المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الحديث الرابع عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بنْتِ أَبِي سُفْيَانَ: أَنَّهَا قَالَتْ: يَا - كشف اللثام شرح عمدة الأحكام - جـ ٥

[السفاريني]

فهرس الكتاب

- ‌الحديث الخامس

- ‌باب الرهن وغيره

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌الحديث التاسع

- ‌الحديث العاشر

- ‌الحديث الحادى عشر

- ‌الحديث الثاني عشر

- ‌الحديث الثالث عشر

- ‌باب اللقطة

- ‌باب الوصايا

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌كتاب الفرائض

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌كتاب النكاح

- ‌الحديث الأول

- ‌بَابِ

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌الحديث التاسع

- ‌الحديث العاشر

- ‌الحديث الحادي عشر

- ‌الحديث الثاني عشر

- ‌الحديث الثالث عشر

- ‌باب الصداق

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌كتاب الطلاق

- ‌الحديث الأول

- ‌ باب:

- ‌الحديث الثاني

- ‌باب العدة

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌كتاب اللعان

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌كتاب الرضاع

- ‌الحديث الأول

الفصل: ‌ ‌الحديث الرابع عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بنْتِ أَبِي سُفْيَانَ: أَنَّهَا قَالَتْ: يَا

‌الحديث الرابع

عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بنْتِ أَبِي سُفْيَانَ: أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! انْكِحْ أُخُتِي ابْنَةَ أَبي سُفْيَانَ، فَقَالَ:"أَوَ تُحِبِّينَ ذَلِكَ؟ "، فَقُلْتُ: نَعَمْ، لَسْتُ لَكَ بمُخْلِيَةٍ، وَأَحَبُّ مَنْ شَارَكَنِي فِي خَيْرٍ أُخْتِي، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ ذَلِكَ لَا يَحَلُّ لِي"، قَالَتْ: فَإِنَّا نُحَدَّثُ أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ بنْتَ أَبي سَلَمَةَ، قَالَ:"بنْتَ أُمِّ سَلَمَة؟! "، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ:"إِنَّهَا لَوْ لَمْ تكُنْ رَبِيبَتي في حَجْرِي، مَا حَلَّتْ لِي، إِنَّها لَابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ، فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ".

قَالَ عُروةُ: ثُوَيْبَةُ مولاةٌ لِأَبي لَهَبٍ، كَانَ أَبُو لَهَبٍ أَعْتَقَها، فَأَرْضَعَت النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا مَاتَ أَبُو لَهَبٍ، أُرِيَهُ بَعْضُ أَهْلِهِ بشِرِّ حِيبَةٍ، فَقَالَ لَهُ: مَاذَا لَقِيتَ؟ قَالَ لَهُ أَبُو لَهَبٍ: لَمْ أَلْقَ بَعْدَكمْ، غَيْرَ أَنِّي سقِيتُ فِي هَذِه بِعَتَاقَتِي ثُوَيْبَةَ (1).

الحِيْبَةُ: الحالةُ بكسرِ الحَاء.

(1) * تَخْرِيج الحَدِيث:

رواه البخاري (4813)، كتاب: النكاح، باب {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ} [النساء: 23]، واللفظ له، و (4817)، باب:{وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ} [النساء: 23]، و (4818)، باب:{وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} (2)[النساء: 23]، و (4831)، باب: عرض الإنسان ابنته أو أخته على أهل الخير، و (5057)، كتاب: النفقات، =

ص: 265

(عن) أم المؤمنين (أم حبيبة) رَمْلَةَ -بفتح الراء وسكون الميم-، وقيل: هند.

قال ابن عبد البر: لا خلاف أنّ اسمها رملة إلا عند من شذَّ ممّن يُعد قوله خطأ، ومن قال ذلك زعم أن رملة أختها، ثمّ قال: وإنما دخلت الشبهةُ على من قال فيها هند باسم أم سلمة هند، وأمُّ حبيبة رملةُ أم المؤمنين رضي الله عنها (بنت أبي سفيان)، واسمه صخرُ بنُ حربِ بْنِ أميّةَ بنِ عبدِ شمسِ بنِ عبدِ منافٍ القرشيُّ، والدُ معاويةَ بنِ أبي سفيان رضي الله عنه، ولد أبو سفيان قبل الفيل بعشر سنين، وكان من أشراف قريش في الجاهلية، أسلم يوم فتح مكة، وكان أحد شيوخ مكة، لقي النبيَّ صلى الله عليه وسلم في طريقها عام الفتح، وأسلم قبل أن يدخلها النبيُّ صلى الله عليه وسلم لفتحها، وكان من المؤلّفة قلوبُهم شهد حُنينًا، وأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم من مغانمها مئة بعير، وأربعين أوقية فيمن أعطاه من المؤلفة.

= باب: المراضع من المواليات وغيرهن، ومسلم (1449/ 15 - 16)، كتاب: الرضاع، باب: تحريم الربيبة وأخت المرأة، وأبو داود (2056)، كتاب: النكاح، باب: يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب، والنسائي (3284)، كتاب: النكاح، باب: تحريم الربيبة التي في حجره، و (3285 - 3286)، باب: تحريم الجمع بين الأم والبنت، و (3287)، باب: تحريم الجمع بين الأختين، وابن ماجة (1939)، كتاب: النكاح، باب: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب.

* مصَادر شرح الحَدِيث:

"إكمال المعلم" للقاضي عياض (4/ 633)، و"المفهم" للقرطبي (4/ 181)، و"شرح مسلم" للنووي (10/ 24)، و"شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (4/ 29)، و"العدة في شرح العمدة" لابن العطار (3/ 1262)، و"النكت على العمدة" للزركشي (ص: 272)، و"فتح الباري" لابن حجر (9/ 142)، و"عمدة القاري" للعيني (20/ 93)، و"إرشاد الساري" للقسطلاني (8/ 29).

ص: 266

قال النووي وغيره: وقد حسُن إسلامه، وفُقِئت عينُه يوم الطائف، فلم يزل أعورَ إلى يوم اليرموك، فأصاب عينَه الأخرى حجرٌ، فعمي.

روى عنه ابنُ عباس وغيره، مات سنة أربع وثلاثين بالمدينة، ودُفن بالبقيع، فصلى عليه عثمان بن عفان، وقيل: ابنه معاوية، وكان سنّه يوم مات ثمانية وثمانين سنة.

أخرج له البخاري ومسلم حديث هرقل عظيم الروم (1).

