الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الحادى عشر
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما، قَالَ: قَضَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِالعُمْرَى لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ (1).
وَفِي لَفْظٍ: "مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ، فَإنَّها لِلَّذِي أُعْمِرَهَا، لَا تَرْجِعُ إلَى الَّذِي أَعْطَاهَا؛ لأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ المَوَارِيثُ"(2).
وَقَالَ جَابِرٌ: إِنَّما العُمْرَى الَّتِي أَجَازَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: أَنْ يَقُولَ: هِيَ لَكَ وَلِعَقِبِكَ، فَأَمَّا إِذَا قَالَ: هِيَ لَكَ مَا عِشْتَ، فَإنَّها تَرْجِعُ إِلَى صَاحِبِهَا (3). وَفِي
(1) * تَخْرِيج الحَدِيث:
رواه البخاري (2482)، كتاب: الهبة، باب: ما قيل في العمرى والرقبى، واللفظ له، ومسلم (1625/ 25)، كتاب: الهبات، باب: العمرى، وأبو داود (3550)، كتاب: الإجارة، باب: في العمرى، والنسائي (3750 - 3751)، كتاب: الهبة، باب: اختلاف يحيى بن أبى كثير ومحمد بن عمرو على أبي سلمة فيه.
(2)
رواه مسلم (1625/ 20)، (3/ 1245)، كتاب: الهبات، باب: العمرى، وأبو داود (3553)، كتاب: الإجارة، باب: من قال فيه ولعقبه، والنسائي (3740)، كتاب: العمرى، باب: ذكر الاختلاف على الزهري فيه، والترمذي (1350)، كتاب: الأحكام، باب: ما جاء في العمرى، وابن ماجة (2385)، كتاب: الهبات، باب: العمرى.
(3)
رواه مسلم (1625/ 23)، كتاب: الهبات، باب: العمرى، وأبو داود (3555) كتاب: الإجارة، باب: من قال فيه ولعقبه. =
لَفْظٍ: "أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ، وَلَا تُفْسِدُوهَا، فَإنَّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى، فَهِيَ لِلَّذِي أُعْمِرَهَا حَيًّا ومَيِّتًا، وَلِعَقِبِه"(1).
* * *
(عن) أبي عبد الله (جابرِ بنِ عبد الله رضي الله عنهما، قال: قضى النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالعُمْرَى) -بضم العين المهملة وسكون الميم، مقصورًا- مأخوذة من العمر.
قال في "المطلع": قال أبو السعادات: يقال: أعمرتُه الدارَ عُمرى؛ أي: جعلتها له يسكنها مدة عمره، فإذا ماتَ، عادت إليَّ، كذا كانوا يفعلونه في الجاهلية، فأبطل ذلك النبيُّ صلى الله عليه وسلم، وأعلمهم أن من أعمرَ شيئًا وأرقبه في حياته، فهو لورثته من بعده (2).
وفي "شرح البخاري" للبدر العيني: العُمْرَى -بضم العين المهملة وسكون الميم، مقصورًا، وحكي بضم العين والميم جميعًا، وبفتح العين وسكون الميم-.
(1) رواه مسلم (1625/ 26)، كتاب: الهبات، باب: العمرى.
* مصَادر شرح الحَدِيث:
"معالم السنن" للخطابي (3/ 174)، و"الاستذكار" لابن عبد البر (7/ 238)، و"عارضة الأحوذي" لابن العربي (6/ 99)، و"إكمال المعلم" للقاضي عياض (5/ 355)، و"المفهم" للقرطبي (4/ 592)، و"شرح مسلم" للنووي (11/ 69)، وشرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (3/ 221)، و"العدة في شرح العمدة" لابن العطار (3/ 1210)، و"فتح الباري" لابن حجر (5/ 239)، و"عمدة القاري" للعيني (13/ 179)، و"إرشاد الساري" للقسطلاني (4/ 364)، و"سبل السلام" للصنعاني (3/ 91)، و"نيل الأوطار" للشوكاني (6/ 118).
(2)
انظر: "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (3/ 298). وانظر: "المطلع على أبواب المقنع" لابن أبي الفتح (ص: 291).
