الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بَاب أهل الزَّكَاة
(فصل وتدفع الزَّكَاة إِلَى الْأَصْنَاف الثَّمَانِية الَّذين ذكرهم الله تَعَالَى فِي كِتَابه بقوله سُبْحَانَهُ {إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين والعاملين عَلَيْهَا والمؤلفة قُلُوبهم وَفِي الرّقاب والغارمين وَفِي سَبِيل الله وَابْن السَّبِيل} أَو إِلَى من يُوجد مِنْهُم)
قد علمت الْأَمْوَال الَّتِي تجب فِيهَا الزَّكَاة وَقدر الزَّكَاة وَهَذَا الْفَصْل مَعْقُود لمن يَسْتَحِقهَا فَإِن دفع زَكَاته لغير مستحقيها لفقد الشُّرُوط الْمُعْتَبرَة لم تَبرأ ذمَّته مِنْهَا والمستحقون لَهَا هم الْأَصْنَاف الَّذين ذكرهم الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن الْعَظِيم وهم ثَمَانِيَة
الصِّنْف الأول الْفُقَرَاء وحد الْفَقِير هُوَ الَّذِي لَا مَال لَهُ وَلَا كسب أَو لَهُ مَال أَو كسب وَلَكِن لَا يَقع موقعاً من حَاجته كمن يحْتَاج إِلَى عشرَة مثلا وَلَا يملك إِلَّا دِرْهَمَيْنِ وَهَذَا لَا يسلبه اسْم الْفقر وَكَذَا ملك الدَّار الَّتِي يسكنهَا وَالثَّوْب الَّذِي يتجمل بِهِ لَا يسلبه اسْم الْفقر وَكَذَا العَبْد الَّذِي يَخْدمه قَالَ ابْن كج وَلَو كَانَ لَهُ مَال على مَسَافَة الْقصر يجوز لَهُ الْأَخْذ إِلَى أَن يصل إِلَى مَاله وَلَو كَانَ لَهُ دين مُؤَجل فَلهُ أَخذ كِفَايَته إِلَى حُلُول الدّين وَلَو قدر على الْكسْب فَلَا يعْطى لقَوْله عليه الصلاة والسلام
(لَا حَظّ فِيهَا لَغَنِيّ وَلَا لذِي مرّة سوي وَهِي الْقُوَّة) وَفِي رِوَايَة
(وَلَا لذِي قُوَّة مكتسب) وَلَو قدر على الْكسْب إِلَّا أَنه مشتغل بالعلوم الشَّرْعِيَّة وَلَو أقبل على الْكسْب لانقطع عَن التَّحْصِيل حلت لَهُ الزَّكَاة على الصَّحِيح الْمَعْرُوف وَقيل لَا يعْطى مُطلقًا ويكتسب وَقيل إِن كَانَ نجيباً يُرْجَى تفقهه ونفعه اسْتحق وَإِلَّا فَلَا وَكَثِيرًا مَا يسكن الْمدَارِس من لَا يأتى مِنْهُ التَّحْصِيل بل هُوَ معطل نَفسه فَهَذَا لَا يعْطى بِلَا خلاف وَلَو كَانَ مُقبلا على الْعِبَادَة لَكِن الْكسْب يمنعهُ عَنْهَا وَعَن أوراده الَّتِي استغرق بهَا الْوَقْت فَهَذَا لَا تحل لَهُ الزَّكَاة لِأَن الِاسْتِغْنَاء عَن النَّاس أولى
وَاعْلَم أَن الْفَقِير المكفي بِنَفَقَة من تلْزمهُ نَفَقَته وَكَذَا الزَّوْجَة المكفية بِنَفَقَة زَوجهَا لَا يعطيان كَمَا لَو وقف على الْفُقَرَاء أَو أوصى لَهُم فَإِنَّهُمَا لَا يعطيان هَذَا هُوَ الصَّحِيح وَمحل الْخلاف فِي مَسْأَلَة الْقَرِيب إِذا أعطَاهُ غير من تلْزمهُ النَّفَقَة من سهم الْفُقَرَاء أَو الْمَسَاكِين أما من تلْزمهُ النَّفَقَة
