الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَأَمَّا إلَى فَلِانْتِهَاءِ الْغَايَةِ لِذَلِكَ وُضِعَتْ وَلِذَلِكَ اُسْتُعْمِلَتْ فِي الْآجَالِ وَإِذَا دَخَلَتْ فِي الطَّلَاقِ فِي قَوْلِ الرَّجُلِ أَنْتِ طَالِقٌ إلَى شَهْرٍ فَإِنْ نَوَى التَّنْجِيزَ وَقَعَ وَإِنْ نَوَى الْإِضَافَةَ تَأَخَّرَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ وَقَعَ لِلْحَالِ عِنْدَ زُفَرَ رحمه الله لِأَنَّ إلَى لِلتَّأْجِيلِ وَالتَّأْجِيلُ لَا يَمْنَعُ الْوُقُوعَ وَقُلْنَا إنَّ التَّأْجِيلَ لِتَأْخِيرِ مَا يَدْخُلُهُ وَهُنَا دَخَلَ عَلَى أَصْلِ الطَّلَاقِ فَأَوْجَبَ تَأْخِيرَهُ
ــ
[كشف الأسرار]
وَالدِّرْهَمَانِ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَجَعَلَ شَرْطَ حِنْثِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ أَنْ يَكُونَ فِي يَدِهِ غَيْرُ الثَّلَاثَةِ مِمَّا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الدَّرَاهِمِ وَلَمْ يُوجَدْ لِأَنَّ اسْمَ الدَّرَاهِمِ لَا يَنْطَلِقُ عَلَى الدِّرْهَمِ وَالدِّرْهَمَيْنِ.
[مَعْنَى إلَى]
قَوْلُهُ (وَأَمَّا إلَى فَلِانْتِهَاءِ الْغَايَةِ) هَذِهِ الْكَلِمَةُ لِانْتِهَاءِ الْغَايَةِ عَلَى مُقَابَلَةِ مِنْ يُقَالُ سِرْت مِنْ الْبَصْرَةِ إلَى الْكُوفَةِ فَالْكُوفَةُ مُنْقَطَعِ السَّيْرِ كَمَا كَانَتْ الْبَصْرَةُ مُبْتَدَأً. وَيَقُولُ الرَّجُلُ إنَّمَا أَنَا إلَيْك أَيْ أَنْتَ غَايَتِي وَتَقُولُ قُمْت إلَى فُلَانٍ فَتَجْعَلُهُ مُنْتَهَاك مِنْ مَكَانِك هَذَا هُوَ الْحَقِيقَةُ فِي اللُّغَةِ. وَقَدْ يَجِيءُ لِمَعْنَى الْمُصَاحَبَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى. {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} [النساء: 2] . وَقَوْلُهُمْ الذَّوْدُ إلَى الذَّوْدِ إبِلٌ لَكِنَّهُ رَاجِعٌ فِي التَّحْقِيقِ إلَى مَعْنَى الِانْتِهَاءِ أَيْضًا فَإِنَّ الْأَكْلَ فِي الْآيَةِ ضَمِنَ مَعْنَى الضَّمِّ إذْ النَّهْيُ لَا يَخْتَصُّ بِالْأَكْلِ فَعُدِّيَ بِإِلَى أَيْ لَا تَضُمُّوهَا إلَى أَمْوَالِكُمْ فِي الْإِنْفَاقِ حَتَّى لَا تُفَرِّقُوا بَيْنَ أَمْوَالِكُمْ وَأَمْوَالِهِمْ، قِلَّةُ مُبَالَاةٍ بِمَا لَا يَحِلُّ وَتَسْوِيَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَلَالِ. أَوْ الْمَعْنَى لَا يَنْتَهِ أَكْلُ أَمْوَالِهِمْ إلَى أَمْوَالِكُمْ فَيَكُونُ إلَى صِلَةُ فِعْلِ الِانْتِهَاءِ. وَكَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ الذَّوْدُ إلَى الذَّوْدِ إبِلٌ الذَّوْدُ مُنْضَمًّا إلَى الذَّوْدِ إبِلٌ. وَلِذَلِكَ أَيْ وَلِأَنَّهَا وُضِعَتْ لِانْتِهَاءِ الْغَايَةِ اُسْتُعْمِلَتْ فِي آجَالِ الدُّيُونِ لِأَنَّ آجَالَ الدُّيُونِ غَايَاتُهَا. وَاعْلَمْ أَنَّ كَلِمَةَ إلَى إذَا دَخَلَتْ فِي الْأَزْمِنَةِ قَدْ تَكُونُ لِلتَّوْقِيتِ وَهُوَ الْأَصْلُ وَقَدْ تَكُونُ لِلتَّأْجِيلِ وَالتَّأْخِيرِ. وَمَعْنَى التَّوْقِيتِ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ ثَابِتًا فِي الْحَالِ وَيَنْتَهِي بِالْوَقْتِ الْمَذْكُورِ وَلَوْلَا الْغَايَةُ لَكَانَ ثَابِتًا فِيمَا وَرَائِهَا أَيْضًا كَقَوْلِك وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُ فُلَانًا إلَى شَهْرٍ كَانَ ذِكْرُ الشَّهْرِ لِتَوْقِيتِ الْيَمِينِ إذْ لَوْلَاهُ لَكَانَتْ مُؤَبَّدَةً وَكَذَلِكَ قَوْلُك آجَرْتُك هَذِهِ الدَّارَ إلَى شَهْرٍ.
