المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الحديث العاشر عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ - كشف اللثام شرح عمدة الأحكام - جـ ٥

[السفاريني]

فهرس الكتاب

- ‌الحديث الخامس

- ‌باب الرهن وغيره

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌الحديث التاسع

- ‌الحديث العاشر

- ‌الحديث الحادى عشر

- ‌الحديث الثاني عشر

- ‌الحديث الثالث عشر

- ‌باب اللقطة

- ‌باب الوصايا

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌كتاب الفرائض

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌كتاب النكاح

- ‌الحديث الأول

- ‌بَابِ

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌الحديث التاسع

- ‌الحديث العاشر

- ‌الحديث الحادي عشر

- ‌الحديث الثاني عشر

- ‌الحديث الثالث عشر

- ‌باب الصداق

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌كتاب الطلاق

- ‌الحديث الأول

- ‌ باب:

- ‌الحديث الثاني

- ‌باب العدة

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌كتاب اللعان

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌كتاب الرضاع

- ‌الحديث الأول

الفصل: ‌ ‌الحديث العاشر عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ

‌الحديث العاشر

عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ القُرَظِيِّ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ القُرَظِي، فَطَلَّقَنِي، فَبَتَّ طَلَاقِي، فَتَزَوَّجْتُ بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَن بْنَ الزَّبِيرِ، وَإنَّمَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ، فَتبَّسَمَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَقَالَ:"أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟! لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ، وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ"، قَالَتْ: وَأَبُو بكْرٍ عِنْدَهُ، وَخَالِدُ بنُ سَعيدٍ بِالبَابِ يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ، فَنَادَى: يَا أَبَا بكْرٍ! أَلَا تَسْمَعُ مَا تَجْهَرُ بهِ هَذِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم (1)؟!

(1) * تَخْرِيج الحَدِيث:

رواه البخاري (2496)، كتاب: الشهادات، باب: شهادة المختبي، و (4960 - 4961)، كتاب: الطلاق، باب: من أجاز طلاق الثلاث، و (4964)، باب: من قال لامرأته أنت عليَّ حرام، و (5011)، باب: إذا طلقها ثلاثًا ثم تزوجت بعد العدة زوجًا غيره فلم يمسها، و (5456)، كتاب: اللباس، باب: الإزار المهدب، و (5487)، باب: الثياب الخضر، و (5734)، كتاب: الأدب، باب: التبسم والضحك، ومسلم (1433/ 111 - 115)، كتاب: النكاح، باب: لا تحل المطلقة ثلاثًا لمطلقها حتى تنكح زوجًا غيره ويطأها، والنسائي (3409)، كتاب: الطلاق، باب: طلاق البتة، و (3283)، كتاب: النكاح، باب: النكاح الذي تحل به المطلقة ثلاثًا لمطلقها، و (3407 - 3408)، كتاب: الطلاق، باب: الطلاق التي تنكح زوجًا ثم لا يدخل بها، و (3411 - 3412)، باب: إحلال المطلقة ثلاثًا والنكاح الذي يحلها به، والترمذي =

ص: 334

(عن) أم المؤمنين (عائشة) الصدّيقة (رضي الله عنها، قالت: جاءت امرأةُ رفاعةَ)، وهي تميمة -بفتح المثناة فوق- وقيل: -بالضم- بنتُ وهب كما في "الموطأ"(1)، وقيل: سُهيمة -بضم السين المهملة-، وقيل: عائشة.

وقال ابن منده، وابن طاهر: اسمها أميمة بنت الحارث -بألف- كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما (2)، وهي قرظيّة (3).

ورفاعة -بكسر الراء وبالفاء- بنُ سِمْوال -بكسر السين المهملة-، ويقال: -بفتحها وسكون الميم وتخفيف الواو وباللام- (القرظيِّ) -بضم

= (1118)، كتاب: النكاح، باب: ما جاء فيمن يطلق امرأة ثلاثًا فيتزوجها آخر، فيطلقها قبل أن يدخل بها، وابن ماجه (1932)، كتاب: النكاح، باب: الرجل يطلق امرأته ثلاثًا فتتزوج فيطلقها قبل أن يدخل بها، أترجع إلى الأول؟.

* مصَادر شرح الحَدِيث:

"عارضة الأحوذي" لابن العربي (5/ 43)، و"إكمال المعلم" للقاضي عياض (4/ 656)، و"المفهم" للقرطبي (4/ 234)، و"شرح مسلم" للنووي (10/ 2)، و"شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (4/ 39)، و"العدة في شرح العمدة" لابن العطار (3/ 1283)، و"طرح التثريب" للعراقي (7/ 94)، و"فتح الباري" لابن حجر (9/ 464)، و"عمدة القاري" للعيني (13/ 196)، و"إرشاد الساري" للقسطلاني (8/ 134)، و"سبل السلام" للصنعاني (3/ 137)، و"نيل الأوطار" للشوكاني (7/ 44).

(1)

رواه الإمام مالك في "الموطأ"(2/ 531).

(2)

انظر: "الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر (7/ 509).