وقال ابنُ سيده: العُمْرى: مصدرٌ، كالرُّجْعى، وأصلها مأخوذ من العمر، والرقبى: بوزن العُمْرى، كلاهما على وزن فُعْلَى (1)، وأصل الرقبى من المراقبة (2).
قال في "المطلع": أرقبتكها؛ أي: أعطيتكها رقبى.
قال ابن [الـ] قطاع: أرقبتك: أعطيتك الرقبى، وهي هبة ترجع إلى المُرْقِب إن ماتَ المُرْقَب، وقد نَهَى عنه، والفاعل منهما مُعْمِر ومُرْقِب -بكسر الميم والقاف-، والمفعول -بفتحهما- (3).
وقد روى النسائي بإسناد صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفًا: العمرى والرقبى سواء (4)؛ يعني: في الحكم.
(لمن وُهبت)؛ أي: العمرى، وكذا الرقبى (له)؛ أي: حكمَ صلى الله عليه وسلم بصحة هبة العمرى للشخص الذي وُهبت له.
قال علماؤنا ومن وافقهم: لا يصح توقيت الهبة، كقوله: وهبتك هذا سنة، إلا العمرى والرقبى، وهما نوعان من أنواع الهبة يفتقران إلى ما يفتقر إليه سائر الهبات، كقوله: أعمرتك هذه الدار، أو الفرس، أو الجارية، أو أرقبتكها، أو جعلتها لك عمرك، أو حياتك، أو ما حَييتَ، أو ما عشتَ، أو نحو هذا، أو عمرى، أو رقبى ما بقيت، أو أعطيتكها عمرك، ويقبلُها، فتصح، وتكون للمُعْمَر -بفتح الميم-، ولورثتِه من بعده لتَصريحه.
وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي في العمرى، فقالوا: إن كان له ورثه،
(1) انظر: "المحكم" لابن سيده (2/ 106)، (مادة: عمر).
(2)
انظر: "عمدة القاري" للعيني (13/ 178).
(3)
انظر: "المطلع على أبواب المقنع" لابن أبي الفتح (ص: 291 - 292).
(4)
رواه النسائي (3711)، كتاب: الرقبى، باب: الاختلاف على أبي الزبير.
سواء قال المعمِر للمعمَر: هي لك ولعقبك، أو أطلق، فإن لم يكن له وارث، فلبيت المال، ولا تعود إلى معمِر (1).
وفي "البخاري": أعمرتُه الدارَ، فهي عمرى: جعلتُها له (2).
قال أبو عبيد: العمرى: أن يقول الرجل للرجل: داري لك عمرَكَ، أو يقول: داري هذه لك عمري (3)، فإن قال ذلك، وسلّمها إليه، كانت للمعمَر، ولم ترجع إليه؛ أي: المعمِر إن مات، وكذا إذا قال: أعمرتك هذه الدار، وجعلتُها لك حياتَك، أو ما بقيتَ، ونحو ذلك (4).
(وفي لفظٍ) عند مسلم من حديث جابرٍ رضي الله عنه: (من أعمر عمرى له ولعقبه) بأن قال مثلًا: أعمرتك داري هذه لك ولعقبك، (فإنها)؛ أي: العُمرى للشخص (الذي أُعمرها)، وهو المعمَر -بفتح الميم- (لا ترجع إلى الذي أعطاها) بعد موت المعمَر (لأنه) أي: المعمِر -بكسر الميم- (أعطى) المعمَر -بفتحها- (عطاء) ملكه مدةَ حياته، وبعد موته (وقعت فيه)؛ أي: في ذلك الشيء المعطى (المواريثُ).
وقد روى سعيد: حدَّثنا هشيم، أنبأنا حميد، حدثنا الحَسن: أنَّ رجلًا أعمر فرسًا حياته، فخاصمه بعد ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم:"من ملك شيئًا حياته، فهو لورثته بعده"(5).
(1) انظر: "الإقناع" للحجاوي (3/ 107).
(2)
انظر: "صحيح البخاري"(2/ 925).
(3)
انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد (2/ 77).