وَمَعْنَى التَّأْخِيرِ وَالتَّأْجِيلِ أَنْ لَا يَكُونَ الشَّيْءُ ثَابِتًا فِي الْحَالِ مَعَ وُجُودِ مَا يُوجِبْ ثُبُوتُهُ ثُمَّ يَثْبُتُ بَعْدَ وُجُودِ الْغَايَةِ وَلَوْلَا الْغَايَةُ لَكَانَ ثَابِتًا فِي الْحَالِ أَيْضًا كَالْبَيْعِ إلَى شَهْرٍ فَإِنَّهُ لِتَأْخِيرِ الْمُطَالَبَةِ إلَى مُضِيِّ الشَّهْرِ وَلَوْلَاهُ لَكَانَتْ الْمُطَالَبَةُ ثَابِتَةً فِي الْحَالِ وَبَعْدَ الشَّهْرِ أَيْضًا مَا لَمْ يَسْقُطْ الدَّيْنُ بِالْأَدَاءِ أَوْ الْإِبْرَاءِ فَإِذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إلَى شَهْرٍ وَنَوَى التَّنْجِيزَ تَطْلُقُ فِي الْحَالِ وَيَلْغُو آخِرَ كَلَامِهِ لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ فَإِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَقَعَ الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ وَيَنْتَهِيَ بِمُضِيِّ الشَّهْرِ وَالطَّلَاقُ لَا يَقْبَلُ التَّوْقِيتَ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَمْتَدُّ فَيَقَعُ الطَّلَاقُ وَيَلْغُو التَّوْقِيتُ. وَإِنْ نَوَى التَّأْخِيرَ يَتَأَخَّرُ الْوُقُوعُ إلَى مُضِيِّ الشَّهْرِ لِأَنَّهُ نَوَى مُحْتَمَلَ كَلَامِهِ إذْ الطَّلَاقُ يَقْبَلُ الْإِضَافَةَ كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا وَإِلَى تُسْتَعْمَلُ فِي التَّأْخِيرِ كَمَا تُسْتَعْمَلُ فِي التَّوْقِيتِ فَصَارَ تَقْدِيرُ كَلَامِهِ أَنْتِ طَالِقٌ مُؤَخَّرًا إلَى شَهْرٍ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ وَقَعَ لِلْحَالِ عِنْدَ زُفَرَ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لِأَنَّ إلَى لِلتَّأْجِيلِ أَوْ لِلتَّوْقِيتِ وَكُلُّ ذَلِكَ صِفَةٌ لِوُجُودٍ فَلَا بُدَّ مِنْ الْوُجُودِ لِلْحَالِ ثُمَّ يَلْغُو الْوَصْفُ لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ بَاعَ عَبْدَهُ بِأَلْفٍ إلَى شَهْرٍ يَثْبُتُ الْأَلْفُ لِلْحَالِ وَيَتَأَجَّلُ بَعْدَ الثُّبُوتِ.
