المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الحديث الأول عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: أَنَّهُ - كشف اللثام شرح عمدة الأحكام - جـ ٥

[السفاريني]

فهرس الكتاب

- ‌الحديث الخامس

- ‌باب الرهن وغيره

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌الحديث التاسع

- ‌الحديث العاشر

- ‌الحديث الحادى عشر

- ‌الحديث الثاني عشر

- ‌الحديث الثالث عشر

- ‌باب اللقطة

- ‌باب الوصايا

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌كتاب الفرائض

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌كتاب النكاح

- ‌الحديث الأول

- ‌بَابِ

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌الحديث التاسع

- ‌الحديث العاشر

- ‌الحديث الحادي عشر

- ‌الحديث الثاني عشر

- ‌الحديث الثالث عشر

- ‌باب الصداق

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌كتاب الطلاق

- ‌الحديث الأول

- ‌ باب:

- ‌الحديث الثاني

- ‌باب العدة

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌كتاب اللعان

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌كتاب الرضاع

- ‌الحديث الأول

الفصل: ‌ ‌الحديث الأول عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: أَنَّهُ

‌الحديث الأول

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَةً لَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَذَكَر ذَلِكَ عُمَرُ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَتَغَيَّظَ فيهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ قَالَ:"لِيُرَاجعْهَا، ثُمَّ يُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضُ فَتَطْهُرُ، فَإنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا، فَلْيُطَلًّقْهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا، فَتِلْكَ العِدَّةُ، كَمَا أَمَرَ اللهُ عز وجل"(1).

وفي لفظٍ: "حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً مُسْتَقْبَلَةً سِوَى حَيْضَتِهَا الَّتِي طَلَّقَهَا فِيهَا"(2).

وفي لفظٍ: فَحُسِبَتْ مِنْ طَلَاقِهَا، وَرَاجَعَهَا عَبْدُ اللهِ كَمَا أَمَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم (3).

(1) * تَخْرِيج الحَدِيث:

رواه البخاري (4625)، كتاب: التفسير،‌

‌ باب:

تفسير سورة الطلاق، واللفظ له، و (6741)، كتاب: الأحكام، باب: هل يقضي القاضي أو يفتي وهو غضبان، ومسلم (1471/ 4)، كتاب: الطلاق، باب: تحريم طلاق الحائض بغير رضاها، وأبو داود (2182)، كتاب: الطلاق، باب: في طلاق السنة، والنسائي (3391)، كتاب: الطّلاق، باب: وقت الطلاق للعدة التي أمر الله عز وجل أن تطلق النساء، من طريق ابن شهاب الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، به.

(2)

رواه مسلم (1471/ 4)، كتاب: الطلاق، باب: تحريم طلاق الحائض بغير رضاها، من طريق ابن شهاب الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، به.

(3)

تقدم تخريجه عند مسلم آنفًا. وللحديث طرق وألفاظ أخرى سيأتي الشارح - =

ص: 422

(عن) أبي عبدِ الرحمن (عبدِ الله بنِ عمرَ رضي الله عنهما: أنه)، أي: عبد الله بن عمر (طلق امرأة له) وفي لفظ: طلق امرأته (1) واللفظ الأول لمسلم، وله -أيضًا- عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: طلقت امرأتي (2).

قال النووي في "تهذيب الأسماء واللغات": اسمها آمنة بنتُ غِفار، قاله ابن باطيش (3)، ونقله عن النووي جماعة ممن بعده، منهم: الذهبي في "تجريد الصحابة"، لكن قال في "مبهماته": فكأنه أراد: "مبهمات التهذيب"، أو "مبهمات النووي"، وأوردها الذهبي في آمِنة -بالمد وكسر الميم ثم نون- (4)، وأبوها ضبطه ابن نقطة -بكسر المعجمة وتخفيف الفاء-.

قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" بعد نقله لما تقدم: لكن رأيت مستند

= رحمه الله على ذكرها.

* مصَادر شرح الحَدِيث:

"معالم السنن" للخطابي (3/ 231)، و"الاستذكار" لابن عبد البر (6/ 138)، و"إكمال المعلم" للقاضي عياض (5/ 5)، و"المفهم" للقرطبي (4/ 224)، و "شرح مسلم" للنووي (10/ 60)، و"شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (4/ 52)، و "العدة في شرح العمدة" لابن العطار (3/ 1315)، و"طرح التثريب" للعراقي (7/ 81)، و"فتح الباري" لابن حجر (9/ 347)، و"عمدة القاري" للعيني (19/ 244)، و"إرشاد الساري" للقسطلاني (8/ 128)، و"سبل السلام" للصنعاني (3/ 169)، و"نيل الأوطار" للشوكاني (7/ 4)

(1)

تقدم تخريجه عند البخاري برقم (4625)، ورواه مسلم (1471/ 1).