(3)

وانظر ترجمتها في: "الطبقات الكبرى" لابن سعد (8/ 457)، و"الاستيعاب" لابن عبد البر (4/ 1798)، و"غوامض الأسماء المبهمة" لابن بشكوال (2/ 622)، و"أسد الغابة" لابن الأثير (7/ 43)، و"تهذيب الأسماء واللغات" للنووي (2/ 631)، و"الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر (7/ 545).

ص: 335

القاف وفتح الراء وبالظاء المشالة- نسبة إلى قريظة، وهو من يهود المدينة، من ولد لاوي بن يعقوب عليه السلام، وهو خال صفية بنت حُيَيٍّ أم المؤمنين؛ لأن أمها برةُ بنتُ سموال (1) (إلى النبي صلى الله عليه وسلم) متعلق بـ:(جاءت)، (فقالت) امرأةُ رفاعةَ للنبي صلى الله عليه وسلم:(كنتُ عندَ رفاعةَ القرظي) زوجةً له، (فطلّقني) رفاعةُ (فبتّ طلاقي) تطليقُه إياها بالبتات يحتمل من حيث اللفظ أن يكون بإرسال الطلقات الثلاث، ويحتمل أن يكون بإيقاع آخرِ طلقة، ويحتمل أن يكون بإحدى الكنايات التي تحمل على البينونة عند جماعة من الفقهاء، وليس في اللفظ عموم، ولا إشعارٌ بأحد هذه المعاني، وإنما يؤخذ ذلك من أحاديث أخر تبين المراد، والحديث إنما دل على مطلق البت، والدال على المطلق لا يدلُّ على أحد قيديه بعينه (2).

(فتزوجتُ بعده)؛ أي: بعد طلاق رفاعةَ لها وانقضاءِ عدّتها منه.

(عبدَ الرحمن بن الزَّبيرِ) -بفتح الزاي وكسر الباء الموحدة- بلا خلاف، كما نقله صاحب "المطالع" ابن باطا -بموحدة بلا مد ولا همز- ويقال: ابن باطيا، قُتل الزُّبيرُ يهوديًا يومَ بني قريظة، قتله الزُّبير بن العوام رضي الله عنه، وقد اتفقت الروايات كلّها عن هشام بن عروة أنّ الزوج رفاعة، والثاني عبد الرحمن.

وكذا قال عبد الوهاب بن عطاء عن سعيد بن أبي عروبة في كتاب النكاح له: عن قتادة: أن تميمةَ بنتَ أبي عبيد القرظيةَ كانت تحت رفاعة،

(1) وانظر ترجمته في "الاستيعاب" لابن عبد البر (2/ 500)، و"أسد الغابة" لابن الأثير (2/ 283)، و"تهذيب الأسماء واللغات" للنووي (1/ 189)، و"الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر (2/ 491).

(2)

انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (4/ 39 - 40).

ص: 336

فطلّقها، فخلَفَ عليها عبدُ الرحمن بن الزبير، وتسميتُه لأبيها لا ينافي روايةَ مالك، فلعلَّ اسمَه وهب، وكنيته أبو عبيد، وإلا ما وقع عند ابن إسحاق في "المغازي" من رواية سَلَمة بن الفضل عنه، وتفرّد به عنه هشامٌ عن أبيه، قال: كانت امرأةٌ يقال لها: تميمةُ تحتَ عبد الرحمن بن الزبير، فطلّقها، فتزوجها رفاعة، ثم فارقها، فأرادت أن ترجع إلى عبد الرحمن بن الزبير، وهو -مع إرساله- مقلوبٌ، والمتفق عليه الجماعة أصح وأثبت (1).

وأخرج مقاتل بن حيان في "تفسيره"، ومن طريقه ابن شاهين في "الصحابة"، ثمّ أبو موسى في قوله - تعالى-:{فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230]، قال: نزلت في عائشةَ بنتِ عبد الرحمن بنِ عتيك النضيرية، كانت تحت رفاعةَ بن وهبِ بنِ عتيك، وهو ابن عمها، فطلّقها طلاقًا بائنًا، فتزوجت بعده عبدَ الرحمن بنَ الزبير، ثم طلقها، فأتت النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقالت: إنه طلّقني قبل أن يمسّني، أفأرجع إلى ابن عمي زوجي الأول؟ قال:"لا"، الحديث (2).

قال: الحافظ ابن حجر في "الفتح": وهذا إن كان محفوظًا، فالواضح من سياقه أما قصة أخرى، وأن كلًا من رفاعة القرظي، ورفاعة النضري وقع له مع زوجة له طلاقٌ، فتزوج كلًا منهما عبدُ الرحمن بنُ الزبير، فطلقها قبل أن

(1) وانظر ترجمته في "الاستيعاب" لابن عبد البر (2/ 833)، و"الإكمال" لابن ماكولا (4/ 166)، و"أسد الغابة" لابن الأثير (3/ 442)، و"تهذيب الأسماء واللغات" للنووي (1/ 276)، و"تهذيب الكمال" للمزي (17/ 94)، و"الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر (4/ 305)، و"تهذيب التهذيب" له أيضًا (6/ 155).