وَعِنْدَنَا يَتَأَخَّرُ الْوُقُوعُ إلَى مُضِيِّ الشَّهْرِ لِأَنَّ إلَى كَمَا تَدْخُلُ فِي الشَّيْءِ لِتَوْقِيتِهِ تَدْخُلُ لِتَأْجِيلِ الثُّبُوتِ أَيْضًا فَيَصِيرُ كَالْمُتَعَلَّقِ بِهِ وَالطَّلَاقُ بَعْدَ وُقُوعِهِ لَا يَقْبَلُ التَّأْجِيلَ وَالتَّأْخِيرَ فَأَمَّا الْإِيقَاعُ فَيَقْبَلُهُ فَانْصَرَفَ الْأَجَلُ إلَيْهِ كَيْ لَا يَكُونَ إبْطَالًا لَهُ وَهُوَ كَالنِّصَابِ عِلَّةٌ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ وَلَمَّا أُجِّلَ بِحَوْلٍ تَأَجَّلَ الْوُجُوبُ لَا الزَّكَاةُ الْوَاجِبَةُ لِأَنَّهَا بَعْدَ الْوُجُوبِ لَا تَقْبَلُ الْأَجَلَ وَالْوُجُوبُ نَفْسُهُ يَقْبَلُهُ فَعَمِلَ الْأَجَلُ عَمَلَهُ فِيمَا يَقْبَلُهُ. بِخِلَافِ الْبَيْعِ بِأَلْفٍ إلَى شَهْرٍ لِأَنَّ الْأَلْفَ مِمَّا يَتَأَجَّلُ قَبْضُهُ فَانْصَرَفَ إلَيْهِ وَلَمْ يَنْصَرِفْ إلَى الْوُجُوبِ
وَالْأَصْلُ فِي الْغَايَةِ إذَا كَانَ قَائِمًا بِنَفْسِهِ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْحُكْمِ مِثْلَ قَوْلِ الرَّجُلِ مِنْ هَذَا الْبُسْتَانِ إلَى هَذَا الْبُسْتَانِ وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187] إلَّا أَنْ يَكُونَ صَدْرُ الْكَلَامِ يَقَعُ عَلَى الْجُمْلَةِ فَيَكُونُ الْغَايَةُ لِإِخْرَاجِ مَا وَرَاءَهَا فَيَبْقَى دَاخِلًا بِمُطْلَقِ الِاسْمِ مِثْلَ مَا قُلْنَا فِي الْمَرَافِقِ
ــ
[كشف الأسرار]
وَبِخِلَافِ الْيَمِينِ الْمُوَقِّتَةِ إلَى شَهْرٌ لِأَنَّ الْيَمِينَ ثَابِتَةٌ لِلْحَالِ وَتَقْبَلُ التَّوْقِيتَ فَتَتَوَقَّتُ كَالْإِجَارَةِ فَأَمَّا انْعِقَادُ الْيَمِينِ فَلَا يَقْبَلُ التَّأْجِيلَ فَلَمْ يَنْصَرِفْ إلَيْهِ وَانْعَقَدَ لِلْحَالِ كَذَا فِي الْأَسْرَارِ. وَبَيَانُ مَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ أَنَّ التَّأْجِيلَ لِتَأْخِيرِ مَا يَدْخُلُ فِيهِ كَتَأْجِيلِ الدَّيْنِ وَهَاهُنَا دَخَلَ عَلَى أَصْلِ الطَّلَاقِ لِأَنَّ قَوْلَهُ إلَى شَهْرٍ دَخَلَ فِي قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ كَمَا دَخَلَ قَوْلُهُ بِعْتُك بِأَلْفٍ إلَى شَهْرٍ فِي الْأَلْفِ إلَّا أَنَّ ثُبُوتَ نَفْسِ الدَّيْنِ لَا يَقْبَلُ التَّأْجِيلَ فَانْصَرَفَ إلَى الْمُطَالَبَةِ وَثُبُوتُ الطَّلَاقِ يَقْبَلُهُ فَانْصَرَفَ التَّأْجِيلُ إلَيْهِ فَأَوْجَبَ تَأْخِيرُهُ قَوْلُهُ (وَالْأَصْلُ فِي الْغَايَةِ) إلَى آخِرِهِ لَمَّا كَانَ بَعْضُ الْغَايَاتِ الثَّابِتَةِ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ غَيْرَ دَاخِلَةٍ فِي حُكْمِ الْمُغَيَّا كَاللَّيْلِ فِي الصِّيَامِ وَبَعْضُهَا دَاخِلَةً فِيهِ كَالْمِرْفَقِ فِي غَسْلِ الْيَدِ لَا بُدَّ مِنْ ضَابِطٍ لِذَلِكَ.
فَقَالَ الْأَصْلُ فِيهَا أَنَّهَا إذَا كَانَتْ قَائِمَةً بِنَفْسِهَا بِأَنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً قَبْلَ التَّكَلُّمِ وَلَا تَكُونَ مُفْتَقِرَةً فِي وُجُودِهَا إلَى الْمُغَيَّا لَمْ تَدْخُلْ تَحْتَ الْحُكْمِ الثَّابِتِ لَهُ لِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ قَائِمَةً بِنَفْسِهَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَسْتَتْبِعَهَا الْمُغَيَّا مِثْلَ قَوْلِهِ بِعْت مِنْ هَذَا الْبُسْتَانِ إلَى هَذَا الْبُسْتَانِ.
