الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الثاني
عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ، فَقَاَلَتْ: إنِّي وَهَبْتُ نَفْسِي لَكَ، فَقَامَتْ طَوِيلًا، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ! زَوِّجْنِيهَا إنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ، فَقَالَ:"هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءَ تُصْدِقُهَا؟ "، فَقَالَ: مَا عِنْدِي إِلَّا إِزَارِي هَذَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إِزَارُكَ إِنْ أَعْطَيْتَهَا إِيَّاهُ، جَلَسْتَ وَلَا إِزَارَ لَكَ، فَالْتَمِسْ شَيْئًا"، فَقَالَ: مَا أَجِدُ، قَالَ: "فَالْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ"، فَالْتَمَسَ، فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ" (1).
(1) * تَخْرِيج الحَدِيث:
رواه البخاري (2186)، كتاب: الوكالة، باب: وكالة المرأة الإمامَ في النكاح، و (4741)، كتاب: فضائل القرآن، باب: خيركم من تعلم القرآن وعلمه، و (4742)، باب: القراءة عن ظهر القلب، و (4839)، كتاب: النكاح، باب: تزويج المعسر، و (4829)، باب: عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح، و (4833)، باب: قول الله عز وجل: {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ} [البقرة: 235]، و (8439)، باب: إذا الولي هو الخاطب، و (4842)، باب: السلطان ولي، و (4847)، باب: إذا قال الخاطب للولي: زوجني فلانة، و (4854)، باب: التزويج على القرآن وبغير الصداق، و (4855)، باب: المهر بالعروض وخاتم من حديد، و (5533)، كتاب: اللباس، باب: خاتم الحديد، و (6981)، كتاب: التوحيد، باب: {قُلْ أَىُّ شَئٍ =
(عن) أبي العباس (سهلِ بنِ سعدِ) بنِ مالكٍ (الساعديِّ) الخزرجيِّ الأنصاريِّ (رضي الله عنه) كان اسمه حَزْنًا، فسماه النبي صلى الله عليه وسلم سهلًا، مات النبي صلى الله عليه وسلم وله خمسَ عشرةَ سنةً، ومات سهلٌ بالمدينة سنة إحدى وتسعين، وتقدمت ترجمته في أول باب: صلاة الجمعة: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءته امرأة) هي: أم شريك، واسمها غُزِّيَّة -بضم الغين وتشديد الزاي مكسورة- من دوس من الأزد، وقيل: غُزَيلة -بضم الغين المعجمة وفتح الزاي- بنتُ
دوران، وقيل: بنت جابر، وقيل: خولة بنت حكيم امرأةُ عثمان بن مظعون، وقيل: أُمُّ سليك العامرية، ويقال: الأنصارية، وقيل: اسمها ميمونة بنت حكيم، وقيل: بنت خزيمة الأنصارية، ذكره البرماوي (1).
= أَكْبَرُ شَهَدَةً} [الأنعام: 19]، ومسلم (1425/ 76 - 77)، كتاب: النكاح، باب: الصداق، وجواز كونه تعليم قرآن وخاتم حديد، وأبو داود (2111)، كتاب: النكاح، باب: في التزويج على العمل يعمل، والنسائي (3280)، كتاب: النكاح، باب: الكلام الذي ينعقد به النكاح، و (3339)، باب: التزويج على سور من القرآن، و (3359)، باب: هبة المرأة نفسها لرجل بغير صداق، والترمذي (1114)، كتاب: النكاح، باب:(23)، وابن ماجه (1889)، كتاب: النكاح، باب: صداق النساء.
* مصَادر شرح الحَدِيث:
"معالم السنن" للخطابي (3/ 210)، و"الاستذكار" لابن عبد البر (5/ 407)، و"عارضة الأحوذي" لابن العربي (5/ 35)، و"إكمال المعلم" للقاضي عياض (4/ 578)، و"المفهم" للقرطبي (4/ 127)، و "شرح مسلم" للنووي (9/ 211)، و"شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (4/ 127)، و"العدة في شرح العمدة" لابن العطار (3/ 1302)، و"النكت على العمدة" للزركشي (ص: 278)، و"فتح الباري" لابن حجر (9/ 191)، و"عمدة القاري" للعيني (12/ 140)، و"إرشاد الساري" للقسطلاني (8/ 53)، و"سبل السلام" للصنعاني (3/ 114)، و"نيل الأوطار" للشوكاني (6/ 27)
(1)
وانظر: "غوامض الأسماء المبهمة" لابن بشكوال (2/ 668 - 670).
وفي "الفتح" ما نصه: وهذه المرأة لم أقف على اسمها.
ووقع في "الأحكام" لابن الطلاع (1): أن خولة بنت حكيم، أو أم شريك، وهذا نقل عن اسم الواهبة الوارد في قوله -تعالى-:{وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا} (2)[الأحزاب: 50].
وفي تفسير سورة الأحزاب من "الفتح" -أيضًا- من حديث عائشة رضي الله عنها: كنت أغار من اللاتي وهبن أنفسهن (3)، هذا ظاهرٌ في أن الواهبة أكثر من واحدة، وذكر الواهبة في قصة حديث سهل، وذكر أخرى في حديث أنس: أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إن لي ابنة، فذكرت من جمالها، فآثرتُكَ بها، فقال:"قد قبلتها"، فلم تزل تذكر حتى قالت: لم تُصْدع قط، فقال:"لا حاجة لي في ابنتك"، وأخرجه الإمام أحمد -أيضًا- (4).
قال الحافظ في "الفتح": وهذه امرأة أخرى بلا شك.
