المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الحديث الرابع عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ - كشف اللثام شرح عمدة الأحكام - جـ ٥

[السفاريني]

فهرس الكتاب

- ‌الحديث الخامس

- ‌باب الرهن وغيره

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌الحديث التاسع

- ‌الحديث العاشر

- ‌الحديث الحادى عشر

- ‌الحديث الثاني عشر

- ‌الحديث الثالث عشر

- ‌باب اللقطة

- ‌باب الوصايا

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌كتاب الفرائض

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌كتاب النكاح

- ‌الحديث الأول

- ‌بَابِ

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌الحديث التاسع

- ‌الحديث العاشر

- ‌الحديث الحادي عشر

- ‌الحديث الثاني عشر

- ‌الحديث الثالث عشر

- ‌باب الصداق

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌كتاب الطلاق

- ‌الحديث الأول

- ‌ باب:

- ‌الحديث الثاني

- ‌باب العدة

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌كتاب اللعان

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌كتاب الرضاع

- ‌الحديث الأول

الفصل: ‌ ‌الحديث الرابع عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ

‌الحديث الرابع

عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ ابْنَتِي تُوُفِّي عَنْهَا زَوْجُها، وَقَدِ اشْتكتْ عَيْنُهَا، أَفَتَكْحُلُهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"لَا"، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، كلُّ ذَلِكَ يَقُولُ:"لَا"، ثُمَّ قَالَ:"إِنَّما هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرُ لَيَالٍ، وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ في الجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الحَوْلِ".

قَالَتْ زينَبُ: كَانَتِ المَرْأَةُ إِذَا تُوُفيِّ عَنْهَا زَوْجُهَا، دَخَلَتْ حِفْشًا، وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا، وَلَمْ تَمَسَّ طِيبًا، وَلَا شَيْئًا حَتَّى تَمُرَّ بها سَنَةٌ، ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّهٍ، حِمَارٍ أَوْ شَاةٍ أَوْ طَيْرٍ، فَتَفْتَضُّ بهِ، فَقَلَّ ما تَفْتَضُّ بشَيءٍ إلَّا مَاتَ، ثُمَّ تَخْرُجُ، فَتُعْطَى بَعْرَةً، فَتَرْمِي بِهَا، ثُمَّ تُرَاجِعُ بَعْدُ مَا شَاءَتْ مِنْ طِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ (1).

الحِفْشُ: البيت الصغير، وتفتضُّ: تدلك به جسدها.

(1) * تَخْرِيج الحَدِيث:

رواه البخاري (5024)، كتاب: الطلاق، باب: تحد المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرًا، ومسلم (1488)، كتاب: الطلاق، باب: وجوب الإحداد في عدة الوفاة، وتحريمه في غير ذلك، إلا ثلاثة أيام، وأبو داود (2299)، كتاب: الطلاق، باب: إحداد المتوفى عنها زوجها، والنسائي (3533)، كتاب: الطلاق، باب: ترك الزينة للحادة المسلمة دون =

ص: 509

(عن أم سلمة) هند بنت أبي أمية أم المؤمنين (رضي الله عنهما قالت: جاءت امرأة)، زاد النسائي من طريق الليث عن حميد بن نافع من قريش (1)، وسماها ابن وهب في "موطئه"، وأخرجه إسماعيل القاضي في "أحكامه" من طريق عاتكة بنت نعيم بن عبد الله، وأخرجه ابن وهب عن أبي الأسود النوفلي، عن القاسم بن محمّد، عن زينب، عن أمها أم سلمة: أن عاتكة بنت نعيم بن عبد الله جاءت (2)(إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم) تستفتيه (فقالت: يا رسول الله! إنّ ابنتي) لم تسمِّ البنت، قاله الحافظ في "الفتح"(3)، وكذا لم يسمّها البرماوي في "مبهمات العمدة" (توفي) أي: مات (عنها زوجها). قال في "الفتح": وكانت ابنتها تحت المغيرة المخزومي، قال: ولم أقف على اسم أبي المغيرة المخزومي، قال: وقد

= اليهودية والنصرانية، و (3538)، باب: النهي عن الكحل للحادة، والترمذي (1197)، كتاب: الطلاق، باب: ما جاء في عدة المتوفى عنها زوجها، وابن ماجه (2084)، كمَاب: الطلاق، باب: كراهية الزينة للمتوفى عنها زوجها.