وَقَوْلُهُ لِفُلَانٍ مِنْ هَذَا الْحَائِطِ إلَى هَذَا الْحَائِطِ فَإِنَّ الْغَايَتَيْنِ لَا تَدْخُلَانِ فِي الْبَيْعِ وَالْإِقْرَارِ. وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى} [الإسراء: 1] . حَيْثُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى تَحْتَ الْإِسْرَاءِ فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ عليه السلام دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى. لِأَنَّا نَقُولَ ثَبَتَ ذَلِكَ بِالْأَحَادِيثِ الْمَشْهُورَةِ لَا بِمُوجِبِ هَذَا الْكَلَامِ. إلَّا أَنْ يَكُونَ اسْتِثْنَاءً مِنْ قَوْلِهِ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْحُكْمِ أَيْ لَا تَدْخُلُ الْغَايَةُ تَحْتَ حُكْمِ الْمُغَيَّا إذَا كَانَتْ قَائِمَةً بِنَفْسِهَا إلَّا إذَا كَانَ صَدْرُ الْكَلَامِ وَاقِعًا عَلَى الْجُمْلَةِ أَيْ الْمُغَيَّا وَالْغَايَةُ جَمِيعًا فَحِينَئِذٍ تَدْخُلُ لِأَنَّ صَدْرَ الْكَلَامِ لَمَّا كَانَ وَاقِعًا عَلَى الْجُمْلَةِ قَبْلَ ذِكْرِ الْغَايَةِ وَبَعْدَ ذِكْرِهَا لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا الْبَعْضَ مِنْهَا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ ذِكْرِ الْغَايَةِ إسْقَاطَ مَا وَرَاءَهَا ضَرُورَةً وَالِاسْمُ يَتَنَاوَلُ مَوْضِعَ الْغَايَةِ فَبَقِيَ دَاخِلًا تَحْتَ صَدْرِ الْكَلَامِ لِتَنَاوُلِ الِاسْمِ إيَّاهُ. مِثْلُ مَا قُلْنَا فِي الْمَرَافِقِ أَنَّهَا دَاخِلَةٌ تَحْتَ الْغُسْلِ وَهُوَ مَذْهَبُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ ذِكْرِ الْمَرَافِقِ إسْقَاطُ مَا وَرَائِهَا إذْ لَوْلَا ذِكْرُهَا لَاسْتَوْعَبَتْ الْوَظِيفَةُ كُلَّ الْيَدِ فَلَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْإِسْقَاطِ بَلْ بَقِيَتْ دَاخِلَةً تَحْتَ الْوُجُوبِ بِمُطْلَقِ اسْمِ الْيَدِ وَلِهَذَا فَهِمَتْ الصَّحَابَةُ مِنْ إطْلَاقِ الْأَيْدِي فِي التَّيَمُّمِ الْأَيْدِيَ إلَى الْإِبَاطِ كَذَا فِي بُيُوعِ الْمَبْسُوطِ.
فَإِنْ قِيلَ لَا بُدَّ لِلْجَارِ وَالْمَجْرُورِ مِنْ مُتَعَلِّقٍ وَهُوَ قَوْلُهُ {فَاغْسِلُوا} [المائدة: 6] فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَكَيْفَ يُمْكِنُ جَعْلُهُ غَايَةً لِلْإِسْقَاطِ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِمَذْكُورٍ وَلَا مُضْمَرٍ. قُلْنَا تَعَلُّقُ الْجَارِ وَالْمَجْرُورِ بِالْغُسْلِ ظَاهِرًا وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الْإِسْقَاطُ دُونَ مَدِّ الْحُكْمِ كَمَا قَالَ زُفَرُ رحمه الله فَالْمِرْفَقُ غَايَةٌ لِلْغُسْلِ لَفْظًا وَظَاهِرًا وَغَايَةٌ لِلْإِسْقَاطِ مَعْنًى وَمَقْصُودًا وَالْعِبْرَةُ لِلْمَعَانِي دُونَ الظَّوَاهِرِ. وَذَكَرَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ فِيهِ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ كَلِمَةَ إلَى تُفِيدُ مَعْنَى الْغَايَةِ مُطْلَقًا فَأَمَّا دُخُولُهَا فِي الْحُكْمِ وَخُرُوجُهَا مِنْهُ فَأَمْرٌ يَدُورُ مَعَ الدَّلِيلِ. فَمَا فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الْخُرُوجِ قَوْله تَعَالَى {فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة: 280] . لِأَنَّ الْإِعْسَارَ عِلَّةُ الْإِنْظَارِ وَبِوُجُودِ الْمَيْسَرَةِ تَزُولُ الْعِلَّةُ وَلَوْ دَخَلَتْ الْمَيْسَرَةُ فِيهِ لَكَانَ مُنْظَرًا فِي كِلْتَا الْحَالَتَيْنِ مُعْسِرًا أَوْ مُوسِرًا فَتَبْطُلُ الْغَايَةُ.
