الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الأول
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "يَا مَعْشَرَ الشَّ
بَابِ
! مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ، فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ" (1).
(1) * تَخْرِيج الحَدِيث:
رواه البخاري (1806)، كتاب: الصوم، باب: الصوم لمن خاف على نفسه العزوبة، و (4778)، كتاب: النكاح، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من استطاع منكم الباءة فليتزوج"، و (4779)، باب: من لم يستطع الباءة فليصم، ومسلم (1400/ 1 - 4)، كتاب: النكاح، باب: استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤنه، وأبو داود (2046)، كتاب: النكاح، باب: التحريض على النكاح، والنسائي (2239 - 2243)، كتاب: الصيام، باب: ذكر الاختلاف على محمد بن أبي يعقوب في فضل الصائم، و (3207 - 3211)، كتاب: النكاح، باب: الحث على النكاح، والترمذي (1081)، كتاب: النكاح، باب: ما جاء في فضل التزويج والحث عليه، وابن ماجة (1845)، كتاب: النكاح، باب: ما جاء في فضل النكاح.
* مصَادر شرح الحَدِيث:
"معالم السنن" للخطابي (3/ 179)، و"إكمال المعلم" للقاضي عياض (4/ 521)، و"المفهم" للقرطبي (4/ 80)، و"شرح مسلم" للنووي (9/ 172)، و"شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (4/ 22)، و"العدة في شرح العمدة" لابن العطار (3/ 1249)، و"طرح التثريب" للعراقي (7/ 2)، و"فتح الباري" لابن حجر (9/ 107)، و"عمدة القاري" للعيني (10/ 254)، =
(عن) أبي عبد الرحمن (عبدِ الله بنِ مسعود رضي الله عنه) تقدّمت ترجمته في أول كتاب الصلاة، (قال) ابن مسعود رضي الله عنه:(قال لنا)، وفي لفظ: لقد قال لنا (1)(رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا معشر) وفي رواية: لقد كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم شبابًا، فقال لنا (2)، وفي لفظٍ: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم شبابًا لا نجد شيئًا، فقال لنا (3).
والمعشر: جماعة يشملهم وصفٌ ما.
قال في "القاموس": المعشر، كمسكن: الجماعة، وأهل الرجل، والجن والإنس، انتهى (4).
(الشباب) جمع شاب، ويجمع -أيضًا- على شَبَبَة، وشُبان -بضم أوله، والتثقيل-، وذكر الأزهري أنه لم يجمع فاعل على فعال غيره، وأصله: الحركة والنشاط، وهو اسم لمن بلغ إلى أن يكمل ثلاثين، هكذا أطلق الحنابلة والشافعية (5).
وقال: القرطبي "في المفهم": يقال له: حدث ستة عشر سنة، ثم شاب إلى اثنتين وثلاثين سنة، ثم كهل (6).
= و"إرشاد الساري" للقسطلاني (8/ 5)، و"سبل السلام" للصنعاني (3/ 109)، و"نيل الأوطار" للشوكاني (6/ 225).
(1)
تقدم تخريجه عند البخاري برقم (4778)، وعند مسلم برقم (1400/ 1).
(2)
رواه ابن حبان في "صحيحه"(4026)، والطبراني في "المعجم الأوسط"(1163).
(3)
تقدم تخريجه عند البخاري برقم (4779).
(4)
انظر: "القاموس المحيط" للفيروزأبادي (ص: 566)، (مادة: عشر).
(5)
انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 108).
(6)
لم أقف عليه عند القرطبي في "المفهم"، والله أعلم.
وكذا ذكر الزمخشري في الشاب أنه من لدن البلوغ إلى اثنتين وثلاثين سنة.
وقال ابن شاش المالكي في "الجواهر"(1): إلى الأربعين.
وقال النووي: الأصح المختار أن الشاب: من بلغ، ولم يجاوز الثلاثين (2).
قال علماؤنا: ثم هو من الثلاثين إلى الخمسين كهل (3).
وقال النووي: من الثلاثين كهل إلى أن يجاوز الأربعين، ثم عند علمائنا من الخمسين إلى السبعين شيخ، ثم هرم (4).
وقال الرُّوياني من الشافعية، وطائفة، من جاوز الثلاثين يسمى شيخًا.
قال ابن قتيبة: إلى أن يبلغ الخمسين.
وقال أبو إسحاق الإسفراييي: المرجع في ذلك إلى اللغة، وأما بياض الشعر، فيختلف باختلاف الأمزجة (5).
(من استطاع منكم) خصّ الشباب بالخطاب؛ لأنّ الغالب وجود قوّة الداعي فيهم إلى النكاح، بخلاف الشيوخ، وإن كان المعنى معتبرًا إذا وجد
(1) هو كتاب: "الجواهر الثمينة على مذهب عالم المدينة" في الفروع، للإمام عبد الله بن محمد بن نجم بن شاس المالكي، المتوفى سنة (616 هـ)، وضعه على ترتيب "الوجيز" للغزالي، والمالكية عاكفة عليه، لكثرة فوائده. انظر:"كشف الظنون" لحاجي خليفة (1/ 613).