(2)

رواه مسلم (1471/ 2).

(3)

انظر: "تهذيب الأسماء واللغات" للنووي (2/ 634).

(4)

انظر: "تجريد أسماء الصحابة" للذهبي (2/ 243).

ص: 423

ابن باطيش في أحاديث قتيبة جمع سعيد العيار، بسندٍ فيه ابنُ لهيعة: أن ابن عمر طلق امرأته آمنةَ بنتَ عمَّار، كذا رأيتها في بعض الأصول -بمهملة مفتوحة فميم ثقيلة-، والأول أولى وأقوى.

وفي "مسند الإمام أحمد": حدثنا يونس، حدثنا الليث، عن نافع: أن عبد الله طلق امرأته وهي حائض، فقال عمر: يا رسول الله! إن عبد الله طلق امرأته النوار، فأمره أن يراجعها، الحديث (1)، وهذا بسند صحيح على شرط الشيخين، ويونس شيخُ الإمام أحمد في هذا الحديث هو ابنُ محمد المعروف بالمؤدب من رجال الصحيحين، ويمكن الجمعُ بين هذا وما ذكره النووي بأن يكون اسمها آمنة، ولقبها النوار (2)(وهي حائض)، وفي رواية: وهي في دمها حائض (3)، وعند البيهقي: أنه طلق امرأته في حيضها (4)، زاد في رواية عند الشيخين: على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم (5)، وأكثرُ الرواة لم يذكروا هذه الزيادة استغناءً عنها بما في الخبر: أن عمر سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستلزم أن ذلك وقع في عهده، وزاد الليث عن نافع: تطليقة واحدة، أخرجه مسلم، وقال في آخره: جود الليث في قوله: تطليقة واحدة (6).

(1) لم أقف على اسمها في روايات ابن عمر رضي الله عنهما التي ساقها الإمام أحمد في "مسنده".

(2)

انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 347).

(3)

رواه ابن عبد البر في "التمهيد"(15/ 54).

(4)

رواه البيهقي في "السنن الكبرى"(7/ 326).

(5)

تقدم تخريجه عند البخاري برقم (4953).

(6)

تقدم تخريجه عند مسلم برقم (1471/ 1)، (2/ 1093 - 1094).

ص: 424

ومن طريق عطاء الخراساني عن الحسن عن ابن عمر: أنه طلق امرأته تطليقة وهي حائض (1).

وكذا وقع عند مسلم من طريق محمّد بن سيرين، قال: مكثت عشرين سنة يحدّثني من لا أتهم: أن ابن عمر طلق امرأته ثلاثًا وهي حائض، فأُمر أن يراجعها، فكنت لا أتهم، ولا أعرف وجه الحديث، حتى لقيت أبا غلَاّب يونسَ بنَ جبير، وكان ذا ثَبَت، فحدّثني: أنه سأل ابن عمر، فحدّثه: أنه طلق امرأته تطليقة وهي حائض (2).

وأخرجه الدارقطني، والبيهقي عن طريق الشعبي، قال: طلق ابن عمر امرأته وهي حائض (3)، (فذكر ذلك)؛ أي: طلاقة لها وهي حائض (عمرُ) رضي الله عنه الرسول الله صلى الله عليه وسلم) متعلق بذكر، وفي لفظ: فسأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك (4)، (فتَغَيَّظَ) -بفتح التاء المثناة فوق والغين المعجمة فمثناة تحت مشددة فظاء مشالة-؛ أي: حصل له غيظ (فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي: من أجل ذلك وبسببه، والغيظ: تغير يحصل للإنسان عند احتداده (5)، وزيادة: فتغيظ فيه في رواية سالم بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما (6)، وهو أجلّ من روى الحديث عن ابن عمر، وفيه إشعار بأن الطلاق في الحيض كان تقدم النهي عنه، وإلا، لم يقع التغيظ على أمرٍ لم يسبق النهي عنه، ولا يعكّر على ذلك مبادرةُ عمر

(1) رواه الدارقطني في "سننه"(4/ 31)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(7/ 330).

(2)

رواه مسلم (1471/ 7).

(3)

رواه الدارقطني في "سننه"(4/ 11)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(7/ 326).

(4)

تقدم تخريجه عند البخاري برقم (4953)، وعند مسلم برقم (1471/ 1).

(5)

انظر: "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (3/ 402).

(6)

تقدم تخريجه عند البخاري برقم (4625).

ص: 425

بالسؤال عن ذلك، لاحتمال أن يكون عرف حكم الطلاق في الحيض، وأنه منهي عنه، ولم يعرف ماذا يصنع من وقع له مثل ذلك، كما في "الفتح"(1).