(2)

ورواه ابن المنذر في "تفسيره"، كما نسبه السيوطي في "الدر المنثور"(1/ 677).

ص: 337

يمسها، فالحكم في قصتهما متحدٌ، مع تغاير الأشخاص، وبهذا يتبين خطأ من وحّد بينهما، ظنًا منه أن رفاعة بنَ سموال هو رفاعةُ بن وهب، فقال: اختلف في امرأة رفاعة على خمسة أقوال، فذكر اختلاف اللفظة بتميمة، وضمّ إليها عائشة، والتحقيق ما تقدم (1)، والله أعلم.

(وإنما معه)، أي: عبدِ الرحمن بنِ الزَّبيرِ بنِ باطا من الآلة؛ أي: الذَّكَر (مثلُ هُدْبَة) -بضم الهاء وسكون الدّال المهملة بعدها موحدة مفتوحة-: هو طرف (الثّوب) الذي لم يُنسج، مأخوذٌ من هدب العين، وهو شعر الجفن (2)، وأرادت أن ذَكره يشبه الهدبة في الاسترخاء وعدم الانتشار (3)، واستدل به على أنّ وطء الزوج الثاني لا يكون محلِّلًا ارتجاعَ الزوج الأول للمرأة إلّا إن كان حالَ وطئه منتشرًا، فلو كان ذكره أشلَّ، أو كان عِنِّينًا، أو طفلًا، لم يكف، على أصح قولي العلماء، وهو الأصح حتى عند الشافعية (4)(فتبسّم رسول الله صلى الله عليه وسلم) من قولها، (وقال) لها:(أتريدين أن ترجعي إلى رفاعةَ؟!) زوجِها الأول، وفي رواية في "الصحيحين" أنها قالت: يا رسول الله! إنها كانت تحت رفاعة، فطلّقها آخر ثلاث تطليقات، فتزوجت بعده عبدَ الرّحمن بَن الزَّبير، وأنه والله! ما معه إلّا مثل هذه الهدبة، وأخذت بهدبة من جِلبابها، قالت: فتبسّم رسول الله صلى الله عليه وسلم ضاحكًا، وقال:"لعلّكِ تريدين أن ترجعي إلى رفاعة"(5).

وفيهما عن عكرمة: أنّ رفاعة طلّق امرأته، فتزوجها عبد الرحمن بن

(1) انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 465).

(2)

قاله النووي في "شرح مسلم"(10/ 1).

(3)

قاله ابن دقيق العيد في "شرح عمدة الأحكام"(4/ 40).

(4)

انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 465).

(5)

تقدم تخريجه عند البخاري برقم (5456)، ومسلم برقم (1433/ 112).

ص: 338

الزبير القرظي، قالت عائشة رضي الله عنها: فجاءت وعليها خمارٌ أخضر، فشكت إليها؛ أي: إلى عائشةَ من زوجها، وأرتها خضرةً بجلدها، فلمّا جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، والنساء ينصر بعضُهنَّ بعضًا، قالت عائشة: ما رأيتُ مثلَ ما يلقى المؤمنات، لجلدُها أشدُّ خضرة من ثوبها، قال: وسمع زوجُها، فجاء ومعه اثنان له من غيرها، قالت: والله! ما لي إليه من ذنب، إلّا أنّ ما معه ليس بأغنى عني من هذه، وأخذت هُدبةً من ثوبها، فقال: كذبت، والله يا رسول الله! إني لأنفضها نفضَ الأديم، ولكنها ناشزٌ تريد رفاعةَ، قال:"فإن كان ذلك، لم تحلّي له" الحديث (1)، وكأن هذه المراجعة بينهما هي التي حملت خالدَ بنَ سعيد على قوله ما قال (لا) ترجعين إلى رفاعة (حتى تذوقي عُسيلته)؛ أي: عسيلةَ الزوج الثاني الذي هو عبد الرحمن بن الزبير، (ويذوقَ) هو (عُسيلتك) كذا في الموضعين بالتصغير، واختلفوا في توجيهه، فقيل: هو تصغير العسل؛ لأن العسل مؤنث، جزم به القزاز.

ثم قال: وأحسب التذكيرَ لغةً.

وقال الأزهري: يُذَكَّر ويُؤنّث (2).

قال في "القاموس": العسلُ، لُعاب النحل، وطلٌّ خفيٌّ يقع على الزهر وغيره، فيلقطه النحل، وهو بخار يصعد فينضج في الجو، فيستحيل، فيغلظ في الليل. فيقع عسلًا، وقد يقع العسل ظاهرًا، فيلتقطه الناس، قال: وأَفردتُ لمنافعه وأسمائه كتابًا، ويؤنث، انتهى (3).

(1) تقدم تخريجه عند البخاري برقم (5487).

(2)

انظر: "الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي" للأزهري (ص: 330).

(3)

انظر: "القاموس المحيط" للفيروزأبادي (ص: 1333)، (مادة: عسل).