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187] . إذْ لَوْ دَخَلَ لَوَجَبَ الْوِصَالُ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى الدُّخُولِ قَوْلُك قَرَأْت الْقُرْآنَ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ لِأَنَّ الْكَلَامَ سِيقَ لِحِفْظِ الْقُرْآنِ كُلِّهِ فَقَوْلُهُ إلَى الْمَرَافِقِ وَإِلَى الْكَعْبَيْنِ لَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ فَأَخَذَ
وَلِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله فِي الْغَايَةِ فِي الْخِيَارِ أَنَّهُ يَدْخُلُ وَكَذَلِكَ فِي الْآجَالِ فِي الْأَيْمَانِ فِي رِوَايَةِ حَسَنِ بْنِ زِيَادٍ عَنْهُ
ــ
[كشف الأسرار]
عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ بِالِاحْتِيَاطِ فَحَكَمُوا بِدُخُولِهَا فِي الْغُسْلِ وَأَخَذَ زُفَرُ وَدَاوُد بِالْمُتَيَقِّنِ فَلَمْ يُدْخِلَاهَا. وَلِهَذَا أَيْ وَلِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الصَّدْرَ إذَا كَانَ مُتَنَاوِلًا لِلْجُمْلَةِ تَدْخُلُ الْغَايَةُ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله إذَا بَاعَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ إلَى الْغَدِ أَوْ إلَى اللَّيْلِ أَوْ إلَى الظُّهْرِ تَدْخُلُ الْغَايَةُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ لِأَنَّ الْغَايَةَ هَاهُنَا حَدُّ الْإِسْقَاطِ فَإِنَّهُ لَوْ شَرَطَ الْخِيَارَ مُطْلَقًا يَثْبُتُ الْخِيَارُ مُؤَبَّدًا وَلِهَذَا فَسَدَ الْعَقْدُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَسْقَطَ الْخِيَارَ فِي الثَّلَاثِ عِنْدَهُ وَبَعْدَ أَيِّ مُدَّةٍ كَانَتْ عِنْدَهُمَا يَنْقَلِبُ جَائِزًا فَعَرَفْنَا أَنَّهُ مُنْعَقِدٌ بِصِفَةِ الْفَسَادِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ ذِكْرُ الْغَايَةِ لِإِخْرَاجِ مَا وَرَاءَهَا فَتَبْقَى دَاخِلَةً تَحْتَ الْجُمْلَةِ كَالْمَرَافِقِ فِي الْوُضُوءِ. بِخِلَافِ الْأَجَلِ فِي الدَّيْنِ لِأَنَّ الْغَايَةَ فِيهِ لِمَدِّ الْحُكْمِ إلَى مَوْضِعِ الْغَايَةِ لِأَنَّ الْأَجَلَ لِلتَّرْفِيَةِ فَمُطْلَقُ الِاسْمِ يَتَنَاوَلُ أَدْنَى مَا يَحْصُلُ بِهِ التَّرْفِيَةُ.