وقال ابن دقيق العيد: وتغيظُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم إمّا لأن المعنى الذي يقتضي المنع كان ظاهرًا، فكان مقتضى الحال التثبت في ذلك، أو لأنه كان مقتضى الحال مشاورة النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك إذا عزم عليه (2)، (ثمّ قال) عليه الصلاة والسلام:(ليراجعْها)، وفي رواية مرة:"فليراجعها"(3).

قال ابن دقيق العيد: تتعلق به مسألة أصولية، وهي أن الأمر بالأمر بالشيء، هل هو أمر بذلك الشيء، أو لا؟ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"مره"، فأمر بأن يأمره (4).

قلت: الذي جزم به علماؤنا، منهم: صاحب "مختصر التحرير" للعلامة ابن النجار في "شرحه"(5): إنه ليس بأمر بذلك الشيء، وعبارته: وأمرٌ من الشارع بأمرٍ لآخر ليس أمرًا به؛ أي: بذلك الشيء عندنا وعند الأكثر، ومَثَّل بقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر عن ابنه عبد الله:"مره فليراجعها"، وقوله في:"مُروهم بها لسبع"(6)، وقوله -تعالى-:{وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ} [طه: 132]؛ لأنه مبلغ الأمر، ولأنه لو كان أمرًا، لكان قول القائل: مُرْ عبدَكَ بكذا، مع قول السَّيِّد لعبده: لا تفعله، أمرين متناقضين.

(1) انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 347).

(2)

انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (4/ 52).

(3)

تقدم تخريجه عند البخاري برقم (4953)، ومسلم برقم (1471/ 1 - 2، 4، 6).

(4)

انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (4/ 53).

(5)

تقدم التعريف بكتاب ابن النجار الفتوحي صاحب "منتهى الإرادات".

(6)

تقدم تخريجه.

ص: 426

وكذا قال: ابن الحاجب: الأمر بالأمر بالشيء ليس أمرًا بذلك الشيء.

وفصل بعضهم بأن عدم كونه أمرًا حيث تجرد الأمر عن قرينة، وأما إذا وجدت قرينة تدل على أن الأمر الأول أمرُ المأمور الأول أن يبلغ المأمور الثاني، فلا.

قال في "الفتح": وينبغي أن ينزل كلام الفريقين على هذا التفصيل، فيرتفع الخلاف.

ومنهم من فرق بين الأمرين، فقال: إن كان الأمر الأول بحيث يسوغ له الحكم على المأمور الثاني، فهو أمرٌ له، وإلا فلا. قال: وهذا أقوى، وهو مستفاد من الدليل الذي استدل به ابن الحاجب على النفي؛ لأنه لا يكون متعديًا إلا إذا أمر من لا حكم له عليه، لئلا يصير متصرفًا في ملك غيره بغير إذنه، والشارع حاكم على الآمر والمأمور، فوجد فيه سلطان التكليف على الفريقين، ومنه قوله -تعالى-:{وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ} [طه: 132]، فإن كل أحد يفهم منه أمر الله لأهل بيته بالصلاة، ومثله حديث الباب، فإن عمر إنما استفتى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك لتبيين ما يأمره النبي صلى الله عليه وسلم به، ويلزم ابنه به، فالقرينة واضحة في أن عمر في هذه الكائنة كان مأمورًا بالتبليغ، ولهذا قال فيما يأتي: فراجعها عبد الله كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

واقتضى كلام سليم الرازي أنه يجب على الثاني الفعل جزمًا، وإنما الخلاف في تسميته أمرًا، فرجع الخلاف عنده لفظيًا.

وقال: ابن دقيق العيد: لا ينبغي أن يتردد في اقتضاء ذلك الطلب، وإنما ينبغي أن ينظر في لوازم صيغة الأمر بالأمر أولًا، بمعنى: أنهما يستويان في الدلالة على الطلب من وجهٍ واحد، أولا (1)، واستحسنه في "الفتح"، قال:

(1) انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (4/ 53).

ص: 427

لأن أصل المسألة الذي انبنى عليها هذا الخلاف حديث: "مروا أولادكم بالصلاة لسبع"(1)، فإن الأولاد ليسوا بمكلفين، فلا يتجه عليهم الوجوب، وإنما الطلب متوجب على أوليائهم أن يعلموهم ذلك، فهو مطلوب من الأولاد بهذه الطريق، وليس مساويًا للأمر الأول (2).

قلت: قال العلامة ابن اللحام في "قواعده الأصولية": فائدة الأمر بالأمر بالشيء ليس إعرابه مع عدم الدليل عليه، ذكره أبو محمد المقدسي؛ يعني: الإمام الموفق، والرازي.