فَلَا يجوز لَهُ دَفعهَا إِلَيْهِ قطعا لِأَنَّهُ بذلك يدْفع عَن نَفسه النَّفَقَة فترجع فَائِدَة ذَلِك إِلَيْهِ وَالله أعلم
الصِّنْف الثَّانِي الْمَسَاكِين لِلْآيَةِ والمسكين هُوَ الَّذِي يملك مَا يَقع موقعاً من كِفَايَته وَلَا يَكْفِيهِ بِأَن كَانَ مثلا مُحْتَاجا إِلَى عشرَة وَعِنْده سَبْعَة وَكَذَا من يقدر أَن يكْتَسب كَذَلِك حَتَّى لَو كَانَ تَاجِرًا أَو كَانَ مَعَه رَأس مَال تِجَارَة وَهُوَ النّصاب جَازَ لَهُ أَن يَأْخُذ وَوَجَب عَلَيْهِ أَن يدْفع زَكَاة رَأس مَاله نظرا إِلَى الْجَانِبَيْنِ
وَاعْلَم أَن الْمُعْتَبر من قَوْلنَا يَقع موقعاً من كِفَايَته الْمطعم وَالْمشْرَب والملبس وَسَائِر مَا لَا بُد لَهُ مِنْهُ على مَا يَلِيق بِالْحَال من غير إِسْرَاف وَلَا تقتير
قلت قد كثر الْجَهْل بَين النَّاس لَا سِيمَا فِي التُّجَّار الَّذين قد شغفوا بتحصيل هَذِه المزبلة للتلذذ بِأَكْل الطّيب وَلبس الناعم والتمتع بِالنسَاء الحسان والسراري إِلَى غير ذَلِك وَبَقِي لَهُم بِكَثْرَة مَالهم عَظمَة فِي قُلُوب الأراذل من المتصوفة الَّذين قد اشْتهر عَنْهُم أَنهم من أهل الصّلاح المنقطين لعبادة رَبهم قد اتخذ كل مِنْهُم زَاوِيَة أَو مَكَانا يظْهر فِيهِ نوعا من الذّكر وَقد لف عَلَيْهِم من لَهُ زِيّ الْقَوْم وَرُبمَا انْتَمَى أحدهم إِلَى أحد رجال الْقَوْم كالأحمدية والقادرية وَقد كذبُوا فِي الانتماء فَهَؤُلَاءِ لَا يسْتَحقُّونَ شَيْئا من الزكوات وَلَا يحل دفع الزَّكَاة إِلَيْهِم وَمن دَفعهَا إِلَيْهِم لم يَقع الْموقع وَهِي بَاقِيَة فِي ذمَّته وَأما بَقِيَّة الطوائف وهم كَثِيرُونَ كالقلندرية والحيدرية فهم أَيْضا على اخْتِلَاف فرقهم فيهم الحلولية والملحدة وهم أكفر من الْيَهُود وَالنَّصَارَى فَمن دفع إِلَيْهِم شَيْئا من الزكوات أَو من التطوعات فَهُوَ عَاص بذلك ثمَّ يلْحقهُ بذلك من الله الْعقُوبَة إِن شَاءَ وَيجب على كل من يقدر على الْإِنْكَار أَن يُنكر عَلَيْهِم وإثمهم مُتَعَلق بالحكام الَّذين جعلهم الله تَعَالَى فِي مناصبهم لإِظْهَار الْحق وقمع الْبَاطِل وإماتة مَا جَاءَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بإماتته وَالله أعلم
