الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الثاني
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْم، فَإذَا أُتْبعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيٍ، فَلْيَتْبَعْ"(1).
(1) * تَخْرِيج الحَدِيث:
رواه البخاري (2166)، كتاب: الحوالات، باب: في الحوالة، وهل يرجع في الحوالة، و (2167)، باب: إذا أحال على مليء فليس له رد، و (2270)، كتاب: الاستقراض، باب: مطل الغني ظلم، ومسلم (1564)، كتاب: المساقاة، باب: تحريم مطل الغني، وأبو داود (3345)، كتاب: البيوع، باب: في المطل، والنسائي (4691)، كتاب: البيوع، باب: الحوالة، و (4688)، باب: مطل الغني، والترمذي (1308)، كتاب: البيوع، باب: ما جاء في مطل الغني أنه ظلم، وابن ماجه (2403)، كتاب: الصدقات، باب: الحوالة.
* مصَادر شرح الحَدِيث:
"معالم السنن" للخطابي (3/ 64)، و"الاستذكار" لابن عبد البر (6/ 491)، و"عارضة الأحوذي" لابن العربي (6/ 43)، و"إكمال المعلم" للقاضي عياض (5/ 233)، و"المفهم" للقرطبي (4/ 438)، و"شرح مسلم" للنووي (10/ 227)، و"شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (3/ 198)، و"العدة في شرح العمدة" لابن العطار (3/ 1183)، و"النكت على العمدة" للزركشي (ص: 249)، و"طرح التثريب" للعراقي (6/ 160)، و"فتح الباري" لابن حجر (4/ 465)، و"عمدة القاري" للعيني (12/ 111)، و"إرشاد الساري" للقسطلاني (4/ 144)، و"سبل السلام" للصنعاني (3/ 61)، و"نيل الأوطار" للشوكاني (5/ 355).
(عن أبي هريرةَ) عبد الرحمنِ بنِ صخرٍ (رضي الله عنه: أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: مطلُ الغنيِّ)؛ أي: تسويفُه بالدين، كالامتطال، والمماطلة، والمطاولة، وأصل المطل: من مطلتُ الحديدةَ، أَمطلها: إذا ضربتها ومددتها لتطولَ، وكلُّ ممدودٍ ممطولٌ، ومنه اشتقاق المطل بالدين، يُقال: مطلَه وماطله بحقه، فهو مَطول ومطال (1).
والمراد بالغني: هنا: القادر على الوفاء ممن قدر على الأداء فأَخره، ولو كان فقيرًا (2)، فهو (ظلم) منه، لتمكنه من أداء الحق لربه، فلم يفعل.
والمعنى: أنه يَحرُم على الغني القادر أن يمطل بالدين بعد استحقاقه وطلبه (3).
قال علماؤنا كغيرهم: يجب على المديون فورًا وفاءُ دينٍ حالٍّ، أو مؤجَّلٍ حلَّ على قادرٍ بطلب ربِّه، فلا يجبُ بدونه، ولو عين وقت وفاء، خلافًا لما توهمه عبارة "الإقناع"(4).
قال في "الفروع": ويتعين دفعُه بطلبه.
قال جماعة، منهم صاحب "المغني"(5)، و"المحرر": في وجوب زكاة الفطر على المدين: يجب أداء الدين عند طلبه، قال: والمراد، كما قال
(1) انظر: "فتح الباري" لابن حجر (4/ 465)، و"عمدة القاري" للعيني (12/ 236).
(2)
انظر: "فتح الباري" لابن حجر (4/ 465).
(3)
المرجع السابق، الموضع نفسه.
(4)
انظر: "الإقناع" للحجاوي (2/ 359).
(5)
انظر: "المغني" لابن قدامة (1/ 365).
صاحب "المحرر": يجب إذًا على الفور، وقيل: وقبله؛ أي: الطلب، ويمهل بقدر ذلك اتفاقًا (1).
