْت تُرِيدُ الْقِتَالَ أَوْ تَعَالَ حَتَّى تُبْصِرَ مَا أَفْعَلُ بِك فَظَنَّهُ الْكَافِرُ أَمَانًا لِصُورَةِ الْمُسَالَمَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حَقِيقَةً.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ حَدِيثُ عُمَرَ رضي الله عنه. أَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَشَارَ إلَى رَجُلٍ مِنْ الْعَدُوِّ أَنْ تَعَالَ فَإِنَّك إنْ جِئْت قَتَلْتُك فَأَتَاهُ فَهُوَ آمِنٌ يَعْنِي إذَا لَمْ يَفْهَمْ قَوْلَهُ إنْ جِئْت قَتَلْتُك أَوْ لَمْ يَسْمَعْ. وَمَا رُوِيَ أَنَّ الْهُرْمُزَانَ لِمَا أَتَى بِهِ إلَى عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ لَهُ تَكَلَّمَ فَقَالَ أَتَكَلَّمُ كَلَامَ حَيٍّ أَمْ مَيِّتٍ فَقَالَ عُمَرُ كَلَامَ حَيٍّ فَقَالَ كُنَّا نَحْنُ وَأَنْتُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَكُنْ لَنَا وَلَا لَكُمْ دِينٌ لَكِنَّا نَعُدُّكُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ بِمَنْزِلَةِ الْكِلَابِ فَإِذَا عَزَّكُمْ اللَّهُ بِالدِّينِ وَبَعَثَ رَسُولَهُ فِيكُمْ لَمْ نُطْقِكُمْ فَقَالَ عُمَرُ رضي الله عنه أَتَقُولُ هَذَا وَأَنْتَ أَسِيرٌ فِي أَيْدِينَا اُقْتُلُوهُ فَقَالَ أَفِيمَا عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ أَنْ تُؤَمِّنُوا أَسِيرًا ثُمَّ تَقْتُلُوهُ فَقَالَ مَتَى أَمَّنْتُك فَقَالَ قُلْت لِي تَكَلَّمْ كَلَامَ حَيٍّ وَالْخَائِفُ عَلَى نَفْسِهِ لَا يَكُونُ حَيًّا فَقَالَ عُمَرُ رضي الله عنه قَاتَلَهُ اللَّهُ أَخَذَ الْأَمَانَ وَلَمْ أَفْطِنْ بِهِ فَثَبَتَ أَنَّ مَبْنَى الْأَمَانِ عَلَى التَّوَسُّعِ. وَهَذَا بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا لَا يُسْتَحَقُّ بِالصُّورَةِ وَالشُّبْهَةِ. وَلِأَنَّ فِي إثْبَاتِ الْمُزَاحَمَةِ فِي الْوَصِيَّةِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ إدْخَالَ النَّقْصِ فِي نَصِيبِ الْأَبْنَاءِ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي الْأَمَانِ. وَلِأَنَّ طَلَبَ الْأَمَانِ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ لِإِظْهَارِ الشَّفَقَةِ عَلَى مَنْ يُنْسَبُ إلَيْهِ بِالْبُنُوَّةِ وَرُبَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ أَظْهَرَ مِنْهُ فِي حَقِّ الْأَبْنَاءِ عَلَى مَا قِيلَ: النَّافِلَةُ أَحَبُّ إلَى الْمَرْءِ مِنْ الْوَلَدِ (فَإِنْ قِيلَ) فَهَلَّا اعْتَبَرْتُمْ هَذِهِ الشُّبْهَةَ فِي إثْبَاتِ الْأَمَانِ لِلْأَجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ فِي الِاسْتِيمَانِ عَلَى الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ فَإِنَّهُمْ إذَا قَالُوا أَمِّنُونَا عَلَى آبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا لَا يَدْخُلُ فِيهِ الْأَجْدَادُ أَوْ الْجَدَّاتُ بِحَالٍ مَعَ أَنَّ الِاسْمَ يَتَنَاوَلُهُمْ صُورَةً (قُلْنَا) ؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ إذَا صَارَتْ مُرَادَةً فَاعْتِبَارُ الصُّورَةِ لِثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي مَحَلٍّ آخَرَ يَكُونُ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ لَا مَحَالَةَ وَبَنُو الْبَنِينَ يَلِيقُ صِفَةَ التَّبَعِيَّةِ بِحَالِهِمْ فَأَمَّا الْأَجْدَادُ وَالْجَدَّاتُ فَلَا يَكُونُ اتِّبَاعًا لِلْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ وَهُمْ الْأُصُولُ فَلِهَذَا تُرِكَ اعْتِبَارُ الصُّورَةِ هُنَاكَ فِي إثْبَاتِ الْأَمَان لَهُمْ كَذَا أَجَابَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ.