وعند ابن أبي حاتم من حديث عائشة رضي الله عنها: التي وهبت نفسها للنبي هي خولة بنت حكيم (5). قال: ومن الواهبات أم شريك،
(1) هو محمد بن فرج أبو جعفر القرطبي المشهور بابن الطلاع، المتوفى سنة (497 هـ)، وكتابه هو:"أحكام النبي صلى الله عليه وسلم". انظر: "كشف الظنون" لحاجي (1/ 485).
(2)
انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 206).
(3)
رواه البخاري (4510)، كتاب: التفسير، باب: قوله: {تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ} [الأحزاب: 51]، ومسلم (1464)، كتاب: الرضاع، باب: جواز هبتها نوبتها لضرتها.
(4)
رواه الإمام أحمد في "المسند"(8/ 525).
(5)
رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره"(10/ 3143).
وأخرجه النّسائيّ من طريق عروة (1)، وعند أبي عبيدة معمرِ بنِ المثنى: أن من الواهبات فاطمة بنت شريح، وقيل: إن ليلى بنت الحُطيم ممن وهبت نفسها له صلى الله عليه وسلم، ومنهن زينبُ بنتُ خزيمة، جاء عن الشعبي، -وليس بثابت-. وخولة بنت حكيم، قال: وهو في هذا الصحيح (2).
ومن طريق قتادة عن ابن عباس، قال: التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم هي ميمونةُ بنتُ الحارث وهذا منقطع، ورواه من وجهٍ آخر مرسل ضعيف (3)، ويعارضه حديث سِماك عن عِكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما: لم يكن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأةٌ وهبت نفسها له، أخرجه الطبري، وإسناده حسن (4)، والمراد: أنه لم يدخل بواحدة ممن وهبت نفسها له، وإن كان مباحًا له؛ لأنه راجعٌ إلى إرادته، لقوله -تعالى-:{إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا} (5)[الأحزاب: 50]، (فقالت) تلك المرأة: يا رسول الله! (إني) قد (وهبت نفسي لك).
وفي لفظ: قال سهل بنُ سعدٍ الساعدي: إني لفي القوم عندَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قامت امرأة (6)، وفي لفظ: فيما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، أتت امرأة إليه، وفي رواية سفيان الثوري عند الإسماعيلي: جاءت امرأة
(1) رواه النسائي في "السنن الكبرى"(8928).
(2)
رواه البخاري (4823)، كتاب: النكاح، باب: هل للمرأة أن تهب نفسها لأحد.
(3)
رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره"(10/ 3144)، والحاكم في "المستدرك"(6803).
(4)
رواه ابن جرير الطبري في "تفسيره"(22/ 23).
(5)
انظر: "فتح الباري" لابن حجر (8/ 525 - 526).
(6)
تقدم تخريجه عند البخاري برقم (4854).
إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد، فأفاد تعيينَ المكان الذي وقعت فيه القصة (1).
وفي لفظ: أنها قالت: إنها وهبت نفسها لله ورسوله (2).
في كلّ هذه الروايات حذفُ مضاف تقديرُه: أمر نفسي، أو نحوه، وإلا، فالحقيقة غير مرادة؛ لأن رقبة الحر لا تُملك، فكأنها قالت: أتزوجك من غير عوض (3)، (فقامت طويلًا) كذا في رواية الإمام مالك، ومثله الثوري.
وفي لفظ: أنها قالت: يا رسول الله! جئتُ أهبُ لك نفسي، فنظر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصَعَّدَ النظرَ فيها وصَوَّبه، ثمّ طأطأَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم رأسه، فلما نظرت المرأة أنه لم يقض فيها شيئًا، جلست، رواه مسلم (4)، وأخرجه البخاري في باب التزويج على القرآن، وعلى غير صداق، وذكر فيه: أنها وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، تعيد القول عليه، فلا يجيبها بشيء (5).
وفي بعض ألفاظه: أنه صلى الله عليه وسلم قال لها: "ما لي اليوم بالنساء من حاجة"(6).
(فقال رجل)، وفي لفظ: فقام رجل (7)، فقال: (يا رسول الله!
(1) انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 206).
(2)
تقدم تخريجه عند البخاري برقم (4741).
(3)
انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 206).
(4)
تقدم تخريجه عند مسلم برقم (1425/ 76)، وكذا البخاري برقم (4799).
(5)
تقدم تخريجه عند البخاري برقم (4854).
(6)
تقدم تخريجه عند البخاري برقم (4847).
(7)
تقدم تخريجه عند البخاري برقنم (4742)، وعند مسلم برقم (1425/ 76).
زَوِّجنيها)، وفي لفظ عند البخاريّ وغيره: أنكحنيها (1)(إن لم يكن لك بها حاجة)، ولا يعارض هذا قوله صلى الله عليه وسلم في رواية حماد بن زيد "لا حاجة لي"، لجواز أن تتجدد الرغبة فيها بعد أن لم تكن (2).
قال البرماوي: لم نصل إلى اسم الرجل الذي تزوج بها.
وقال الحافظ ابن حجر في "الفتح": لم أقف على اسمه، لكن وقع في رواية معمر، والثوري عند الطبراني: فقام رجل أحسبه من الأنصار (3)، وفي رواية زائدة عنده: فقال رجل من الأنصار (4)، ووقع في حديث ابن مسعود رضي الله عنه: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من ينكح هذه؟ "، فقام رجل (5)، (فقال) صلى الله عليه وسلم:(هل عندك من شيء تُصْدِقُها؟).
وفي حديث ابن مسعود: "ألك مال؟ "(6)(فقال) الرجل: لا، واللهِ! يا رسولَ الله (ما عندي إلا إزاري هذا)، زاد في رواية هشام بن سعد: قال: "فلابد لها من شيء"(7)، وفي رواية قال: والذي بعثك بالحق! ما أملك شيئًا (8)، (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للرجل) لمّا عرض إزاره: (إزارُك إن
(1) تقدم تخريجه عند البخاري برقم (4854).