(2)
انظر: "شرح مسلم" للنووي (9/ 173).
(3)
انظر: "دليل الطالب" للشيخ مرعي (ص: 184 - 185).
(4)
المرجع السابق، الموضع نفسه.
(5)
انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 108).
السبب في الكهول والشيوخ -أيضًا- (1).
(الباءة) بالهمز وتاء التأنيث ممدود، وفيها لغة أخرى بغير همزٍ ولا مد، وقد تهمز وتمد بلا هاء، ويقال أيضًا: الباهة كالأول، لكن بهاء بدل الهمزة، وقيل: بالمد: القدرة على مؤن النكاح، وبالقصر: الوطء (2).
قال الخطابي: المراد بالباءة: النِّكاح، وأصله: الموضع الّذي يتبوَّؤه ويأوي إليه (3).
وقال المازري: اشتق العقد على المرأة من أصل الباءة؛ لأن من ضمان من يتزوج أن يبوِّئها منزلًا.
وقال النووي: اختلف العلماء في المراد بالباءة هنا على قولين يرجعان إلى معنى واحد: أصحهما: أن المراد: معناها اللغوي، وهو الجماع، فتقديره: من استطاع منكم الجماع، لقدرته على مؤنه، وهي مون النكاح، فليتزوج، وعلى هذا القول وقع الخطاب مع الشباب الذين هم مظنة شهوة النساء، ولا ينفكون عنها غالبًا.
والقول الثاني: أن المراد بالباءة هنا مؤن النكاح، سميت باسم ما يلازمها، وتقديره: من استطاع منكم مؤن النكاح، فليتزوج، ومن لم يستطع، فليصم، ليدفع شهوته، والذي حمل القائلين بهذا على ما قالوا قوله:"ومن لم يستطع فعليه بالصوم"، فإنّ العاجز عن الجماع لا يحتاج إلى كسر شهوته بالصوم، فوجب حمل الباءة على المؤن (4)، وانفصل
(1) المرجع السابق، الموضع نفسه.
(2)
المرجع السابق، الموضع نفسه.
(3)
انظر: "معالم السنن" للخطابي (3/ 179).
(4)
انظر: "شرح مسلم" للنووي (9/ 173).
القائلون بالأول عن ذلك بالتقدير المذكور، وهذا التعليل للمازري (1)، وأجاب عنه القاضي عياض بأنه لا يبعد أن تختلف الاستطاعتان، فيكون المراد بقوله:"من استطاع الباءة"؛ أي: بلغ الجماع، وقدر عليه، فليتزوج، ويكون قوله:"ومن لم يستطع"؛ أي: من لم يقدر على التزويج (2).
وقد جاء في رواية عن الترمذي: "ومن لم يستطع منكم الباءة"(3).
وعند أبي عوانة: "من استطاع منكم أن يتزوج، فليتزوج"(4).
وعند النسائي: "من كان ذا طول، فلينكح"(5)، ومثله لابن ماجة من حديث عائشة (6).
والحاصل: أنّه صلى الله عليه وسلم قسّم الشباب إلى قسمين: قسم يتوقون إلى الجماع، ولهم اقتدار عليه، فندبهم إلى التزويج، دفعًا للمحذور، بخلاف الآخرين، وهم الذين لا قدرة لهم على الزواج، إمّا لعدم اقتدارهم على الجماع، أو لعدم اقتدارهم على مؤن النكاح، فندبهم إلى أمر تستمر به حالتهم؛ لأن ذلك أرفق بهم، للعلّة التي ذكرت في بعض روايات الحديث، وهي أنهم كانوا لا يجدون شيئًا.
(1) انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 108).
(2)
انظر: "إكمال المعلم" للقاضي عياض (4/ 522).
(3)
تقدم تخريجه عند الترمذي برقم (1081).
(4)
كذا عزاه إليه الحافظ ابن حجر في "الفتح"(9/ 108).
(5)
تقدم تخريجه عند النسائي برقم (2243، 3206) إلا أنه قال: "فليتزوج" بدل "فلينكح".
(6)
رواه ابن ماجة (1846)، كتاب: النكاح، باب: ما جاء في فضل النكاح.
ويستفاد منه: أنّ الذي لا يجد أهبة النكاح، وهو تائق إليه، يندب له التزويج، دفعًا للمحذور (1). (فليتزوج) دفعًا للمحذور، وتحصيلًا للمصلحة، فإنّ الله -سبحانه- اختار النكاح لأنبيائه ورسله، فقال:{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً} [الرعد: 38]، وقال في حقِّ آدم:{وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} [الأعراف: 189]، واقتطع من زمن كليمه
موسى عليه السلام عشر سنين في رعاية الغنم مهر الزوجة، ومعلوم مقدار هذه السنين العشر في نوافل العبادات، واختار لنبيّه وحبيبه محمدٍ صلى الله عليه وسلم أفضلَ الأشياء، فلم يحب له تركَ النكاح، بل زوّجه بعدة نساء، حتى إنه ماتَ عن تسعة من النساء، ولا هدي فوق هديه، ولو لم يكن في النكاح إلّا سرور النبي صلى الله عليه وسلم يوم المباهاة بأمَّته، وأنّ الناكح لا ينقطع عمله بموته، وأنه يخرج من صلبه من يشهد لله بالوحدانية، ولرسوله بالرسالة، لكفاه (2).