قوله: ويمهَل بقدر ذلك؛ أي: بقدر ما يحضر المالك، فإن كان له سلعة، فطلب أن يُمْهَل حتى يبيعَها ويوفيه من ثمنها، أُمْهِلَ بقدر ذلك، وكذلك إن أمكنه أن يحتال لوفاء دينه باقتراضٍ ونحوه، وطلب ربُّ الدين أن يرسم عليه حتى يفعل ذلك، وجب إجابته (2).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فإن مطله حتى شكي عليه، فما غرمه، فعلى المماطل، فإن أبى مَنْ له مالٌ يفي بدينه الوفاءَ، حبسه الحاكمُ، وليس له إخراجه حتى يتبين أمره، أو يبرأ من غريمه بوفاء أو إبراء، أو يرضى بإخراجه، فإن أصر، باع الحاكم ماله، وقضى دينه.
وقال جماعة: إذا أصر على الحبس، وصبر عليه، ضربه الحاكم.
قال في "الفصول": للإمام ابن عقيل وغيرِه: يحبسه، فإن أبى، عَزَّره، قال: ويكرر حبسه وتعزيره حتى يقضيه.
قال شيخ الإسلام: نهى عن ذلك الأئمةُ من أصحاب الإمام أحمدَ وغيرِهم، ولا أعلم فيه نزاعًا، لكن لا يزاد في كل يوم على أكثر التعزير إن قيل بتقديره، انتهى (3).
وكل هذا يؤخذ من قوله صلى الله عليه وسلم: "مطل الغني ظلم"، والظالم يستحق العقوبة، فإن العقوبة تستحق على ترك واجب، أو فعل محرم، وقضية كونه
(1) انظر: "الفروع" لابن مفلح (4/ 221).
(2)
انظر: "مجموع الفتاوى" لشيخ الإسلام ابن تيمية (30/ 31).
(3)
انظر: "الفروع" لابن مفلح (4/ 221).
ظلمًا أنه كبيرة، لكن قال النووي: مقتضى مذهبنا اعتبارُ تكرره (1)، وردَّه السبكيُّ بأن مقتضاه عدمه؛ لأن منع الحق بعد طلبه، وانتفاء العذر عن أدائه، كالغصب، والغصبُ كبيرة لا يُشترط فيها التكرار (2)، وهذا ظاهر كلام شيخ الإسلام، ومن ثَمَّ أُبيح حبسُه وتعزيره.
ومن قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، من حديث الشريد- بفتح الشين المعجمة -هو ابنُ سُويد الثقفيُّ-، قيل: إنه من حضرموت، فحالف ثقيقًا، مرفوعًا. والشريدُ شهدَ الحُديبية، فهو صحابي رضي الله عنه، ولفظُ الحديث:"لَيُّ الواجِدِ يُحِلُّ عرضَه وعقوبته"(3).
وعلقه البخاري في "صحيحه" بلفظ: ويُذكر عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فذكره.
قال سفيان: عِرْضَه: أن يقال: مطلني حقي، وعقوبته: الحبس (4).
قال إسحاق: فسر سفيان عرضه: أذاه بلسانه (5).
وعن وكيع: عرضه: شكايته (6).
(1) انظر: "شرح مسلم" للنووي (10/ 227).
(2)
انظر: "فتح الباري" لابن حجر (4/ 466).
(3)
رواه الإمام أحمد في "المسند"(4/ 222)، وأبو داود (3628)، كتاب: الأقضية، باب: في الحبس في الدين وغيره، والنسائي (4689)، كتاب: البيوع، باب: مطل الغني، وابن ماجه (2427)، كتاب: الصدقات، باب: الحبس في الدين والملازمة.
(4)
انظر: "صحيح البخاري"(2/ 845).
(5)
انظر: "فتح الباري" لابن حجر (5/ 62).
(6)
انظر: "مسند الإمام أحمد"(4/ 222).
قال في "النهاية": الليُّ: المطل، يقال: لواه غريمُه بدينه يلويه لَيًّا (1).