ص: 339

وقيل: إنّ العرب إن احتقرت الشيء، أدخلت فيه هاء التأنيث، ومن ذلك قولهم: دُريهمات، فجمعوا الدرهم جمع المؤنث عند إرادة التحقير، وقيل: التأنيث باعتبار الرطبة، إشارة إلى أما تكفي في المقصود من تحليلها للزوج الأول، وقيل: المراد: قطعة من العسل، والتصغير للتقليل، إشارة إلى أن القدر القليل كافٍ في تحصيل الحِلّ (1).

قال الأزهري: الصواب: أن معنى العسيلة: حلاوة الجماع الذي يحصل بتغييب الحشفة في الفرج، وأُنث تشبيهًا بقطعة من عسل (2).

وقال الداودي: صغرت لشبهة شبهها بالعسل، وقيل: معنى العسيلة: النطفة، وهذا يوافق قول الحسن البصري، والجمهور: أن ذوق العسيلة كناية عن المجامعة، وهو تغييب حشفة الرجل في فرج المرأة، وزاد الحسن البصري: وحصول الإنزال، وهذا الشرط تفرد به عن الجماعة، قاله ابن المنذر وآخرون.

وقال ابن بطال: شذّ الحسن في هذا، وخالفه سائر الفقهاء، فقالوا: يكفي من ذلك ما يوجب الحد، ويُحْصِن الشخص، ويوجب الغسل، ويفسد الحج والصوم، ويكمل الصداق.

قال أبو عبيد: العسيلة: لذة الجماع، والعرب تسمي كل شيء تستلذُّه عسلًا.

قال ابن المنذر: أجمع العلماء على اشتراط الجماع لتحلّ للأول، إلا

(1) انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 466).

(2)

انظر: "الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي" للأزهري (ص: 330)، وانظر:"مشارق الأنوار" للقاضي عياض (2/ 101)، و"النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (3/ 237).

ص: 340

سعيد بن المسيب، فإنّه قال: يقول الناس: لا تحل للأول حتى يجامعها الثاني، وأنا أقول: إذا تزوجها تزويجًا صحيحًا، لا يريد بذلك إحلالها للأول، فلا بأس أن يتزوجها.

وقال ابن المنذر: وهذا القول لا نعلم أحدًا وافقه عليه إلا طائفة من الخوارج، ولعله لم يبلغه الحديث، فأخذ بظاهر القرآن.

وحكى الإمام الحافظ ابن الجوزي عن داود: أنه وافق سعيدَ بن المسيب على ذلك.

قال القرطبي: ويستفاد من الحديث على قول الجمهور: أن الحكم يتعلق بأقل ما يطلق عليه الاسم (1)، خلافًا لمن قال: لابد من حصول جميعه، وفي قوله صلى الله عليه وسلم:"حتى تذوقي عسيلته" إلخ إشعارٌ بإمكان ذلك، لكن قولها: ليس معه إلا مثل هذه الهدبة ظاهر في تعذر الجماع المشترط.

وأجاب الكرماني: بأن مرادها بالهدبة: التشبيه بها في الدقة والرقة، لا في الرخاوة وعدم الحركة، واستبعد ما قاله، وسياقه الخبر يعطي بأنها شَكَتْ منه عدم الانتشار، ولا يمنع من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:"حتى تذوقي عسيلته"؛ لأنه علقه على الإمكان، وهو جائز الوقوع، فكأنه قال: اصبري حتى يتأتى منه ذلك، واستدل بإطلاق وجود الذوق منهما اشتراط علم الزوجين به، حتى لو وطئها نائمة، أو مغمًى عليها، لم يكف، ولو أنزل هو.

وبالغ ابن المنذر، فنقله عن جميع الفقهاء، وتُعُقِّب.

(1) انظر: "المفهم" للقرطبي (4/ 234 - 235).

ص: 341

وقال القرطبي: فيه حجة لأحد القولين فى أنه لو وطئها نائمة، أو مغمًى عليها، لم تحل (1).

وجزم ابن القاسم بأن وطء المجنون يحلل، وخالفه أشهب (2).

قلت: وجزم علماؤنا بحصول حلها للأول بوطء الثاني في قبلها مع انتشار، ولو نائمًا، أو مغمًى عليه وأدخلته فيه، وأنه يكفي تغييب الحشفة أو قدرها من نحو مجبوب (3).

(قالت) عائشة رضي الله عنها: صارت المراجعة من امرأة رفاعة لرسول الله (وأبو بكر) الصديق رضي الله عنه جالسٌ (عنده)؛ أي: عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، جملة حالية (وخالد بن سعيد) بن العاص بنِ أميةَ بنِ عبدِ شمسِ بنِ عبدِ منافٍ القرشيُّ، الأُمويُّ -بضم الهمزة-، ويكنى: أبا سعيد، أسلم قديمًا، قيل: بعد أبي بكرٍ الصديق، فكان ثالثًا، أو رابعًا، وقيل: كان خامسًا.