(4)
انظر: "عمدة القاري" للعيني (13/ 178).
(5)
وقد رواه سعيد بن منصور في "سننه"(1/ 114)، من قول شريح رحمه الله.
قال في "الفروع": حديث: "من ملك شيئًا حياته، فلورثته بعد موته" نقله الإمام أحمد والترمذي (1).
قال البدر العيني في "شرح البخاري": العمرى على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يقول: أعمرتُكَ هذه الدَّار، فإذا متَّ، فهي لعقبكَ، أو ورثتكَ، فهذه صحيحة عند عامّة العلماء.
ونقل النووي أنَّه لا خلاف في صحتها (2)، وإنما الخلاف هل يملك الرقبة أو المنفعة فقط؟
الثاني: ألا يذكر ورثتَهُ، ولا عقبَهُ، بل يقول: أعمرتك هذه الدار، وجعلتُها لك، أو نحوَ هذا، ويطلق، ففيها أربعة أقوال: أصحها: الصحة له ولورثته من بعده، وهو قول الشافعي في "الجديد"، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد، وسفيان الثوري، وأبو عُبَيد، وآخرون.
وقال الشافعي في "القديم": إنها لا تصحّ؛ لأنَّه تمليك مؤقت، أشبه ما لو وهبه أو باعه إلى وقتٍ معين، وحكي عنه في "القديم" -أيضًا-: أما تصح، وتكون للمعمَر في حياته فقط، فإذا ماتَ، رجعت إلى المعمِر، أو إلى ورثته إن كان قد مات.
وقيل: إنَّها عارِيَّة يستردها المعمِر متى شاء، فإذا مات، عادت إلى ورثته.
الثالث: ألَّا يذكر العقب، ولا الورثة، ولا يقتصر على الإطلاق، بل يقول: فإذا متَّ، رجعت إليَّ، أو إلى ورثتي إن كنتُ متُّ، فهي الرقبى (3).
(1) انظر: "الفروع" لابن مفلح (4/ 485).
(2)
انظر: "شرح مسلم" للنووي (11/ 70).
(3)
انظر: "عمدة القاري" للعيني (13/ 178).
قال علماؤنا ومن وافقهم: وإن اشترط رجوعها بلفظ الإِرقاب وغيره إلى المعمِر -بكسر الميم- عند موته، أو إليه إن مات قبله، أو إلى غيره، فهي الرقبى، أو رجوعها مطلقًا، أو إلى ورثته، أو قال: هي لآخرنا موتًا، صحَّ العقد دون الشرط، وتكون للمعمَر -بفتح الميم-، ولورثته من بعده كالأوله، ولا ترجع إلى المعمِر والمرقِب (1)، وهذا هو الأصح عند الشافعية.
قال: الإمام عون الدين صدر الوزراء أبو المظفر بن هبيرة: وأما الرقبى، فحَكَمَ بها حُكمَ العمرى: الشّافعيُّ، وأحمدُ، وهي أن يقول: أرقَبتُك داري، أو جعلتها لك حياتك، فإن متَّ قبلي، رجعتْ إليَّ، وإن متُّ قبلك، رجعتْ إليك.
وقال: أبو حنيفة ومالك: الرقبى باطلة.
إِلَّا أنَّ أبا حنيفة قال: تبطل المُطْلَقة دون المقيدة، وصفة المطلقة عنده: أن يقول: هذه الدار رقبى، انتهى (2).
تنبيه:
قال: الإمام مالكٌ في العمرى: هي تمليكُ المنافع، وإذا مات المعمَر، رجعت العمرى؛ يعني: للمعمِر -بكسر الميم-، وإن ذكر في الإعمار عقبَه، رجعت إليهم، فإذا انقرض عقبُه، رجعتْ إلى المعمِر، فإذا أطلق، لم ترجع إليهم، بل إلى المعمِر، فإن لم يكن المعمِر موجودًا، عادت إلى ورثته، نقله ابنُ هبيرة في "خلاف الأئمة"(3).
(1) انظر: "الإقناع" للحجاوي (3/ 107).
(2)
انظر: "الإفصاح" لابن هبيرة (2/ 61).