والواجد: الغني، قال ذو الرمة:[من الطويل]
تُرِيدِينَ لَيَّاتِي وَأَنْتِ مَليَّةٌ
…
وَأَحْسَنُ يَا ذَاتَ الوِشَاحِ التَّقَاضِيَا (2)
وقال الإمام عبدُ الله بنُ المبارك: يُحِلُّ عرضه؛ أي: يغلظ له، وعقوبته؛ أي: يحبس له (3)، انتهى.
وإذا ثبت إعسارُه، وجبَ انتظارُه، وحَرُمَ حبسُه.
واختلف في ثابت العسرة إذا أُطلق من السجن، هل يلازمه غريمُه؟
فقال الثلاثة: يُمنع من الملازمة حتى يثبت له مال آخر.
وقال أبو حنيفة: لا يمنع الحاكمُ الغرماءَ من لزومه (4).
تتمة: في "الصحيحين" وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: كان لرجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم حق، فأغلظ له، فَهَمَّ به أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"إن لصاحب الحَقِّ مقالًا"، هذا لفظ مسلم (5).
ولفظ البخاري: "دعوه، فإن لصاحب الحقِّ مقالًا"(6).
فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: "اشتروا له سنًّا -يعني: من الإبل- فأَعْطُوه إياه"،
(1) انظر: "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (4/ 280).
(2)
انظر: "ديوانه"(2/ 1306)(ق 43/ 17)، ووقع في "الديوان": تسيئين ليَّاني.
(3)
انظر: "سنن أبي داود"(3/ 313).
(4)
انظر: "عمدة القاري" للعيني (12/ 236)، وعنه نقل الشارح رحمه الله.
(5)
رواه مسلم (1601/ 120)، كتاب: المساقاة، باب: من استسلف شيئًا فقضى خيرًا منه.
(6)
رواه البخاري (2183)، كتاب: الوكالة، باب: الوكالة في قضاء الديون.
فقالوا: لا نجد إلا سنًّا هو خيرٌ من سنِّه، قال:"فاشتروه، فَأعطُوه إياه، فإن من خيركم -أو خيرَكم- أحسنُكم قضاء".
زاد البخاري في طريق أخرى: فقال الرجل: أوفيتني أوفى اللهُ بك (1).
وفي لفظ: "فإن خيار الناس أحسنُهم قضاءً"(2).
وفي آخر: "أفضلُكم أحسنُكم قضاءً"(3).
قلت: ومن هذا قصة زيد بن سعَنَة -بالسين المهملة والعين والنون المفتوحتين-، كما ذكر الحافظ المصنف -رحمه الله تعالى-، وجرى عليه الدارقطني. وفي نسخ "الشفاء" للقاضي عياض -بالياء التحتية بعد العين المهملة-، وعليه تصحيح مؤلفه (4). قال الإمام الحافظ الذهبي: والأول أصحُّ (5)، وهي ما روى ابنُ حبانَ والحاكمُ عن عبد الله بنِ سلام رضي الله عنه: أن زيد بن سعنة -وهو أحد علماء أهل الكتاب من اليهود-.
قال النووي: هو أحد أحبار اليهود الذين أسلموا (6).
قال: إنه لم يبق من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفتها في وجه محمد صلى الله عليه وسلم حين نظرت إليه، إلا اثنتين لم أخبرهما منه: أن يسبق حلمُه
(1) رواه البخاري (2182)، كتاب: الوكالة، باب: وكالة الشاهد والغائب جائزة.
(2)
رواه البخاري (2262)، كتاب: الاستقراض، باب: هل يعطى أكبر من سنه، ورواه مسلم (1600/ 118)، كتاب: المساقاة، باب: من استسلف شيئًا فقضى خيرًا منه، من حديث أبي رافع رضي الله عنه.
(3)
رواه البخاري (2467)، كتاب: الهبة وفضلها، باب: من أهدي هدية وعنده جلساؤه فهو أحق.
(4)
انظر: "الشفا" للقاضي عياض (ص: 152).
(5)
انظر: "تجريد أسماء الصحابة" للذهبي (1/ 199).