وَلَا يُقَالُ الْجَدُّ أَصْلُ الْأَبِ خِلْقَةً وَلَكِنْ تَبَعٌ لَهُ فِي إطْلَاقِ اسْمِ الْأَبِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ هَذَا الِاسْمِ بِطَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ عَنْ الْأَبِ كَإِطْلَاقِ اسْمِ الِابْنِ عَلَى ابْنِ الِابْنِ فَيَلِيقُ إثْبَاتُ الْأَمَانِ فِي حَقِّهِمْ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ أَيْضًا أَلَا تَرَى أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْمِيرَاثِ لِلْجَدِّ وَانْتِقَالَ نَصِيبِ الْأَبِ إلَيْهِ عِنْدَ عَدَمِهِ بِهَذَا الطَّرِيقِ وَلَا يَمْنَعُ عَنْهُ كَوْنُهُ أَصْلًا لِلْأَبِ خِلْقَةً فَلَأَنْ يَثْبُتُ لَهُ الْأَمَانُ الَّذِي يَثْبُتُ بِأَدْنَى شُبْهَةٍ وَلَا يَمْنَعُ عَنْهُ كَوْنُهُ أَصْلًا خِلْقَةً كَانَ أَوْلَى. لِأَنَّا نَقُولُ إثْبَاتُ الْأَمَانِ بِظَاهِرِ
وَهَذَا الِاسْمُ بِظَاهِرِهِ يَتَنَاوَلُهُمْ لَكِنْ بَطَلَ الْعَمَلُ بِهِ لِتَقَدُّمِ الْحَقِيقَةِ عَلَيْهِ فَبَقِيَ ظَاهِرُ الِاسْمِ شُبْهَةٌ.
فَإِنْ قِيلَ قَدْ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ الْحِنْطَةِ أَنَّهُ يَحْنَثُ إنْ أَكَلَ مِنْ عَيْنِهَا أَوْ مَا يُتَّخَذُ مِنْهَا وَفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَهُمَا
ــ
[كشف الأسرار]
الِاسْمِ بَعْدَ إرَادَةِ الْحَقِيقَةِ مِنْهُ إثْبَاتٌ لَهُ بِدَلِيلٍ ضَعِيفٍ فَيُعْمَلُ بِهِ إذَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ مُعَارِضٌ كَمَا فِي جَانِبِ الْأَبْنَاءِ فَإِنَّ ابْنَ الِابْنِ تَبَعٌ لِلِابْنِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَأَمَّا إذَا وُجِدَ مُعَارِضٌ فَلَا كَمَا فِي جَانِبِ الْآبَاءِ فَإِنَّ جِهَةَ كَوْنِ الْجَدِّ تَبَعًا فِي الِاسْمِ إنْ كَانَتْ تُوجِبُ ثُبُوتَ الْحُكْمِ فِي حَقِّهِ فَجِهَةُ كَوْنِهِ أَصْلًا مِنْ حَيْثُ الْخِلْفَةُ مَانِعَةٌ عَنْهُ فَيَسْقُطُ الْعَمَلُ بِهِ عِنْدَ وُجُودِ الْمُعَارِضِ؛ لِأَنَّهُ ضَعِيفٌ فِي نَفْسِهِ فَأَمَّا بَابُ الْمِيرَاثِ فَمَبْنِيٌّ عَلَى الْقُرْبِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَبَ أَقْرَبُ إلَى الْمَيِّتِ مِنْ جَدِّهِ فَلَا جَرَمَ يَسْتَحِقُّ الْمِيرَاثَ بَعْدَ الْأَبِ. وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي شَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ أَنَّ الْأَجْدَادَ وَالْجَدَّاتِ أُصُولٌ لِلْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ وَأَنَّهُمْ مُخْتَصُّونَ بِاسْمٍ فَلَا يَتَنَاوَلُهُمْ اسْمُ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ عَلَى وَجْهِ الِاتِّبَاعِ لِفُرُوعِهِمْ كَمَا لَا يَتَنَاوَلُ الْعَمَّ مَعَ أَنَّهُ سُمِّيَ أَبًا فِي قَوْله تَعَالَى.
{قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ} [البقرة: 133] . وَإِسْمَاعِيلُ كَانَ عَمًّا لِيَعْقُوبَ عليهم السلام وَكَمَا يَتَنَاوَلُ الْخَالَةَ مَعَ أَنَّهَا سُمِّيَتْ أُمًّا فِي قَوْله تَعَالَى. {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ} [يوسف: 100] . أَيْ أَبَاهُ وَخَالَتَهُ وَفِي قَوْلِهِ عليه السلام. «الْخَالَةُ أُمٌّ» . حَتَّى لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إنَّهُمَا يَدْخُلَانِ فِي الْأَمَانِ لِلْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ الْأَتْبَاعِ وَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَخْتَصُّ بِاسْمٍ آخَرَ بِهِ يُنْسَبُ إلَيْهِ فَكَذَلِكَ الْجَدُّ وَالْجَدَّةُ. وَلِهَذَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ آبَاءٌ وَأُمَّهَاتٌ وَلَهُمْ أَجْدَادٌ وَجَدَّاتٌ لَا يَدْخُلُونَ أَيْضًا بِخِلَافِ بَنِي الْأَبْنَاءِ فَإِنَّهُمْ تَفَرَّعُوا مِنْ الْأَبْنَاءِ فَكَانُوا تَبَعًا لَهُمْ وَإِنَّهُمْ يُنْسَبُونَ إلَيْهِ بِاسْمِ الْبُنُوَّةِ وَلَكِنْ بِوَاسِطَةِ الِابْنِ فَكَانَ الْأَمَانُ بِهَذَا الِاسْمِ مُتَنَاوِلًا لَهُمْ. وَهَذَا بَيَانُ لِسَانِ الْعَرَبِ فَإِنْ كَانَ قَوْمٌ فِي لِسَانِهِمْ الَّذِي يَتَكَلَّمُونَ بِهِ أَنَّ الْجَدَّ أَبٌ كَمَا أَنَّ ابْنَ الِابْنِ ابْنٌ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْأَمَانِ وَهَكَذَا فِي لِسَانِ الْفَارِسِيَّةِ فَإِنَّهُ يُقَالُ لِلْجَدِّ بَدْرُ بَدْرٍ كَمَا يُقَالُ لِابْنِ الِابْنِ بُسْرُ بُسْرٍ. هَذَا حَاصِلُ مَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي شَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ وَقَالَ هَذَا الْفَصْلُ مُشْكِلٌ (فَإِنْ قِيلَ) إذَا اشْتَرَى الْمُكَاتَبُ أَبَاهُ يَصِيرُ مُكَاتَبًا عَلَيْهِ تَبَعًا فَلْيَثْبُتْ الْأَمَانُ هَهُنَا أَيْضًا لِشُبْهَةِ الِاسْمِ تَبَعًا وَفِيهِ حَقْنُ الدَّمِ. (قُلْنَا) لَوْ لَمْ يَحْكُمْ هُنَاكَ بِكِتَابَتِهِ تَبَعًا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْأَبُ مَمْلُوكًا لِابْنِهِ وَهُوَ شَنِيعٌ جِدًّا أَوْ لَا طَرِيقَ لَهُ إلَى الِاسْتِخْلَاصِ عَنْ ذَلِكَ فَأَمَّا هَهُنَا فَقَدْ أَمْكَنَهُ إحْرَازُ نَفْسِهِ وَمَالِهِ بِالِاسْتِيمَانِ أَوْ بِالْإِسْلَامِ فَلَا حَاجَةَ إلَى ارْتِكَابِ جَعْلِ الْمَتْبُوعِ تَبَعًا.
وَلِأَنَّ الْكِتَابَةَ مِنْ شُعَبِ الْحُرِّ لِثُبُوتِ حُرِّيَّةِ الْيَدِ فِيهَا وَإِفْضَائِهَا إلَى حُرِّيَّةِ الرَّقَبَةِ فَكَمَا تَثْبُتُ لَهُ الْحُرِّيَّةُ إذَا اشْتَرَاهُ ابْنُهُ الْحُرُّ فَكَذَلِكَ نُثْبِتُ لَهُ صِفَةَ الْكِتَابَةِ إذَا اشْتَرَاهُ ابْنُهُ الْمُكَاتَبُ إثْبَاتًا لِلْحُكْمِ بِقَدْرِ دَلِيلِهِ. وَالْأَوْجَهُ أَنْ يُقَالَ لَيْسَ مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ قَبِيلِ مَا نَحْنُ فِيهِ؛ لِأَنَّ كَلَامَنَا فِي أَنَّ لَفْظَ الْأَبِ هَلْ يَتَنَاوَلُ الْجَدَّ ظَاهِرًا لِيَثْبُتَ لَهُ الْأَمَانُ ابْتِدَاءً بِصُورَةِ هَذَا الِاسْمِ لَا أَنْ يَثْبُتَ لَهُ الْأَمَانُ مِنْ جِهَةِ الِابْنِ بِطَرِيقِ السِّرَايَةِ. وَالْكِتَابَةُ وَالْحُرِّيَّةُ يَثْبُتَانِ لَهُ مِنْ جِهَةِ الِابْنِ بِأَمْرٍ حُكْمِيٍّ لَا بِاعْتِبَارِ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهِمَا فَلَمْ يَكُنْ مِنْ قَبِيلِ مَا نَحْنُ فِيهِ. وَهَذَا الِاسْمُ أَيْ اسْمُ الْأَبْنَاءِ يَتَنَاوَلُهُمْ يَعْنِي بَنِي الْأَبْنَاءِ. لَكِنْ بَطَلَ الْعَمَلُ بِهِ أَيْ بِذَلِكَ التَّنَاوُلِ يَعْنِي امْتَنَعَ التَّنَاوُلُ لِتَقَدُّمِ الْحَقِيقَةِ.