(3)
المرجع السابق، الموضع نفسه.
قال: البدر العيني: وأما الرقبى، فهي أن يقول الرَّجل للرجل: أرقبتُكَ داري، إن متُّ قبلك، فهي لك، وإن متَّ قبلي، فهي لي، وهو مشتق من الرقوب، فكأن كل واحد منهما يترقب موتَ صاحبه (1).
وقال: أبو عيسى الترمذي: ذهب أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم أنَّ الرقبى جائزة مثل العمرى، قال: وهو قول أحمد، وإسحاق.
وفرق بعض أهل العلم من أهل الكوفة وغيرهم بين العمرى والرقبى، فأجازوا العمرى، ولم يجيزوا الرقبى (2).
وقال صاحب "الهداية" من الحنفية: والرقبى باطلة عند أبي حنيفة، ومحمد، ومالك.
وقال: أبو يوسف: جائزة (3)، وبه قال الشّافعيّ، وأحمد (4).
(وقال جابر) أيضًا رضي الله عنه: (إنما العُمْرَى التي أجازها النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أن يقول) المعمِر -بكسر الميم- للمعمَر -بفتحها-: (هي)؛ أي: (لعمرى (لك) مدّةَ حياتك (ولعقبِك) بعد وفاتك.
(فأما إذا قال) له: (هي لكَ ما عشتَ)؛ أي: مدّة عَيشِكَ، ونحوه، (فإنها)؛ أي: العمرى والحالةُ هذه (ترجع إلى صاحبها)؛ يعني: المعمِر -بكسر الميم-.
واعلم: أن مسلمًا قد روى حديث جابر بألفاظٍ مختلفةٍ، وأسانيدَ متباينة، ولم يخرج البخاري عن جابر في العمرى سوى اللفظ الأول،
(1) انظر: "عمدة القاري" للعيني (13/ 179).
(2)
انظر: "سنن الترمذي"(3/ 633).
(3)
انظر: "الهداية شرح بداية المبتدي" للمرغيناني (3/ 230).
(4)
انظر: "عمدة القاري" للعيني (13/ 179).
فروى مسلم عنه: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أيُّما رجلٍ أعمرَ عمرى له ولعقبه، فإنَّها للذي أُعطيها" الحديث (1).
وعنه قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من أعمر رجلًا عُمْرى له ولعقبه، فقد قطع [قولُه] حقّهُ فيها، وهي لمن أُعمر ولِعَقبِهِ"(2).
وعنه -أيضًا-: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أيما رجل أعمرَ رجلًا عمرى له ولِعَقِبِهِ، فقال: قد أعطيتُكها وعقبَكَ ما بقي منكم أحدٌ، فإنَّها لمن أُعطيها وعقبه، وإنَّها لا ترجع إلى صاحبها، من أجل أنَّه أعطاها عطاءً وقعتْ فيه الموَريثُ"(3).
وعنه: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى فيمن أعمرَ عمرى له ولعقبه، فهي له بَتْلَةٌ (4) لا يجوز للمعطي فيها شرط ولا ثُنيا. قال أبو سلمة بنُ عبد الرحمن بنِ عوف: لأنَّه أعطى عطاء وقعتْ فيه المواريثُ، فقطعت المواريثُ شرطه (5).
(وفي لفظٍ) من حديث جابر، لمسلم ممّا أخرجه من رواية أبي الزبير عن جابر، يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال:(أَمسكوا عليكم أموالكم، ولا تُفسدوها) بإعمارها لغيره (فإنّه)؛ أي: الشأن والأمر (مَنْ أعمرَ عُمرى فهي)؛ أي: العمرى التي أعمرها لغيره ملكٌ للشخص (الذي أُعْمِرها) -بضم الهمزة وسكون العين المهملة مبنيًا للمجهول- (حيًّا وميّتًا)، يعني: أنّها تكون بعد
(1) تقدم تخريجه عند مسلم برقم (1625/ 20).
(2)
رواه مسلم (1625/ 21)، كتاب: الهبات، باب: العمرى.
(3)
تقدّم تخريجه عند مسلم برقم (1625/ 22).