قال ابن اللحام: وحينيذٍ فلا يستقيم استدلال من استدل من الأصحاب على مراجعة الحائض إذا طلقت في الحيض بأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن عمر يأمر ابنه رضي الله عنه بمراجعة زوجته لمّا طلقها وهي حائض (3)، والله أعلم.

(ثم يمسكها) في عصمته بعد مراجعته، لها وفي لفظ:"ثم ليمسكها"(4) بزيادة لام الأمر، وتستمر في عصمته (حتى تطهر) من تلك الحيضة (ثم تحيض) حيضة أخرى (فتطهر) منها -أيضًا- (فإن بدا له)؛ أي: لعبد الله بن عمر رضي الله عنه بعد ذلك (أن يطلقها)، أي: امرأته، (فليطلقها قبل أن يمسَّها) بجماع، وفي لفظ:"قبل أن يمس"(5)، وفي رواية:"فإذا طهرت، فليطلقها قبل أن يجامعها"(6)، وفي رواية: "فإن بدا له أن يطلقها، فليطلقها

(1) تقدم تخريجه.

(2)

انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 348).

(3)

انظر: "القواعد والفوائد الأصولية" لابن اللحام (ص: 190).

(4)

تقدم تخريجه عند البخاري برقم (4953).

(5)

تقدم تخريجه عند البخاري برقم (4953)، ومسلم برقم (1471/ 1).

(6)

تقدم تخريجه عند مسلم برقم (1471/ 2).

ص: 428

طاهرًا قبل أن يمسها" (1)، وفي رواية: "ثم ليطلقها طاهرًا أو حاملًا" (2)، (فتلك العدّة كما أمر الله عز وجل) أن تُطَلَّق لها النساء، أي: أذِن، وهذا بيان لمراد الآية، وهي قوله -تعالى-:{إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 1]؛ أي: وقت ابتداء عدتهن.

(وفي لفظ) من حديث ابن عمر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر: "مره فليراجعها"(حتى تحيض) وهي عنده في عصمته (حيضة مستقبلة سوى حيضتها) الأولى (التي طلقها فيها)، فإن بدا له أن يطلقها، فليطلقها طاهرًا من حيضتها قبل أن يمسها، فذلك الطلاق للعدة كما أمر الله عز وجل.

قال في "الإقناع" عن صاحب "الترغيب" من علمائنا: ويلزمه وطؤها (3)؛ أي: وطء من طلقها وهي حائض، ثم راجعها إذا طهرت واغتسلت.

واختلفوا في حكمة الأمر بالمراجعة، وأن يطلقها إن شاء بعد طهرها من الحيضة الثانية التي بعد الحيضةِ المطلَّقِة فيها، فقيل: ليكون تطليقها وهي تعلم عدّتها، إما بحملٍ، أو بحيض، أو ليكون تطليقها بعد علمه بالحمل وهو غير جاهل بما صنع، إذ ربما يرغب فيها فيمسكها لأجل الحمل.

وقيل: الحكمة فيه أَلَّا تصير الرجعة لغرض الطلاق، فإذا أمسكها زمانًا يحل له فيه طلاقها، ظهرت فائدة الرجعة؛ لأنه قد يطول مقامه معها، فقد

(1) تقدم تخريجه عند البخاري برقم (4625)، ومسلم برقم (1471/ 4).

(2)

رواه مسلم (1471/ 5).

(3)

انظر: "الإقناع" للحجاوي (3/ 463).

ص: 429

يجامعها، فيذهب ما في نفسه من سبب طلاقها، فيمسكها، ولاسيما على القول بوجوب جماعه لها (1).

تنبيهات:

الأول: اختلف الفقهاء في جواز تطليقها في الطهر الذي يلي الحيضة التي وقع فيها الطلاق والرجعة، فمعتمد مذهبنا، وأصح الوجهين عند الشّافعيّة: المنع (2).

قال في "الإقناع"، وغيره: السنّة أن يطلقها واحدة في طهرٍ لم يصبها فيه، ثم يدعها، فلا يتبعها طلاقًا آخر حتى تنقضي عدّتها، إلا في طهرٍ متعقب لرجعة من طلاق في حيضٍ، فبدعة

زاد في "الترغيب": ويلزمه طؤها، قال: وإن طلق المدخول بها في حيضٍ، أو طهرٍ أصابها فيه، ولو في آخره، ولم يستبن حملها، فهو طلاق بدعة محرم، ويقع نصًا، وتسن رجعتها إن كان رجعيًا، فإذا راجحها، وجب إمساكها حتى تطهر، فإذا طهرت، سنّ أن يمسكها حتى تحيض حيضة أخرى ثم تطهر، فإن طلقها في هذا الطهر قبل أن يمسها، فهو طلاق سنّة (3).