قَوْلُهُ (فَإِنْ قِيلَ) هَذِهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ أُخَرُ تَرِدُ نَقْصًا عَلَى الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ أَيْضًا وَإِنَّمَا أَفْرَدَهَا عَنْ الْمَسَائِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ لِكَوْنِهَا مُخْتَلِفَةً بَيْنَ أَصْحَابِنَا بِخِلَافِ الْمَسَائِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ. ثُمَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ جَائِزٌ عِنْدَهُمَا وَاسْتَدَلُّوا بِهَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ أَوَّلًا
وَكَذَلِكَ قَالَ فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ الْفُرَاتِ أَنَّهُ يَحْنَثُ إنْ كَرَعَ وَاغْتَرَفَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِيمَنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ رَجَبَ أَنَّهُ إنْ نَوَى الْيَمِينَ كَانَ نَذْرًا وَيَمِينًا وَهُوَ جَمْعٌ بَيْنَهُمَا
ــ
[كشف الأسرار]
وَأَبَى الْقَاضِي الْإِمَامُ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَالشَّيْخُ الْمُصَنِّفُ وَأَخُوهُ صَدْرُ الْإِسْلَامِ ذَلِكَ. قَالَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ إنَّهُمَا أَجَلُّ قَدْرًا مِنْ أَنْ يُشْتَبَهَ عَلَيْهِمَا هَذَا. أَمَّا بَيَانُ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فَنَقُولُ إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ الْحِنْطَةِ فَإِنْ أَرَادَ أَنْ لَا يَأْكُلَهَا حَبًّا كَمَا هِيَ فَيَمِينُهُ عَلَى مَا نَوَى حَتَّى لَوْ أَكَلَ مِنْ خُبْزِهَا أَوْ سَوِيقِهَا لَا يَحْنَثُ بِالْإِجْمَاعِ أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَظَاهِرٌ وَكَذَا عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّهُ إذَا نَوَى الْعَيْنَ فَقَدْ نَوَى الْحَقِيقَةَ فَيَصِحُّ نِيَّتُهُ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذَا الدَّقِيقِ وَنَوَى أَكْلَ عَيْنِهِ صَحَّتْ نِيَّتُهُ عِنْدَهُمْ وَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ مُنْصَرِفَةً إلَى الْخُبْزِ. وَإِنْ نَوَى أَنْ لَا يَأْكُلَ مَا يُتَّخَذُ مِنْهَا صَحَّتْ نِيَّتُهُ أَيْضًا حَتَّى لَا يَحْنَثَ بِأَكْلِ عَيْنِهَا؛ لِأَنَّهُ نَوَى مُحْتَمَلَ كَلَامِهِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَعَلَى قَوْلِهِ تَقَعُ عَلَى الْعَيْنِ لَا غَيْرُ حَتَّى لَا يَحْنَثَ بِالْخُبْزِ وَعَلَى قَوْلِهِمَا يَحْنَثُ بِالْخُبْزِ رِوَايَةً وَاحِدَةً وَهَلْ يَحْنَثُ بِأَكْلِ عَيْنِ الْحِنْطَةِ.
أَشَارَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَيْمَانِ إلَى أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ فَإِنَّهُ قَالَ يَمِينُهُ عَلَى مَا يَصْنَعُ مِنْهَا وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَوْ أَكَلَ عَيْنَهَا لَا يَحْنَثُ. وَذُكِرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ يَحْنَثُ إنْ أَكَلَهَا خُبْزًا أَيْضًا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَحْنَثُ بِتَنَاوُلِ عَيْنِ الْحِنْطَةِ عِنْدَهُمَا وَإِنَّمَا يُرَدُّ السُّؤَالُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ؛ لِأَنَّ أَكْلَ الْعَيْنِ حَقِيقَةُ هَذَا الْكَلَامُ وَأَكْلُ الْخُبْزِ مَجَازُهُ فَيَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ. وَهَذَا الْوَجْهُ الصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّيْخِ وَشَمْسِ الْأَئِمَّةِ وَالْقَاضِي الْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ وَعَامَّةِ الْمَشَايِخِ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْمَعْرُوفُ بِخُوَاهَرْ زَادَهْ أَنَّ الصَّحِيحَ رِوَايَةُ كِتَابِ الْأَيْمَانِ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْحِنْطَةِ لِلْعَيْنِ حَقِيقَةٌ وَلِلْخُبْزِ مَجَازٌ أَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ نَوَى أَكْلَ الْعَيْنِ لَا يَحْنَثُ بِالْخُبْزِ وَالسَّوِيقِ لِمَا قُلْنَا فَكَذَا إذَا لَمْ يَنْوِ وَانْصَرَفَتْ يَمِينُهُ إلَى الْخُبْزِ لَا يَبْقَى الْحَقِيقَةُ مُرَادَةً. وَمَا ذُكِرَ فِي الْجَامِعِ مُؤَوَّلٌ فَمَعْنَى قَوْلِهِ وَإِنْ قَضَمَهَا حَنِثَ أَيْ إذَا نَوَى الْعَيْنَ وَإِنْ أَكْلَ مِنْ خُبْزِهَا يَحْنَثُ أَيْضًا عَلَى قَوْلِهِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ. وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فَهِيَ مَا إذَا حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ الْفُرَاتِ فَالْيَمِينُ يَقَعُ عَلَى الْكَرْعِ الَّذِي هُوَ حَقِيقَةُ كَلَامِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله وَذَلِكَ بِأَنْ يَضَعَ فَاهُ عَلَيْهِ وَيَشْرَبَ مِنْهُ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ وَلَوْ نَوَى الِاغْتِرَافَ لَا يُصَدَّقُ قَضَاءً عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ نَوَى الْمَجَازَ وَفِيهِ تَخْفِيفٌ مِنْ وَجْهٍ كَذَا ذَكَرَ الْقَاضِي الْإِمَامُ الْمَعْرُوفُ بِخَانِ. وَعِنْدَهُمَا لَوْ اغْتَرَفَ مِنْهُ بِيَدِهِ أَوْ إنَاءٍ فَشَرِبَ يَحْنَثُ.