* مصَادر شرح الحَدِيث:

"معالم السنن" للخطابي (3/ 286)، و"الاستذكار" لابن عبد البر (6/ 229)، و"عارضة الأحوذي" لابن العربي (5/ 173)، و"إكمال المعلم" للقاضي عياض (5/ 70)، والمفهم" للقرطبي (4/ 282)، و"شرح مسلم" للنووي (10/ 113)، و"شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (4/ 63)، و"العدة في شرح العمدة" لابن العطار (3/ 1345)، و"النكت على العمدة" للزركشي (ص: 287)، و"فتح الباري" لابن حجر (9/ 485)، و"عمدة القاري" للعيني (21/ 3)، و"إرشاد الساري" للقسطلاني (8/ 188)، و"نيل الأوطار" للشوكاني (7/ 92).

(1)

رواه النسائي (3540)، كتاب: الطلاق، باب: النهي عن الكحل للحادة.

(2)

انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 488). وانظر: "غوامض الأسماء المبهمة" لابن بشكوال (1/ 353).

(3)

انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 488).

ص: 510

أغفله ابن منده في الصحابة، وكذا أبو موسى فى الذّيل عليه، وكذا ابن عبد البر لكن استدركه ابن فتحون عليه (1)، انتهى.

وقال البرماوي: لم يذكر في "التجريد" المغيرة سوى أنه قال: المغيرة بن أبي شهاب المخزومي، وقال: إن مولده في الثانية من الهجرة، أو قبلها، وهو مجهول (2)، انتهى.

قال: فينبغي أن يكشف عن المغيرة المتوفّى عن زوجته مَنْ هو، انتهى كلام البرماوي.

(وقد اشتكت عينُها)، قال ابن دقيق العيد: يجوز فيه وجهان -ضم النون على الفاعلية على أن تكون العين هي المشتكية، وفتحها على أن يكون في اشتكت ضمير الفاعل يعود على المرأة، وعينها مفعول، ورجح هذا، ووقع في بعض الروايات: عيناها (3)، وهي ترجح الضم وهذه الرواية في مسلم كما في "الفتح"(4)، وعلى الضم اقتصر النووي (5)، والذي رجّح الأول هو المنذري (6). (أفتكحُلها) -بضم الحاء المهملة-.

(فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا)(مرتين) يكرر لا (أو ثلاثًا) من المرات (كل ذلك يقول) عليه الصلاة والسلام: (لا) أي لا تكتحل.

قال النووي: فيه دليل على تحريم الاكتحال على الحادّة سواء احتاجت

(1) المرجع السابق، الموضع نفسه.

(2)

انظر: "تجريد أسماء الصحابة" للذهبي (2/ 91).

(3)

انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (4/ 63).

(4)

انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 488).

(5)

انظر: "شرح مسلم" للنووي (10/ 113).

(6)

انظر: "مختصر السنن" للمنذري (3/ 198).

ص: 511

إليه أم لا، وجاء في حديث أم سلمة في الموطأ وغيره:"اجعليه بالليل، وامسحيه بالنهار"(1).

ووجه الجمع: أما إذا لم تحتج إليه لا يحل، وإذا احتاجت إليه لم يجز بالنهار، ويجوز بالليل مع أنّ الأولى تركه، فإن فعلت مسحته بالنهار، قال: وتأوّل بعضهم الحديث على أنه لم يتحقق الخوف على عينها (2).

وتعقب بأن في "الصحيحين"، فخافوا على عينها (3)، وفي رواية عند ابن منده:[و](4) رمدت رمدًا شديدًا وقد خشيت على بصرها، وفي رواية قال: الطبراني: أنها قالت: في المرة الثانية أما تشتكي عينها فوق ما يظن، فقال: لا (5)، وفي رواية القاسم بن أصبغ أخرجها ابن حزم: إني أخشى أن تنفقأ عينها، قال: لا، وإن انفقأت (6)، وسنده صحيح.