وأما أم حبيبة ابنته، فهاجرت مع زوجها عبد الله بن جحش للحبشة، فتنصّر زوجُها هناك، ومات نصرانيًا، وبقيت أم حبيبة مسلمة بأرض الحبشة، فخطبها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي، فزوّجه إياها وهي هناك، على الصحيح، وقيل: بعد رجوعها، وتزوجها سنة ست، وقيل: سبع، وكان بعث صلى الله عليه وسلم في أمرها عمرو بن أميّة الضمري، فكتب معه عليه السلام إلى النجاشي كتابين، أحدهما يدعوه فيه إلى الإسلام، والآخر إلى تزويجه بأم حبيبة رضي الله عنها، والقصة مشهورة في ذلك، وولي نكاحَها عثمانُ، وقيل: خالدُ بن سعيد بن العاص، وقيل: النجاشي، وأصدقَها عنه صلى الله عليه وسلم النجاشيُّ أربع مئة دينار، وقيل: أربعة آلاف، وقيل غير ذلك.

(1) وانظر ترجمته: في "التاريخ الكبير" للبخاري (4/ 310)، و"الآحاد والمثاني" لابن أبي عاصم (1/ 363)"الثقات" لابن حبان (3/ 193)، و"الاستيعاب" لابن عبد البر (2/ 714)، و"تاريخ دمشق" للبخاري (23/ 421)، و"أسد الغابة" لابن الأثير (3/ 9)، "تهذيب الأسماء واللغات" للنووي (2/ 521)، و"تهذيب الكمال" للمزي (13/ 119)، و"سير الأعلام النبلاء" للذهبي (2/ 105)، و"الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر (3/ 412).

ص: 267

وما وقع في "مسلم": أنّ أبا سفيان هو الذي زوّجه إياها (1)، فإشكال معروف عند العلماء، وقد أطال المقالة على ذلك الإمام ابن القيّم في كتابه "جلاء الأفهام"(2)، وغيره، فإنّ أم حبيبة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل إسلام أبي سفيان، كما بيّنا، زوجه إياها النجاشيُّ، ثم قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يسلم أبوها.

وقد أجاب العلماء عن الحديث الذي ذكره مسلم، وهو ما رواه في "صحيحه" من حديث عكرمة بن عمّار، عن أبي زميل، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال: كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان، ولا يقاعدونه، فقال لنبيِّ الله صلى الله عليه وسلم: يا نبيّ الله! ثلاث خلال أعطنيهن، قال:"نعم"، قال: عندي أحسن العرب وأجمله، أمُّ حبيبةَ بنتُ أبي سفيان، أزوجكها؟ قال:"نعم"، قال: ومعاوية تجعله كاتبًا بين يديك، قال:"نعم"، قال: وتأمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين، قال:"نعم"، قال: أبو زميل: ولولا أنه طلب ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم، ما أعطاه ذلك؛ لأنه لم يكن يُسأل شيئًا إلا قال: نعم (3)، بأجوبة، حتى قالت طائفة بأنه كذب لا أصل له.

قال ابن حزم: كذّبه عكرمةُ بن عمار، وحمل عليه، واستعظم ذلك آخرون، وقالوا: أَنَّى يكون في "صحيح مسلم" حديث موضوع؟ وذكر جوابَ كلّ طائفة عن ذلك، وما فيه من قدح، ثم صوّب كون الحديث غيرَ

(1) سيأتي تخريجه قريبًا.

(2)

انظر: "جلاء الأفهام" لابن القيم (ص: 243) وما بعدها.

(3)

رواه مسلم (2501)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبي سفيان رضي الله عنه.

ص: 268

محفوظ، بل وقع فيه تخليط (1)، والله أعلم.

وروى عن أم حبيبة: أخوها معاوية، وعنبسة ابنا أبي سفيان، وغيرهما.

روي لها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة وستون حديثًا، اتفقا على حديثين، ولمسلم مثلهما، روى لها الجماعة.

توفيت سنة أربع وأربعين (2)، وهي التي أكرمت فراشَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجلس عليه أبوها لمَّا قدمَ من المدينة في تجديد عقد الهدنة، وقالت له: أنت مشرك، هذا فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لها: لقد أصابك بعدنا شيء (3)! (أنها)؛ أي: أم حبيبة بنت أبي سفيان، (قالت: يا رسول الله! انكِحْ)، أي: تزوّج (أختي بنتَ أبي سفيان)، واسمها عزّة على الأرجح كما في "صحيح مسلم": انكح أختي عزّة بنتَ أبي سفيان، وكذا هو عند ابن ماجة، والنسائي (4)، وعند الطبراني: أما حمنة (5)، وقيل: اسمها درّة،

(1) انظر: "جلاء الأفهام" لابن القيم (ص: 243) وما بعدها.

(2)

وانظر ترجمتها في: "الطبقات الكبرى" لابن سعد (8/ 96)، و"الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (9/ 461)، و"الثقات" لابن حبان (3/ 131)، و"الاستيعاب" لابن عبد البر (4/ 1843)، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر (3/ 181)، و"صفة الصفوة" لابن الجوزي (2/ 42)، و"أسد الغابة" لابن الأثير (7/ 303)، و"تهذيب الكمال" للمزي (35/ 175)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (2/ 218)، و"الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر (7/ 651)، و"تهذيب التهذيب" له أيضًا (12/ 448).

(3)

رواه ابن سعد في "الطبقات الكبرى"(8/ 99 - 100)، وغيره، عن الزهري مرسلًا.

(4)

تقدم تخريجه عند مسلم برقم (1449/ 16)، وابن ماجة برقم (1939)، ولم أر في روايات النسائي الأربع المتقدم تخريجها التصريح باسمها، والله أعلم.

(5)

رواه الطبراني في "المعجم الكبير"(23/ 224).

ص: 269

وضعفها البرماوي، وجزم المنذري بأن اسمها حَمْنة كما في الطبراني.

وقال: أبو موسى في "الذيل": الأشهر فيها عزّة كما في "الفتح"(1).

قال: ابن دقيق العيد: عزّة -بفتح العين المهملة وتشديد الزاي- (2)، (قال) صلى الله عليه وسلم لأم حبيبة:(أَوَ تحبين ذلك؟) استفهام تعجب من كونها تطلب أن يتزوج غيرَها، مع ما طُبع عليه النساء من شدة الغيرة (3)، قالت أم حبيبة:(فقلتُ: نعم)؛ أي: أحبُّ ذلك، (لستُ لَكَ بمُخْلِية) -بضم الميم وسكون الخاء المعجمة وكسر اللام-: اسم فاعل من أخلى؛ أي: لستُ بمنفردة بك، ولا خالية من ضرّة، وقال بعضهم: هو بوزن فاعل.

قال في "الفتح": الإخلاء متعديًا ولازمًا، من أخليت بمعنى: خلوت من الضرّة؛ أي: ليست بمتفرّغة، ولا خالية من ضرّة، وفي بعض الروايات -بفتح اللام- بلفظ المفعوله، حكاها الكرماني (4).