وَلَوْ شَرِبَ كَرْعًا قِيلَ لَا يَحْنَثُ عَلَى قَوْلِهِمَا إذَا لَمْ يَنْوِ ذَلِكَ كَيْ لَا يَصِيرَ جَامِعًا بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ وَقِيلَ يَحْنَثُ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَيَلْزَمُ مِنْهُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ. وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ فَمَسْأَلَةُ النَّذْرِ وَهِيَ قَوْلُهُ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ رَجَبَ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى سِتَّةِ أَوْجُهٍ. إنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا. أَوْ نَوَى النَّذْرَ وَلَمْ يَخْطِرْ بِبَالِهِ الْيَمِينُ. أَوْ نَوَى النَّذْرَ وَنَوَى أَنْ لَا يَكُونَ يَمِينًا يَكُونُ نَذْرًا بِالِاتِّفَاقِ. وَلَوْ نَوَى الْيَمِينَ وَنَوَى أَنْ لَا يَكُونَ نَذْرًا يَكُونُ يَمِينًا بِالِاتِّفَاقِ. وَلَوْ نَوَاهُمَا أَوْ نَوَى الْيَمِينَ وَلَمْ يَخْطِرْ بِبَالِهِ النَّذْرُ كَانَ نَذْرًا فِي الْأَوَّلِ وَيَمِينًا فِي الثَّانِي عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَكَانَ نَذْرًا وَيَمِينًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رحمهم الله حَتَّى يَلْزَمَهُ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ جَمِيعًا بِالْفَوَاتِ فِي الْوَجْهَيْنِ وَفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ مَعَ الْيَمِينِ مُخْتَلِفَانِ بِلَا شُبْهَةٍ؛ لِأَنَّ مُوجِبَ النَّذْرِ الْوَفَاءُ بِالْمُلْتَزَمِ وَالْقَضَاءُ عِنْدَ الْفَوْتِ لَا الْكَفَّارَةُ وَمُوجِبُ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الْبِرِّ وَالْكَفَّارَةِ عِنْدَ الْفَوْتِ لَا الْقَضَاءُ وَاخْتِلَافُ أَحْكَامِهِمَا يَدُلُّ عَلَى اخْتِلَافِ ذَاتَيْهِمَا.
ثُمَّ هَذَا الْكَلَامُ لِلنَّذْرِ
قِيلَ لَهُ أَمَّا أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فَقَدْ عَمِلَا بِإِطْلَاقِ الْمَجَازِ وَعُمُومِهِ؛ لِأَنَّ الْحِنْطَةَ فِي الْعَادَةِ اسْمٌ لِمَا فِي بَاطِنِهَا وَمَنْ أَكَلَهَا أَوْ مَا يُتَّخَذُ مِنْهَا فَقَدْ أَكَلَ مَا فِيهَا وَالشُّرْبُ مِنْ الْفُرَاتِ مَجَازٌ لِلشُّرْبِ مِنْ الْمَاءِ الَّذِي يُجَاوِرُ الْفُرَاتَ وَيُنْسَبُ إلَيْهِ وَهَذِهِ النِّسْبَةُ لَا تَنْقَطِعُ بِالْأَوَانِي لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْجَامِعِ فَصَارَ ذَلِكَ عَمَلًا بِعُمُومِهِ لَا جَمْعًا بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ
ــ
[كشف الأسرار]
حَقِيقَةً لِعَدَمِ تَوَقُّفِ ثُبُوتِهِ بِهِ عَلَى قَرِينَةٍ كَمَا إذَا لَمْ يَنْوِ شَيْئًا وَلِلْيَمِينِ مَجَازٌ لِتَوَقُّفِ ثُبُوتِهَا بِهِ عَلَى قَرِينَةٍ وَهِيَ النِّيَّةُ وَالتَّوَقُّفُ عَلَى الْقَرِينَةِ مِنْ أَمَارَاتِ الْمَجَازِ وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لِمَا مَرَّ مِنْ الدَّلَائِلِ فَيَتَرَجَّحُ الْحَقِيقَةُ عَلَى الْمَجَازِ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَتَسْقُطُ الْحَقِيقَةُ بِتَعَيُّنِ الْمَجَازِ مُرَادًا فِي الْوَجْهِ الثَّانِي. وَرَجَبٌ مُنْصَرِفٌ إذْ لَيْسَ فِيهِ إلَّا الْعَلَمِيَّةُ وَفِي الْحَدِيثِ. «إنَّ رَجَبًا شَهْرٌ عَظِيمٌ» . إلَّا أَنَّ الشَّيْخَ جَعَلَهُ هَهُنَا غَيْرَ مُنْصَرِفٍ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ فِي هَذِهِ الْيَمِينِ هُوَ الرَّجَبُ الَّذِي يَتَعَقَّبُ الْيَمِينَ لَا رَجَبٌ مِنْهُمْ فَكَانَ مَعْدُولًا عَنْ الرَّجَبِ الْمَعْرُوفِ بِالْأُمِّ فَلَا يَنْصَرِفُ لِاجْتِمَاعِ الْعَدْلِ وَالْعَلَمِيَّةِ كَمَا فِي سَحَرَ إذَا أَرَدْت سَحَرَ يَوْمِك عَلَى مَا عُرِفَ.