(6)
انظر: "تهذيب الأسماء واللغات" للنووي (1/ 200).
جهلَه، وأَلَّا تزيدَه شدةُ الجهل عليه إلا حلمًا، فكنت أتلطف له؛ لأن أخالطه فأعرفَ حلمَه، فابتعتُ منه تمرًا معلومًا إلى أجل معلوم، وأعطيته الثمن.
ولفظُ ابن حبان، و"الوفاء" للحافظ ابن الجوزي: فخرج يومًا، ومعه علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فجاء رجل كالبدوي، فقال: يا رسول الله! إن قرية بني فلان أسلموا، وحدثتُهم إن هم أسلموا، أتتهم أرزاقُهم رغدًا، وقد أصابتهم سَنَة وشدَّة، وإني مشفق أن يخرجوا من الإسلام، فإن رأيت أن ترسل إليهم بشيء تُعينهم به.
قال زيد: فقلت: أنا أبتاع منك بكذا وكذا وسقًا، وأعطيته ثمانين دينارًا، فدفعها إلى الرجل، وقال:"أعجل عليهم بها فأغثهم"، فلما كان قبل الحل بيوم أو يومين أو ثلاثة، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنازة في نفر من أصحابه، فجذبتُ رداءه جذبةً شديدة حتى سقط عن عاتقه، ثم أقبلتُ بوجه غليظٍ جهم، فقلت: ألا تقضيني يامحمد؟ فو الله! ما علمتُكم بني عبد المطلب بمُطل، فارتعدَتْ فرائصُ عمرَ بن الخطاب كالفلك المستدير، ثم رمى بصره، وقال: أي عدوَّ الله! أتقول هذا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وتصنع به ما أرى، وتقول ما أسمع؟ فو الذي بعثه بالحق! لولا ما أخاف فوته -أي: الافتياتَ عليه، يعني: على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لسبقني رأسُك، ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى عمرَ في تُؤَدَة وسكون، ثم تبسم وقال:"أنا وهو كنا أحوجَ إلى غير هذا منك يا عمر! تأمرني بحسن الأداء، وتأمره بحسن اتباعه، اذهبْ".
وفي رواية الزهري: أنه قال له: يا محمد! اقضِ حقي، فإنكم -معاشرَ بني عبد المطلب- مُطل، فقال عمر: يا يهودي الخبيث! أما والله! لولا مكانه -يعني: النبيَّ صلى الله عليه وسلم، لضربت الذي فيه عيناكَ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "غفر الله لكَ يا أبا حفص، نحن كنا إلى غير هذا منك أحوجَ إلى أن تكون
أمرتني بقضاء ما عليَّ، وهو إلى أن يكون أَعنته في قضاء حقه أحوج، اذهب يا عمر، فاقض حقه، وزده عشرين صاعًا من تمر مكانَ ما رُعته"، قال زيد: فذهب بي عمر، فقضاني حقي، وزادني عشرين صاعًا من تمر، فقلت: ما هذا؟ قال: أمرني رسول الله أن أزيدك مكان ما رُعْتُك، فقلت: أتعرفني يا عمر؟ قال: لا، فمن أنت؟ فقلت: أنا زيدُ بن سعنة، قال: الحبر؟ قلت: الحبْر، قال: فما دعاكَ إلى أن تفعلَ برسول الله صلى الله عليه وسلم ما فعلتَ، وتقول له ما قلتَ؟ قلت: يا عمر! إنه لم يبق من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفته في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نظرتُ إليه، إلا اثنتان لم أخبرْهما منه: يسبق حلمُه جهلَه، ولا يزيده شدةُ الجهل عليه إلا حلمًا، فقد اختبرته منه، فأُشهدك يا عمر! أني رضيت بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا، وأُشهدك أن شطرَ مالي، فإني أكثرها مالًا، صدقةٌ على أمة محمد، فقال: أو على بعضهم، فإنها لا تسعهم كلهم، قال: أو على بعضهم، فرجع عمر وزيدُ بنُ سعنة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال زيد: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فآمن به، وصدَّقه، وبايعه، وشهد معه مشاهدَ كثيرة (1).