وقد نبه صلى الله عليه وسلم على بعض فوائد النِّكاح بقوله: (فإنه)؛ أي: التزويج، (أغَضُّ)؛ أي: أشدُّ غضًا (للبصر) عن إطلاقه فيما لا يحل له.
قال في "النهاية": غضَّ طرفه؛ أي: كسره، وأطرق، ولم يفتح عينه (3).
وقال ابن هشام: غضُّ الطرف: عبارة عن ترك التحديق واستيفاء النظر، فتارةً يكون ذلك؛ لأن في الطرف كسرًا وفتورًا خلقيين، وهو المراد بقول كعب:
غَضِيضُ الطَّرْفِ مَكْحُولُ (4)
(1) انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 109).
(2)
انظر: "بدائع الفوائد" لابن القيم (3/ 679 - 680).
(3)
انظر: "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (4/ 371).
(4)
انظر: "ديوانه"(ص: 84)، (ق 23/ 2).
وتارةً يكون القصد الكفّ عن التأمل، حياءً من الله ورسوله، ووقوفًا على حدود الشرع، وهو المراد في قوله -تعالى-:{قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} [النور: 30].
وقد روى الطبراني من حديث ابن مسعود رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني: عن ربه عز وجل: "النظرة سهمٌ مسموم من سهام إبليس، من تركها من مخافتي، أبدلته إيمانًا يجد حلاوته في قلبه"(1).
ورواه الحاكم من حديث حذيفة، وصححه (2).
وأخرج الإمام أحمد عن أبي أمامة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: "ما من مسلم ينظر إلى محاسن امرأة، ثم يغضُّ بصرَه، إلّا أحدث الله له عبادة يجدُ حلاوتها في قلبه"(3).
ورواه الطبراني، إلا أنه قال:"ينظر إلى امرأة أول رمقة"(4)، والبيهقي، وقال: إنما أراد، إن صح، والله أعلم: أن يقع بصره عليها من غير قصد، فيصرف بصره عنها تورعًا (5).
(وأَحْصَنُ)، أي: أشدُّ إحصانًا (للفرج)، ومنعًا من الوقوع في الفاحشة.
قال ابن دقيق العيد: قوله: "فإنّه أغضُّ للبصر وأحصن للفرج" يحتمل أمرين:
أحدهما: أن يكون (أفعل) فيه مما استعمل لغير المبالغة.
(1) رواه الطبراني في "المعجم الكبير"(10362).
(2)
رواه الحاكم في "المستدرك"(7875).
(3)
رواه الإمام أحمد في "المسند"(5/ 264).
(4)
رواه الطبراني في "المعجم الكبير"(7842).
(5)
انظر: "شعب الإيمان" للبيهقي (5431).
والثاني: أن تكون على بابها؛ فإنّ التقوى سببٌ لغض البصر وتحصين الفرج، وفي معارضتها الشهوة والداعي إلى النكاح، وبعدَ النكاح يضعف هذا المعارض، فيكون أغضَّ للبصر، وأحصنَ للفرج مما إذا لم يكن، فإنّ وقوع الفعل مع ضعف الداعي إلى وقوعه أندرُ من وقوعه مع وجود الداعي (1).
قال ابن القيّم في "بدائع الفوائد" في الاستدلال على أنّ النكاح أفضلُ من التخلي لنوافل العبادات: ولو لم يكن فيه إلّا تعديل قوته الشهوانية الصارفة له عن تعلق قلبه بما هو أنفع له في دينه ودنياه، فإن تعلّق القلب بالشهوة، ومجاهدته عليها، تصده عن تعلّقه بما هو أنفع له، فإنّ الهمة متى انصرفت إلى شيء، انصرفت عن غيره، ولو لم يكن فيه إلّا غضُّ بصره، وإحصان فرجه عن التفاته إلى ما حرّم الله، مع تحصينِ امرأةٍ يُعفها الله به، ونيّته على قضاء وطره ووطرها، فهو في لذّاته وصحائف حسناته تتزايد مع
ما يثاب عليه من نفقته على امرأته، وكسوتها وسكنها، ورفع اللقمة إلى فيها، مع تكثير الإسلام وأهله، وغيظ أعداء الدين، يعني: لكفاه (2).