وكلام المالكية يقتضي أن التأخير مستحب.

وفي كتب الحنفية عن أبي حنيفة: الجواز، وعن أبي يوسف ومحمد: المنع، وجه من قال بالجواز: أن التحريم إنما كان لأجل الحيض، فإذا

(1) انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 349).

(2)

المرجع السابق، الموضع نفسه.

(3)

انظر: "الإقناع" للحجاوي (3/ 463).

ص: 430

طهرت، زال موجب التحريم، فجاز طلاقها في هذا الطهر كما يجوز في الطهر الذي بعده، وكما يجوز طلاقها في الطهر إن لم يتقدم طلاق في الحيض، ومن منعَ، قال: لو جاز له طلاقها عقب تلك الحيضة، كان قد راجعها ليطلقها، وهذا عكس مقصود الرجعة، فإنها شرعت لإِيْوَاءِ المرأة، ولهذا سماها إمساكًا، فأمره أن يمسكها في ذلك الطهر، وأَلَّا يطلق فيه حتى تحيض حيضة أخرى ثمّ تطهر؛ لتكون الرجعة للإمساك، لا للطلاق، ويؤكد ذلك: أن الشارع أكد هذا المعنى، حيث أمر بأن يمسكها في الطهر الّذي يلي الحيض الّذي طلقها فيه، لقوله في رواية عبد الحميد بن جعفر:"مُرْهُ أن يراجعها، فإذا طهرت، مسّها، حتى إذا طهرت أخرى، فإن شاء طلقها، وإن شاء أمسكها"(1)، فإذا كان قد أمره أن يمسها في ذلك الطهر، فكيف يحيى له أن يطلقها، وقد ثبت النهي عن الطلاق في طهرٍ جامعها فيه؟ (2)

الثاني: اختلفوا في وجوب المراجعة إذا طلقها في الحيضة، أو في طهر وطئها فيه، ولم يتبين حملها، فمعتمد مذهب أحمد: تسنّ رجعتها، للأمر، وأقل أحوال الاستحباب، ولأنه بالرجعة يزيل المعنى الذي حرم الطلاق من أجله، ولا تجب الرجعة على الأصح؛ لأنه طلاقٌ لا يرتفع بالرجعة، فلم تجب عليه، كالطلاق في طهر لم يصبها فيه، فإنهم أجمعوا على أن الرجعة لا تجب (3).

قال في "شرح الكافي": تستحب رجعتها، هذا الصحيح من المذهب، وعليه جماهير الأصحاب، وجزم به في "الوجيز"، وقدّمه في "الهداية"،

(1) تقدم تخريجه عند ابن عبد البر.

(2)

انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 349 - 350).

(3)

انظر: "المغني" لابن قدامة (7/ 279 - 280).

ص: 431

و"المذهب"(1)، و"مسبوك الذهب"، و"المستوعب"، و"الخلاصة"، و"المحرر"، و"الرعايتين"، و"الحاوي الصغير"، و"الفروع"(2)، وغيرهم.

قلت: وجزم به في "الإقناع"(3)، و"المنتهى"(4)، وهو المذهب بلا ريب.

وعنه: أنها واجبة في الحيض، اختارها في "الإرشاد"، و"المبهج"(5).

ومذهب مالك: وجوب المراجعة.

وقول الجمهور: عدم الوجوب، لكن صحح صاحب "الهداية" من الحنفية: أنها واجبة، وحجة من أوجبها ورودُ الأمر بها، ولأن الطّلاق لما كان محرمًا في الحيض، كانت استدامة النكاح فيه واجبة، فلو تمادى الذي طلق في الحيض حتى طهرت، فعند مالك وأكثر أصحابه: يجبر على الرجعة -أيضًا-، وقال أشهب منهم: إذا طهرت، انتهى الأمر بالرجعة.

واتفقوا على أنه إذا انقضت عدّتها أن لا رجعة.

ونقل ابن بطال: أنه لو طلقها في طهر مسها فيه، لا يؤمر بمراجعتها، لكن الخلاف فيه ثابت في الجملة.

واتفقوا على أنه لو طلق قبل الدخول وهي حائض، لم يؤمر بالمراجعة إلا ما نقل عن زُفَر، فطرد الباب.

قال في "الفتح": لو طلقها في طهر مسّها فيه، هل يجبر على الرجعة

(1) انظر: "المذهب لأحمد" لابن الجوزي (ص: 140).

(2)

انظر: "الفروع" لابن مفلح (5/ 287).

(3)

انظر: "الإقناع" للحجاوي (3/ 463).

(4)

انظر: "منتهى الإرادات" للفتوحي (4/ 233).