(فرع) الصَّغِير إِذا لم يكن لَهُ من ينْفق عَلَيْهِ فَقيل لَا يعْطى لاستغنائه بِمَال الْيَتَامَى من الْغَنِيمَة وَالأَصَح أَنه يعْطى فَيدْفَع إِلَى قيمه لِأَنَّهُ قد لَا يكون فِي نَفَقَته غَيره وَلَا يسْتَحق سهم الْيَتَامَى لِأَن أَبَاهُ فَقير قلت أَمر الْغَنِيمَة فِي زَمَاننَا هَذَا قد تعطل فِي بعض النواحي لجور الْحُكَّام فَيَنْبَغِي الْقطع بِجَوَاز إِعْطَاء الْيَتِيم إِلَّا أَن يكون شريفاً فَلَا يعْطى وَإِن منع من خمس الْخمس على الصَّحِيح وَالله أعلم
الصِّنْف الثَّالِث الْعَامِل وَهُوَ الَّذِي اسْتَعْملهُ الإِمَام على أَخذ الزكوات ليدفعها إِلَى مستحقيها كَمَا أمره الله تَعَالَى فَيجوز لَهُ أَخذ الزَّكَاة بِشَرْطِهِ لِأَنَّهُ من جملَة الْأَصْنَاف فِي الْآيَة الْكَرِيمَة وَلَا حق للسُّلْطَان فِي الزَّكَاة وَلَا لوالي الاقليم وَكَذَا القَاضِي بل رزقهم إِذا لم يتطوعوا من خمس الْخمس المرصد لمصَالح الْعَامَّة وَمن شَرط الْعَامِل أَن يكون فَقِيها فِي بَاب الزَّكَاة حَتَّى يعرف مَا يجب من المَال وَقدر الْوَاجِب والمستحق من غَيره وَأَن يكون أَمينا حرا لِأَنَّهَا ولَايَة
فَلَا يجوز أَن يكون الْعَامِل مَمْلُوكا وَلَا فَاسِقًا كشربه الْخمر والمكسة وَأَعْوَان الظلمَة قَاتل الله من أهْدر دين الله الَّذِي شَرعه لنَفسِهِ وَأرْسل بِهِ رَسُوله وَأنزل بِهِ كِتَابه وَيشْتَرط أَن يكون مُسلما لقَوْله تَعَالَى {لَا تَتَّخِذُوا بطانة من دونكم} وَقَالَ عمر رضي الله عنه
(لَا تَأْمَنُوهُمْ وَقد خَوَّنَهُمْ الله وَلَا تقربوهم وَقد أبعدهم الله) وَقد ذكرت تَتِمَّة كَلَام عمر وَمَا سَببه فِي كتابي
(قمع النُّفُوس) وَهُوَ مِمَّا لَا يسْتَغْنى عَنهُ قَالَ الْمَاوَرْدِيّ إِذا عين لَهُ الإِمَام شَيْئا يَأْخُذهُ لم يشْتَرط الْإِسْلَام قَالَ النَّوَوِيّ وَفِي ذَلِك نظر قل وَمَا قَالَه الْمَاوَرْدِيّ ضَعِيف جدا وَلم يذكرهُ فِيمَا أعلم غَيره وَكَيف يَقُول بذلك حَتَّى يكون للْكَافِرِ على الْمُسلم سَبِيل وَقد قَالَ الله تَعَالَى {وَلنْ يَجْعَل الله للْكَافِرِينَ على الْمُؤمنِينَ سَبِيلا} لَا سِيمَا فِي زَمَاننَا هَذَا الْفَاسِد وَقد رَأَيْت بعض الظلمَة قد سلط بعض أهل الذِّمَّة على أَخذ شَيْء بِالْبَاطِلِ من مُسلم فأوقفه موقف الذلة وَالصغَار فَالصَّوَاب الْجَزْم بِعَدَمِ جَوَاز ذَلِك وَلَا خلاف أَن يصنعه هَؤُلَاءِ الْأُمَرَاء من تَرْتِيب ديوَان ذمِّي على أقطاعه ليضبط لَهُ مَاله ويتسلط على الفلاحين وَغَيرهم فَإِنَّهُ لَا يجوز لِأَن الله تَعَالَى قد فسقهم فَمن ائتمنهم فقد خَالف الله وَرَسُوله وَقد وثق بِمن خونه الله تَعَالَى وَالله أعلم