وكان سبب إسلامه رؤياه في منامه النارَ، وأنه واقفٌ على شفيرها، وكأَنَّ أباه يدفعه فيها، ورأى الرسول صلى الله عليه وسلم أخذ بحقويه لا يقع فيها، فلقي النبي صلى الله عليه وسلم بأجياد، فقال: يا محمد! إلام تدعو؟ قال: "أدعوك أن تؤمن بالله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وتخلع ما أنت عليه من عبادة حجرٍ لا يسمع ولا يبصر، ولا يضر ولا ينفع، ولا يدري من عبده ممن لم يعبده"، قال خالد: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله، فسرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، بإسلامه ولما علم أبو خالد بذلك،

(1) المرجع السابق، (4/ 235).

(2)

انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 466 - 467).

(3)

انظر: "الفروع" لابن مفلح (5/ 362).

ص: 342

آذاه (1)، ثمَّ لما هاجر المسلمون إلى الحبشة، هاجر إليها، وأقام بها بضع عشرة (2) سنة.

ووُلد له ابنه سعيد، وبه كني، وابنته أم خالد، فهو من السابقين الأولين، ثمَّ وفد على النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك وهو بخيبر، فشهدها وما بعدها، وبعثه صلى الله عليه وسلم على صدقات اليمن، فتوفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو بها، واستشهد رضي الله عنه يوم مرج الصفر بالشام سنة أربع عشرة في صدر خلافة عمر، وقيل: قتل يوم أجنادين في سنة ثلاث عشرة (3) قبل وفاة الصديق رضي الله عنه بأربع وعشرين ليلة، وهو ابن خمسين سنة (4)، ومَرْجُ الصُّفَّر -بضم

الصاد المهملة وتشديد الفاء-: موضعٌ بغوطة دمشق، كان به وقعة للمسلمين مع الروم.

قال النَّوويُّ: بينها وبين دمشق دون مرحلة (5).

فلما قالت امرأةُ رفاعة ما قالت، وأبو بكر رضي الله عنه عند

(1) رواه ابن سعد في "الطبقات الكبرى"(4/ 94)، والحاكم في "المستدرك"(5082).

(2)

في "ب": "بضعة عشر".

(3)

في "ب": "ثلاثة عشر".

(4)

وانظر ترجمته في: "الطبقات الكبرى" لابن سعد (4/ 94)، و"التاريخ الكبير" للبخاري (3/ 152)، و"الآحاد والمثاني" لابن أبي عاصم (1/ 387)، و"الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (3/ 334)، و"الثقات" لابن حبان (3/ 103)، و"المستدرك" للحاكم (3/ 277)، و"الاستيعاب" لابن عبد البر (2/ 420)، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر (16/ 67)، و"أسد الغابة" لابن الأثير (2/ 124)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (1/ 259)، و"الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر (2/ 236).

(5)

انظر: "تهذيب الأسماء واللغات" للنووي (3/ 326).

ص: 343

رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخالدُ بن سعيد رضي الله عنه قائمٌ (بالباب)؛ أي: باب بيت النبيِّ صلى الله عليه وسلم (ينتظر أن يؤذنَ له) في الدخول على الرسول صلى الله عليه وسلم، وجملة: وخالد بالباب إلخ حالية، (فنادى) خالدُ بنُ سعيدٍ أبا بكرٍ الصديقَ رضي الله عنهما لما سمع قولها: فقال: (يا أبا بكر! ألا تسمعُ ما تجهر به هذه) يعني: تميمة امرأة رفاعة (عندَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم؛)، وفي لفظ: ألا تنهى هذه عما تجهر به عندَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فوالله ما يزيد رسول الله صلى الله عليه وسلم على التبسم (1).

وفيه ما كان الصحابة عليه من سلوك الأدب بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم، وإنكارُهم على من خالف ذلك بفعله أو قوله "لقول خالد بن سعيد لأبي بكرٍ الصديق رضي الله عنهما وهو جالسٌ: ألا تنهى هذه؟ وإنما قال خالد ذلك؛ لأنه كان خارجَ الحجرة، فاحتمل عنده أن يكون هناك ما يمنعه من مباشرة نهيها بنفسه، فأمر به أبا بكر، لكونه كان جالسًا عند النبي صلى الله عليه وسلم شاهدًا لصورة الحال، ولذلك لما رأى أبو بكر رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم يتبسم عند مقالتها، لم يزجرها، وتبسُّمه صلى الله عليه وسلم كان تعجبًا منها، إما لتصريحها بما يستحيي النساء من التصريح به غالبًا، وإما لضعف عقل النساء، لكون الحامل لها على ذلك شدةُ بغضها في الزوج الثاني، ومحبتها في الرجوع إلى الأول (2).

تنبيهات:

الأول: اعتبر علماؤنا كونَ النكاح الثّاني نكاحًا صحيحًا، لا فاسدًا ولا باطلًا، فلابد من كونه نكاح رغبة، لا نكاح تحليل.

(1) تقدم تخريجه عند البخاري برقم (5456).

(2)

انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 466).