(5)

انظر: "الفروع" لابن مفلح (5/ 287).

ص: 432

كما يُجبر عليها إذا طلقها وهي حائض؟ فردّه بعض المالكية فيهما، والمشهور عنه: إجباره في الحائض دون الطّاهر، وقالوا فيما إذا طلقها وهي حائض: يجبر على الرجعة، فإن امتنع، أدّبه الحاكم، فإن أصرّ، ارتجع الحاكم عليه.

وهل يجوز له طؤها بذلك؟ روايتان لهم: أصحهما: الجواز، وعن داود: يجبر على الرجعة إذا طلقها حائضًا، ولا يجبر إذا طلقها نفساء، وهو جمود كما في "الفتح"(1).

الثالث: اختلفوا في علة منع الطلاق في الحيض، هل هو لتطويل العدّة؟ وهذا قول عامة علمائنا، وخالفهم أبو الخطاب، فقال: بل لكونه طلقها في زمن رغبته عنها، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقد يقال: الذي يتعقبه عدّة؛ لأنه لابد من عدّة، كذا في "شرح الكافي"(2).

الرابع: اختلف في الطلاق في الحيض، هل هو محرم لحق الله، فلا يباح بسؤالها، أو لحقها، فيباح فيه؟ وجهان لعلمائنا، قال الزركشي، ظاهر إطلاق الكتاب والسنّة: أنه حقٌّ لله (3)، وهو ظاهر كلام الإمام الموفق في "الكافي"(4)، وغيره، ولكن صرح في "الهداية"، و"المذهب"، و"مسبوك الذهب"، و"المستوعب"، و"الخلاصة"، وغيرهم، وقدّمه في "المحرر"(5)، و"الرعايتين"، و"الحاوي الصغير"، وغيرهم: أن خُلع

(1) انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 349 - 350).

(2)

وانظر: "الإنصاف" للمرداوي (8/ 449).

(3)

انظر: "شرح الزركشي على الخرقي"(5/ 378).

(4)

انظر: "الكافي" لابن قدامة (3/ 161).

(5)

انظر: "المحرر في الفقه" للمجد ابن تيمية (2/ 52).

ص: 433

الحائض وطلاقَها بسؤالها غير محرم ولا بدعة (1).

قلت: وهو معتمد المذهب.

قال في "الإقناع": ويباح خُلع، وطلاق بسؤالها زمن بدعة (2)، وقال في كتاب: الحيض: ويمنع الحيض سنّة الطلاق ما لم تسأله طلاقًا بعوض، أو خلعًا، فإن سألته بغير عوض، لم يبح (3)، انتهى.

وإذا كانت المرأة صغيرة أو آيسة، أو غير مدخولٍ بها، واستبان حملها، فلا سنّة لطلاقها ولا بدعة في وقت ولا في عدد (4).

قال الحافظ المصنِّف -رحمه الله تعالى-: (وفي لفظ) عن ابن عمر رضي الله عنهما (فحسبت) تلك التطليقة التي طلقها لامرأته وهي حائض (من طلاقها) وفي بعض الألفاظ عن ابن عمر: حسبت علي بتطليقة (5).

وفي "الصحيحين" عن يونس بن جبير، وكان ذا ثبت، قال: قلت لابن عمر: رجل طلق امرأته وهي حائض؟ فقال: أتعرف عبد الله بن عمر، فإنه طلق امرأته وهي حائض، الحديث، فقلت له: إذا طلق الرجل امرأته وهي حائض، أتعتدّ بتلك الطلقة؟ قال: فمه؟ أو إن عجز أو استحمق (6).

وفي لفظٍ: قلت لابن عمر: أفاحتسبت بها؟ قال: ما يمنعه؟ أرأيت إن

(1) انظر: "الإنصاف" للمرداوي (8/ 449).

(2)

انظر: "الإقناع" للحجاوي (3/ 466).

(3)

المرجع السابق، (1/ 99).

(4)

المرجع السابق، (3/ 464).

(5)

رواه البخاري (4954)، كتاب: الطلاق، باب: إذا طلقت الحائض يعتد بذلك الطلاق.

(6)

رواه مسلم (1471/ 9)، كتاب: الطلاق، باب: تحريم طلاق الحائض بغير رضاها، وتقدم قريبًا عند البخاري.

ص: 434

عجز واستحمق (1)؟! وفي لفظ عن ابن عمر: حُسبت عليَّ بتطليقة (2)، وهو -بضم أوله- من الحساب (وراجعها)؛ أي: راجع المرأة التي طلقها في الحيض، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمراجعتها (عبد الله) بن عمر رضي الله عنهما (كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم) حيث قال لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه:"مُرْهُ فَلْيراجعْها".