(4)
بَتْلَةٌ أي: عطية ماضية غير راجعة إلى الواهب، كما في "شرح مسلم" للنووي (11/ 71).
(5)
رواه مسلم (1625/ 24)، كتاب: الهبات، باب: العمرى.
موته تركةً له كسائر مخلّفاته، (و) إذا كانت من جملة مخلّفاته، فهي (لِعَقِبِهِ) من بعده على حسب الإرث الشرعي.
وعنه: قال: جعل الأنصار يُعْمِرون المهاجرين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أَمسكوا عليكم أموالكم"، فذكره (1).
وعن أبي الزبير عن جابر، قال: أَعمرت امرأة بالمدينة حائطًا لها ابنًا لها، ثم تُوفي، وتُوفيت بعده، وترك ولدًا له، وله إخوة وبنون للمعمِرة، فقال ولد المعمِرة: رجع الحائط إلينا، وقال بنو المعمر؛ أي: -بفتح الميم-: بل كان لأبينا حياته وموته، فاختصموا إلى طارق مولى عثمان، فدعا جابرًا، فشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرى لصاحبها، فقضى بذلك طارق، ثم كتب إلى عبد الملك، فأخبره بذلك، وأخبره بشهادة جابر، فقال عبد الملك: صدق جابر، فأمضى ذلك طارق بأنّ ذلك الحائط لبني المعمَر حتى اليوم (2).
وغير ما ذكرنا من الألفاظ.
وبمجموع ما ذكرنا احتجّ الجمهور على أنَّ المعمَر -بفتح الميم- يملك العمرى ملكًا تامًا يتصرف فيها تصرُّفَ المُلاّك، واشترطوا فيها القبض على أُصولهم في الهبات (3)، نعم، روي عن الإمام أحمد رضي الله عنه عدمُ وطء الجارية المعمرة، فقد نقل يعقوب وابن هانىء عن الإمام أحمد: من يعمر الجارية أيطأُ؟ قال: لا أراه، وحمله القاضي على الورع (4).
(1) رواه مسلم (1625/ 27)، كتاب: الهبات، باب: العمرى.
(2)
رواه مسلم (1625/ 28)، كتاب: الهبات، باب: العمرى.
(3)
انظر: "عمدة القاري" للعيني (13/ 180).
(4)
انظر: "الفروع" لابن مفلح (4/ 485).
قال في "المغني": عن الإمام أحمد في الرجل يعمر الجارية: فلا أرى له وطأها، قال: القاضي: لم يتوقف أحمد عن وطء الجارية لعدم الملك فيها، لكن على طريق الورع؛ لأن الوطء استباحة فرج، وقد اختلف في صحة العمرى، وجعلها بعضهم تمليك المنافع، فلم يحيى له وطأها، لهذا، ولو وطئها، كان جائزًا (1).
وذهب القاسم بن محمّد، ويزيد بن قسيط، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والليث بن سعد، ومالك: إلى أنَّ العمرى جائزة، ولكنها
ترجع إلى الذي أعمرها، واحتّجوا لذلك بقوله عليه السلام:"المسلمون عند شروطهم" أخرجه أبو داود، والطحاوي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه (2).
وأجاب عنه الطحاوي: بأنّ هذا محمول على الشروط التي قد أباح الكتاب اشتراطها، وجاءت بها السنة، وأجمع عليها المسلمون، وما نَهَى عنه الكتاب، ونهت عنه السنّة، فهو غير داخل في ذلك، ألا ترى أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث بَريرة:"كل شرط ليس في كتاب الله، فهو باطل، وإن كان مئة شرط"(3)؟.
(1) انظر: "المغني" لابن قدامة (5/ 402).
(2)
رواه أبو داود (3594)، كتاب: الأقضية، باب: في الصلح، والطحاوي في "شرح معاني الآثار"(4/ 90)، واللفظ له.
(3)
تقدم تخريجه. وانظر: "شرح معاني الآثار" للطحاوي (4/ 90)، و"عمدة القاري" للعيني (13/ 180)، وعنه نقل الشارح رحمه الله.