ص: 344

وقد صنف شيخ الإسلام ابن تيمية -روَّحَ الله رُوحَه- في ذلك كتابه "بيان الدليل في إبطال التحليل"، قال فيه: نكاح المُحَلِّل حرام باطل لا يفيد الحل، وصورة ذلك: أن الرجل إذا طلّق امرأته ثلاثًا، فإنها تحرم عليه حتى تنكح زوجًا غيره كما ذكره -سبحانه- في كتابه، وجاءت به سنّة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وأجمعت عليه أمته، فإذا تزوجها رجل بنيّة أن يطلقها لتحل لزوجها الأول، كان هذا النكاح حرامًا باطلًا، سواء عزم بعد ذلك على إمساكها، أو فارقها، وسواء شُرط عليه ذلك في عقد النكاح، أو شرط عليه قبل العقد، أو لم يشرط عليه لفظًا، بل كان ما بينهما، من الخطبة، وحالِ الرجل والمرأة والمهر نازلًا بينهم منزلةَ اللفظ بالشرط، أو لم يكن شيء من ذلك، بل أراد الرجل أن يتزوجها ثمَّ يطلقها لتحلَّ للمطلِّقِ ثلاثًا من غير أن تعلم المرأة والأولياء شيئًا من ذلك، سواء علم الزوج المطلِّق ثلاثًا، أو لم يعلم، مثل أن يظن المحلِّل أن هذا فعل خير ومعروف مع المطلِّق وامرأته بإعادتها إليه، لما أن الطلاق أضرّ بهما وبأولادهما وعشيرتهما، ونحو ذلك، بل لا تحل للمطلِّق ثلاثًا أن يتزوجها حتى ينكحها رجلٌ مرتغبًا لنفسه نكاحَ رغبة لا نكاحَ دلسة، ويدخل بها بحيث تذوق عُسيلته، ويذوق عُسيلتها، ثمَّ بعد هذا إذا حدثت بينهما فرقة بموتٍ أو طلاقٍ أو فسخٍ، جاز للأول أن يتزوجها، ولو أراد هذا المحلل أن يقيم معها بعد ذلك، استأنف ذلك فإن ما معنى عقد فاسدٌ لا يباح المقام به معها؟

قال رحمه الله: هذا هو الذي دل عليه الكتاب والسنة، وهو المأثور عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعامةِ التابعين لهم بإحسانٍ، وعامةِ فقهاء الإسلام، مثل سعيدِ بن المسيب، والحسنِ البصري، وإبراهيمَ النخعيِّ، وعطاءِ بنِ رباح، وهؤلاء الأربعة أركان التابعين، ومثل أبي الشعثاء جابرِ بنِ

ص: 345

زيد، والشعبي، وقتادة، وبكر بن عبد الله المزني، وهو مذهب مالك وجميع أصحابه، والليث بن سعد، والأوزاعي، وسفيان الثوري، وهؤلاء الأربعة أركان أتباع التابعين، وهو مذهب الإمام أحمد، وفقهاء الحديث، منهم إسحاق بن راهويه، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وسليمان بن داود الهاشمي، وأبو خيثمة زهيرُ بن حرب، وأبو بكر بنُ أبي شيبة، وأبو إسحاق الجوزجاني، وغيرهم.

وهو قول للشّافعيّ في كتابه "القديم العراقي"، قال: فيما إذا تزوجها تزويجًا مطلقًا لم يشترط، ولا اشتُرط عليه التحليل، إلا أنه نواه وقصده، فأبطله كمالك، وصححه في "الجديد المصري".

وذكر الشيخ في "إبطال التحليل" الأدلة الصريحةَ، والأحاديثَ الصحيحةَ في إبطال التحليل، وأنه حرامٌ وباطل، وأن فاعله تيسٌ مستعار وعاهر، وقال في غضون ذلك: المعروف عن المدنيين التغليظ في التحليل، قال: وهو عملهم، وعليه اجتماع مَلَئِهم، وقد أجلب على ذلك بخيله ورَجِلِهِ (1).

وقال تلميذه الإمام المحقق ابنُ القيم في كتابه "إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان: "ومن مكائده -أي: الشيطان- التي بلغ فيها مرادَه: مكيدةُ التحليل الذي لعن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فاعله، وشبهه بالتيس المستعار، وعظم بسببه العار والشنار، وعير المسلمين بها الكفار، وجعل بسببه من الفساد، ما لا يحصيه إلا ربُّ العباد، واستكبرت له التيوس المستعارات، وضاقت به ذرعًا النفوسُ الأبِيَّات، ونفرت منه أشدَّ من نفارها من السفاح، وقالت:

(1) وانظر: "الفتاوى المصرية الكبرى" لشيخ الإسلام ابن تيمية (3/ 100) وما بعدها.

ص: 346

لو كان هذا نكاحًا صحيحًا، لم يلعن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من أتى بما شرّعه من النكاح، فإن النكاح سنّة، وفاعلُ السنّة مقرَّب غيرُ ملعون، والمحلِّلُ مع وقوع اللعنة عليه بالتيس المستعار مقرون، فقد سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتيس المستعار، وسماه السلف بمسمار النار.