وفي رواية قال: فلم يزده جهلي عليه إلا حلمًا، الحديث. وفيه: أن أهل اليهودي أسلموا كلهم إلا شيخًا كان ابن مئة سنة، فمضى على الكفر (2)، والله أعلم.
(1) رواه ابن حبان في "صحيحه"(288)، والحاكم في "المستدرك"(6547)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني"(2082)، والطبراني في "المعجم الكبير"(5147)، وفي "الأحاديث الطوال"(6)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(6/ 52)، والضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة"(9/ 446)، وغيرهم.
(2)
رواه ابن سعد في "الطبقات الكبرى"(1/ 360).
وقال صلى الله عليه وسلم: (فإذا أُتبع أحدكم)؛ أي: أُحيل، ولذا عدَّاه بـ:(على)، فقال:(على مليّ)، كغني لفظًا ومعنى، وفي رواية: مليء -بالهمز- والمشهور رواية ولغة إسكان المثناة من "أتْبع"(1)، ومن (فليتْبَعْ)، وهو على البناء للمجهول، مثل: إذا أُعلم فليعْلَم.
تقول: اتَّبعت الرجلَ بحقي أَتبعه تَباعة -بالفتح-: إذا طلبته (2).
وقال القرطبي: أما أُتْبِع -بضم الهمزة وسكون التاء مبنيًّا لما لم يسمَّ فاعله-، فعند الجميع، أما فليتبع، فالأكثر على التخفيف، وقيده بعضهم يالتشديد، والأول أجود، انتهى (3).
قال العلقمي: وما ادعاه من الاتفاق على أُتبع يرده قول الخطابي: إنَّ أكثر المحدثين بتشديد التاء، والصواب التخفيف (4).
ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: "من أُتبع فلْيتبع"؛ أي: من أُحيل، فلْيحتل، وقد رواه بهذا اللفظ الإمام أحمد، عن وكيع، عن سفيان الثَّوريُّ، عن أبي الزناد (5).
وأخرج البيهقي مثله من طريق معلى بن منصور (6).
ورواه ابن ماجه من طريق ابن عمر، بلفظ:"إذا أُحِلْتَ على مليءٍ، فاتَّبِعْه"(7)، وهذا بتشديد التاء بلا خلافٍ.
(1) قاله النووي في "شرح مسلم"(10/ 228).
(2)
انظر: "فتح الباري" لابن حجر (4/ 465).
(3)
انظر: "المفهم" للقرطبي (4/ 439).
(4)
انظر: "غريب الحديث" للخطابي (1/ 87).
(5)
رواه الإمام أحمد في "المسند"(2/ 463).
(6)
رواه البيهقي في "السنن الكبرى"(6/ 70).
(7)
رواه ابن ماجه (2404)، كتاب: الصدقات، باب: الحوالة.
والمليء -بالهمزة-: مأخوذ من الإملاء، يُقال: مَلُؤَ الرجلُ -بضم اللام-؛ أي: صار مَلِيئًا.
قال الكرماني: المليُّ، كالغنيِّ لفظًا ومعنًى، فاقتضى أنه بغير همز، وليس كذلك، فقد قال الخطابي: إنه في الأصل بالهمز، ومن رواه بتركها، فقد سَهَّله.
والأمر في قوله صلى الله عليه وسلم: "فليتبع" على ظاهره للوجوب على معتمد مذهب الإمام أحمد، وأبي ثور، وابن جرير، وأهل الظاهر.
وعبارة الخرقي: ومَنْ أُحيل بحقه على مليءٍ، فواجبٌ عليه أن يحتال (1).
وعند الثلاثة: أن الأمر للاستحباب. ووهم من نقل فيه الإجماع.
وقيل: هو أمر إباحة وإرشاد (2).