قَوْلُهُ (أَمَّا أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ فَقَدْ عَمِلَا بِإِطْلَاقِ الْمَجَازِ وَعُمُومِهِ) إذَا كَانَ لِلَّفْظِ حَقِيقَةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ وَمَجَازٌ مُتَعَارَفٌ فَالْعَمَلُ بِالْمَجَازِ أَوْلَى عِنْدَهُمَا وَسَتَعْرِفُ السِّرَّ فِيهِ. ثُمَّ لِلْمَجَازِ هَهُنَا وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا أَنْ يُجْعَلَ أَكْلُ الْحِنْطَةِ عِبَارَةً عَنْ أَكْلِ مَا يُتَّخَذُ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْحِنْطَةَ إذَا ذُكِرَتْ مَقْرُونَةً بِالْأَكْلِ يُرَادُ بِهَا فِي عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ مَا يُتَّخَذُ مِنْهَا مِنْ الْخُبْزِ وَنَحْوِهِ يُقَالُ أَكَلْنَا أَجْوَدَ حِنْطَةٍ فِي أَرْضِ كَذَا أَيْ أَجْوَدَ خُبْزٍ وَيُقَالُ فُلَانٌ يَأْكُلُ الْحِنْطَةَ أَيْ خُبْزَ الْحِنْطَةِ وَمَا يُتَّخَذُ مِنْهَا وَمُطْلَقُ الِاسْمِ مُنْصَرِفٌ إلَى الْمُتَعَارَفِ وَإِنْ كَانَتْ الْحَقِيقَةُ مُمْكِنٌ الْعَمَلُ بِهَا كَمَا فِي وَضْعِ الْقَدَمِ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ لَا آكُلُ مَا يُتَّخَذُ مِنْهَا فَيَحْنَثُ بِأَكْلِ الْخُبْزِ وَنَحْوِهِ وَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ الْعَيْنِ.
وَالثَّانِي وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ أَنْ يُجْعَلَ أَكْلُ الْحِنْطَةِ عِبَارَةً عَنْ أَكْلِ مَا فِيهَا بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ يُقَالُ أَهْلُ بَلَدِ كَذَا يَأْكُلُونَ الْحِنْطَةَ وَيُرَادُ مَا فِيهَا مِنْ الْأَجْزَاءِ أَيْ طَعَامُهُمْ مِنْ أَجْزَاءِ الْحِنْطَةِ لَا مِنْ أَجْزَاءِ الشَّعِيرِ وَإِذَا صَارَ عِبَارَةً عَنْ أَكْلِ مَا فِيهَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ الْعَيْنِ كَمَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ الْخُبْزِ لِدُخُولِهِ تَحْتَ عُمُومِ الْمَجَازِ لَا بِاعْتِبَارِ الْحَقِيقَةِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ وَضْعِ الْقَدَمِ. وَلَا يُقَالُ فَعَلَى مَا ذَكَرْتُمْ يَلْزَمُ أَنْ يَحْنَثَ بِأَكْلِ السَّوِيقِ عِنْدَهُمَا لِوُجُودِ أَكْلِ مَا فِي بَاطِنِهَا. لِأَنَّا نَقُولُ السَّوِيقُ جِنْسٌ آخَرُ غَيْرُ جِنْسِ الدَّقِيقِ عِنْدَ هُمَا، وَلِهَذَا جَوَّزَا بَيْعَ الدَّقِيقِ بِالسَّوِيقِ مُتَفَاضِلًا فَلَا يَكُونُ مَا أَكَلَ مِنْ جِنْسِ مَا كَانَ مَوْجُودًا فِي الْحِنْطَةِ فَلَا يَحْنَثُ كَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ. وَذَكَرَ الْإِمَامُ خُوَاهَرْ زَادَهْ رحمه الله أَنَّ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ يَحْنَثُ.
قَوْلُهُ (وَالشُّرْبُ مِنْ الْفُرَاتِ) تَكَلَّمُوا فِي كَيْفِيَّةِ الْمَجَازِ هُنَا قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا بِجَعْلِ قَوْلِهِ مِنْ الْفُرَاتِ مَجَازًا لِشُرْبِ مَاءِ الْفُرَاتِ؛ لِأَنَّ الشُّرْبَ لَا يَتَحَقَّقُ فِي نَفْسِ الْفُرَاتِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُضْمِرَ فِيهِ مَاءَ الْفُرَاتِ. وَلَكِنْ هَذَا لَيْسَ بِصَوَابٍ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ شَرِبَ مِنْ نَهْرٍ آخَرَ يَأْخُذُ مِنْ الْفُرَاتِ لَا يَحْنَثُ وَلَوْ صَارَ مَجَازًا لِشُرْبِ مَاءِ الْفُرَاتِ يَنْبَغِي أَنْ يَحْنَثَ كَمَا لَوْ نَصَّ عَلَيْهِ بِأَنْ قَالَ لَا أَشْرَبُ مِنْ مَاءِ الْفُرَاتِ.