ثمَّ ذكر ابن القيم ما رواه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: لعن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المحلِّل والمحلَّل له، رواه الحاكم في "الصحيح"، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح (1)، وقال: العمل عليه عند أهل العلم، منهم: عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم (2).

وهو قول الفقهاء من التابعين، وقد رواه الإمام أحمد في "مسنده"، والنسائي في "سننه" بأسانيد صحاح، ولفظُهما: لعن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الواشمةَ والمتوشمةَ، والواصلةَ والموصلة، والمحلِّلَ والمحلَّلَ له، وآكلَ الربا وموكلَه (3).

وفي حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه لعن المحلِّل والمحلَّل له، رواه الإمام أحمد، وأهل السنن كلهم غير النّسائيّ (4).

(1) رواه الترمذي (1120)، كتاب: النكاح، باب: ما جاء في المحلل والمحلل له، ولم أره عند الحاكم في "مستدركه" من حديث ابن مسعود رضي الله عنه وانظر:"التلخيص الحبير" لابن حجر (3/ 170).

(2)

انظر: "سنن الترمذي"(3/ 428).

(3)

رواه الإمام أحمد في "المسند"(1/ 428)، والنسائي (3416)، كتاب: الطلاق، باب: إحلال المطلقة ثلاثًا وما فيه من التغليظ.

(4)

رواه الإمام أحمد في "المسند"(1/ 83)، وأبو داود (2076)، كتاب: النكاح، =

ص: 347

وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لعن الله المحلل والمحلل له" رواه الإمام أحمد بإسناده، ورجاله كلهم ثقات (1).

قال التّرمذيّ في كتاب "العلل": سألت أبا عبد الله محمدَ بنَ إسماعيل البخاريّ عن هذا الحديث، فقال: هو حديث حسن (2).

وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لعن الله المحلل والمحلل له" رواه ابن ماجه (3).

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أيضًا، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المحلل، فقال:"لا، إلا نكاحَ رغبة لانكاحَ دلسة ولا استهزاء بكتاب الله، ثمَّ يذوق العسيلة" رواه أبو إسحاق الجوزجاني في كتاب "المترجم"(4).

وفي حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ "، قالوا: بلى يا رسول الله، قال:"هو المحلِّل، لعن الله المحلِّل والمحلَّل له" رواه ابن ماجه (5)، قال في "إغاثة اللهفان": رجال إسناده كلهم موثقون لم يجرح واحد منهم.

= باب: في التحليل، والترمذي (1119)، كتاب: النكاح، باب: ما جاء في المحلل والمحلل له، وابن ماجه (1935)، كتاب: النكاح، باب: المحلل والمحلل له.

(1)

رواه الإمام أحمد في "المسند"(2/ 323).

(2)

انظر: "العلل" للترمذي (ص: 161).

(3)

رواه ابن ماجه (1934)، كتاب: النكاح، باب: المحلل والمحلل له.

(4)

ساق إسناده ابن كثير في "تفسيره"(1/ 281)، ورواه أيضًا: الطبراني في "المعجم الكبير"(11567)، وابن حزم في "المحلى"(10/ 184).

(5)

رواه ابن ماجه (1936)، كتاب: النكاح، باب: المحلل والمحلل له.

ص: 348

وعن عمرو بن دينار، وهو من أعيان التابعين: أنه سئل عن رجلٍ طلق امرأته، فجاء رجل من أهله بغير علمه ولا علمها، فأخرج شيئًا من ماله، فتزوجها ليحللها له، فقال: لا، ثمَّ ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن مثل هذا، فقال:"لا، حتى ينكح مرتغبًا لنفسه، فإذا فعل ذلك، لم تحلَّ له حتى يذوقَ العُسيلة" رواه أبو بكر بن أبي شيبة في "المصنف" بإسنادٍ جيد (1)، وهذا المرسل قد احتج به من أرسله، فدل على قوته عنده، وهو موافق لبقية الأحاديث الموصولة.

قال في "إغاثة اللهفان": ومثل هذا حجة باتفاق الأئمة، وهو حديث ابن عباس الذي تقدم نص في المحلل المنوي، ومثلهما حديث نافع عن ابن عمر: أن رجلًا قال له: امرأة تزوجتها أحللها لزوجها، لم يأمرني، ولم يعلم، قال: لا، إلا نكاح رغبة: إن أعجبتك فأمسكها، وإن كرهتها فارقتها، وإن كنا نعد هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سفاحًا، ذكره شيخ الإسلام -قدس الله روحه- في "إبطال التحليل".

وفي "مصنف" ابن أبي شيبة، و"سنن الأثرم"، و"الأوسط" لابن المنذر، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: لا أوتى بمحلِّل ولا محلَّل له، إلا رجمتُهما (2).

ولفظ عبد الرزاق عن معمر، والزهري عن عبد الملك بن المغيرة، قال: سئل ابن عمر عن تحليل المرأة لزوجها، فقال: ذاك السِّفاح (3)، وفي

(1) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(17090).