(ومن لم يستطع)؛ أي: ومن لم يقدر على ذلك (فعليه بالصوم) اعترضه بعض المدققين بأنه إغراء الغائب، قال: فلا يجوز دونه زيدًا، أو لا عليه زيدًا عند إرادة غير المخاطب، وإنما جاز للحاضر، لما فيه من دلالة الحال، بخلاف الغائب، فلا يجوز، لعدم حضوره ومعرفته بالحالة الدّالة على المراد، وقد جاء شاذًا قول بعضهم: عليه رجلًا يسبني، على جهة الإغراء، وأجاب عياض بأن المثال ما فيه حقيقة الإغراء، وإن كانت
(1) انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (4/ 23).
(2)
انظر: "بدائع الفوائد" لابن القيم (3/ 680).
صورته، فلم يرد تبليغ الغائب، وإنما أراد الإخبار عن نفسه، كقولهم: إليك عنا؛ أي: اجعل شغلك بنفسك، ولم يرد أن يغريه به، وإنما مراده: دعني وكن لمن شغل عني.
وأما الحديث، فليس فيه إغراء الغائب، بل الخطاب للحاضرين الذين خاطبهم أولًا بقوله:"من استطاع منكم"، فالهاء في قوله:"فعليه" ليست للغائب، وإنما هي للحاضر المبهم، لا يصحّ خطابه بالكاف، ونظير هذا قوله:{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [البقرة: 178]، إلى أن قال:{فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} [البقرة: 178]، ومثله لو قلت لاثنين: من قدم منكما، فله درهم، فالهاء للمبهم من المخاطبين، لا للغائب، انتهى ملخصًا (1)، وقد استحسنه القرطبي (2).
قال في "الفتح": وهو حسن بليغ، وقد تفطن له الطيبي، فقال: قال أبو عبيد: قوله: "فعليه بالصوم" إغراء غائب، ولا تكاد العربُ تُغري إلّا الشاهد، تقول: عليك زيدًا، إلّا في هذا الحديث (3)، وجوابه: أنّه لمّا كان الضمير الغائب راجعًا إلى لفظة: "من"، وهي عبارة عن المخاطبين في قوله:"يا معشر الشباب! "، وبيان لقوله:"منكم"، جاز قوله:"عليه"؛ لأنه بمنزلة الخطاب.
قال في "الفتح": وأجاب بعضهم: بأن إيراد هذا اللفظ، في مثالٍ إغراء الغائب باعتبار اللفظ وجواب عياض باعتبار المعنى، وأكثر كلام العرب
(1) انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 109).
(2)
انظر: "المفهم" للقرطبي (4/ 84 - 85).
(3)
انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد (2/ 75).
اعتبار اللفظ، كذا قال (1)، والحق مع عياض، فإن الألفاظ توابع للمعاني، ولا معنى لاعتبار اللفظ مجردًا هنا، انتهى (2).
وإنما قال: "بالصوم"، ولم يقل: بالجوع وقلة ما يثير الشهوة ويستدعي طغيان الماء من الطعام والشراب، لأجل تحصيل العبادة المشروعةن إذ هي برأسها مطلوبة.
وفيه إشارة إلى أنّ أصل مشروعية الصوم لأجل كسر الشهوة (3).
(فإنه)؛ أي: الصوم (له)؛ أي: لمن لم يستطع النكاح (وِجَاء) -بكسر الواو والمد-، أصله الغمز، ومنه: وجأ في عنقه: إذا غمزه دافعًا له، ووجأه بالسيف: إذا طعنه به، ووجأ أنثييه: غمزهما حتى رضهما (4).
ووقع في رواية ابن حبّان: "فإنه له وجاء، وهو الإخصاء"(5).
قال: الحافظ ابن حجر في "شرح البخاري": وهي زيادة مُدرجة في الخبر، لم تقع إلّا في طريق زيد بن أبي أنيسة، وتفسيرُ الوجاء بالإخصاء فيه نظر، فإن الوجاء رضُّ الأنثيين، والإخصاء سلبُهما، وإطلاق الوِجاء على الصيام من مجاز المشابهة (6).
وقال أبو عبيد: قال بعضهم: وَجاء -بفتح الواو- مقصورًا، والأول أكثر (7).
(1) انظر: "إكمال المعلم" للقاضي عياض (4/ 525).
(2)
انظر: "فتح البارى" لابن حجر (9/ 110).
(3)
المرجع السابق، الموضع نفسه.
(4)
المرجع السابق، الموضع نفسه.
(5)
رواه ابن حبان في "صحيحه"(4026).
(6)
انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 110).
(7)
انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد (2/ 74).
وقال أبو زيد: لا يقال وجاء إلّا فيما لم يبرأ، وكان قريب العهد بذلك.
واستدل بهذا الحديث على أنّ من لم يستطع الجماع، فالمطلوب منه تركُ التزويج؛ لأنه أرشده إلى ما ينافيه ويضعف دواعيه، وأطلق بعضهم أنه يُكره في حقّه (1).