بَلْ الصَّحِيحُ أَنْ يُجْعَلَ مَجَازًا لِشُرْبِ مَاءٍ مَنْسُوبٍ إلَى الْفُرَاتِ مُجَاوِرٍ لَهُ بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ فَإِنَّهُ يُقَالُ بَنُو فُلَانٍ يَشْرَبُونَ مِنْ الْوَادِي وَمِنْ الْفُرَاتِ وَإِنَّمَا يُرَادُ بِهِ مَا قُلْنَا وَالْأَخْذُ بِالْأَوَانِي لَا يَقْطَعُ هَذِهِ النِّسْبَةَ فَيَحْنَثُ بِالْكَرْعِ وَالِاغْتِرَافِ جَمِيعًا لِعُمُومِ الْمَجَازِ لَا بِاعْتِبَارِ الْحَقِيقَةِ. فَإِنْ نَوَى فِي قَوْلِهِ لَا أَشْرَبُ مِنْ الْفُرَاتِ مَاءَ الْفُرَاتِ يَصِحُّ نِيَّتُهُ عِنْدَ الْبَعْضِ حَتَّى لَوْ شَرِبَ مِنْ نَهْرٍ يَأْخُذُ مِنْ الْفُرَاتِ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ نَوَى مَا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ؛ لِأَنَّ الشُّرْبَ لَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ الْمَاءِ. وَعِنْدَ الْعَامَّةِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ غَيْرُ مَذْكُورٍ نَصًّا وَإِنَّمَا يَصِيرُ مَذْكُورًا مُقْتَضَى الشُّرْبِ وَالْمُقْتَضَى لَا عُمُومَ لَهُ فَلَا يَصِحُّ
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ النَّذْرِ فَلَيْسَ بِجَمْعٍ بَلْ هُوَ نَذْرٌ بِصِيغَتِهِ وَيَمِينٌ بِمُوجِبِهِ وَهُوَ الْإِيجَابُ؛ لِأَنَّ إيجَابَ الْمُبَاحِ يَصْلُحُ يَمِينًا بِمَنْزِلَةِ تَحْرِيمِ الْمُبَاحِ وَصَارَ ذَلِكَ كَشَرْيِ الْقَرِيبِ تَمَلُّكٌ بِصِيغَتِهِ وَتَحْرِيرٌ بِمُوجِبِهِ فَهَذِهِ مِثْلُهُ.
ــ
[كشف الأسرار]
نِيَّةُ التَّعْمِيمِ فِيهِ كَمَا لَا يَصِحُّ نِيَّةُ الثَّلَاثِ فِي قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ كَذَا فِي الْجَامِعِ الْبُرْهَانِيِّ. قَوْلُهُ (فَأَمَّا مَسْأَلَةُ النَّذْرِ فَلَيْسَ بِجَمْعٍ) يَعْنِي لَيْسَ مَا ذُكِرَ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ مِنْ ثُبُوتِ حُكْمِ النَّذْرِ وَالْيَمِينِ بِجَمْعِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ بِاعْتِبَارِ الصِّيغَةِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ صِيغَتُهُ دَالَّةً عَلَى النَّذْرِ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ وَتَكُونَ دَالَّةً عَلَى الْيَمِينِ أَيْضًا بِطَرِيقِ الْمَجَازِ بَلْ هُوَ نَذْرٌ بِصِيغَتِهِ لَا غَيْرُ وَلَكِنَّهُ يَمِينٌ بِاعْتِبَارِ مُوجِبِهِ أَيْ حُكْمِهِ وَهُوَ أَنَّ مُوجِبَ النَّذْرِ لُزُومُ الْمَنْذُورِ لَا مَحَالَةَ، وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْمَنْذُورُ قَبْلَ النَّذْرِ مُبَاحَ التَّرْكِ لِيَصِحَّ الْتِزَامُهُ بِالنَّذْرِ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ بِمَا هُوَ وَاجِبٌ فِي نَفْسِهِ لَا يَصِحُّ عَلَى مَا عُرِفَ فَإِذَا لَزِمَ الْمَنْذُورُ بِالنَّذْرِ صَارَ تَرْكُهُ الَّذِي كَانَ مُبَاحًا حَرَامًا بِهِ وَصَارَ النَّذْرُ تَحْرِيمَ الْمُبَاحِ بِوَاسِطَةِ حُكْمِهِ وَهُوَ لُزُومُ الْمَنْذُورِ، وَتَحْرِيمُ الْمُبَاحِ يَمِينٌ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ
النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حَرَّمَ مَارِيَةَ أَوْ الْعَسَلَ عَلَى نَفْسِهِ فَسَمَّى اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ التَّحْرِيمَ يَمِينًا وَأَوْجَبَ فِيهِ الْكَفَّارَةَ حَيْثُ قَالَ. {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} [التحريم: 1] . إلَى أَنْ قَالَ. {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم: 2] . أَيْ شَرَعَ لَكُمْ تَحْلِيلَهَا بِالْكَفَّارَةِ حَتَّى رُوِيَ عَنْ مُقَاتِلٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَعْتَقَ رَقَبَةً فِي تَحْرِيمِ مَارِيَةَ» وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَزَيْدٍ وَطَاوُسٍ وَالْحَسَنِ وَالثَّوْرِيِّ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ فَكَانَ النَّذْرُ بِوَاسِطَةِ مُوجِبِهِ يَمِينًا لَا بِصِيغَتِهِ بَلْ هُوَ بِصِيغَتِهِ نَذْرٌ لَا غَيْرُ، وَمِثْلُ هَذَا لَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ كَشِرَاءِ الْقَرِيبِ سُمِّيَ إعْتَاقًا فِي الشَّرْعِ وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ إثْبَاتُ الْمِلْكِ إزَالَتَهُ لَكِنَّهُ بِصِيغَتِهِ إثْبَاتُ الْمِلْكِ وَالْمِلْكُ فِي الْقَرِيبِ يُوجِبُ الْعِتْقَ بِقَوْلِهِ عليه السلام. «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ عَتَقَ عَلَيْهِ» . فَكَانَ الشِّرَاءُ إعْتَاقًا بِوَاسِطَةِ حُكْمِهِ وَهُوَ ثُبُوتُ الْمِلْكِ لَا بِصِيغَتِهِ. وَكَالْهِبَةِ بِشَرْطِ الْعِوَضِ هِبَةٌ بِاعْتِبَارِ الصِّيغَةِ بَيْعٌ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى فَكَذَا هَذَا. (فَإِنْ قِيلَ) لَوْ كَانَ النَّذْرُ يَمِينًا بِاعْتِبَارِ مُوجِبِهِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَحْتَاجَ فِي ثُبُوتِهَا إلَى نِيَّةٍ كَالْعِتْقِ فِي شِرَاءِ الْقَرِيبِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ حَيْثُ قَالَ لَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ غَدًا فَمَرِضَ فِي الْغَدِ فَأَفْطَرَ أَوْ كَانَ الْحَالِفُ امْرَأَةً فَحَاضَتْ كَانَ عَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ (قُلْنَا) بِاسْتِعْمَالِ هَذِهِ الصِّيغَةِ فِي مَحَلٍّ آخَرَ خَرَجَتْ الْيَمِينُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِهَا فَصَارَتْ كَالْحَقِيقَةِ الْمَهْجُورَةِ فَلَا يَثْبُتُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ كَذَا قِيلَ.
وَالْجَوَابُ الصَّحِيحُ أَنَّ التَّحْرِيمَ يَثْبُتُ بِمُوجِبِ النَّذْرِ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى النِّيَّةِ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَ تَرْكِ الْمَنْذُورِ بِهِ ثَابِتٌ نَوَاهُ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ إلَّا أَنَّ كَوْنَهُ يَمِينًا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَصْدِ فَإِنَّ النَّصَّ جَعَلَهُ يَمِينًا عِنْدَ الْقَصْدِ وَلَمْ يُرِدْ الشَّرْعُ بِكَوْنِهِ يَمِينًا عِنْدَ عَدَمِ الْقَصْدِ وَثُبُوتِهِ ضَمًّا فَإِذَا نَوَى الْيَمِينَ فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ التَّحْرِيمُ الثَّابِتُ بِهِ يَمِينًا لِوُجُودِ شَرْطِهِ لَكِنْ بِمُوجِبِ النَّذْرِ لَا بِطَرِيقِ الْمَجَازِ. وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي شَرْحِ كِتَابِ الصَّوْمِ أَنَّهُ اجْتَمَعَ فِي كَلَامِهِ كَلِمَتَانِ. أَحَدُهُمَا يَمِينٌ وَهُوَ قَوْلُهُ لِلَّهِ فَإِنَّهُ عِنْدَ إرَادَةِ الْيَمِينِ كَقَوْلِهِ بِاَللَّهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ دَخَلَ آدَم الْجَنَّةَ فَلِلَّهِ مَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ حَتَّى خَرَجَ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْبَاءَ وَاللَّامَ يَتَعَاقَبَانِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى خَبَرًا عَنْ فِرْعَوْنَ {آمَنْتُمْ لَهُ} [الشعراء: 49] وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ {آمَنْتُمْ بِهِ} [الأعراف: 123] . الْأُخْرَى نَذْرٌ وَهِيَ قَوْلُهُ عَلَيَّ إلَّا أَنَّ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ غَلَبَ مَعْنَى النَّذْرِ بِاعْتِبَارِ الْعَادَةِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ فَإِذَا نَوَاهُمَا فَقَدْ نَوَى بِكُلِّ لَفْظٍ مَا هُوَ مِنْ مُحْتَمَلَاتِهِ فَتَعْمَلُ نِيَّتُهُ وَلَا يَكُونُ جَمْعًا بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ بَلْ فِي كَلِمَتَيْنِ وَذَلِكَ غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ. فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ إيجَابًا