(2)
انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 207).
(3)
رواه الطبراني في "المعجم الكبير"(5961).
(4)
رواه الطبراني في "المعجم الكبير"(5980).
(5)
رواه الدارقطني في "سننه"(3/ 249). وانظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 207).
(6)
تقدم تخريجه آنفًا.
(7)
رواه الطبراني في "المعجم الكبير"(5750).
(8)
رواه أبو عمر بن حيوة في "فوائده" من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، كما ذكر الحافظ ابن حجر في "الفتح"(9/ 207).
أعطيتَها) يجوز في إزارك الرفع على الابتداء، والجملة الشرطية الخبر، والمفعول الثاني محذوف تقديره: إياه؛ كما ثبت كذلك في رواية، ويجوز النصب على أنه مفعول ثان لأعطيتها، والإزارُ يذكَّر ويؤنَّث. وقد جاء هنا مذكرًا (جلست ولا إزارَ لك) فيه الإرشاد إلى المصالح من الكبير، والرفق بالرعية، وجملة "ولا إزار لك" جملة حالية (1) (فالتمسْ)؛ أي: اطلب، ومنه حديث:"من سلكَ طريقًا يلتمسُ فيه علمًا"(2)؛ أي: يطلبه، وحديثُ عائشة: فالتمستُ عِقْدي (3)(شيئًا) قَلَّ أو جَلَّ، (فقال) الرجل:(ما أجد) شيئًا، (قال) صلى الله عليه وسلم:(فالتمسْ ولو خاتمًا من حديد، فالتمس) الرجلُ (فلم يجد شيئًا) ولا خاتمًا من حديد، وإنما تنزَّلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى ما ذكر حرصًا على استحباب عدم خلو العَقْد من ذكر الصَّداق؛ لأنه أقطعُ للنزاع، وأنفعُ للمرأة، وبه استدل علماؤنا كالشّافعيّة على جواز الصداق بما قل أو أكثر (4).
قال الإمام ابن القيم في "الهدي": ثبت في "صحيح مسلم" عن عائشة رضي الله عنها: كان صداق النبي صلى الله عليه وسلم لأزواجه ثنتي عشرة أوقية ونَشًّا، فذلك خمس مئة درهم (5).
(1) انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 207).
(2)
رواه مسلم (2699)، كتاب: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3)
رواه البخاري (2518)، كتاب: الشهادات، باب: تعديل النساء بعضهن بعضًا، ومسلم (2770)، كتاب: التوبة، باب: في حديث الإفك وقبول توبة القاذف. وانظر: "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (4/ 270 - 271).
(4)
انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (4/ 48).
(5)
رواه مسلم (1426)، كتاب: النكاح، باب: الصداق، وجواز كونه تعليم قرآن وخاتم حديد.
قال عمر رضي الله عنه: ما علمتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نكح شيئًا من نسائه ولا أنكح شيئًا من بناته على أكثر من ثنتي عشرة أوقية. قال الترمذي: حديثٌ حسن صحيح (1).
والأوقية أربعون درهمًا.
وفي "الصحيح" من حديث سهل بن سعد الساعدي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل: "تزوج ولو بخاتم من حديد"(2).
وفي "سنن أبي داود" من حديث جابر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أعطى في صداق ملءَ كفيه سويقًا أو تمرًا، فقد استحل"(3).
وفي التّرمذيّ: أن امرأة من فزارة تزوجت على نعلين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"رضيتِ من نفسِكِ ومالِكِ بنعلين؟ "، فقالت: نعم، فأجازه. قال التّرمذيّ: حديث صحيح (4).
وفي "مسند الإمام أحمد" من حديث عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم:"إن أعظم النكاح بركةً أيسرُه مؤنةً"(5).
كل هذه الأحاديث وغيرها مما لم نذكره تدل على عدم اعتبار تحديد الصداق بنحو أربع دراهم أو عشرة كما ترى.
(1) رواه الترمذي (1115)، كتاب: النكاح، باب:(23).
(2)
تقدم تخريجه عند البخاري برقم (4855).
(3)
رواه أبو داود (2110)، كتاب: النكاح، باب: قلة المهر.
(4)
رواه الترمذي (1113)، كتاب: النكاح، باب: ما جاء في مهور النساء.
(5)
رواه الإمام أحمد في "المسند"(6/ 82). وانظر: "زاد المعاد" لابن القيم (5/ 176 - 177).
وقال الإمام مالك: لا يكون المهر أقلَّ من ربع دينار، أو ثلاثة دراهم، أو قيمتها.
ومذهب الإمام أبي حنيفة: أن أقله عشرة دراهم، واستدل بحديث:"لامهرَ أقلُّ من عشرة دراهم"(1).
قال الإمام ابن القيم في أول كتابه "إعلام الموقعين": أجمعوا على ضعف هذا الحديث، بل على بطلانه (2)، انتهى.
ومذهب بعضهم: أن أقله خمسة دراهم.
وهذه أقوال لا دليل عليها من كتاب ولا سنّة، ولا إجماع ولا قياس، ولا قول صحابي، ومن ادعى في هذه الأحاديث التي ذكرناها اختصاصها بالنبي صلى الله عليه وسلم، أو أما منسوخة، أو أن عمل أهل المدينة على خلافه، فقد جاء بدعوى لا يقوم عليها دليل، والأصلُ يردُّها، وقد زوج سيدُ أهل المدينة من التابعين سعيدُ بنُ المسيَّب ابنتَه على درهمين، ولم ينكر عليه أحد، بل عدّ ذلك في مناقبه وفضائله، ولا سبيل إلى إثبات المقادير لها من جهة صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم (3)، انتهى.