وقال عياض: مُخلية؛ أي: منفردة، يقال: أخل أمرك، وأخل به؛ أي: انفردْ به (5).

وقال صاحب "النهاية": معناه: لم أجدْكَ خاليًا من الزوجات، وليس هو من قولهم: امرأة [مخلية]: إذا خلت من الأزواج (6)(وأَحَبُّ مَنْ شاركني) مرفوع بالابتداء؛ أي: إليَّ، وفي رواية:"من شركني" بغير ألف،

(1) انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 143).

(2)

انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (4/ 30).

(3)

انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 143).

(4)

المرجع السابق، الموضع نفسه.

(5)

انظر: "إكمال المعلم" للقاضي عياض (4/ 633)، و"مشارق الأنوار" له أيضًا (1/ 239).

(6)

انظر: "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (2/ 74).

ص: 270

وهي في "الصحيحين" -أيضًا- (1)(في خير) كذا، للاشتراك بالتنكير؛ أي: أيّ خير كان، وفي رواية في "الخير"(2)، قيل: المراد به صحبة النبيِّ صلى الله عليه وسلم المتضمنة لسعادة الدارين الساترة ما لعله يعرض من الغيرة التي جرت بها

العادة بين الزوجات، لكن في بعض الروايات: وأحبُّ من شركني فيك (3)(أختي)، فعرف أن المراد بالخير: ذاتُه صلى الله عليه وسلم (قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنّ ذلك)، أي: الجمع بين الأختين حرام (لا يحلُّ لي)، وكأن أم حبيبة لم تطلع على تحريم ذلك، إمّا لأن ذلك كان قبل نزول آية التحريم، وإمّا بعد ذلك، وظنتْ أنه من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال الكرماني.

قال الحافظ ابن حجر: والاحتمال الثاني -يعني: ظنها أنّه من خصائصه صلى الله عليه وسلم- هو المعتمد، والأول يدفعه سياق الحديث (4)، وكأن أم حبيبة استدلّت بقولها:(قالت: فإنّا) معشر نسائك (نُحَدَّث) -بضم النون وفتح الحاء المهملة، على البناء للمجهول-، وفي رواية: قلت: بلغني (5)، وفي رواية عند أبي داود: فوالله! لقد أخبرتُ (6)(أنك تريد أن تنكِحَ)، وفي رواية: بلغني أنّك تخطب (7).

(1) تقدم تخريجه عند البخاري برقم (4817)، وعند مسلم برقم (1449/ 15 - 16).

(2)

تقدم تخريجه عند البخاري برقم (5057)، وعند مسلم برقم (1449/ 15).

(3)

تقدم تخريجه عند البخاري برقم (4817)، وانظر:"فتح الباري" لابن حجر (9/ 143).

(4)

انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 143).

(5)

تقدم تخريجه عند البخاري برقم (4817).

(6)

تقدم تخريجه عند أبي داود برقم (2056).

(7)

تقدم تخريجه عند البخاري برقم (4817).

ص: 271

قال الحافظ ابن حجر: ولم أقف على: اسم من حدَّثَ بذلك وأخبر به، ولعله كان من المنافقين، فإنه قد ظهر أن الخبر لا أصل له (1)(بنتَ أبي سَلَمة)، واسمها درّة -بضم المهملة وتشديد الراء- في روايةٍ حكاها عياض، وخَطَّأَها -بفتح المعجمة (2) -، وعند أبي داود: دُرَّة أو ذرة -على الشك (3) -، وأما ما وقع عند البيهقي: بلغني أنك تخطب زينبَ بنتَ أبي سلمة (4)، فهو خطأ كما نبّه عليه أئمة الحفّاظ، وكذا ما وقع عند أبي موسى في "ذيل المعرفة": حَمْنة بنت أبي سَلَمة (5)، (قال) النبيُّ صلى الله عليه وسلم:(بنتَ أُمِّ سَلَمة؟) هو استفهام استثبات لرفع الإشكال، أو استفهام إنكار، والمعنى: أما إن كانت بنتَ أبي سَلَمَة بنتَ أم سَلَمة -واسمها هند كما تقدّم في ترجمتها في باب "الجنابة"-، فتحريمها من وجهين، وإن كان من غيرها، فمن وجه (6) (قالت) أم حبيبة:(نعم) هي بنت أم سلَمَة، فاستدلّت أم حبيبة على جواز الجمع بين الأختين بجواز الجمع بين المرأة وابنتها بطريق الأولى؛ لأن الربيبة حُرّمت على التأبيد، والأخت إنّما حرّمت في صورة الجمع فقط، (قال) صلى الله عليه وسلم مجيبًا لأم حبيبة بأن ذلك لا يحلّ، وأنّ الذي بلغها من ذلك ليس بحق، وبنت أم سَلَمَة تَحرم عليه من جهتين، وإذا كان

الأمر كذلك (إنها)؛ أي: بنت أم سَلَمة (لو لم تكنْ ربيبتي في حجري، ما حَلَّت لي).

(1) انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 143).

(2)

انظر: "مشارق الأنوار" للقاضي عياض (1/ 266).

(3)

تقدم تخريجه عند أبي داود برقم (2056).

(4)

رواه البيهقي في "السنن الكبرى"(7/ 453).

(5)

انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 143).

(6)

المرجع السابق، الموضع نفسه.

ص: 272

قال القرطبي: فيه تعليل الحكم بعلّتين، فإنّه علل تحريمها بكونها ربيبة، وبكونها بنتَ أخ من الرضاعة (1).

قال الحافظ ابن حجر في "الفتح": الذي يظهر أنه نبّه على أما لو كانت بها مانع، لكفى في التحريم، فكيف وبها مانعان؟ فليس من التعليل بعلتين في شيء؛ لأنه كلّ وصفين يجوز أن يضاف الحكم إلى كلٍّ منهما لو انفرد، فإما أن يتعاقبا، فيضاف الحكم إلى الأول منهما، كما في السببين إذ اجتمعا، ومثاله: لو أحدث، ثم أحدث بغير تخلل طهارة، فالحدث الثاني لم يعمل شيئًا، أو يضاف الحكم إلى الثاني، كما في اجتماع السبب والمباشرة، وقد يضاف إلى أشبههما وأنسبهما، سواء كان الأول، أو الثاني، فعلى كل تقدير، لا يضاف إليهما جميعًا، وإن قدّر أن يوجد، فالإضافة إلى المجموع، ويكون كلّ منهما جزءَ علّة، لا علّة مستقلّة، فلا يجتمع علّتان على معلولٍ واحدٍ، هذا الذي استظهره في "الفتح"، قال: والمسألة مشهورة في الأصول، وفيها خلاف (2).

قال القرطبي: والصّحيح جوازه بهذا الحديث وغيره (3)، انتهى.