تنبيه:

الصحيح من المذاهب الأربعة: أن طلاقها في حيضها، وكذا طهر أصابها فيه، طلاقُ بدعة، ومحرم، ويقع (3)، نصَّ على ذلك الإمام أحمد، وعليه جلّ الأصحاب من علمائنا.

قال في "شرح الكافي": إن طلاقها يقع، نص عليه الأصحاب، وقال الشيخ تقي الدين وتلميذه ابن القيم: لا يقع الطلاق فيهما.

قال الشيخ تقي الدين: اختار طائفة من أصحاب الإمام أحمد عدمَ الوقوع في الطلاق المحرم (4).

وقال -أيضًا-: ظاهر كلام ابن أبي موسى: أن طلاق المجامعة مكروه، وطلاق الحائض محرم.

قال النووي: شذَّ بعض أهل الظاهر، فقال: إذا طلق الحائض، لم يقع

(1) رواه مسلم (1471/ 10)، كتاب: الطلاق، باب: تحريم طلاق الحائض بغير رضاها.

(2)

تقدم تخريجه عند البخاري برقم (4954).

(3)

انظر: "الإفصاح" لابن هبيرة (2/ 148).

(4)

نقله المرداوي في "الإنصاف"(8/ 448).

ص: 435

الطّلاق؛ لأنه غير مأذون فيه، فأشبه طلاق الأجنبية (1)، وحكاه الخطابي عن الخوارج والروافض (2)، وقال ابن عبد البرّ: لا يخالف في ذلك إلا أهلُ البدع والضلال، يعني: الآن، وروى مثله عن بعض التابعين، وهو شذوذ (3)، وحكاه ابن العربي وغيره عن ابن عليّة (4)؛ يعني: إبراهيم بن إسماعيل بن عليّة الذي قال الشّافعيّ في حقه: إبراهيمُ ضالّ، جلس في باب الضوال يضل الناس (5)، وكان بمصر، وله مسائل ينفرد بها، وكان من فقهاء المعتزلة، وقد غلط فيه من ظن أن المنقول عنه المسائل الشاذّة أبوه، وحاشاه، فإنه من كبار أهل السنّة.

قال الحافظ ابن حجر في "الفتح": وكأن النووي أراد ببعض الظاهرية: ابن حزم، فإنه ممن جرّد القول بذلك، وانتصر له، وبالغ، وأجاب عن أمر ابن عمر بالمراجعة: بأن ابن عمر كان اجتنبها، فأمر أن يعيدها إليه على ما كانت عليه من المعاشرة، فحمل المراجعة على معناها اللغوي.

وتعقب بأن الحمل على الحقيقة الشرعية مقدّم على اللغوية اتفاقًا.

وأجاب عن قول ابن عمر: حُسبت عليّ بتطليقة: بأنه لم يصرح بمن حسبها عليه، ولا حجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وتعقب بأنه مثل قول الصحابي: أمرنا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا، فإنه ينصرف إلى من له الأمر حينيذٍ، وهو النبي صلى الله عليه وسلم، كذا قال بعض الشراح.

(1) انظر: "شرح مسلم" للنووي (10/ 60).

(2)

انظر: "معالم السنن" للخطابي (3/ 232).

(3)

انظر: "التمهيد" لابن عبد البر (15/ 59).

(4)

انظر: "عارضة الأحوذي" لابن العربي (5/ 127).

(5)

رواه الخطيب في "تاريخ بغداد"(6/ 21).

ص: 436

قال الحافظ ابن حجر: وعندي: لا ينبغي أن يجيء فيه الخلاف الذي في قول الصحابي: أُمرنا بكذا، فإن ذلك محله حيث يكون اطلاع النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك ليس صريحًا، وليس كذلك في قصة ابن عمر هذه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم هو الآمر بالمراجعة، وهو المرشد لابن عمر فيما يفعل إذا أراد طلاقها بعد ذلك، وإذا أخبر ابن عمر أن الذي وقع منه حسبت عليه بتطليقة، كان احتمال كون الذي حسبها غير النبي صلى الله عليه وسلم بعيدًا جدًا، مع احتفاف القرائن في هذه القصة بذلك، وقد جاء في بعض روايات الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن طلاق ابن عمر: "هي واحدة"(1)، وهذا نص في موضع الخلاف، فيجب المصير إليه، وقد أورده بعض العلماء على ابن حزم، فأجاب بأن قوله:"هي واحدة" لعله ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، فألزمه بأنه نقض أصله؛ لأن الأصل لا ينقض بالاحتمال.