قلت: ذكر الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية -رَوَّحَ الله روحَه- في "الرسالة المالكية والتنبيه على بعض ما امتاز أهل المدينة به من العلم": أن بعض المدنيين قد اعترض على الإمام مالك رضي الله عنه لمّا حدّ المهر بثلاثة دراهم، فقال: ولسنا ننكر أن من الناس من أنكر على الإمام مالك مخالفتَه
(1) رواه الدارقطني في "سننه"(3/ 245)، ومن طريقه: البيهقي في "السنن الكبرى"(7/ 240)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.
(2)
أنظر: "إعلام الموقعين" لابن القيم (1/ 32).
(3)
انظر: "زاد المعاد" لابن القيم (5/ 179).
لبعض الأحاديث في بعض المسائل، كما يذكر عن عبد العزيز الدراوردي، روي أنه قال: له في مسألة تقدير المهر بنصاب السّرقة: تَعَرَّقْتَ يا أبا عبد الله؛ أي: صرت فيها إلى قول أهل العراق الذين يقدرون أقل المهر بنصاب السّرقة، لكن النصاب عند أبي حنيفة وأصحابه عشرة دراهم، وأما مالك، والشّافعيّ، وأحمد، فالنصاب عندهم ثلاثة دراهم، أو ربع دينار كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة.
ثمَّ قال شيخ الإسلام: هذه الحكاية تدل على ضعف أقوال أهل العراق عند أهل المدينة، وأنهم كانوا يكرهون للرجل أن يوافقهم، وهذا مشهورٌ عندهم، كما قال ابن عمر رضي الله عنهما لمن استفتاه عن دم البعوض؛ يعني: من قوله: انظروا هذا، يستفتي في دم البعوض، وقد أراقوا دم الحسين بن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو كما قال.
ثمَّ إن شيخ الإسلام اعتذر عن الإمام مالك بأنه ما من عالم إلا وله ما يُرد عليه، والله أعلم (1).
(فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم) للرجل بعد أمره له أن يلتمس شيئًا، ولو خاتمًا من حديد، فلم يجد شيئًا:(زوجتكها)، وفي لفظ:"اذهب فقد زوجتكها"(2)(بما معك من القرآن)، وفي رواية:"قد ملّكتكها بما معك من القرآن"(3)،
وفي لفظ عند الإمام أحمد: "قد أملكتكها"، والباقي مثله، وقال في آخره: فرأيته يمضي وهي تتبعه (4)، وفي حديث ابن مسعود: "قد أنكحتكها على
(1) وانظر: "مجموع الفتاوى" لشيخ الإسلام ابن تيمية (20/ 326 - 327).
(2)
تقدم تخريجه عند البخاري برقم (4839).
(3)
تقدم تخريجه عند البخاري برقم (4742، 4799، 4833، 4847، 5533).
(4)
رواه الإمام أحمد في "المسند"(5/ 334).
أن تقرئها وتعلمها، وإذا رزقك الله، عوضتها" (1).
قال في "الفتح": في هذا الحديث دليل على أنه لاحد لأقل المهر.
قال: ابن المنذر: فيه ردٌّ على من زعم أن أقل المهر عشرة دراهم، وكذا ربع دينار؛ لأن خاتمًا خاتمًا من حديد لا يساوي ذلك.
وقال: المازري: تعلق به من أجاز النكاح بأقل من ربع دينار؛ لأنه خرج مخرج التقليل، ولكن مالكًا قاسه على القطع في السرقة.
قال: القاضي عياض: تفرد بهذا مالك عن الحجازيين، لكن مستنده الالتفات إلى قوله -تعالى-:{أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ} [النساء: 24]، وبقوله:{وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا} [النساء: 25]، فإنه يدل على أن المراد: ما له بالٌ من المال، وأقلّه ما استُبيح به قطع العضو المحترم.
قال: وأجازه الشافعية بما تراضى عليه الزوجان، أو من العقد إليه بما فيه منفعة، كالسوط والنعل، وإن كانت قيمته أقل من درهم، وبه قال يحيى بن سعيد الأنصاري، وأبو الزناد، وربيعة، وابن أبي ذئب، وغيرهم من أهل المدينة غير مالك ومن تبعه، وابن جريج، ومسلم بن خالد من أهل مكة، والأوزاعي من أهل الشام، والليث من أهل مصر، والثوري، وابن أبي ليلى، وغيرهما من العراقيين غير أبي حنيفة ومن تبعه، والشّافعيّ، وداود، وفقهاء أصحاب الحديث، وابن وهب من المالكية.
وقال: ابن شبرمة: أقل المهر خمسة دراهم (2).
قال: القرطبي: استدل من قاسه بنصاب السّقة بأنه عضو آدمي محترم،
(1) تقدم تخريجه عند الدارقطني والبيهقي.
(2)
انظر: "إكمال المعلم" للقاضي عياض (4/ 579).
فلا يستباح بأقل من كذا، قياسًا على يد السارق (1)، وتعقبه الجمهور بأنه قياس في مقابل النص، فلا يصح، وبأن اليد تقطع وتبين، ولا كذلك الفرج، وبأن القدر المسروق يجب على السارق رده مع القطع، ولا كذلك الصداق، وقد ضعّف جماعة من المالكية هذا القياس.
فقال: أبو الحسن اللخمي: قياس قدر الصداق بنصاب السرقة ليس بالبيّن؛ لأن اليد إنما قُطعت في ربع دينار نكالًا للمعصية، والنكاح مستباح بوجهٍ جائز.