الصِّنْف الرَّابِع الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم لِلْآيَةِ الْكَرِيمَة يَعْنِي عِنْد الْحَاجة إِلَيْهِم فيعطون لاستمالة قُلُوبهم والمؤلفة قُلُوبهم ضَرْبَان مُسلمُونَ وكفار فَلَا يعْطى الْكَافِر من الزَّكَاة بِلَا خلاف لكفرهم وَهل يُعْطون من خمس الْخمس قيل نعم لِأَنَّهُ مرصد للْمصَالح وَهَذَا مِنْهَا وَالصَّحِيح أَنهم لَا يُعْطون شَيْئا أَلْبَتَّة لِأَن الله تَعَالَى قد أعز الْإِسْلَام وَأَهله عَن تألف الْكفَّار وَالنَّبِيّ صلى الله عليه وسلم إِنَّمَا أَعْطَاهُم حِين كَانَ الْإِسْلَام ضَعِيفا وَقد زَالَ ذَلِك وَالله أعلم
وَأما مؤلفة الْإِسْلَام فصنف دخلُوا فِي الْإِسْلَام ونيتهم ضَعِيفَة فيعطون تألفاً ليثبتوا وصنف آخر لَهُم شرف فِي قَومهمْ نطلب بتأليفهم إِسْلَام نظائرهم وصنف إِن أعْطوا جاهدوا من يليهم أَو يقبضوا الزَّكَاة من مانعيها وَالْمذهب أَنهم يُعْطون وَالله أعلم
الصِّنْف الْخَامِس الرّقاب لِلْآيَةِ الْكَرِيمَة وهم المكاتبون لِأَن غَيرهم من الأرقاء لَا يملكُونَ فَيدْفَع إِلَيْهِم مَا يعينهم على الْعتْق بِشَرْط أَن يكون مَعَه مَا يَفِي بنجومه وَيشْتَرط كَون الْكِتَابَة صَحِيحَة وَيجوز صرف الزَّكَاة إِلَيْهِم قبل حُلُول النَّجْم على الْأَصَح وَلَا يجوز صرف ذَلِك إِلَى سَيّده إِلَّا بِإِذن الْمكَاتب لَكِن إِن دفع إِلَى السَّيِّد سقط عَن الْمكَاتب بِقدر المصروف إِلَى السَّيِّد لِأَن من أدّى دين غَيره بِغَيْر إِذْنه بَرِئت ذمَّته وَالله أعلم
الصِّنْف السَّادِس الغارمون لِلْآيَةِ الْكَرِيمَة وَالدّين على ثَلَاثَة أضْرب
الأول الدّين الَّذِي لزمَه لمصْلحَة نَفسه فَيعْطى من الزَّكَاة مَا يقْضِي بِهِ دينه إِن كَانَ دينه فِي غير مَعْصِيّة والإسراف فِي النَّفَقَة حرَام ذكره الرَّافِعِيّ هُنَا وَتَبعهُ النَّوَوِيّ وَقَالا فِي بَاب الْحجر إِنَّه مُبَاح وَيشْتَرط أَن يكون عِنْده مَا يقْضِي مِنْهُ دينه فَلَو وجد مَا يقْضِي مِنْهُ من نقد أَو عرض فَلَا يعْطى على الْأَظْهر لقدرته على الْوَفَاء وَلَو وجد مَا يقْضِي بعض الدّين أعْطى الْبَقِيَّة وَلَو كَانَ يقدر على الِاكْتِسَاب فَالْأَصَحّ أَنه يعْطى لِأَنَّهُ لَا يقدر على الْوَفَاء إِلَّا بعد زمن وَفِيه ضَرَر لَهُ وَلِصَاحِب الدّين وَهل يشْتَرط أَن يكون الدّين حَالا فِيهِ خلاف صحّح الرَّافِعِيّ أَنه يشْتَرط حُلُوله وَصحح النَّوَوِيّ اشْتِرَاط الْحُلُول