وبمثل ذلك أفتت أسماء بنت عميس، أخرجه ابن أبي شيبة (7).

وفي "الموطأ": أن صفية بنت أبي عبيد اشتكت عينها، وهي حاد على زوجها ابن عمر، فلم تكتحل حتى كادت عيناها ترمصان (8)، قال في "جامع الأصول": رمصت العين إذا حصل فيها ذلك الوسخ الذي يجتمع فيها، فإن

(1) تقدم تخريجه.

(2)

انظر: "شرح مسلم" للنووي (10/ 114).

(3)

رواه مسلم (1488/ 60).

(4)

[و] ساقطة من "ب".

(5)

رواه الطبراني في "المعجم الأوسط"(8628).

(6)

رواه ابن حزم في "المحلى"(10/ 276).

(7)

لم أقف عليه في "مصنفه". وانظر "فتح الباري" لابن حجر (9/ 488).

(8)

رواه الإمام مالك في "الموطأ"(2/ 599).

ص: 512

سأل فهو غمص، وإن جمد فهو رمص (1)، انتهى.

وقال في "المطالع": ترمصان -بصادٍ مهملة وفتح الميم وضمها- كذا قيّدناه، ومعناه تقذيان، والرمص: القذى الذي تقذفه العين، فيجتمع في مآقيها وبين أهدابها، قال: ورواه الطباع عن مالك -بضاد معجمة- من الرمض وهو شدة الحر، والأول هو المعروف (2)، انتهى.

ولهذا قال مالك في رواية عنه: تمنعه، أي: تمنع الحادّة الكحلَ مطلقًا، وعنه: يجوز إذا خافت على عينها بما لا طيب فيه وبه قال الشافعية: مقيدًا بالليل (3).

وتقدم في الحديث المار ما ذكره في "الهدي"، وقوله فيه: أن النظر يشهد لذلك؛ لأن المضطر إلى شيء لا يحكم له بحكم المترفِّه المتزيِّن، وليس الدواء والتداوي من الزينة في شيء، وإنما نهيت الحادّ عن الزينة لا عن التداوي، وأم سلمة أعلم بما روت مع صحته في النظر، وعليه أهل الفقه، وبه قال مالك والشّافعيّ وأكثر الفقهاء، وقد ذكر مالك في "الموطأ": أنه بلغه عن سالم بن عبد الله، وسليمان بن يسار أنهما كانا يقولان في المرأة يتوفى عنها زوجها: أما إذا خشيت على بصرها من رمدٍ بعينها، أو شكوى إصابتها أما تكتحل وتداوى بالكحل ولو كان فية طيب (4).

قال أبو عمر ابن عبد البر: لأن القصد التداوي لا التطيب، والأعمال

(1) انظر: "جامع الأصول" لابن الأثير (8/ 160).

(2)

وانظر: "مشارق الأنوار" للقاضي عياض (1/ 291).

(3)

انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 488).

(4)

رواه الإمام مالك في "الموطأ"(2/ 599).

ص: 513

بالنيات، وقال: الشّافعيّ: يصفرّ فيكون زينة، وليس بطيب وهو كحل الجلا، فأذنت أم سلمة للمرأة بالليل حيث لا يرى، وتمسحه بالنهار حيث يرى، وكذلك ما أشبهه (1).

وقال: الإمام الموفق في "المغني": إنما تمنع الحادّة من الكحل بالإثمد؛ لأنه الذي يحصل به الزينة، وأما الكحل بالتوتياء والعنزروت ونحوهما فلا بأس به -كما تقدم-، فإنه لا زينة فيه، بل يفتح العين ويزيدها مرهًا، قال: ولا تمنع من جعل الصبر على غير وجهها من بدنها؛ لأنه إنما منع منه في الوجه لأنه يصفره فيشبه الخضاب (2)، وقد قيل لأبي عبد الله يعني: الإمام أحمد: المتوفى عنها تكتحل بالإثمد؟ قال: لا، ولكن إن أرادت اكتحلت بالصبر إذا خافت على عينها، أو شَكَتْ شكوى شديدة (3)، انتهى.