ونحوه لأبي عبد الله بن الفخار عنهم، نعم قوله -تعالى-:{وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا} [النساء: 25]، يدل على أن صداق الحرة لابد وأن يكون ما ينطلق عليه اسم مال له قدر، ليجعل الفرق بينه وبين مهر الأمة.
وأما قوله -تعالى-: {أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ} [النساء: 24]، فإنه يدل على اشتراط ما يسمى مالًا في الجملة، قَلَّ أو كَثُر، وقد حدّه بعض المالكية بما تجب فيه الزكاة، وهو أقوى من قياسه على نصاب السرقة، وأقوى من ذلك رَدُّه إلى المتعارَف.
وقال ابن العربي: وزن الخاتم من الحديد لا يساوي ربع دينار، وهو مما لا جواب عنه، ولا عذر فيه. لكن المحققين من أصحابنا نظروا إلى قوله -تعالى-:{وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا} [النساء: 25]، فمنع الله القادر على الطول من نكاح الأمة، فلو كان الطول درهمًا، ما تعذر على أحد، ثمَّ تعقبه بأن ثلاثة دراهم كذلك (2)، يعني: فلا حجة فيه للتحديد، ولاسيما مع الاختلاف في المراد بالطول (3).
(1) انظر: "المفهم" للقرطبي (4/ 129).
(2)
انظر: "عارضة الأحوذي" لابن العربي (5/ 33 - 34).
(3)
انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 210).
تنبيهات:
الأول: قوله صلى الله عليه وسلم: "زوجتكها"، ومنهم من رواه:"مَلَّكتكها"، وفي لفظ:"ملكتها" -كما مر- مما اختلف فيه العلماء، والمشهور من مذهب المالكية جوازه بكل لفظ دل على معناه إذا قرن بذلك الصداق، أو قصد النكاح، كالتمليك والهِبَة والصدقة والبيع، ولا يصح عندهم بلفظ الإجارة ولا العارية ولا الوصية، واختلف عندهم في الإحلال والإباحة.
وأجازه الحنفية بكل لفظ يقتضي التأبيد مع القصد، وموضع الدليل من هذا الحديث ورود قوله صلى الله عليه وسلم:"ملكتكها"، لكن ورد -أيضًا- بلفظ:"زوجتكها".
قال ابن دقيق العيد: هذه لفظة واحدة في قصة واحدة اختلف فيها، مع اتحاد مخرج الحديث، فالظاهر أن الواقع من النبي صلى الله عليه وسلم أحدُ الألفاظ المذكورة.
فالصواب في مثل هذا النظرُ إلى الترجيح.
وقد نقل عن الدارقطني: أن الصواب رواية من روى: "زوجتكها"، وأنهم أكثرُ وأحفظ.
قال: وقال بعض المتأخرين -يعني: النّوويّ في "شرح مسلم"(1) - يحتمل صحة اللفظين، ويكون قال لفظَ التزويج أولًا، ثمَّ قال:"اذهب فقد ملكتكها"، والتزويجُ السابقُ، واستبعده ابن دقيق العيد؛ لأن سياق الحديث يقتضي تعين لفظة: قبلت، لا تعددها، وأنها هي التي انعقد بها النكاح، وما ذكره يقتضي وقوع أمر آخر انعقد به النكاح، والذي قاله بعيد جدًا،
(1) انظر: "شرح مسلم" للنووي (9/ 214).
أيضًا- فملخصه أن يعكس، ويدّعي أن العقد وقع بلفظ التمليك.
ثمَّ قال: "زوجتكها" التمليكُ السابق، قال: ثمَّ إنه لم يتعرض لرواية: "ملكتكها" مع ثبوتها، وكل هذا يقتضي تعين المصير إلى الترجيح (1).
وقال الحافظ ابن الجوزي في "التحقيق": إن رواية أبي غسان: "أنكحتكها"، ورواية: الباقين: "زوجتكها" إلا ثلاثة أنفس، وهم: معمر، ويعقوب، وابن أبي حازم، قال: ومعمر كثير الغلط، والآخران لم يكونا حافظين (2)، انتهى.
واعترض عليه في رواية أبي غسان، فإنها بلفظ:"أنكحتكها" في جميع نسخ البخاريّ، نعم وقعت بلفظ:"زوجتكها" عند الإسماعيلي من طريق حسين بن محمّد، وقد خرّجه أبو نعيم في "المستخرج" بلفظ:"أنكحتكها"، فهذه ثلاثة ألفاظ عن أبي غسان، ورواية:"أنكحتكها" في "البخاري" لابن عُيينة، كما حرره الحافظ ابن حجر في "الفتح"، ورد الحافظ ابن حجر الطعن في الثلاثة المذكورين، ثم قال: نعم، الذي تحرر: أن الذي رووه بلفظ التزويج أكثر عددًا، ولاسيما وفيهم الحفاظ مثل الإمام مالك، ورواية سفيان بن عُيينة:"أنكحتكها" مساويةٌ لروايتهم.
والحاصل: أن رواية التزويج أو الإنكاح أرجح، كما قرره غير واحد من الحفاظ، آخرهم الحافظ ابن حجر في "الفتح".
وبالغ ابنُ التين فقال: أجمع أهلُ الحديث على أن الصحيح رواية: "زوجتكها"، وأن رواية "ملّكتكها" وهَمْ، وتعلق بعض المتأخرين بأن الذين اختلفوا في هذه اللفظة أئمة، فلولا أن هذه الألفاظ عندهم مترادفة،
(1) انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (4/ 48 - 49).
(2)
انظر: "التحقيق في أحاديث الخلاف" لابن الجوزي (2/ 272).