قلتُ: الذي اعتمده متأخرو علمائنا جوازُ تعليل حكم واحد بعلتين، وبعلل مستقلّة.

قال في "شرح مختصر التحرير"(4): يجوز تعليل صورة واحدة بعلّتين،

(1) انظر: "المفهم" للقرطبي (4/ 182).

(2)

انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 144).

(3)

انظر: "المفهم" للقرطبي (4/ 182).

(4)

هو كتاب: "الذخر الحرير شرح مختصر التحرير" للإمام الفقيه أحمد بن عبد الله البعلي، المتوفى سنة (1189 هـ) -أي بعد وفاة الشارح- رحمه الله بسنة-، شرح =

ص: 273

وبعلل مستقلّة، على الصّحيح، كتعليل تحريم وطء هند -مثلًا- بحيضها، وإحرامها، وواجب صومها، وكتعليل نقض الطهارة بخروج شيء من فرج، وزوال عقل، ومسّ فرج، فإنّ كلّ واحد من المتعددين يثبت الحكم مستقلًا، وإنما كان كذلك؛ لأن العلّة الشرعية بمعنى المعرّف، ولا يمتنع تعدد المعرّف؛ لأن من شأن كلّ واحد أن يعرف الذي وجد به التعريف.

قال بعض علمائنا: ويقتضيه قول الإمام أحمد بن حنبل في خنزير ميّت وغيره: هذا حرام من جهتين.

وذكره ابن عقيل عن جمهور الفقهاء والأصوليين.

والقول الثاني: أنه غير جائز.

وعلى القول بجواز تعليل الحكم بعلّتين، فكلّ واحدة من العلل علّة كاملة، لا جزء علّة عند الأكثر، وعند ابن عقيل جزء علّة.

وقيل: العلّة إحداهما لا بعينها، واستدل الأول بأنه ثبت استقلال كلٍّ منهما منفردة، وأيضًا لو لم يكن كلّ واحدة علّة، لامتنع اجتماع الأدلّة؛ لأن العلل أدلّة، انتهى ملخصًا.

وفي "مفتاح السعادة" للإمام المحقق ابن القيّم -رحمه الله تعالى- في حكم تعليل الحكم بعلّتين ما نصه: فصل الخطاب فيها: أنّ الحكم الواحد إن كان واحدًا بالنوع، كحل الدم، وثبوت الملك، ونقض الطهارة، جاز تعليله بالعلل المختلفة، وإن كان واحدًا بالعين، كحل الدم بالردّة، وثبوت الملك بالبيع والميراث، ونحو ذلك، لم يجز تعليله بعلّتين مختلفتين،

= فيه "الكوكب المنير" المشهور بـ "مختصر التحرير" لمحمد بن أحمد الفتوحي المتوفى سنة (972 هـ)، وصاحب "منتهى الإرادات" في الفقه الحنبلي. وانظر:"معجم مصنفات الحنابلة" للطريقي (5/ 334).

ص: 274

قال: وبهذا التفصيل يزول الاشتباه في هذه المسألة، انتهى (1).

وفي الحديث إشارة إلى أنّ التحريم بالربيبة أشدُّ من التحريم بالرضاعة، وقوله صلى الله عليه وسلم:"ربيبتي"؛ أي: بنت زوجتي، مشتقة من الرَّبّ، وهو الإصلاح؛ لأنه يقوم بأمرها، وقيل: من التربية، وهي غلط من جهة الاشتقاق؛ لأنّ شرطه الاتفاق في الحروف الأصلية والاشتراك، فإنّ آخر (رَبّ) باء موحدة، وآخر ربي ياء مثناة من تحت، قاله ابن دقيق العيد (2).

وفي "الفتح": قيل للربيبة ذلك؛ لأنها مربوبة، وغلط من قال: هي من التربية (3).

قال: الإمام ابن القيّم في كتابه "الهدي": وحرّم الربائب اللاتي في حجور الأزواج، وهنّ بنات نسائهم المدخول بهنّ، فيتناول ذلك بناتِهنّ، وبناتِ بناتهنّ، وبناتِ أبنائهنّ، فإنهنّ داخلاتٍ في اسم الربائب، وقيّد في الكتاب العزيز التحريم بقيدين:

أحدهما: كونهنّ في حجور الأزواج.

والثاني: الدخول بأمهاتهنّ، فإذا لم يوجد الدخول، لم يثبت التحريم، وسواء حصلت الفرقة بموتٍ أو طلاق، هذا مقتضى النصّ، وذهب زيد بن ثابت ومن وافقه، والإمام أحمد في رواية مرجوحة عنه: إلى أنّ موت الأم في تحريم الربيبة كالدخول بها؛ لأنه يكمل الصداق، ويوجب العدّة والتوارث، فصار كالدخوله، والجمهور أبوا ذلك، فقالوا: الميتة غير مدخول بها، فلا تحرم، انتهى (4).

(1) انظر: "مفتاح دار السعادة" لابن القيم (1/ 34).

(2)

انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (4/ 31).

(3)

انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 158).

(4)

انظر: "زاد المعاد" لابن القيم (5/ 121).

ص: 275

وقد قيّد الله -تعالى- التحريم بالدخول، وصرّح بنفيه عند عدم الدخول.

وأمّا قوله صلى الله عليه وسلم: "في حجري"، وقول الله -تعالى-:{وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ} [النساء: 23]، الحَجْر -بفتح الحاء المهملة وإسكان الجيم-، ومعناه: الحضانة والتربية، وكون المحضون تحت نظر الحاضن يمنعه مما يجب المنع منه، ولو كان الغالب ذلك ذكره لا تقييد للتحريم به، بل هو بمنزلة قوله -تعالى-:{وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ} [الإسراء: 31]، ولمّا كان من شأن بنت المرأة أن تكون عند أمها، فهي في حَجر الزوج وقوعًا وجوازًا، قيّده به، وكأنه قال: اللاتي من شأنهنّ أن يكنّ في حجوركم.

قال: الإمام المحقق ابن القيّم في "الهدي": وفي ذكر هذا فائدة شريفة، وهي: جواز جعلها في حجره، وأنه لا يجب عليه إبعادُها عنه، وتجنبُ مؤاكلتها والسفرِ والخلوةِ بها، فأفاد هذا الوصف عدم الامتناع من ذلك، قال: ولمّا خفي هذا على بعض أهل الظاهر، شرط في تحريم الربيبة أن تكون في حجر الزوج، انتهى (1).

وقال في "الفتح" في قول البخاري: وهل تسمى الربيبة وإن لم تكن في حجره؟ أشار بهذا إلى أن التقييد بقوله: {فِي حُجُورِكُمْ} هل هو للغالب، أو يعتبر فيه مفهوم المخالفة؟ قد ذهب الجمهور إلى الأول، وهو خلافٌ قديم أخرجه عبد الرزاق، وابن المنذر من طريق إبراهيم بن عبيد، عن مالك بن أوس، قال: كانت عندي امرأة قد ولدت لي، فماتت، فوَجدت

(1) المرجع السابق، (5/ 121 - 122).