تنبيهات:
الأول: تعتري النكاحَ الأحكامُ الخمسة، فيجب على ذي شهوة يخاف الزنى من رجل وامرأة، علمًا أو ظنًا، ويقدم حينيذٍ على حجٍّ واجب، نصّ عليه الإمام أحمد (2)، وبه قال أبو عوانة الإسفراييني من الشافعية، وصرح به في "صحيحه"، ونقله المصعبي في "شرح مختصر الجويني" وجهًا، وهو قول داود وأتباعه.
قال الحافظ ابن حجر في "شرح البخاري": المشهور عن الإمام أحمد أنه لا يجب على القادر التائق إلّا إذا خشي العنت، وعلى هذه الرواية اقتصر ابن هبيرة (3).
وعبارة "المقنع" بدل الزنى المحظور (4)، وهو أعم، فيشمل نحو الاستمناء باليد.
وقال المازري: الذي نطق به مذهب مالك: أنه مندوب، وقد يجب عندنا في حقِّ من لا ينكف عن الزنى إلا به (5).
(1) انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 110).
(2)
انظر: "الإقناع" للحجاوي (3/ 295).
(3)
انظر: "الإفصاح" لابن هبيرة (2/ 110).
(4)
انظر: "المغني" لابن قدامة (7/ 4).
(5)
انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 110).
وقال القرطبي: المستطيع الذي يخاف الضرر على نفسه ودينه من العزوبة، بحيث لا يرتفع عنه ذلك إلا بالتزويج، لا يختلف في وجوب التزويج عليه (1)، ونبه ابن الرفعة على صورة يجب فيها، وهي ما إذا نذره حيث كان مستحبًا (2).
قلت: وصرّح به علماؤنا.
وقال ابن دقيق العيد: قسم بعض الفقهاء النكاح إلى الأحكام الخمسة، وجعل الوجوب فيما إذا خاف العنت، وقدر على النكاح، وتعذر التسرِّي (3)، وكذا حكاه القرطبي عن بعض علمائهم، وهو المازري (4)، قال بالوجوب في حق من لا ينكف عن الزنا إلا به، كما قدمنا (5).
ويحرم النكاح بدار الحرب إلا لضرورةٍ، فإن كانت، لم يحرم، ما لم يكن أسيرًا عند كفار، فلا يتزوج ولو لضرورة لئلا يستعبد ولده، كذا علل الإمام أحمد رضي الله عنه، ولا يطأ زوجته إن كانت معه (6).
وفي "المغني": أما الأسير، فظاهر كلام الإمام أحمد: لا يحل له التزوج ما دام أسيرًا، وأما الذي يدخل بلادهم بأمان، كالتاجر ونحوه، فلا ينبغي له التزوج، فإن غلبت عليه الشهوة، أبيح له نكاح مسلمة، ولا يتزوج منهم، ويعزل وجوبًا حيث حرم، وإلا استحبابًا (7).
(1) انظر: "المفهم" للقرطبي (4/ 82).
(2)
انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 110).
(3)
انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (4/ 22).
(4)
انظر: "المفهم" للقرطبي (4/ 82).
(5)
انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 110 - 111).
(6)
انظر: "الإقناع" للحجاوي (3/ 295).
(7)
انظر: "المغني" لابن قدامة (9/ 235).
قال في "الغاية": ومقتضى تعليلهم جواز نكاح آيسة ونحوها (1).
قال ابن حجر في "شرح البخاري": والتحريم في حق من يخل بالوطء والإنفاق على الزوجة، مع عدم قدرته عليه، وعدم توقانه إليه.
قال: والكراهة في مثل هذا حيث لا إضرار بالزوجة، فإن انقطع بذلك عن شيء من أفعال الطاعة، من عبادة، أو اشتغالٍ بالعلم، اشتدّت الكراهة.
وقيل: الكراهة فيما إذا كان في حال العزوبة أجمع منه في حال التزويج، انتهى (2).
وقد قيل عندنا: إنّ النكاح لغير ذي شهوة مكروه، والمذهب خلافه، قال المكرهون له: إنما كُره لمنع من يتزوجها من التحصين بغيره، وإضرارها بحبسها على نفسه، وتعريض نفسه على واجبات وحقوق لعله لا يقوم بجميعها، ويشتغل عن العلم والعبادة بما لا فائدة له فيه (3).
وقد ذكرت في "شرح منظومة الآداب": أنه يفصل بين الفقير الذي لا يجد ما ينفق، وليس بذي كسب، وهو مع ذلك ليس بذي شهوة، فيُكره في حقه النكاح، لعدم قدرته على مؤنه، وعدم إحصانه لزوجته، مع عدم حاجته إليه.
ثم رأيت العلّامة تقي الدين بن قندس البعلي ذكر ذلك في "حواشي الفروع" رواية عن الإمام أحمد رضي الله عنه (4) -، وفي "الشرح على المقنع" لشمس الدين بن أبي عمر -قدّس الله روحه-: أن النكاح مطلوب
(1) انظر: "غاية المنتهى" للشيخ مرعي (5/ 8).
(2)
انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 111).