الضَّرْب الثَّانِي الدّين الَّذِي لزمَه لاصلاح ذَات الْبَين يَعْنِي تبَاين طَائِفَتَانِ أَو شخصان أَو خَافَ من ذَلِك فاستدان طلبا للإصلاح وَإِسْكَان الْفِتَن وَذَلِكَ بِأَن تمارى طَائِفَتَانِ فِي قَتِيل وَلم يظْهر الْقَاتِل فَتحمل الدِّيَة لذَلِك قضى دينه من سهم الغارمين إِن كَانَ فَقِيرا أَو غَنِيا بعقار قطعا وَكَذَا بعروض وَكَذَا إِن كَانَ غَنِيا بِنَقْد على الصَّحِيح
الضَّرْب الثَّالِث الدّين الَّذِي لزمَه بِضَمَان وَله أَحْوَال
أَحدهَا أَن يكون الضَّامِن والمضمون عَنهُ معسرين فَيعْطى الضَّامِن مَا يقْضِي بِهِ الدّين
الْحَالة الثَّانِيَة أَن يَكُونَا موسرين فَلَا يعْطى
الْحَالة الثَّالِثَة أَن يكون الْمَضْمُون عَنهُ مُوسِرًا والضامن مُعسرا فَإِن ضمن بِإِذْنِهِ لم يُعْط وَإِن ضمن بِغَيْر إِذْنه أعطي على الصَّحِيح لِأَنَّهُ لَا يرجع عَلَيْهِ
الْحَالة الرَّابِعَة أَن يكون الْمَضْمُون عَنهُ مُعسرا فَيعْطى الْمَضْمُون عَنهُ وَلَا يعْطى الضَّامِن على الْأَصَح
وَاعْلَم أَنه إِنَّمَا يعْطى الْغَارِم عِنْد بَقَاء الدّين فَأَما إِذا أَدَّاهُ من مَاله فَلَا يعْطى لِأَنَّهُ لم يبْق غارماً وَكَذَا لَو بذل مَاله ابْتِدَاء لم يُعْط لِأَنَّهُ لَيْسَ بغارم وَالله أعلم
(فرع) لَو كَانَ شخص عَلَيْهِ دين فَقَالَ الْمَدِين لصَاحب الدّين ادْفَعْ عَن زكاتك حَتَّى أقضيك دينك فَفعل أَجزَأَهُ عَن الزَّكَاة وَلَا يلْزم الْمَدِين الدّفع إِلَيْهِ عَن دينه وَلَو قَالَ صَاحب الدّين اقبض مَا عَلَيْك لأرده عَلَيْك من زكاتي فَفعل صَحَّ الْقَضَاء وَلَا يلْزم رده فَلَو دفع إِلَيْهِ وَشرط أَن يَقْضِيه ذَلِك عَن دينه لم يُجزئهُ وَلَا يَصح قَضَاؤُهُ بهَا وَلَو نوياه بِلَا شَرط جَازَ وَلَو كَانَ عَلَيْهِ دين فَقَالَ جعلته عَن زكاتي لَا يُجزئهُ على الصَّحِيح حَتَّى يقبضهُ ثمَّ يردهُ إِلَيْهِ وَقيل يُجزئهُ كَمَا لَو كَانَ وَدِيعَة وَلَو كَانَ لَهُ عِنْد الْفَقِير حِنْطَة وَدِيعَة فَقَالَ كل لنَفسك كَذَا وَكَذَا وَنوى زَكَاة فَفِي إجزائه عَن الزَّكَاة وَجْهَان وَجه الْمَنْع أَن الْمَالِك لم يُوكله فَلَو كَانَ الْفَقِير وَكيلا بِالشِّرَاءِ فَاشْتَرَاهُ وَقَبضه فَقَالَ الْمُوكل خُذْهُ لنَفسك ونواه عَن الزَّكَاة أَجزَأَهُ وَلَا يحْتَاج إِلَى وَكيله وَالله أعلم