(إنما هي أربعة أشهر وعشر ليالٍ) وفي لفظ: وعشرًا (4) -بالنصب- على حكاية [لفظ](5) القرآن.

قال: ابن دقيق العيد: فيه إشارة إلى تقليل المدة بالنسبة لما كان قبل ذلك، وتهوين المدة عليها (6)، ولهذا قال:(وقد كانت إحداكنَّ) معشر النساء إذا توفي عنها زوجها (في الجاهلية) قبل الإسلام، وإنما قيده بالجاهلية للإشارة بأن الحكم في الإسلام صار بخلافه، وهو كذلك بالنسبة إلى ما وصف بأن إحداهن كانت (ترمي بالبعرة على رأس الحول) وقد كان

(1) انظر: "التمهيد" لابن عبد البر (17/ 320).

(2)

انظر: "المغني" لابن قدامة (8/ 126).

(3)

انظر: "زاد المعاد" لابن القيم (5/ 704 - 705).

(4)

تقدم تخريجه عند البخاري برقم (5024).

(5)

[لفظ] ساقطة من "ب".

(6)

انظر "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (4/ 64).

ص: 514

في صدر الإسلام بنص قوله -تعالى-: {مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ} [البقرة: 240]، ثم نسخت بالآية التي قبل وهي أن:{يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} [البقرة: 234].

قال حميد بن نافع -راوي الحديث-: قلت لزينب بنت أبي سلمة: وما ترمي بالبعرة على رأس الحوله (1) أي: بَيِّنِي لي المراد بهذا الكلام الذي خوطبت به هذه المرأة؛ (قالت زينب:) بنت أبي سلمة رضي الله عنها: (كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها، دخلت حِفشًا) -بكسر الحاء المهملة وسكون الفاء وبعدها شين معجمة-، فسره أبو داود في روايته عن مالك بالبيت الصغير (2)، وعند النسائي من طريق ابن القاسم عن مالك: الحِفش: الخُصُّ -بضم الحاء المعجمة فصادٌ مهملة (3) - وهو أخص من الذي قبله.

وقال: الشّافعيّ: الحفش: البيت الذليل الشعث البناء (4) وقيل: هو شيء من خوص يشبه القفه تجمع فيه المعتدة متاعها من غزل ونحوه، وظاهر سياق القصة يأبى هذا خصوصًا في رواية شعبة في "الصحيحين" قد كانت إحداكن تمكث في شرّ أحلاسها أو شرّ بيتها (5).

وفي رواية النسائي: عمدت إلى شرّ بيت لها فجلست فيه (6).

قال في "الفتح": ولعل الحفش ما ذكر ثم استعمل في البيت الصغير الحقير على طريق الاستعارة، والأحلاس: جمع حِلس -بكسر الحاء

(1) تقدم تخريجه عند البخاري برقم (5024).

(2)

انظر: "سنن أبي داود"(2/ 290)، عقب حديث (2299) المتقدم تخريجه.

(3)

انظر: "سنن النسائي"(6/ 201)، عقب حديث (3533) المتقدم تخريجه.

(4)

انظر: "مسند الشافعي"(ص: 300)، و"الأم" له أيضًا (5/ 231).

(5)

تقدم تخريجه عند البخاري برقم (5025).

(6)

تقدم تخريجه عند النسائي برقم (3540).