وَبِخِلَافِ الْإِجَارَةِ فَإِنَّ الْغَايَةَ فِيهَا لَا تَدْخُلُ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ أَيْضًا لِأَنَّهَا عَقْدُ تَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ بِعِوَضٍ فَمُطْلَقُهَا لَا يُوجِبُ إلَّا أَدْنَى مَا يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ وَذَلِكَ مَجْهُولٌ وَلِأَجْلِ الْجَهَالَةِ يَفْسُدُ الْعَقْدُ فَكَانَ ذِكْرُ الْغَايَةِ لِبَيَانِ مِقْدَارِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَذَلِكَ بِمَدِّ الْحُكْمِ إلَى مَوْضِعِ الْغَايَةِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا تَدْخُلُ الْغَايَةُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ لِأَنَّ الْغَدَ جُعِلَ غَايَةً وَالْأَصْلُ أَنَّ الْغَايَةَ لَا تَدْخُلُ فِي الصَّدْرِ إلَّا بِدَلِيلِ وَلِهَذَا سُمِّيَتْ غَايَةً لِأَنَّ الْحُكْمَ يَنْتَهِي إلَيْهَا دَلَّ عَلَيْهِ الصَّوْمُ إلَى اللَّيْلِ وَالْأَكْلُ إلَى الْفَجْرِ وَلِهَذَا لَوْ آجَرَ دَارِهِ إلَى رَمَضَانَ أَوْ بَاعَ بِأَجَلٍ إلَى رَمَضَانَ أَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ إلَى رَمَضَانَ لَمْ يَدْخُلْ رَمَضَانُ تَحْتَ الْجُمْلَةِ لِأَنَّهُ غَايَةٌ. وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْنَا الْمَرَافِقُ فَإِنَّهَا دَخَلَتْ تَحْتَ الْجُمْلَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ فَإِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حِينَ عَلَّمَ الْوُضُوءَ الَّذِي لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إلَّا بِهِ غَسَلَ الْمَرَافِقَ هَكَذَا حَكَى الْحَاكِي الْوُضُوءَ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَالْأَسْرَارِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي الْإِمَامُ فِي آخِرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مَذْهَبَهُمَا أَوْضَحُ لِأَنَّ قَوْلَهُ إلَى غَدٍ قُرِنَ بِالْخِيَارِ فَصَارَ مَدًّا لِلْخِيَارِ إلَيْهِ وَكَذَلِكَ الْمِرْفَقُ قُرِنَ بِالْغُسْلِ وَالْكَلَامُ إذَا قُرِنَ بِهِ غَايَةٌ أَوْ اسْتِثْنَاءٌ أَوْ شَرْطٌ لَا يُعْتَبَرُ بِالْمَفْصُولِ عَنْ الْقَيْدِ ثُمَّ التَّعْبِيرُ بِالْقَيْدِ عَنْ حَالِ الْإِطْلَاقِ بَلْ يُعْتَبَرُ مَعَ الْقَيْدِ جُمْلَةً وَاحِدَةً لِمَا عُرِفَ فِي مَسْأَلَةِ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ لِلشَّرْطِ وَمَتَى جُعِلَ كَلَامًا وَاحِدًا لِلْإِيجَابِ إلَى غَدٍ لَا الْإِيجَابِ وَالْإِسْقَاطِ لِأَنَّهُمَا ضِدَّانِ فَلَا يَثْبُتَانِ إلَّا بِنَصَّيْنِ وَالنَّصُّ مَعَ الْغَايَةِ نَصٌّ وَاحِدٌ. وَلِأَنَّ مَسْأَلَةَ الْيَمِينِ لَازِمَةٌ عَلَى طَرِيقِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالِاعْتِمَادُ عَلَى رِوَايَةِ الْأَصْلِ دُونَ رِوَايَةِ الْحَسَنِ قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ فِي الْآجَالِ فِي الْأَيْمَانِ) أَيْ وَكَمَا تَدْخُلُ الْغَايَةُ فِي الْجُمْلَةِ فِي مَسْأَلَةِ الْخِيَارِ عِنْدَهُ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَعْنَى تَدْخُلُ الْآجَالَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْأَيْمَانِ أَيْضًا بِأَنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا إلَى رَجَبٍ أَوْ إلَى رَمَضَانَ أَوْ إلَى الْغَدِ فِي الْجُمْلَةِ عِنْدَهُ أَيْضًا فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْهُ لِذَلِكَ الْمَعْنَى فَإِنَّ مُطْلَقَ كَلَامِهِ يَقْتَضِي التَّأْبِيدَ فَيَكُونُ ذِكْرُ الْغَايَةِ لِإِخْرَاجِ مَا وَرَائِهَا.
وَلَا تَدْخُلُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَنْهُ وَهُوَ قَوْلُهُمَا لِأَنَّ فِي حُرْمَةِ الْكَلَامِ وَوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بِالْكَلَامِ فِي مَوْضِعِ الْغَايَةِ شَكًّا كَذَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ رحمه الله وَلِأَنَّ الْكَلَامَ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ لَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ وَالتَّأْبِيدَ بَلْ مُطْلَقُهُ يَتَنَاوَلُ أَدْنَى مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ كَاسْمِ الصِّيَامِ يَتَنَاوَلُ أَدْنَى الْإِمْسَاكِ وَاقْتِضَاؤُهُ لِلتَّأْبِيدِ فِي قَوْلِهِ لَا أُكَلِّمُ بِالْعَارِضِ وَهُوَ وُقُوعُهُ فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ لَا بِأَصْلِ الْوَضْعِ فَكَانَ عِنْدَنَا فِي حُكْمِ الْغَايَةِ لِأَنَّ كَوْنَ الْغَايَةِ لِلْمَدِّ أَوْ لِلْإِسْقَاطِ بِالنَّظَرِ إلَى أَصْلِ الْوَضْعِ
وَقَالَ فِي قَوْلِهِ لِفُلَانٍ عَلَيَّ مِنْ دِرْهَمٍ إلَى عَشْرَةٍ لَمْ يَدْخُلْ الْعَاشِرُ لِأَنَّ مُطْلَقَ الِاسْمِ لَا يَتَنَاوَلُهُ وَقَالَا يَدْخُلُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقَائِمٍ بِنَفْسِهِ وَكَذَلِكَ هَذَا فِي الطَّلَاقِ وَإِنَّمَا دَخَلَتْ الْغَايَةُ الْأُولَى لِلضَّرُورَةِ. .