الصِّنْف السَّابِع فِي سَبِيل الله للآيه الْكَرِيمَة وهم الْغُزَاة الَّذين لَا رزق لَهُم فِي الفىء وَأَصْحَاب الفىء يسمون المرتزقة وَلَا يصرف شَيْء من الصَّدقَات إِلَى الْغُزَاة المرتزقة كَمَا لَا يصرف شَيْء من الْفَيْء إِلَى المتطوعة وَلَو عدم الْفَيْء لم يُعْط المرتزقة من الصَّدقَات فِي الْأَصَح وَالله أعلم
الصِّنْف الثَّامِن ابْن السَّبِيل لِلْآيَةِ الْكَرِيمَة وَهُوَ الْمُسَافِر وَسمي بِهِ لملازمته السَّبِيل وَهُوَ الطَّرِيق وَيشْتَرط أَن لَا يكون سَفَره مَعْصِيّة فَيعْطى فِي سفر الطَّاعَة قطعا وَكَذَا فِي الْمُبَاح كَطَلَب الضَّالة على الصَّحِيح وَيشْتَرط أَن لَا يكون مَعَه مَا يحْتَاج إِلَيْهِ فَيعْطى من لَا مَال لَهُ أصلا وَكَذَا من لَهُ مَال فِي غير الْبَلَد الْمُنْتَقل مِنْهُ وَالله أعلم قَالَ
(وَلَا يقْتَصر على أقل من ثَلَاثَة من كل صنف إِلَّا الْعَامِل)
اعْلَم أَنه يجب اسْتِيعَاب الْأَصْنَاف الثَّمَانِية عِنْد الْقُدْرَة عَلَيْهِم فَإِن فرق بِنَفسِهِ أَو فرق الإِمَام وَلَيْسَ هُنَاكَ عَامل فرق على سَبْعَة وَأَقل مَا يجزىء أَن يدْفع إِلَى ثَلَاثَة من كل صنف لِأَن الله تَعَالَى ذكرهم بِلَفْظ الْجمع إِلَّا الْعَامِل فَإِنَّهُ يجوز أَن يكون وَاحِدًا يَعْنِي إِذا حصلت بِهِ الْكِفَايَة فَلَو صرف إِلَى اثْنَيْنِ مَعَ الْقُدْرَة على الثَّالِث غرم للثَّالِث وَلَو لم يجد إِلَّا دون الثَّلَاثَة من كل صنف أعطي من وجد وَهل يصرف بَاقِي السهْم إِلَيْهِ إِن كَانَ مُسْتَحقّا أم يَنْقُلهُ إِلَى بلد آخر قَالَ فِي زِيَادَة الرَّوْضَة الْأَصَح أَنه يصرف إِلَيْهِ وَمِمَّنْ صَححهُ الشَّيْخ نصر الْمَقْدِسِي وَنَقله هُوَ وَغَيره عَن الشَّافِعِي وَدَلِيله ظَاهر وَالله أعلم قَالَ
(وَخَمْسَة لَا يجوز دَفعهَا إِلَيْهِم الْغَنِيّ بِمَال أَو كسب)
لقَوْله صلى الله عليه وسلم
(وَلَا حَظّ فِيهَا لَغَنِيّ وَلَا لذِي مرّة سوي وَهِي الْقُوَّة) نعم لَو لم يجد من يستكسبه أعْطى فَلَا يعْطى هَؤُلَاءِ الحرافشة وَلَا أهل البطالات من المتصوفة كمن بسط لَهُ جلدا فِي زَاوِيَة من زَوَايَا الْجَامِع وَلبس مِرْطًا دلّس بِهِ على الْأَغْنِيَاء من أهل الدُّنْيَا الَّذين لَا حَظّ لَهُم فِي الْعلم يُعْطون بجهالتهم من لَا يسْتَحق ويذرون الْمُسْتَحق وَالله أعلم قَالَ
(وَالْعَبْد) أَي لَا يجوز صرف الزَّكَاة إِلَى العبيد لأَنهم أَغْنِيَاء بِنَفَقَة مواليهم أَو لأَنهم لَا يملكُونَ قَالَ
(وَبَنُو هَاشم وَبَنُو الْمطلب)
أَي لَا يجوز دفع الزَّكَاة إِلَى بني هَاشم وَبني الْمطلب لقَوْله صلى الله عليه وسلم