(3)
انظر: "المغني" لابن قدامة (7/ 5).
(4)
انظر: "حاشية ابن قندس على الفروع"(8/ 178).
في حقِّ من يمكنه التزويج، فأمّا من لم يمكنه، فقد قال -تعالى-:{وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور: 33]. انتهى.
ويسن لمن له شهوة، ولا يخاف الزنى، ولو فقيرًا، واشتغالُه به أفضل من التخلي لنوافل العبادة.
ويُباح لمن لا شهوة له، هكذا قال علماؤنا (1).
وفي "شرح البخاري" لابن حجر: أنّ الاستحباب فيما إذا حصل به معنى مقصودًا من كسر شهوةٍ، وإعفاف نفس، وتحصين فرج، ونحو ذلك.
قال: والإباحة فيما إذا انتفت الدواعي والموانع، ومنهم من استمر بدعوى الاستحباب فيمن هذه صفته، للظواهر الواردة في الترغيب فيه (2).
قال عياض: هو مندوب في حق كلّ من يرجى منه النسل، ولو لم يكن في الوطء شهوة، لقوله صلى الله عليه وسلم:"فإني مكاثر بكم الأمم"(3)، ولظواهر الحضّ على النكاح، والأمر به، وكذا في حقّ من له رغبة في نوعٍ من الاستمتاع بالنساء غير الوطء، فأما من لا ينسل، ولا أربَ له في النساء، ولا في الاستمتاعِ فهذا يباح في حقه إذا علمت المرأة بذلك، ورضيت.
(1) انظر: "غايه المنتهى" للشيخ مرعي (5/ 5 - 6).
(2)
انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 111).
(3)
رواه أبو داود (2050)، كتاب: النكاح، باب: النهي عن تزويج من لم يلد من النساء، والنسائي (3227)، كتاب: النكاح، باب: كراهية تزويج العقيم، من حديث معقل بن يسار رضي الله عنه.
وقد يقال: إنه مندوب -أيضًا-، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم:"لا رهبانية في الإسلام"(1).
وفي "الإحياء" للإمام الغزالي: من اجتمعت له فوائد النكاح، وانتفت عنه آفاته، فالمستحب في حقّه التزويج، ومن لا، فالتركُ له أفضل، ومن تعارض الأمر في حقه، فليجتهد، وليعمل بالراجح (2)، انتهى.
الثاني: الأحاديث الواردة في ذلك كثيرة، فأما حديث:"فإني مكاثرٌ بكم"، فصح من حديث أنس بلفظ:"تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثرٌ بكم يوم القيامة" أخرجه ابن حبان (3)، وذكره الشافعي بلاغًا عن ابن عمر بلفظ:"تناكحوا تكاثروا، فإني أباهي بكم الأمم"(4)، وللبيهقي من حديث أَبي أمامة:"تزوّجوا، فإني مكاثرٌ بكم الأمم، ولا تكونوا كرهبانية النصارى"(5).
وورد: "فإني مكاثرٌ بكم" عن عدّة من الصحابة، منهم: عائشة (6) ومعقل بن يسار (7)، وسهل بن حنيف (8)، وحرملة بن النعمان (9)
(1) سيأتي تخريجه قريبًا، وانظر:"مشارق الأنوار" للقاضي عياض (4/ 524).
(2)
انظر: "إحياء علوم الدين" للغزالي (2/ 53)، وانظر:"فتح الباري" لابن حجر (9/ 111).
(3)
رواه ابن حبان في "صحيحه"(4056).
(4)
ذكره الإمام الشافعي في "الأم"(5/ 144).
(5)
رواه البيهقي في "السنن الكبرى"(7/ 78).
(6)
رواه ابن ماجة (1846)، كتاب: النكاح، باب: ما جاء في فضل النكاح.
(7)
تقدم تخريجه قريبًا عند أبي داود والنسائي.
(8)
رواه الطبراني في "المعجم الأوسط"(5746).
(9)
رواه الدارقطني في "المؤتلف"، وأبن قانع في "معجم الصحابة"، كما عزاه =
وعياض بن غنم (1)، ومعاوية بن حيدة (2)، والصنابح بن الأعسر (3)، وغيرهم (4).
وأما حديث: "لا رهبانية في الإسلام"، فقال: الحافظ ابن حجر: لم أره بهذا اللفظ، لكن في حديث سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه عند الطبراني:"إنّ الله أبدلنا بالرهبانية الحنيفية السمحة"(5)، وعن ابن عباس رضي الله عنهما رفعه:"لا صَرورة في الإسلام" أخرجه الإمام أحمد، وأبو داود، وصححه الحاكم (6)، وفي "الباب" حديث النهي عن التبتل (7)، انتهى (8).
= الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير"(3/ 116).
(1)
رواه الطبراني في "المعجم الكبير"(1008)، وابن عدي في "الكامل في الضعفاء"(5/ 145)، والحاكم في "المستدرك"(5270).