تنبيهات:
* الأول: الحوالة عقد إرفاق لا خيار فيه، وليست بيعًا، بل هي انتقال مال من ذمة إلى ذمة بلفظها، أو معناها الخاص، كأتبعتك بدينك على فلان، أو خذ، أو اطلب دينك منه (3).
* الثاني: يشترط لصحتها ولزومها، رضا محيل، وعلمُ محال به وعليه، والمقاصة، بأن يستوي الدينان جنسًا، وصفة، وحلولًا، وأجلًا، وقدرًا، فلا تصح بذهب على فضة، ولا بصحاح على مكسور، وعكسه،
(1) انظر: "مختصر الخرقي" لأبي القاسم الخرقي (ص: 72).
(2)
انظر: "فتح الباري" لابن حجر (4/ 465).
(3)
انظر: "غاية المنتهى" للشيخ مرعي (3/ 324).
ولا مع اختلاف أجل، ولو كانا حالَّين، فشرط على محتال تأخير حقه أو بعضه، لم تصح الحوالة على ما في "الإقناع"(1)، وتبعه في "الغاية"(2).
واستوجه العلامة الشيخ منصور في شرح "الإقناع" فساد الشرط دونها (3). انتهى.
نعم إذا صحت الحوالة، فرضيا بدفع أدنى أو أعلى، أو تأجيلٍ أو تعجيل، أو دفع عوضٍ، جاز.
ولا تصح بكثير على قليل، وعكسه، وتصح بقليل على قدره من كثير، وعكسه (4).
الرابع: من شروط الحوالة: استقرار مالِ محالٍ عليه، لا به، خلافًا لجمع، فلا تصحُّ على صداق قبل دخول، أو مال كتابة، أو أجرة قبل استيفاء منفعة، أو فراغ مدة، ولا على ثمن مبيع مدة خيار.
الخامس: كون محال عليه يصح السلم فيه؛ من مثلي وغيره، كمعدود ومذروع (5).
* الثالث: لا يشترط في الحوالة رضا محال عليه، ولا رضا محتال، بشرط كون المحال عليه مليًا، والملي هو كما نص عليه الإمام أحمد: القادر مسألة، وقوله، وبدنه فقط، فعند الزركشي من علمائنا: ماله: القدرة على الوفاء، وقوله: ألَّا يكون مماطلًا، وبدنه: إمكان حضوره لمجلس
(1) انظر: "الإقناع" للحجاوي (2/ 361).
(2)
انظر: "غاية المنتهى" لشيخ مرعي (3/ 325).
(3)
انظر: "كشاف القناع" للبهوتي (3/ 385).
(4)
انظر: "غاية المنتهى" للشيخ مرعي (3/ 325).
(5)
المرجع السابق (3/ 325 - 327).
الحكم (1)، فلا يلزمه احتيال على والده، أو من غير بلده، ولا على ذي شوكة (2).
فإذا استوفت الحوالة سائر شروطها، برىء المحيل بمجرد الحوالة، ولو أفلس محال عليه، أو مات، أو جحد بعد ثبوته، أو تصديق محال، وإلا فيرجع على محيل، كما لو أُحيل بلا رضا على من ظنه مليًا، فبان غيرَ ملي، أو برضاه، واشترط الملاءَة، فانتفت، لا بلا شرط (3).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه-: الحوالة على ما لَهُ في الديوان إذن في الاستيفاء فقط، وللمحتال الرجوع على مطالبة محيله (4)، وإحالة من لا دينَ عليه على من دينه عليه وكالة، ومن لا دين عليه على مثله وكالة في اقتراض، وكذا مدين على بريء فلا يصارفه، نص عليه الإمام أحمد (5)، والله أعلم.
(1) انظر: "شرح الزركشي على مختصر الخرقي"(4/ 113).
(2)
انظر: "غاية المنتهى" للشيخ مرعي (3/ 328 - 329).
(3)
المرجع السابق (3/ 328).
(4)
انظر: "الفتاوى المصرية الكبرى" للشيخ الإسلام ابن تيمية (4/ 477).
(5)
انظر: "الفروع" لابن مفلح (4/ 199).