ص: 276

عليها، فلقيت عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال لي: مالك؟ فأخبرته، فقال لي: ألها ابنة؟ يعني: من غيرك، قلتُ: نعم، قال: كانت في حجرك؟ قلتُ: لا، هي في الطائف، قال: فانكحها، قلت: فأين قوله: {وَرَبَائِبُكُمُ} ؟ قال: إنها لم تكن في حجرك (1).

قال: وقد رفع بعض المتأخرين هذا الأثر، وادّعى نفي ثبوته، بأنّ إبراهيم بن عُبيد لا يعرف، وهو عجيب، فإنّ الأثر المذكور عند ابن أبي حاتم في "تفسيره" من طريق إبراهيم بن عبيد بن رفاعة، وإبراهيمُ ثقة تابعي معروف، وأبوه وجدّه صحابيان، والأثر صحيح عن علي، وكذا صحّ عن عمر: أنه أفتى من سأله: إن تزوّج بنتَ رجل كانت تحته جدّتُها، ولم تكن أمُّ البنتِ في حجره. أخرجه أبو عبيد، وهذا وإن كان الجمهور على خلافه، فقد احتج أبو عبيد للجمهور بقوله صلى الله عليه وسلم:"لا تعرضْنَ عليَّ بناتكنّ". قال: نعم، ولم يقيّد بالحجر، وفيه نظر لحمل المطلق على المقيّد.

قال الحافظ ابن حجر: ولولا الإجماع الحادث في المسألة، وندرةُ المخالفة، لكان الأخذُ به أولى؛ لأن التحريم جاء مشروطًا بأمرين: أن تكون في الحجر، وأن يكون الذي يريد التزويج قد دخل بالأم، فلا تحرم إلا بوجود الشرطين، انتهى (2).

وفي روايةٍ: قال صلى الله عليه وسلم: "واللهِ لو لم تكن ربيبتي، ما حَلَّت لي (3)، (إنها)؛ أي: بنتَ أبي سَلَمَة (لابنةُ أخي من الرضاعة)، ثم بيّن ذلك

(1) رواه عبد الرزاق في "المصنف"(10834)، وابن أبي حاتم في "تفسيره"(5130).

(2)

انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 158).

(3)

تقدم تخريجه عند البخاري برقم (5057).

ص: 277

بقوله صلى الله عليه وسلم: (أرضعتني) أنا، (و) أرضعَتْ (أبا سَلَمَةَ) -بنصب (أبا) على أنه معطوفٌ على الياء في (أرضعتني) -وهو مفعول مقدم (ثويبةٌ) -بالرفع- فاعل.

واسم أبي سَلَمَة عبدُ الله بنُ عبد الأسد بنِ هلالِ بنِ عبدِ الله بنِ عمرِو بنِ مخزومٍ القرشيُّ المخزوميُّ، وأمه برّةُ بنتُ عبدِ المطلب عمّةُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وكان هاجرَ بأم سَلَمَة إلى أرض الحبشة، وهو أولُ من هاجر لها، ثم شهد بدرًا بعد أن هاجر الهجرتين، وجُرح يومئذٍ جرحًا اندملَ، ثم انتقض، فمات منه لثلاث مضينَ من جمادى الآخرة سنة ثلاث من الهجرة، كذا قاله ابن عبد البر، ورجّح ابن الأثير: أنه مات سنة أربع، وكان أخا النبي صلى الله عليه وسلم، وأخا حمزةَ رضي الله عنه من الرضاع، وله من الأولاد: سَلَمَة، وعمرو، وزينب، ودرّة (1).

قال ابن إسحاق: أسلم أبو سَلَمَة بعد عشرة أنفس، واستخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج إلى غزوة العشيرة -بالشين المعجمة-، وكانت في الثانية.

قال ابن إسحاق في "السيرة": هاجر أبو سَلَمة إلى المدينة قبل بيعة العقبة بسنة، وحُبست عنه امرأته أم سَلَمة هند بنتُ أبي أميّة بمكّة نحو سنة، ثم أذن لها بنو المغيرة الذين حبسوها في اللحاق بزوجها، فانطلقت، وشيّعها عثمانُ بنُ طلحةَ، ولم يكن أسلم بعدُ، حتى إذا وافى على قرية بني

(1) وانظر ترجمته في: "الطبقات الكبرى" لابن سعد (8/ 87)، و"الاستيعاب" لابن عبد البر (3/ 939)، و"جامع الأصول" لابن الأثير (15/ 578 - "قسم التراجم")، و"تهذيب الأسماء واللغات" للنووي (2/ 521)، و"تهذيب الكمال" للمزي (15/ 187)، و"الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر (4/ 152).

ص: 278

عمرو بن عوف بقباء، قال لها: هذا زوجك في هذه القرية، ثم انصرف راجعًا إلى مكة، فكانت تُثني عليه ثناءً حسنًا.

وإنما تقدّمت هجرة أبي سَلَمة إلى المدينة على غيره؛ لأنه لمّا قدم من الحبشة إلى مكّة، آذاه أهلها، فأراد الرجوع إلى الحبشة، فلمّا بلغه إسلام من أسلم من الأنصار؛ أي: الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم البيعةَ الأولى، وكانوا اثني عشر، خرج إليهم وقدِم المدينة بكرة النهار، وقد قيل: إن أبا سَلَمة رضي الله عنه أول من يأخذ كتابه بيمينه في الموقف (1).

ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم لأم حبيبة ولغيرها: (فلا تَعْرِضْنَ) -بفتح أوله وسكون العين المهملة وكسر الراء بعدها ضاد معجمة ساكنة فنون- على صيغة الخطاب لجماعة النساء، أو -بكسر المعجمة وتشديد النون- خطاب أم حبيبة وحدها، والأول أوجه كما في "الفتح".

وقال ابن التين: ضبط -بضم الضاد-، قال ابن حجر: ولا أعلم له وجهًا؛ لأنه إن كان الخطاب لجماعة النساء، وهو الأبين، فهو بسكون الضاد، ولأنه فعلٌ مستقل مبني على أصله، ولو أدخلتَ عليه التأكيد، فشدَّدتَ النون، لكان لتعرضنان عليَّ؛ لأنه يجتمع ثلاث نونات، فيفرق بينهن بألف، وإن كان لأم حبيبة، فعلى صيغة ما تقدم (2).