(2)
رواه الطبراني في "المعجم الكبير"(19/ 416)، وابن حبان في "المجروحين"(2/ 111)، والعقيلي في "الضعفاء"(3/ 253)، والديلمي في "مسند الفردوس"(3514).
(3)
رواه الإمام أحمد في "المسند"(4/ 349)، والحميدي في "مسنده"(780)، وأبو يعلى في "مسنده"(1452)، وغيرهم.
(4)
انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 111).
(5)
رواه الطبراني في "المعجم الكبير"(5519).
(6)
رواه الإمام أحمد في "المسند"(1/ 312)، وأبو داود (1729)، كتاب: المناسك، باب: لا صرورة في الإسلام، والحاكم في "المستدرك"(1644).
(7)
رواه النسائي (3214)، كتاب. النكاح، باب: النهي عن التبتل، والترمذي (1082)، كتاب: النكاح، باب: ما جاء في النهي عن التبتل، وابن ماجه (1849)، كتاب: النكاح، باب: النهي عن التبتل، عن سمرة بن جندب رضي الله عنه.
(8)
انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 111).
وروى الطبراني بإسنادٍ حسن، والبيهقي، والدارمي من حديث أبي نجيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من كان موسرًا لأن ينكح، فلم ينكح، فليس مني"(1) جزم [البيهقي](2) بأنه مرسل، قال: وأبو نجيح تابعي، واسمه يسار -بالياء المثناة تحت-، وهو والد عبد الله بن أبي نجيح المكي.
قال الحافظ ابن حجر: قد أورد أبا نجيح [البغوي](3) في "معجم الصحابة"(4).
وفي "الصحيحين": "النكاح سنّتي، فمن رغب عن سنّتي، فليس مني"(5).
وأخرج الحاكم من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعًا: "من رزقه الله امرأة صالحة، فقد أعانه على شطر دينه، فليتقِ الله في الشطر الثاني"(6).
قال الحافظ ابن حجر: وهذه الأحاديث -وإن كان في الكثير منها ضعف-، فمجموعها يدلُّ على أنّ لِما يحصل به المقصودُ من الترغيب في التزويج أصلًا، ولاسيما في حقّ من يتأتّى منه النسل (7).
(1) رواه الطبراني في "المعجم الكبير"(22/ 366)، وفي "المعجم الأوسط"(989)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(7/ 78)، والدارمي في "سننه"(2164).
(2)
في الأصل: "الدرامي"، والصواب ما أثبت.
(3)
في الأصل: "البيهقي"، والصواب ما أثبت.
(4)
انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 111).
(5)
سيأتى تخريجه.
(6)
رواه الحاكم في "المستدرك"(2681)، وكذا الطبراني في "المعجم الأوسط"(972)، والبيهقي في "شعب الإيمان"(5487).
(7)
انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 111).
الثالث: جاء عدّة أحاديث في ذم العزوبية، وقد قال الإمام أحمد رضي الله عنه: ليست العزوبة من أمر الإسلام في شيء، النبيُّ صلى الله عليه وسلم تزوّج أربعَ عشرةَ، ومات عن تسع، ولو تزوّجَ بشر بن الحارث، تم أمره، ولو ترك الناس النكاح، لم يكن غزو ولا حجّ، ولا كذا ولا كذا، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يصبح وما عندهم شيء، وكان يختار النكاح، ويحثُّ عليه، ونهى عن التبتل، فمن رغب عن سنّة النبي صلى الله عليه وسلم، فهو على غير الحق، ويعقوب في حزنه قد تزوّج، والنبي صلى الله عليه وسلم قال:"حُبّبَ إليَّ النساء"(1).
قال المروذي: قلتُ له: إنّ إبراهيم بن أدهم يحكى عنه أنه قال لروعة صاحب عيال، فما قدرت أن أتم الحديث حتى صاح بي، وقال: وقعت في بنيات الطريق، انظر ما كان عليه محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ثم قال: فبكاءُ الصبيّ بين يدي أبيه يطلب منه الخبزَ أفضلُ من كذا وكذا، أين يلحق المتعبد والعزب، نقل هذا كله الإمامُ ابن القيّم في كتابه "روضة المحبين ونزهة المشتاقين" من رواية المروذي عن الإمام أحمد رضي الله عنه (2) -.
وأخرج الإمام أحمد من حديث أبي ذر بإسنادٍ حسن (3)، وأبو يعلى في "مسنده" عن عطيّة بن بشر (4) مرفوعًا:"شرارُكم عزّابكم، وأراذل موتاكم عزّابكم".
(1) رواه النسائي (3940)، كتاب: عشرة النساء، باب: حب النساء، والطبراني في "المعجم الأوسط"(5772)، وأبو يعلى في "مسنده"(3482)، والحاكم في "المستدرك"(2686)، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
(2)
انظر: "روضة المحبين ونزهة المشتاقين" لابن القيم (ص: 214 - 215).
(3)
رواه الإمام أحمد في "المسند"(5/ 163).