ــ
[كشف الأسرار]
لَا بِاعْتِبَارِ الْعَوَارِضِ فَكَانَ ذِكْرُ الْغَايَةِ لِمَدِّ الْحُكْمِ بِالنَّظَرِ إلَى أَصْلِ الْوَضْعِ لَا لِلْإِسْقَاطِ فَلَا تَدْخُلُ الْغَايَةُ تَحْتَ الْجُمْلَةِ كَمَا لَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَأُكَلِّمَنَّ فُلَانًا إلَى اللَّيْلِ أَوْ إلَى الْغَدِ بِخِلَافِ اسْمِ الْيَدِ فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْعُضْوِ الْمَعْلُومِ بِأَصْلِ الْوَضْعِ فَيَكُونُ ذِكْرُ الْغَايَةِ لِلْإِسْقَاطِ. وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَكَذَلِكَ فِي الْآجَالِ وَالْأَيْمَانِ وَفِي بَعْضِهَا فِي الْآجَالِ وَفِي الْأَيْمَانِ وَفِي بَعْضِهَا وَفِي الْأَثْمَانِ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَكُلُّ ذَلِكَ سَهْوٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ إنْ اتَّصَلَ بِالْجَمِيعِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ فِي الْآجَالِ رِوَايَتَانِ وَإِنْ اتَّصَلَ بِالْأَخِيرِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْآجَالُ دَاخِلَةً فِي الْجُمْلَةِ عِنْدَ رِوَايَةٍ وَاحِدَةٍ وَكُلُّ ذَلِكَ فَاسِدٌ لِأَنَّ الْأَجَلَ فِي الدَّيْنِ وَالْبَيْعِ الْمُؤَجَّلِ وَالْإِجَارَةِ لَا يَدْخُلُ فِي الْجُمْلَةِ بِالِاتِّفَاقِ. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَفِي الْآجَالِ وَالْإِجَارَاتِ لَا يَدْخُلُ الْغَايَةُ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ لَا يَقْتَضِي التَّأْبِيدَ وَفِي تَأْخِيرِ الْمُطَالَبَةِ وَتَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ فِي مَوْضِعِ الْغَايَةِ شَكٌّ فَثَبَتَ أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ النُّسَخِ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا قَوْلُهُ (وَقَالَ) أَيْ أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله فِي قَوْلِهِ لِفُلَانٍ عَلَيَّ مِنْ دِرْهَمٍ إلَى عَشْرَةٍ لَمْ يَدْخُلْ الدِّرْهَمُ الْعَاشِرُ فِي الْوُجُوبِ فَيَلْزَمُهُ تِسْعَةٌ لِأَنَّ مُطْلَقَ اسْمِ الدِّرْهَمِ لَا يَتَنَاوَلُ الْعَاشِرَ فَيَكُونُ ذِكْرُهُ لِمَدِّ الْوُجُوبِ إلَيْهِ فَلَا يَدْخُلُ.
وَقَالَا تَدْخُلُ الْغَايَةُ الْأَخِيرَةُ كَالْأُولَى. لِأَنَّهُ أَيْ الْعَاشِرَ لَيْسَ بِقَائِمٍ بِنَفْسِهِ إذْ لَا تَحَقُّقَ لِلْعَاشِرِ إلَّا بِوُجُودِ تِسْعَةٍ أُخْرَى قَبْلَهُ كَمَا لَا تَحَقُّقَ لِلْأَوَّلِ إلَّا بِوُجُودِ ثَانٍ بَعْدَهُ فَلَا يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَايَةً مَا لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا وَذَلِكَ بِالْوُجُوبِ. وَكَذَلِكَ هَذَا فِي الطَّلَاقِ يَعْنِي مَا ذَكَرْنَا مِنْ دُخُولِ الْغَايَةِ الْأُولَى دُونَ الْأَخِيرَةِ عِنْدَهُ وَدُخُولُ الْغَايَتَيْنِ عِنْدَهُمَا ثَابِتٌ فِي قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى ثَلَاثٍ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الدَّلِيلِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ فِي بَعْضِ نُسْخَةٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هُمَا يَقُولَانِ أَنَّهُ جَعَلَ الْمَشْرُوعَ غَايَةً فَلَا بُدَّ مِنْ وُجُودِهِ لِيَصْلُحَ غَايَةً وَوُجُودُهُ بِوُقُوعِهِ وَثُبُوتِهِ.
وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ أَنَّهُ أَوْقَعَ طَلَاقًا مَوْصُوفًا بِوَصْفٍ أَنَّهُ بَيْنَ الْأُولَى وَالثَّالِثَةِ فَلَا يَقَعُ حَتَّى يُوجَدَ إذْ وُجُودُهُمَا بِوُقُوعِهِمَا فَإِذَا وَقَعَا لَمْ يَرْتَفِعَا بَعْدَ ذَلِكَ فَلِهَذَا اقْتَضَى دُخُولُهُمَا فِي الْمُغَيَّا وَإِنَّمَا دَخَلَتْ الْأُولَى أَيْ الْغَايَةُ الْأُولَى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِلضَّرُورَةِ وَهِيَ أَنَّهُ إنَّمَا أَوْقَعَ مَا بَيْنَ الْأُولَى وَالثَّالِثَةِ بِنَصِّهِ فَيَكُونُ ثَانِيَةً وَالثَّانِيَةُ عَلَى حَقِيقَتِهَا لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا بِالْأُولَى فَاقْتَضَى ذَلِكَ دُخُولَ الْأُولَى لِتَصِيرَ هِيَ ثَانِيَةً وَلَمْ يَقْتَضِ دُخُولَ الثَّالِثَةِ لِأَنَّ الثَّابِتَةَ ثَانِيَةٌ بِلَا ثَالِثَةٍ فَعَمِلْنَا بِالْغَايَةِ الْأُولَى عَلَى مَجَازِهَا عَمَلًا بِحَقِيقَةِ الثَّانِيَةِ لِأَنَّهَا هِيَ الْوَاقِعَةُ وَالْحُكْمُ الْمَطْلُوبُ بِهَذَا الْإِيجَابِ فَكَانَ طَلَبُ حَقِيقَتِهِ أَوْلَى مِنْ طَلَبِ حَقِيقَةِ الْغَايَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَانِيَةً فَإِنَّهَا تَقَعُ وَاحِدَةً لِأَنَّ الثَّانِيَةَ تَلْغُو وَلَمْ يُمْكِنْ إثْبَاتُهَا بِالْوَاحِدَةِ قَبْلَهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَجْرِ لَهَا ذِكْرٌ يَحْتَمِلُ الثُّبُوتَ وَالطَّلَاقُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِلَفْظٍ وَقَدْ جَرَى فِي مَسْأَلَةِ الْغَايَةِ مَا يَحْتَمِلُ الثُّبُوتَ لِأَنَّ الْغَايَةَ قَدْ تَدْخُلُ فِي الْجُمْلَةِ إذَا قَامَ دَلِيلُهُ أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ قَالَ لِآخَرَ كُلْ مِنْ هَذَا الطَّعَامِ إلَى عَشْرِ لُقُمَاتٍ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ اللُّقْمَةَ الْعَاشِرَةَ وَلَوْ قَالَ اشْتَرِ لِي عَبْدًا إلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ دَخَلَ الْأَلْفُ وَكَذَلِكَ الْكَفَالَةُ عَنْ رَجُلٍ إلَى أَلْفِ لِأَنَّ دَلَالَةَ الْحَالِ دَلَّتْ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَكْفُلُ إلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ إلَّا وَهُوَ رَاضٍ بِتَمَامِهَا وَكَذَا الشِّرَاءُ وَكَذَا إبَاحَةُ الطَّعَامِ فَإِنَّهُ قَلَّ مَا يَجْرِي الضِّمْنُ بِلُقْمَةٍ وَاحِدَةٍ فَأَمَّا الطَّلَاقُ فَدَلَالَةُ الْحَالِ تَمْنَعُ الدُّخُولَ لِأَنَّ الرَّجُلَ يَحْتَرِزُ عَنْ الثَّالِثَةِ أَشَدَّ الِاحْتِرَازِ.
وَكَذَا الْإِقْرَارُ