وقال القرطبي: جاء بلفظ الجمع، وإن كانت القصة لاثنتين، وهما أم حبيبة وأم سَلَمة، ردعًا وزجرًا أن تعود واحدة منهما أو من غيرهما إلى مثل ذلك (3).

(1) وانظر: "السيرة النبوية" لابن هشام (2/ 315).

(2)

انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 144).

(3)

انظر: "المفهم" للقرطبي (4/ 182).

ص: 279

(عليَّ) متعلّق فلا تعرضن (بناتكن).

وكان لأم سَلَمة من البنات: زينب، ودرّة، ولأم حبيبة من البنات: حبيبة، وقد روت عنها الحديث، ولها صحبة.

(ولا) تعرضن عليّ (أخواتكنّ).

وكان لأم سَلَمة من الأخوات: قريبة زوج زمعة بن الأسود، وقريبة الصغرى زوج عمر، ثم معاوية، وعزّةُ بنتُ أبي أميّة زوج منبه بن الحجّاج، وكان لأم حبيبة من الأخوات: هند زوج الحارث بن نوفل، وجويرية زوج السائب بن أبي حبيش وأميمةُ زوج صفوانَ بن أميّة، وأمُّ الحكم زوجُ عبد الله بن عثمان، وصخرة زوج سعيد بن الأخنس، وميمونةُ زوجُ عروة بنِ مسعود، ولغيرهما من أمهات المؤمنين عدّة أخوات (1).

وفي "البخاري" وحده دون مسلم (2): (قال عروة) بن الزبير رضي الله عنهما وقد قدّمنا ترجمته في فسخ الحجِّ إلى العمرة (ثويبةُ) وموحدّة مصغر، قال البرماوي كغيره -بضم المثلثة وفتح الواو وسكون المثناة تحت وبعدها موحدّة- (مولاةٌ)؛ أي: معتقَةٌ (لأبي لهب) عمِّ النبي صلى الله عليه وسلم، اسمُه عبد العزى، وعداوته للنبي صلى الله عليه وسلم مشهورة (كان أبو لهب أعتقها)؛ أي: ثويبة، قال:(فأرضعت النبيَّ صلى الله عليه وسلم).

وقد ذكرها الإمام الحافظ ابن منده في "الصحابة"، وقال: اختلف في إسلامها.

وقال الحافظ أبو نعيم: لا نعلم أحدًا ذكر إسلامها غيره، والذي في

(1) انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 144).

(2)

قلت: هذه الزيادة من أفراد البخاري، كما قاله الحافظ عبد الحق الإشبيلي في "الجمع بين الصحيحين"(2/ 410)، حديث رقم (2382).

ص: 280

[السير](1) أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يكرمها، وكانت تدخل عليه بعدما تزوّج خديجة، وكان يرسل إليها الصلة من المدينة إلى أن كان بعد فتح خيبر ماتت، ومات ابنها مسروح (2).

وذكر البرماوي: أنّ ابن سعد ذكر عن غير واحد من أهل العلم: أن خديجة طلبت أن تبتاعها من أبي لهب لتعتقها، فأبى أبو لهب، فلمّا هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أعتقها أبو لهب.

وكذا قال الحاكم أبو أحمد: إنه أعتقها بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم.

ولا يبعد على هذا القول أن يكون أعتقها لكونها مرضعة النبي صلى الله عليه وسلم.

وكان إرضاعُ ثويبة له صلى الله عليه وسلم قبل إرضاع حليمة السعدية، وأرضعت قبله حمزةَ عمَّه، وبعده أبا سَلَمةَ المخزوميَّ، كذا صوّبه البرماوي.

قلت: المشهور في السيرة: أن ثويبة أول من أرضعته صلى الله عليه وسلم، وأنه أعتقها حين بشرّته بولادته صلى الله عليه وسلم، فإنها قالت له: أشعرتَ أن آمنة ولدت غلامًا لأخيك عبد الله؟ فقال لها: أنتِ حرّة، فجوزيَ بتخفيف العذاب عنه يوم الاثنين كما يأتي (3)، ومات أبو لهب في الثانية بعد غزوة بدر بسبعة أيام ميتة شنيعة بداءٍ يقال له: داء العدسة، خرج في مواضع من جسده من جنس الطاعون يقتل غالبًا، كانت العرب تتشاءم به، فلمّا مات، تباعد عنه بنوه، فبقي ثلاثًا لا يُقرب ولا يُدفن حتى حفروا له حفرة، فدفعوه فيها بعود، وحديث موته بذلك رواه النسائي من حديث أبي رافع (4).

(1) في الأصل: "السنن" والتصويب من "الفتح".

(2)

انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 145).

(3)

انظر: "الروض الأنف" للسهيلي (3/ 99)، و"السيرة الحلبية"(1/ 138).

(4)

لم أجده عند النسائي في "سننه"، وقد رواه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" =

ص: 281

فائدة:

مَراضعُه صلى الله عليه وسلم عشرة: أُمّه آمنة أرضعته قبل ثويبة سبعةَ أيام، وقيل: تسعة، وعليه فقولهم: أول من أرضعته ثويبة، يعني: من مراضعه سوى أمّه والثالثة والرابعة والخامسة من مراضعه صلى الله عليه وسلم ثلاثُ نسوة أبكار من بني سليم، كلّ واحدة منهنّ تسمى عاتكة، أخرجنَ أثدِيتهنّ، فوضعنها في فمه فدرَّت، فرضع منهنّ، وهن اللاتي عناهن صلى الله عليه وسلم بقوله:"أنا ابنُ العَواتِكِ من سليم" رواه سعيد بن منصور في "سننه"، والطبراني في "معجمه الكبير" عن سِيابه -بسين مهملة مكسورة فمثناة تحتية فموحدة فهاء- بنِ عاصم السلمي رضي الله عنه، ورجاله رجال الصحيح (1).

السادسة: مولاته أم أيمن رضي الله عنها كما في "الخصائص الصغرى" للسيوطي، مع أنه لا يُعرف لها ولد وقتئذٍ، فإن ثبت، فلعلها درّت عليه كالعواتك.

السابعة: أم فروة.

الثامنة: حليمة السعدية بنت أبي ذئب ظئره.

التّاسعة: خَولةُ بنت المنذر، والصّحيح أنها مرضعة ابنه إبراهيم عليه السلام، إلا أن يقال: إنها غيرها، وإنها وافقتها في الاسم واسم الأب، وإنها هي التي أرضعته وأرضعت عمه حمزة، وهو عند بني سعد، وإنّ

= (4/ 73 - 74)، والبزار في "مسنده"(3866)، والطبراني في "المعجم الكبير"(912)، والحاكم في "المستدرك"(5403)، وغيرهم من حديث أبي رافع رضي الله عنه.

(1)

رواه سعيد بن منصور في "سننه"(2/ 351)، والطبراني في "المعجم الكبير"(6724).