ما عبّروا بها، فدلّ على أن كل لفظ منها يقوم مقام الآخر عند ذلك الإمام، وهذا لا يكفي في الاحتجاج لجواز انعقاد النكاح بكل لفظة منها.
وقد ذهب جمهور من العلماء إلى أن النكاح ينعقد بكل لفظ يدل عليه، وهو قول الحنفية، والمالكية، وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد، وقد اختلف الترجيح في مذهبه رضي الله عنه، فأكثر نصوصه تدل على موافقة أبي حنيفة، ومالك، والجمهور (1).
قال في "الفروع": ذكر ابن عقيل عن بعضهم: أنه خرج صحته بكل لفظ يقتضي التمليك، وخرجه هو في "عمد الأدلة" من جعلِه عتقَ أمتِه مهرَها.
قال: وقال شيخنا- يعني: شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه-: ينعقد بما عده الناس نكاحًا بأي لغة ولفظ وفعل كان، وإن مثله كل عقد، وإن الشرط بين الناس ما عدوه شرطًا فالأسماء تعرف حدودها تارة بالشرع، وتارة باللغة، وتارة بالعرف، وكذلك العقود (2).
قلت: الذي استقر عليه المذهب: اعتبارُ الإيجاب والقبول، فلا ينعقد النكاح إلا بهما مرتبين، الإيجاب أولًا، وهو اللفظ الصادر من قبل الولي، أو من يقوم مقامه، فالقَبولُ بعده، وهو اللفظ الصادر من قبل الزوج، أو من يقوم مقامه، ولا يصح إيجاب ممّن يحسن العربية إلا بلفظ: أنكحت، أو زوجت، ولمن يملكها، أو يملك بعضها، وبعضُها الآخر حر: أعتقها وجعلت عتقها صداقها، ونحوه، ولا يصح قَبولٌ لمن يحسن العربية إلا قبلت تزويجها ونكاحها، أو قبلت هذا النكاح، أو هذا التزويج، أو تزوجت، أو رضيت هذا النكاح، أو قبلت فقط، أو تزوجت.
(1) انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 214 - 215).
(2)
انظر: "الفروع" لابن مفلح (5/ 123).
واختار الموفق، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وجمعٌ انعقادَه بغير العربية، ولو أحسنها (1).
ومذهب الشافعي رضي الله عنه في اعتبار لفظ التزويج أو الإنكاح كمذهبنا.
الثاني: دل الحديث على اعتبار الصداق، فلا يكون عقد بلا مهر، لقوله صلى الله عليه وسلم:"هل عندك من شيء؟ "، وقد أجمعوا على أنه لا يجوز لأحد أن يطأ فرجًا وُهِب له دون الرقبة بغير صداق.
وفيه: أن الأولى أن يذكر الصداق في العقد؛ لأنه أقطعُ للنزاع، فلو عُقد بغير صداق، صحَّ، ووجب لها مهرُ المثل بالدخول، على الصحيح.
وفي قوله صلى الله عليه وسلم للرجل: "هل عندك من شيء"، فقال: لا، دليلٌ على صحة عقد النكاح ممن لا يملك شيئًا (2).
وقد نقل القاضي عياض الإجماع على أن مثل الشيء الذي لا يُتمول، ولا له قيمة، لا يكون صداقًا، ولا يحل النكاح به. وقد خرق هذا الإجماع أبو محمد بن حزم، فقال: يجوز بكل ما يسمى شيئًا، ولو حبة من شعير (3)، ويؤيد ما ذهب إليه الكافة قولُه صلى الله عليه وسلم:"التمس ولو خاتمًا من حديد"؛ لأنه أورده مورد التقليل بالنسبة لما فوقه، ولا شك أن الخاتم من حديد له قيمة، وهو أعلى خطرًا من النواة وحبة الشعير، ومساقُ الخبر يدل على أنه لا شيء دونه يُستحل به البُضع، وأقلُّ ما ورد من الصداق ما عند الدارقطني من حديث أبي سعيد في أثناء حديث المهر: ولو
(1) انظر: "الإقناع" للحجاوي (3/ 315).
(2)
انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (4/ 48).
(3)
انظر: "المحلى" لابن حزم (9/ 494).
على سواك من أراك (1)، وأقوى شيء ورد في ذلك حديثُ جابر عند مسلم: كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نَهَى عنها عمر (2).
قال البيهقي: إنما نهى عمر عن النكاح إلى أجل، لا عن قدر الصداق (3).
قال في "الفتح": وهو كما قال (4).
قلت: الّذي اعتمده علماؤنا كالشافعية: كلُّ ما صح ثمنًا أو أجرة، صح أن يكون مهرًا، وإن قل، من عين أو دين ومؤجل، ومنفعة معلومة، كرعاية ضمنها مدة معلومة، وخياطة ثوب، لا ما لا يُتمول عادة، كحبة حنطة وشعير.
قال في "الإقناع": ويجب أن يكون له نصف يُتمول عادة، ويبذل العوض في مثله عرفًا، والمراد: نصف القيمة، لا نصف عين الصداق (5).
قال الإمام ابن هبيرة في "اختلاف الأئمة": وقد حدَّ الخرقي في ذلك بما له نصف يحصل، وكان الشيخ محمد بن يحيى يقول: إنما عنى بذلك الخرقي الجزء الذي يقبل التجزئة، قال: وعلى ذلك، فهو كلام صحيح، فإنه لو طلقها قبل الدخول، استحقت النصف (6)، انتهى.
(1) رواه الدارقطني في "سننه"(3/ 244)، لكن من حديث ابن عباس رضي الله عنهما بلفظ:"ولو قضيب من أراك".
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
انظر: "السنن الكبرى" للبيهقي (7/ 237).
(4)
انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 211).
(5)
انظر: "الإقناع" للحجاوي (3/ 378).