قال الحافظ ابن حجر في "شرح البخاري": وقد وافق ابنَ حزم على ذلك من المتأخرين ابنُ تيمية، وله كلام طويل في تقرير ذلك، والانتصارِ له، وأعظمُ ما احتجوا به: ما في أبي داود، والنسائي من حديث ابن عمر: فردّها علي، ولم يرها شيئًا، وإسناده على شرط الصحيح (2)، وأخرج الإمامُ أحمد الحديثَ بالزيادة المذكورة (3)، والجمهور أجابوا عن هذه الزيادة بأجوبة متعددة:

منها: أن الراوي -وهو أبو الزبير- خالف نافعًا، ونافعٌ أثبت منه.

(1) رواه الدارقطني في "سننه"(4/ 9).

(2)

رواه أبو داود (2185)، كتاب: الطلاق، باب: في طلاق السنة، والنسائي (3392)، كتاب: الطلاق، باب: وقت الطلاق للعدة التي أمر الله عز وجل أن تطلق لها النساء.

(3)

رواه الإمام أحمد في "المسند"(2/ 80).

ص: 437

ومنها: أنه لم يرها شيئًا مستقيمًا، أو شيئًا تحرم معه المراجعة، أو شيئًا جائزًا في السنّة، أو ماضيًا في الاختيار، وإن كان لازمًا مع الكراهة.

واحتج من لم يوقع الطلاق بما روي عن الشعبي، قال: إذا طلق الرجل امرأته وهي حائض، لم يعتد بها في قول ابن عمر (1).

وروى سعيد بن منصور من طريق عبد الله بن مالك، عن ابن عمر: أنه طلق امرأته وهي حائض، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ليس ذلك بشيء"(2).

قال في "الفتح": وهذه متابعات لأبي الزبير، إلا أما كلها قابلة للتأويل، وهو أولى من إلغاء الصريح في قول ابن عمر: إنها حسبت عليه بتطليقة، فإنه، وإن لم يصرح برفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإن فيه تسليم كون ابن عمر قال: إنها حسبت عليه، فكيف يلتئم مع هذا قوله: إنه لم يعتد بها، أو لم يرها شيئًا على المعنى الذي ذهب إليه من لم يوقع [عليه](3) الطلاق.

قال: واحتج ابن القيم بترجيح ما ذهب إليه شيخه بأقيسة ترجع إلى مسألة: أن النهي يقتضي الفساد، فقال: الطلاق ينقسم إلى حلال وحرام، فالقياس أن حرامه باطل كالنكاح وسائر العقود، وأيضًا فكما أن النهي يقتضي التحريم، فكذلك يقتضي الفساد.

وأيضًا، فهو طلاق منع منه الشرع، فأفاد منعُه عدمَ جواز إيقاعه، فكذلك يفيد عدم نفوذه، وإلا لم يكن للمنع فائدة؛ لأن الزوج لو وكل رجلًا أن يطلق امرأته على وجه، فطلقها على غير الوجه المأذون فيه، لم ينفذ،

(1) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(17753).

(2)

رواه سعيد بن منصور في "سننه"(1/ 403 - 404).

(3)

[عليه] ساقطة من "ب".

ص: 438

فكذلك لم يأذن الشارع للمكلف في الطّلاق إلا إذا كان مباحًا، فإذا طلق طلاقًا محرمًا، لم يصح.

وأيضًا كلُّ ما حرّمه الله من العقود مطلوبُ الإعدام، فالحكم ببطلان ما حرّمة أقربُ إلى تحصيل هذا المطلوب من تصحيحه، ومعلومٌ أن الحلال المأذون ليس كالحرام الممنوع منه، وأطال على أن القياس في معارضة النص لا ينهض (1)، على أن الطلاق ليس من أعمال البر الذي يتقرب بها، وإنما هو إزالة عصمة فيها حق آدمي، فكيفما أوقعه، وقع، سواءٌ أُجر في ذلك، أو أثم ولو لزمَ المطيعَ ولم يلزم العاصي، لكان العاصي أخفّ حالًا من المطيع، قاله ابن عبد البر (2).

قلت: ولشيخ الإسلام ابن تيمية ولتلميذه كلامٌ طويل على ذلك في عدة مؤلفات، كـ"إعلام الموقعين"، و"الهدي"، و"إغاثة اللهفان" لابن القيم، ولشيخ الإسلام عدة مؤلفات في هذه المسائل بخصوصها، غير أن معتمد مذهب الإمام أحمد على الوقوع كسائر مذاهب الأئمة، والله الموفق.

(1) انظر: "زاد المعاد" لابن القيم (5/ 228)، وما بعدها.

(2)

انظر: "التمهيد" لابن عبد البر (15/ 59)، وانظر فيما نقله الشارح رحمه الله عن الحافظ ابن حجر:"فتح الباري"(9/ 352 - 355).

ص: 439