(2)

رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(17080)، وكذا عبد الرزاق في "المصنف"(10777).

(3)

رواه عبد الرزاق في "المصنف"(10776).

ص: 349

رواية: كلاهما زانٍ، يعني: المحلل والمحلل له، وإن مكث عشرين سنة، أو نحو ذلك، إذا كان الله يعلم أنه يريد أن يحللها له (1).

وسئل ابن عباس رضي الله عنهما عن رجل طلق امرأته ثلاثًا، فقال: عصى الله فأندمه، وأطاع الشيطان فلم يجعل له مخرجًا، قال: كيف ترى في رجل يحللها؟ قال: من يخادعِ الله يخدعْه (2).

وسئل عثمان رضي الله عنه عن رجل تزوج أمرأة يحللها لزوجها، ففرّق بينهما، وقال: لا ترجع إليه إلا على نكاح رغبة غير دلسة، ولا استهزاء بكتاب (3).

وعلي رضي الله عنه هو ممن روى عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه لعن المحلل، وقد جعل هذا من التحليل، وإن لم تعلم به المرأة، فكيف بما اتفقا عليه، وتراوضا وتعاقدا على أنه نكاح لعبة لا نكاح رغبة؟

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه-: وهذه الآثار عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن عباس، وابن عمر مع أما منصوص فيما إذا قصد التحليل ولم يظهره، ولم يتواطأ عليه، فهي مبينة أن هذا هو التحليل، وفاعله هو المحلل الملعون على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمُ بمراده ومقصوده، ولا سيما إذا رووا حديثًا وفسروه بما يوافق الظاهر، هذا مع أنه لم يعلم أن أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرّق بين تحليل وتحليل، ولا رخص في شيء من أنواعه، مع أن المرأة المطلقة

(1) رواه عبد الرزاق في "المصنف"(10778).

(2)

رواه عبد الرازق في "المصنف"(10779)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(7/ 337).

(3)

رواه البيهقي في "السنن الكبرى"(7/ 208).

ص: 350

ثلاثًا مثل امرأة رفاعة كانت تختلف إليه المدة الطويلة، وإلى خلفائه، لتعود إلى زوجها، فمنعوها من ذلك، ولو كان التحليل جائزًا، لدلها رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك، فإنها لم تكن تعدم من يحللها لو كان التحليل جائزًا.

قال: والأدلة الدالة على أن هذه الأحاديث النبوية متى قصد التحليل، فهو نكاح تحليل، وإن لم يشترط في العقد (1).

الثاني: معتمد المذهب: أن الذي تعتبر نيته: الزوجُ، فلا أثر لنية الزوجة والولي، كما في "إعلام الموقعين"(2).

وفي "الفروع"(3)، و"المحرر"(4)، وغيرهما: من لا فرقة بيده لا أثر لنيته، ولو شرط عليه قبل العقد أن يحلها، ثمَّ نوى عند العقد غير ما شرطوا عليه، وأنه نكاح رغبة، صحّ، قاله الموفق (5) وغيره، وجزم به في "الإقناع"(6) وغيره، والقول قوله في نيته.

ولو زوج عبدَه بمطلقته ثلاثًا، ثمَّ وهبها العبدَ أو بعضَه ليفسخَ نكاحها، لم يصح النكاح، نصًا، وهو محلل نيته كنية الزوج.

ولو دفعت الزوجة مالًا هبة لمن تثق به ليشتري مملوكًا، فاشتراه،

(1) انظر: "إغاثة اللهفان" لابن القيم (1/ 268 - 273)، و"الفتاوى المصرية الكبرى" لشيخ الإسلام ابن تيمية (3/ 100) وما بعدها.

(2)

انظر: "إعلام الموقعين" لابن القيم (4/ 45).

(3)

انظر: "الفروع" لابن مفلح (5/ 164).

(4)

أنظر: "المحرر في الفقه" للمجد ابن تيمية (2/ 24).

(5)

انظر: "المغني" لابن قدامة (7/ 139).

(6)

انظر: "الإقناع" للحجاوي (3/ 351).

ص: 351

وزوجه بها، ثمَّ وهبه لها، انفسخ النكاح، ولم يكن هناك تحليل مشروط ولا منوي ممن تؤثر نيته، وهو الزوج، فإن ذلك يحلها، كما في "إعلام الموقعين"(1)، و"الإقناع"(2)، واختار جماعة: لا، قال العلامة الشيخ مرعي في "غايته" (3): وهو أصح، انتهى.

قال المُنقِّح: الأظهرُ عدم الإحلال (4).

قلت: قواعد المذهب تأبى إحلالها، والله الموفق.

(1) انظر: "إعلام الموقعين" لابن القيم (4/ 45).

(2)

انظر: "الإقناع" للحجاوي (3/ 351).

(3)

انظر: "غاية المنتهى" للشيخ مرعي (5/ 127).

(4)

انظر: "التنقيح" للمرداوي (ص: 295).

ص: 352