(6)
انظر: "الإفصاح" لابن هبيرة (2/ 135).
وفي "الغاية": وشرط جمعٌ أن يكون له نصف يُتمول عادة، ويُبذل العوض في مثله عرفًا (1).
وفي "شرح الوجيز": ظاهر إطلاق الإمام أحمد وعامة علمائنا: أنه لا فرق بين أن يكون له نصف متمول، أو لا، وشرط الخرقي: أن يكون له نصف يحصل (2)، وتبعه على ذلك الإمام الموفق في "المغني"(3).
فائدة:
لا يتقدر أكثر الصداق على الصحيح، وقد حكى ابنُ عبد البر الإجماعَ على ذلك (4)، لقوله -تعالى-:{وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا} [النساء: 20]، قال أبو صالح: القنطار: مئة رطل، وهو عرف الناس الآن.
وقال أبو سعيد الخدري: ملء مَسْكِ ثورٍ ذهبًا (5).
وعن مجاهد: سبعون ألف مثقال (6).
ويروى أن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه قال: خرجت وأنا أريد أن أنهى عن كثرة الصداق، فذكرت هذه الآية:{وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا} (7)[النساء: 20].
(1) انظر: "غاية المنتهى" للشيخ مرعي (5/ 179).
(2)
انظر: "مختصر الخرقي"(ص: 99).
(3)
انظر: "المغني" لابن قدامة (7/ 160).
(4)
انظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (5/ 408)، و"التمهيد" له أيضًا (21/ 117).
(5)
رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره"(3/ 907).
(6)
رواه ابن جرير الطبري في "تفسيره"(3/ 201).
(7)
رواه سعيد بن منصور في "سننه"(1/ 159 - 196).
وروى أبو حفص بإسناده: أن أمير المؤمين عمر رضي الله عنهما أصدقَ أمَّ كلثوم ابنةَ عليٍّ من فاطمة الزهراء -رضوان الله عليهم- أربعين ألفًا (1).
وقد ذكرنا -فيما تقدم- ما أمهر به النجاشي أم حبيبة رضي الله عنها، والله -تعالى- الموفق.
الثالث: اختلفوا في قوله صلى الله عليه وسلم: "زوجتكها بما معك من القرآن"، فمنهم من قال بجواز جعل تعليم شيء من القرآن معيَّنٍ صداقًا بناءً على كون الباء للتعويض، كقولك: بعتك ثوبي بدرهم، وهذا -أعني: كون الباء للتعويض- هو الظاهر، وإلا لو كانت بمعنى اللام على معنى تكريمه لكونه حامل للقرآن، لصارت المرأة بمعنى الموهوبة، والهبةُ خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، وحمله بعضهم على الخصوصية بذلك الرجل، لكون النبي صلى الله عليه وسلم كان يجوز له نكاحُ
الواهبة، فكذلك يجوز له أن يُنكحها لمن شاء بغير صداق، ولأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وقواه بعضهم بأنه لما قال له:"ملّكتكها"، لم يشاورها، ولم يستأذنها، وهذه التقوية ضعيفة؛ لأن المرأة أولًا فوضت أمرها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ففي "الصحيح" أما قالت له: فَرَ فيّ رأيَك (2).
ووقع في حديث أبي هريرة عند النسائي بعد قوله صلى الله عليه وسلم: "لا حاجة لي، ولكن تملِّكيني أمرَك"، قالت: نعم، وفيه: فقالت: ما رضيتَ لي رضيتُ (3)، فهذه صارت كمن قالت لوليها: زوجني بما ترى من كثير الصداق وقليله.
(1) رواه ابن عدي في "الكامل في الضعفاء"(4/ 186)، ومن طريقه: البيهقي في "السنن الكبرى"(7/ 233). وانظر: "المغني" لابن قدامة (7/ 161).
(2)
تقدم تخريجه عند البخاري برقم (4854)، وعنده:"فَرَ فيها" بدل "فَرَ فيَّ".
(3)
لم أقف عليه في "سنن النسائي" بهذا اللفظ، والله أعلم.
واستدل لمن قال بالخصوصية بما أخرجه سعيد بن منصور من مرسل أبي النعمان الأزدي، قال: زوّج رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة على سورة من القرآن، وقال:"لا يكون لأحد بعدَكَ مهرًا"(1)، لكنه مع إرساله فيه من لا يُعرف.
وأخرج أبو داود من طريق مكحوله، قال: ليس هذا لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم (2).
وأخرج أبو عوانة من طريق الليث بن سعد نحوَه (3).
وقال: القاضي: يحتمل قولُه: "بما معك من القرآن" وجهين:
أظهرهما: أن يعلمها ما معه من القرآن، أو مقدارًا معينًا، ويكون ذلك صداقَها، وقد جاء هذا التفسير عن الإمام مالك (4)، ويؤيده قوله في بعض طرقه الصحيحة:"فعلمها من القرآن"(5)، وعين في حديث أبي هريرة مقدار ما يعلمها، وهو عشرون آية (6).
قال: البرماوي في "شرح الزهر البسام": واعلم أن القرآن الذي زوّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك الرجل عشرون آية من سورة البقرة والتي بعدها، كما جاء في بعض الروايات نحوُ هذه القصة من حديث أبي هريرة من غير ذكر الإزار والخاتم إلى أن قال:"وما تحفظ من القرآن؟ "، قال: سورة البقرة، والتي تليها، قال:"قمْ فعلِّمها عشرين آية، وهي امرأتك" خرّجه
(1) رواه سعيد بن منصور في "سننه"(1/ 206).
(2)
رواه أبو داود (2113)، كتاب: النكاح، باب: في التزويج على العمل يعمل.