(إِن هَذِه الصَّدَقَة أوساخ النَّاس وَإِنَّهَا لَا تحل لمُحَمد وَلَا لآل مُحَمَّد) وَوضع الْحسن فِي فِيهِ تَمْرَة فنزعها رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بلعابه وَقَالَ
(كخ كخ إِنَّا آل مُحَمَّد لَا تحل لنا الصَّدقَات) وَفِي موَالِي بني هَاشم وَبني الْمطلب خلاف قيل يجوز الدّفع إِلَيْهِم لِأَن منع ذَوي الْقُرْبَى لشرفهم وَهُوَ مَفْقُود فيهم وَالأَصَح أَنَّهَا لَا تحل لَهُم أَيْضا لِأَن مولى الْقَوْم مِنْهُم قَالَ
(وَمن تلْزم الْمُزَكي نَفَقَته لَا تدفع إِلَيْهِم باسم الْفُقَرَاء أَو الْمَسَاكِين)
لأَنهم مستغنون بنفقتهم فَأشبه من يكْتَسب كل يَوْم مَا يَكْفِيهِ لَا يعْطى وَهَذَا هُوَ الْأَصَح وَقيل يُعْطون لِأَن اسْم الفقرا صَادِق عَلَيْهِم وَهَذَا فِيمَا إِذا حصل لَهُم الْكِفَايَة بنفقتهم أما من لَا يَكْتَفِي فَلهُ الْأَخْذ حَتَّى لَو كَانَت الزَّوْجَة لَا تكتفي بِنَفَقَة الزَّوْج قَالَ الْقفال بِأَن كَانَت مَرِيضَة أَو كَثِيرَة الْأكل أَو كَانَ لَهَا من يلْزمهَا نَفَقَته فلهَا أَخذ الزَّكَاة قَالَ ابْن الرّفْعَة وَيَنْبَغِي أَن تَأْخُذ باسم المسكنة وَقَوله باسم الْفُقَرَاء أَو الْمَسَاكِين يُؤْخَذ مِنْهُ أَنه يَأْخُذ بِغَيْرِهِ كاسم العاملين والغارمين وَغَيرهم وَهُوَ كَذَلِك إِذا كَانُوا بِهَذِهِ الصِّفَات وَالله أعلم قَالَ
(وَالْكَافِر) أَي لَا يجوز دفع الزَّكَاة إِلَى كَافِر لقَوْله صلى الله عليه وسلم لِمعَاذ رضي الله عنه
(فأعلمهم أَن عَلَيْهِم صَدَقَة تُؤْخَذ من أغنيائهم فَترد على فقرائهم) فَإِذا لم تُؤْخَذ إِلَّا من غَنِي مُسلم لم تعط إِلَّا لفقير مُسلم وَسَوَاء فِي ذَلِك زَكَاة الْفطر وَالْمَال لعُمُوم الْخَبَر وَقد تمسك الْأَصْحَاب بِمَنْع نقل الزَّكَاة عَن بلد المَال بِهَذَا الحَدِيث وَفِي التَّمَسُّك بِهِ نظر ظَاهر قَالَ النَّوَوِيّ رحمه الله فِي شرح مُسلم وَهَذَا الِاسْتِدْلَال لَيْسَ بِظَاهِر لِأَن الظَّاهِر أَن الضَّمِير فِي فقرائهم مُحْتَمل لفقراء الْمُسلمين ولفقراء تِلْكَ الْبَلدة ولفقراء تِلْكَ النَّاحِيَة وَهَذَا الِاحْتِمَال أظهر وَالله أعلم وَأَيْضًا فَإِن الآيه فِي قَوْله تَعَالَى {إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين} الْآيَة هِيَ عَامَّة وَقَوله عليه الصلاة والسلام
(تُؤْخَذ من أغنيائهم فَترد فِي فقرائهم) دلَالَة ظَاهِرَة فِي أهل الْيمن فتقييده بِكُل قَرْيَة من أَيْن ذَلِك على أَن