ص: 282

حمزة رضيع النبي صلى الله عليه وسلم من لبن ثويبة، ومن لبن السعديّة، وهي مرضعة حمزة كما في "الهدي"(1).

قال في "سيرة الشامي": لم أقف على اسمها.

وجوّز الحلبي كونها خولةَ بنتَ المنذر من بني سعد (2).

وذكر الحافظ ابنُ سيد الناس: أن أبا إسحاق الأمين ذكر في استدراكه على أبي عمر خولةَ بنتَ المنذر بنِ زيد بن لبيد بنتَ خدّاش التي أرضعت النبي صلى الله عليه وسلم (3).

العاشرة: زعم بعضهم أنّها أم أيمن عزيزة، وهو وهم، وإنما هي حاضنته، واسمها بركة، ولعلها كانت تسمى عزيزة، وقد ذكرناها، فتكون مراضعه على هذا تسعة.

وفي "شرح سيرة الحافظ عبد الغني" المصنفِ -رحمه الله تعالى- للحافظ قطب الدين عبد الكريم الحلبي: وكانت ترضعه حبيبة، وأنيسة، وحُذافة -بضم الحاء المهملة-، وقيل: -بكسر المعجمة- بناتُ الحارث بن عبد العزى بنِ رفاعة، لكن في "تجريد الذهبي": حذافةُ بنتُ الحارث السعديّة التي يقال لها: الشيماء أُختُ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة (4)، كما في "شرح الزهر البسام".

فائدة أخرى:

ذكر الحافظ جلال الدين السيوطي: أنه صلى الله عليه وسلم لم ترضعه مرضعة إلّا

(1) انظر: "زاد المعاد" لابن القيم (1/ 83).

(2)

انظر: "السيرة الحلبية" للحلبي (1/ 142).

(3)

انظر: "عيون الأثر" لابن سيد الناس (1/ 98).

(4)

انظر: "تجريد أسماء الصحابة" للذهبي (2/ 258).

ص: 283

وأسلمت، انتهى (1). كذا قال، والله أعلم.

(فلمّا مات أبو لهب) عبدُ العزى بن عبد المطلب في الثانية من الهجرة -كما تقدم- (أُريه) -بضم الهمزة وكسر الراء وفتح التحتانية- على البناء للمجهول (بعضُ أهله) نائب الفاعل، وقد ذكر غير واحد، منهم السهيلي: أن الرائي له العباس -رضوان الله عليه-، قال العباس: لما مات أبو لهب، رأيته في منامي بعد حولٍ في شَرّ، فقال: ما لقيت بعدكم راحة، إلّا أن العذاب يخفف عني كل يوم اثنين، قال: وذلك أنّ النبي صلى الله عليه وسلم ولد يوم الإثنين، وكانت ثويبة بشّرت أبا لهب بمولده، فأعتقها، ذكره في "الروض الأنف" (2) (بشرِّ حِيبة) -بكسر الحاء المهملة وسكون التحتية بعدها موحدة- أي: سوء حال.

وقال ابن فارس (3): أصلها: الحوبة، وهي المسكنة والحاجة، فالياء في حيبة منقلبة عن واو، لانكسار ما قبلها.

ووقع في "شرح السنّة" للبغوي: -بفتح الحاء (4) -، وهي عند المستملي -بفتح الخاء المعجمة-؛ أي: حالة خائبة من كلّ خير.

وقال الحافظ ابن الجوزي: هو تصحيف (5).

وقال القرطبي: يروى بالمعجمة، ووجدته في نسخة معتمدة بكسر المهملة وهو المعروف.

(1) نقله الحلبي في "السيرة الحلبية"(1/ 143).

(2)

انظر: "الروض الأنف" للسهيلي (3/ 98 - 99).

(3)

انظر: "مجمل اللغة" لابن فارس (1/ 255)، (مادة: حوب).

(4)

انظر: "شرح السنة" للبغوي (9/ 76).

(5)

انظر: "كشف المشكل" لابن الجوزي (4/ 216).

ص: 284

وحكى في "المشارق" عن رواية المستملي: -بالجيم-، قال: ولا أظنه إلا تصحيفًا (1)، قال في "الفتح": هو تصحيف كما قال (2).

(فقال له)، أي: قال بعض أهل أبي لهب، وهو أخوه العباس رضي الله عنه لأبي لهب، وقد رآه في النوم:(ماذا لقيتَ) بعد الموت؟ (قال له أبو لهب: لم ألق بعدَكم)؛ أي: من حين موتي، أيَّ خير، كذا في أكثر الأصول بحذف المفعول، وفي رواية الإسماعيلي: لم ألق بعدكم رخاء، وعند عبد الرزاق عن معمر، عن الزُّهريُّ: لم ألق بعدكم راحة (3)، قال ابن بطال: سقط المفعول من رواية البخاري، ولا يستقيم الكلام إلّا به (4)(غير أني سُقيت في هذه) كذا في الأصول بالحذف، ووقع في رواية عبد الرزاق: وأشار إلى النقرة التي تحت إبهامه، وفي رواية الإسماعيلي: وأشار إلى النقرة التي بين الإبهام والتي قبلها من الأصابع، وللبيهقي في "دلائل النبوّة" مثله بلفظ: يعني: النقرة إلخ (5). وفي ذلك إشارة إلى حقارة ما سقي من الماء (بعَتاقتي) -بفتح العين المهملة- وفي رواية عبد الرزاق: بعتقي، وهو أوجه، والوجه أن يقول: بإعتاقي؛ لأن المراد التخلص من الرق (6)(ثُويبةَ) المتقدمَ ذكرُها.

قال الحافظ المصنف -رحمه الله تعالى- (الحِيبَة: الحالة -بكسر الحاء) المهملة وفتح موحدة- كما قدّمنا.

(1) انظر: "مشارق الأنوار" للقاضي عياض (1/ 219).

(2)

انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 145).

(3)

تقدم تخريجه.

(4)

انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 145).

(5)

انظر: "دلائل النبوة" للبيهقي (1/ 148 - 149).

(6)

انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 145).

ص: 285

وفي الحديث دلالة على أنّ الكافر قد ينفعه العمل الصالح في الآخرَة، لكنه مخالف لظاهر القرآن، قال الله -تعالى-:{وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان: 23]، وأجيب:

أولًا: الخبر مرسل، أرسله عروة، ولم يذكر من حدّثه به، وعلى تقدير أن يكون موصولًا، فالذي في الخبر رؤيا منام، فلا حجّة فيه، ولعلّ الذي رآها لم يكن إذ ذاك أسلمَ بعد، فلا يحتجّ به.

وثانيًا: على تقدير القبول يحتمل أن يكون ما يتعلّق بالنبي صلى الله عليه وسلم مخصوصًا من ذلك بدليل قصة أبي طالب، فإنّه خُفف عنه، فنُقل من الغمرات إلى ضَحْضاحٍ من نار (1).