ص: 515

وبالسين المهملتين بينهن لام- ثوب أو كساء رقيق يكون تحت البرذعة، والمراد أن الراوي شك في أي اللفظين وقع وصف ثيابها، أو وصف مكانها، وجمع بينهما في هذا الحديث (1)، فلهذا قالت زينب:(ولبست) الحادّة (شرّ ثيابها) فتجمع بين شرّ الثياب وشرّ المكان الذي هو البيت الذي تأوي إليه، (ولم تمسَّ) في كلّ مدة الإحداد (طيبًا ولا شيئًا) مما يبيض وجهها، أو بحمرة وبجنسها من نحو أَسْفِيْداج (2) العرائس، أو أن تجعل عليه صبرًا يصفره ونحوه (3)، ولا تزال كذلك (حتى تمر بها)، وفي لفظ: لها (سنة) كاملة (ثم) بعد مضي السنة (تُؤتى) المرأة الحادّة (بدابةٍ) -بالتنوين- (حمارٍ) -بالجر والتنوين- على البدل من دابة (أو شاة أو طير) أو هذه للتنويع لا الشك، وإطلاق الدابة على ما ذكرٍ بطريق الحقيقة اللغوية (فتفتضُّ به) -بفاء فمثناة فوقية فضاد معجمة ثقيلة- فسره مالك رضي الله عنه، في آخر الحديث بما فسره المصنف فيما يأتي من قوله: تدلك به جسدها، ولفظ مالك: تمسح به جلدها (4)، وأصل الفض الكسر؛ أي: تكسر ما كانت فيه وتخرج منه بما تفعله بالدابة، ووقع في روايةٍ للنسائي:(تقبص) -بقاف فموحدة فصاد مهملة خفيفة- وهي رواية الشّافعيّ (5)، والقبص: الأخذ بأطراف الأنامل.

(1) انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 489).

(2)

الأسفيداج: هو رماد الرصاص، معرب. انظر:"القاموس المحيط" للفيروزأبادي (ص: 248).

(3)

انظر: "الإقناع" للحجاوي (4/ 17).

(4)

تقدم تخريجه عند البخاري برقم (5044).

(5)

رواه الإمام الشافعي في "مسنده"(ص: 300). ولم أقف عليه في رواية النسائي، ولعله تصحف في المطبوع.

ص: 516

قال الأصبهاني وابن الأثير: هو كناية عن الإسراع أي: تذهب [بعدوٍ](1) وسرعة إلى منزل أبويها، لكثرة حيائها لقبح منظرها (2) أو لشدة شوقها إلى التزويج لبعد عهدها به، والباء في قوله: به سببيّة، قال الحافظ ابن حجر في "الفتح": والضبط الأول أشهر (3)، قال ابن قتيبة: سألت الحجازيين عن الافتضاض؟ فذكروا أنّ المعتدّة كانت لا تمس ماء ولا تقلم ظفرًا ولا تزين شعرًا، ثم تخرج بعد الحول بأقبح منظر ثم تفتض أي: تكسر ما فيه من العدة بطائر تمسح به قبلها وتنبذه فلا يكاد يعيش ما تفتض به (4).

قال في "الفتح": وهذا لا يخالف تفسير مالك لكنه أخص منه؛ لأنه أطلق الجلد وتبين أن المراد به جلد القبل.

قال ابن وهب: معناه أنها تمسح بيدها على الدابة وعلى ظهره. وقيل: المراد تمسح به (5). وهذا الظاهر يدل عليه قولها (فَقَلَّ مَا) ما موصول حرفي تسبك مع ما بعدها بمصدر.

(تفتض)؛ أي: افتضاضها (بشيء) من طير أو نحوه (إلا مات) لتمسُّحِا به، والافتضاض: الاغتسال بالماء العذب لإزالة الوسخ، وإرادة النقاء حتى تصير بيضاء نقية كالفضة، ومن ثم قال الأخفش: معناه: تتنظّف، فتنقّى من الوسخ النقاء، فتشبه الفضة في نقائها وبياضها، والغرض بذلك الإشارة إلى إهلاك ما هي فيه، وجوّز الكرماني أن تكون الباء في قوله:"فتفتض به"

(1)[بعدوٍ] ساقطة من "ب".

(2)

انظر: "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (4/ 5).

(3)

انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 489).

(4)

انظر: "غريب الحديث" لابن قتيبة (2/ 496).

(5)

انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 489).

ص: 517

للتعدية، أو تكون زائدة؛ أي: تفتض الطائر، بأن تكسر بعضَ أعضائه، ورده في "الفتح"(1)(ثم تخرج) مما هي فيه، (فتعُطى) بالبناء للمجهول (بَعْرَةً) -بفتح الموحدة وسكون العين المهملة-، ويجوز فتحُها (فترمي بها) في رواية مطرف، وابن الماجشون عن مالك: ترمي ببعرة من بعر الغنم أو الإبل، فترمي بها أمامها، فيكون ذلك إحلالًا لها.