(4)
رواه أبو يعلى في "مسنده"(6856).
وأخرج أبو يعلى، والطبراني في "الأوسط"، وابن عدي عن أبي هريرة مرفوعًا:"شراركم عزّابكم، ركعتان من متأهل خيرٌ من سبعين من غير متأهل"(1).
وقد نظم ذلك ابن العماد فقال: [من الرجز]
شِرَارُكُمْ عُزَّابُكم جَاءَ الخَبَرْ
…
أَرَاذِلُ الأَمْوَاتِ عُزَّابُ البَشَرْ (2)
وقد أورده الحافظ ابن الجوزي في "الموضوعات" من حديث أبي هريرة، وحَكم عليه بالوضع، وأعلّه بخالد بن إسماعيل، قال: له طريق ثانٍ فيه يوسف بن السَّفر متروك (3)، قال الحافظ السيوطي: قلت: ورد بهذا اللفظ من حديث أبي ذر، أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" بسند رجالُهُ ثقات، ومن حديث عطيّة بن بشر المازني: أخرجه أبو يعلى، والطبراني، والبيهقي في "الشعب"(4).
الرابع: استدل بالحديث، من إرشاد العاجز عن مؤن النكاح إلى الصوم؛ لأن شهوة النكاح تابعة لشهوة الأكل، يقوى بقوّته، ويضعف بضعفه، على جواز المعالجة لقطع شهوة النكاح بالأدوية كما قاله الخطابي (5)، وحكاه البغوي في "شرح السنّة"(6).
(1) رواه أبو يعلى في "مسنده"(2042)، والطبراني في "المعجم الأوسط"(4476)، وابن عدي في "الكامل في الضعفاء"(7/ 163)، واللفظ له.
(2)
انظر: "المقاصد الحسنة" للسخاوي (ص: 299 - 300).
(3)
انظر: "الموضوعات" لابن الجوزي (2/ 257 - 258).
(4)
انظر: "الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة" للسيوطي، حديث رقم (268).
(5)
انظر: "معالم السنن" للخطابي (3/ 180).
(6)
انظر: "شرح السنة" للبغوي (9/ 6 - 7).
قال الحافظ ابن حجر في "شرح البخاري": وينبغي أن يحمل على دواء يسكّن الشهوة، دون ما يقطعها أصالة؛ لأنه قد يقدر بعد ذلك، فيندم، لفوات ذلك في حقّه.
قال: وقد صرّح الشّافعيّة بأنه لا يكسرها بالكافور ونحوه، والحجّة فيه: أنهم اتفقوا على منع الجب والخصاء، فيلحق بذلك ما في معناه من التداوي بالقطع أصلًا (1).
قلت: صرّح علماؤنا بجواز شرب دواء مباح يمنع الجماع، قالوا: ولأنثى شربه -أيضًا- لإلقاء نطفةٍ، لا علقةٍ، ولحصول حيض، لا قرب رمضان لتفطر (2).
قال العلّامة مرعي في "غايته": ويتجه، وتفطر وجوبًا، ولها شربه لقطع حيض مع أمن ضرر، نصًّا، ولو بلا إذن زوج، واستوجه في "الغاية" ما لم ينهها، وحرم لقطعه بلا علمها، وشرب ما يقطع الحمل، انتهى (3).
فظاهر كلامهم: إطلاق ما يمنع الجماع ولو أصالة.
وصرّح في "الفروع" بأنه يتوجه في الكافور ونحوه كقطع الحيض، وقال قبله: ولها شرب دواء مباح لقطع الحيض، نصّ عليه الإمام أحمد.
وقال القاضي: بإذن الزوج كالعزل، يؤيده قول الإمام أحمد في بعض أجوبته: الزوجة تستأذن زوجها.
قال في "الفروع": ويتوجه: يكره، انتهى (4).
(1) انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 111).
(2)
انظر: "غاية المنتهى" للشيخ مرعي (1/ 267).
(3)
المرجع السابق، (1/ 268).
(4)
انظر: "الفروع" لابن مفلح (1/ 244).
تتمة: سبب إيراد ابن مسعود رضي الله عنه لهذا الحديث: ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن علقمة، قالى: كنتُ مع عبد الله، يعني: ابن مسعود رضي الله عنه، فلقيه عثمان، يعني: ابن عفّان رضي الله عنه بمنًى، فقال: يا أبا عبد الرحمن! إن لي إليك حاجة، فَحَلَيا، فقالى عثمان: هل لك يا أبا عبد الرحمن أن نزوّجك بكرًا تذكرك ما كنت تعهد؟ فلما رأى عبد الله أن ليس له حاجة إلّا هذا، أشار إليَّ، فقالى: يا علقمة، فانتهيت إليه وهو يقولى: أَما لئن قلت ذلك، لقد قالى لنا النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر الحديث (1)، والله أعلم.
(1) تقدم تخريجه عند البخاري (4778)، واللفظ له، وعند مسلم برقم (1400/ 1 - 2).