وقال: البيهقي: ما ورد من بطلان الخير للكفار، فمعناه: أنه لا يكون لهم التخلص من النار، ولا دخول الجنّة، ويجوز أن يخفف عنهم من العذاب الذي يستوجبونه على ما ارتكبوه من الجرائم سوى الكفر بما عملوه من الخيرات.

وأما عياض، فقد قال: انعقد الإجماع على أنّ الكفار لا تنفعهم أعمالهم، ولا يثابون عليها بنعيم، ولا تخفيف عذاب، وإن كان بعضهم أشدّ عذابًا من بعض (2).

قال: الحافظ ابن حجر في "الفتح": وهذا -يعني: ما ذكره عياض- لا يرد الاحتمال الذي ذكره البيهقي، فإن جميع ما ورد من ذاك فيما يتعلق

(1) رواه البخاري (3670)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: قصة أبي طالب، ومسلم (209)، كتاب: الإيمان، باب: شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأبي طالب، من حديث العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه.

(2)

انظر: "إكمال المعلم" للقاضي عياض (1/ 597).

ص: 286

بذنب الكفر، وأما ذنب غير الكفر، فما المانع من تخفيفه (1)؟

وقال القرطبي: هذا التخفيف خاص بهذا، وبمن ورد النص فيه (2).

وقال ابن المنير في "حاشية البخاري": هنا قضيتان:

إحداهما: محال، وهي اعتبار طاعة الكافر مع كفره؛ لأن شرط الطاعة أن تقع بقصد صحيح، وهذا مفقودٌ من الكافر.

الثانية: إثابة الكافر على بعض الأعمال تفضُّلًا من الله -تعالى- لا يحيله العقل، فإذا تقرر ذلك، لم يكن عتق أبي لهب لثويبة قربةً معتبرة، ويجوز أن يتفضل الله عليه بما شاء كما تفضل على أبي طالب، والمتبع في ذلك التوقف نفيًّا وإثباتًا، والله الموفق (3).

تنبيهات:

الأول: اشتمل هذا الحديث على ذكر تحريم الجمع بين الأختين، وهذا بالإجماع، وعلى تحريم الربيبة، وهو بالإجماع أيضًا، وعلى تحريم بنت الأخت من الرضاع، وهو بالإجماع.

الثاني: الرضاعة تحرّم ما تحرّم الولادة، وقد ثبت ذلك في "الصحيحين" من حديث عائشة (4)، وفي لفظٍ عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم: "يحرُم

(1) انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 145).

(2)

انظر: "المفهم" للقرطبي (1/ 457).

(3)

انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 145).

(4)

رواه البخاري (2938)، كتاب: الخمس، باب: ما جاء في بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ومسلم (1444)، كتاب: الرضاع، باب: يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة.

ص: 287

من الرضاعة ما يحرُم من النسب" رواه مسلم (1)، ورواه الشيخان -أيضًا- من قولها (2)، ومن حديث ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم (3)، وخرجه الترمذي من حديث علي عن النبي صلى الله عليه وسلم (4).

وقد أجمع العلماء -رضوان الله عليهم- على العمل بهذه الأحاديث في الجملة، وأنّ الرضاع يحرّم ما يحرّم النسب.

الثالث: في ذكر قاعدة كلّية في ذكر المحرمات من النسب، ليعلم بها المحرّمات من الرضاعة، ولنذكر المحرمات من النسب كلهنّ.

اعلم أنّ الولادة والنسب قد تؤثر التحريم في النكاح، وهذا التحريم على قسمين:

أحدهما مؤبد على الانفراد، وهو نوعان:

أحدهما: ما يحرّم بمجرد النسب، فيحرّم على الرجل أصوله وإن علون، وفروعه وإن سفلن، وفروع أصله الأدنى. وإن سفلن، وفروع أصوله البعيدة دون فروعهنّ، فدخل في أصوله أمهاته وإن علونَ من جهة

(1) رواه مسلم (1445/ 9)، كتاب: الرضاع، باب: يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة.

(2)

رواه البخاري (5804)، كتاب: الأدب، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "تربت يمينك" و"عقرى حلقى"، ومسلم (1444/ 5) كتاب: الرضاع، باب: يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة.

(3)

رواه البخاري (2502)، كتاب: الشهادات، باب: الشهادة على الأنساب والرضاع المستفيض والموت القديم، ومسلم (1447/ 12)، كتاب: الرضاع، باب: تحريم ابنة الأخ من الرضاعة.

(4)

رواه الترمذي (1146)، كتاب: الرضاع، باب: ما جاء يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب. وقال: حسن صحيح.

ص: 288

أبيه وأمه، وفي فروعه بناته وبنات أولاده وإن سفلن، وفي فروع أصله الأدنى أخواتُهمن الأبوين أو من أحدهما، وبناتهنّ، وبنات الإخوة وأولادهم وإن سفلنَ، ودخل في فروِع أصوله البعيدة العمّاتُ والخالات، وعمّات الأبوين وخالاتهما وإن علون، فلم يبق من الأقارب حلالًا للرجل سوى فروع أصوله البعيدة، وهنّ بنات العم، وبنات العمات، وبنات الخال، وبنات الخالات.

والنوع الثاني: ما يحرم بالنسب مع سببٍ آخر، وهو المصاهرة، فيحرم على الرجل حلائل آبائه، وحلائل أبنائه، وأمهات نسائه، وبنات نسائه المدخولِ بهنّ، فيحرم على الرجل أمُّ امرأته وأمهاتها من جهة الأم والأب وإن علونَ، ويحرم عليه بنات امرأته، وهنّ الربائب وبناتهنّ وإن سفلنَ، وكذا بنات بني زوجته، وهنّ بنات الربيب، نصّ عليه الإمام الشافعي، والإمام أحمد.

قال الحافظ ابن رجب: ولا نعلم فيه خلافًا.

ويحرم عليه أن يتزوج امرأة أبيه وإن علا، وامرأة ابنه وإن سفل، ودخول هؤلاء في التحريم بالنسب ظاهر؛ لأن تحريمهنّ من جهة نسب الرجل مع سبب المصاهرة، وأما أمهاتُ نسائه وبناتُهنّ، فتحريمهن مع المصاهرة بسبب نسب المرأة، فلم يخرج التحريم بذلك على أن يكون بالنسب (1).

(1) انظر: "جامع العلوم والحكم" لابن رجب (ص: 410)، وانظر:"الإقناع" للحجاوي (3/ 335)، و"شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (5/ 162)، وما بعدها، و"حاشية النجدي على المنتهى"(4/ 82) وما بعدها.

ص: 289