(3)
لم أقف عليه فيما طبع من "مسنده"، وانظر:"فتح الباري" لابن حجر (9/ 212).
(4)
انظر: "إكمال المعلم" للقاضي عياض (4/ 581).
(5)
تقدم تخريجه عند مسلم برقم (1425/ 77).
(6)
سيأتي تخريجه قريبًا.
أبو داود، والنسائي (1) لكن في "كتابيهما": سورة البقرة، أو التي تليها، بلفظ أو.
وقال: الحافظ ابن حجر في "الفتح": وزعم بعضُ من لقيناه أنه عند أبي داود بالواو، وعند النّسائيّ بلفظ:"أو"(2)، وفي بعض الروايات من حديث ابن عباس وجابر رضي الله عنهم:"هل تقرأ من القرآن شيئًا؟ "، قال: نعم {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} [الكوثر: 1]، قال:"أصدِقْها إياها"(3)، وفي رواية: خمس سور، أو أربع سور من القرآن، وفي رواية: على سور المفصل، ويُجمع بين هذه الألفاظ بأن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ غيره، أو أن القصص متعددة (4).
والوجه الثاني: أن تكون الباء بمعنى اللام، أي: لأجل ما معك من القرآن، فأكرمَه بأن زوّجه المرأة بلا مهر، لأجل كونه حافظًا للقرآن، أو لبعضه (5).
الرابع: اختلف الفقهاء في تعلم القرآن هل يجوز أن يكون مهرًا:
فقال: أبو حنيفة، وأحمد في أظهر روايتيه: لا يكون ذلك مهرًا.
وقال مالك، والشافعي: يجوز أن يكون مهرًا.
وعن الإمام أحمد مثله (6).
(1) رواه أبو داود (2112)، كتاب: النكاح، باب: في التزويج على العمل يعمل، والنسائي في "السنن الكبرى"(5506).
(2)
انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 208).
(3)
لم أقف عليه.
(4)
انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 209).
(5)
المرجع السابق، (9/ 212).
(6)
انظر: "الإفصاح" لابن هبيرة (2/ 136).
قلت: وقد مال في "الهدي" ميلًا كليًا إلى صحة كون المرأة إن رضيت بعلم زوجها أو حفظه للقرآن أو بعضه من مهرها، وأن ما يحصل لها من انتفاعها القرآن والعلم هو صداقها، كما إذا جعل السيد عتقَها صداقَها، وكان انتفاعُها بحريتها وملكها لرقبتها هو صداقها، فإن الصداق شُرع في الأصل حقًا للمرأة تنتفعُ به، فإذا رضيت بالعلم والدين وإسلام الزوج، كما في قصة أبي سليم وقراءته للقرآن، كان هذا من أفضلِ المهور وأنفعِها وأجلِّها، فما خل العقد من مهر، وأين الحكم بتقدير المهر بثلاثة دراهم أو عشرة من النص والقياس إلى الحكم بصحة كون المهر ما ذكرنا نصًا وقياسًا، وليس هذا مساويًا للموهوبة التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم، وهي خاصة له من دون المؤمنين، فإن تلك وبيت نفسها هبةً مجردة عن ولي وصداق، بخلاف هذه، فإنه نكاحٌ بولي وصداق، فإنه وإن كان غير مالي، فإن المرأة جعلته عوضًا عن المال، لما يرجع إليها من نفعه، ولم تهب نفسها للزوج هبة مجردة كهبة شيء من مالها، انتهى ملخصًا (1).
ومعتمد المذهب: أنه إن أصدقها تعليم قرآن، لم يصح، بل فقه أو أدب أو شعر مباح معلوم.
قال في "شرح الوجيز": كونه إذا أصدقها تعليم قرآن لا يصح؛ لأن الفروج لا تستباح إلا بالأموال، بدليل قوله -تعالى-:{وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ} [النساء: 24]، والقرآن ليس بمال، ولأن تعليم القرآن من شرطه أن يقع قربة لفاعله، فلم تصح المعاوضة عليه، دليله إذا استأجر قومًا يصلون معه الجمعة والفرائض والتراويح.
(1) انظر: "زاد المعاد" لابن القيم (5/ 178 - 179).
قال: وهذا المذهب نص عليه، وعليه علماؤنا، منهم: أبو بكر، والموفق (1)، والشارح (2)، وغيرهم، وصححه في "الهداية"، و"الخلاصة" وغيرهما.
قال في "البلغة" و"النظم": هذا المشهور، وجزم به في "المنور"(3)، و"منتخب الأدمي"، وغيرهما، وقدمه في "الفروع"(4)، وغيره، وهو الذي جزم به في "الإقناع"(5)، و"المنتهى"(6)، و"الغاية"(7)، وغيرها.
والرواية الثانية: يصح.
قال ابن رزين: هذا الأظهر، واختاره ابنُ عبدوس في "تذكرته"، وجزم به في "عيون المسائل"، لهذا الحديث، ولأن تعليم القرآن منفع مباحة، فجاز جعلُه صداقًا، كتعليم قصيدة من الشعر المباح (8)، والله أعلم.
(1) انظر: "المغني" لابن قدامة (7/ 163).
(2)
انظر: "شرح المقنع" لابن أبي عمر (8/ 11).
(3)
انظر: "المنور في راجح المحرر" للأدمي (ص: 360 - 361).
(4)
انظر: "الفروع" لابن مفلح (5/ 199).
(5)
انظر: "الإقناع " للحجاوي (3/ 376).
(6)
انظر: "منتهى الإرادات" للفتوحي (4/ 135).
(7)
انظر: "غاية المنتهى" للشيخ مرعي (5/ 177).
(8)
وانظر: "المبدع" لابن مفلح (7/ 135).