وفي رواية ابن وهب: ترمي ببعرة من بعر الغنم من وراء ظهرها (2).

ووقع في رواية شعبة الآتية: فإذا كان حوله، فمر كلب، رمت ببعرة، وظاهره أن رميها البعرة يتوقف على مرور كلب، سواء طال زمن انتظار مروره، أم قصر، وبه جزم بعض الشراح، وقال: ترمي بها من عرضَ من كلب أو غيره، ترى من حصرها أن مقامها حولًا أهونُ عليها من بعرة ترمي بها كلبًا أو غيره.

وقال عياض: يمكن الجمع بأن الكلب إذا مرّ، افتضت به، ثم رمت البعرة (3)، واستبعده في "الفتح"، قال: واختلف في المراد برمي البعرة، فقيل: هو إشارة إلى أنها رمت العدّة رميَ البعرة، وقيل: إشارة إلى أن الفعل الذي فعلته، من التربُّص، والصبر على البلاء الذي كانت فيه، لما انقضى، كان عندها بمنزلة البعرة التي رمتها، استحقارًا له، وتعظيمًا لحق زوجها، وقيل: بل ترميها على سبيل التفاؤل، لعدم عودها إلى مثل ذلك (4)، (ثم) بعدَ صنيعها الأشياءَ المذكورةَ (تراجع بعدُ) بالبناء على

(1) المرجع السابق، (9/ 490).

(2)

انظر: "التمهيد" لابن عبد البر (17/ 322).

(3)

انظر: "إكمال المعلم" للقاضي عياض (5/ 70).

(4)

انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 490).

ص: 518

الضم؛ أي: بعد ما تقدم (ما شاءت من طيب) بسائر أنواعه (أو غيره) مما يحمر الوجه، ومن أنواع ثياب الزينة، واستعمال الحلي والكحل والخضاب، وكل ما يدعو إلى نكاحها ويحسنها من أنواع الزينة والتجمل (1).

قال الحافظ المصنف -رحمه الله تعالى ورضي عنه-: (الحفش) -بكسر الحاء المهملة وسكون الفاء وبالشين المعجمة-: (البيت الصغير) كما تقدم الكلام عليه عند ذكره، (و) قوله:(تفتض)؛ أي: (تدلك به)؛ أي: بالحمار، أو ما عطف عليه ونحو ذلك (جسدَها) كما بيّنا ذلك، والله -تعالى- أعلم.

تنبيه:

ظاهر صنيعه كما في "الصحيحين" وغيرهما أن القصة غير مسندة، بل من كلام زينب، وفي "الصحيحين" ما يدل على أنها من المرفوع، لكنه باختصار، ففيهما عن حميد عن زينب، عن أمها أم سلمة رضي الله عنهما: أن امرأة توفي عنها زوجها، فخشوا على عينها، فأتوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فاستأذنوه في الكحل، فقال:"لا تكتحل، قد كانت إحداكن تمكث في شر أحلاسها، أو شر بيتها، فإذا كان حول، فمر كلب، رمت ببعرة، فلا تكتحل حتى تمضي أربعة أشهر وعشر"(2).

وفي رواية عند النسائي من حديث أم حبيبة وأم سلمة: أنه صلى الله عليه وسلم قال: "قد كانت إحداكن في الجاهلية إذا تُوفي عنها زوجُها، أقامت سنة، ثم قذفت

(1) انظر: "الإقناع" للحجاوي (4/ 17).

(2)

تقدم تخريجه عند البخاري برقم (5025).

ص: 519

خلفها ببعرة، ثم خرجت" الحديث (1)، والذي في "الصحيحين" من كون القصة من مرفوع أم سلمة من رواية شعبة، وهو من أحفظ الناس، فلا يُقْضَى على روايته برواية غيره بالاحتمال، قاله في "الفتح"، ثم قال: ولعلّ الموقوف منه الزيادة التي ليست في رواية شعبة (2)، والله أعلم.

(1) رواه النسائي (3541)، كتاب: الطلاق، باب: النهي عن الكحل للحادة.

(2)

انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 489).

ص: 520