الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ، أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} 1.
1 المائدة: "48-50".
معركة تحديات وتبعات:
1-
إن لنا نحن -المسلمين- في هذه الحياة قضية كبرى نخوض على أساس منها معارك متعدد الجوانب، ليس القتال الدامي -كما أسلفنا- إلا أحد جوانبها، وبعض صورها.. وهي معارك مفروضة علينا بضغط من المجتمع الجاهلي والقوى المعادية التي لم ينقطع تحديها عبر العصور، ولا يختلف جوهر التحدي وهدفه من زمن إلى زمن، وإن اختلفت صوره وأشكاله وأسلحته.
ومن الواضح أن وجوه معركة التحدي المعاصرة ترمي اليوم كما رمت التحديات في القديم إلى استصال العقيدة الإسلامية، والقضاء على الوجود الإسلامي الصحيح، وتقويض المقومات الأساسية للشخصية الإسلامية؛ ولذا فإن المعركة لصد التحديات، ومقاومة العدوان، وإحباط الأهداف الخطيرة، توجب علينا أن نخوضها من جميع وجوهها وجوانبها.. كما خاضتها أمتنا في فجر الدعوة وفي فترات مضيئة من تاريخها.. مع ملاحظة اختلاف الخطط والأساليب، وصور التحدي وأشكاله، وما يقتضي التصدي له من أهبة تامة، واستعداد كامل، وأخذٍ بالوسائل الناجحة، والأساليب المجدية.
إن الوجوه لمعركتنا اليوم كثيرة منها: السياسي والفكري، ومنها النفسي والخلقي ومنها الاجتماعي والاقتصادي.. ولكل واحد من جوانب هذه المعركة خطط وأسلحة، منها الظاهر والخفي، وبعضها هجومي وآخر دفاعي، تحشد لها منا ومن أعدائنا كل القوى والطاقات، ويجري التسابق لتحقيق الظفر والانتصار، وواضح أن محور كل معركة إنما يستند إلى البناء والهدم.. بناء الكيان الذاتي وتحصينه، وتوفير أسباب القوة والمنعة له، وهدم الكيان المعادي وتقويضه، بالعمل على إضعاف قوته، وتمزيق وحدته.
2-
وإن قضيتنا الأساسية الأولى التي دارت وتدور حولها كل المعارك في شتى صورها وأشكالها.. هي أننا منذ أكرمنا الله بالهداية فآمنا بالإسلام عقيدة وعبادة، وتشريعًا ونظامًا، ومنهجًا متكاملًا للحياة، وطريقًا لتحرير الإنسان من طغيان الجاهلية التي أذلت كرامته، وأهدرت إنسانيته.. منذ ذلك الحين هاج الشر وثارت عواصفه، وتحركت قوى الفساد والطغيان؛ لتعمل على كل جبهة وفي كل ميدان وتلاحقت معارك الصراع عبر العصور، وتتابعت موجات الحقد والعدوان عارمة عاتية ترمي -بمكر وغدر وضراوة- إلى تدمير صرح الإسلام بتقويض ركائزه، ودك قواعده، بمختلف الأسلحة، وشتى الأساليب.. حتى يتسنى لها التسلط والاستعباد، والتصرف بأوضاع البشر بمعزل عن المنهج الإلهي.. منهج السعادة الكاملة، والطهر الخالص، والعدالة التامة، والحضارة الخيّرة المثلى.. وقد سجل القرآن الكريم كثيرًا من مواقف الشر والفساد، وصوّر نماذج من بغيهم ومكرهم وأذاهم، ورسم الملامح البارزة لوسائلهم وأهدافهم بهذه الآية الكريمة:
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ، وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي
الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ} 1
تلك هي قضيتنا الأساسية الأولى، وتلك هي أبعاد المعركة التي نخوضها في الحياة، وهي معركة الوجود الحق عقيدة وفكرًا ومجتمعًا وأمةً.. وحضارةً ونظامًا..
ومعركتنا هذه ليست ميدانها -دائما- ساحات القتال، وليست أسلحتها -في كل الظروف- الحديد والنار، والعدو فيها -أحيانًا- خفي مستور، يتوارى خلف فكرة في سطور، فيزرع في القلوب بذور الانحراف، وينشر في الضمائر ضباب الفساد، ويتسلَّل بذلك إلى أكثر المواقع منعةً وقوةً، ويجردها من روح الصمود ويتركها بعد ذلك هدفًا مكشوفًا للسحق والتدمير..
3-
وإن من حق قضيتنا علينا: أن نكون أولاً في مستواها الرفيع، وجنود معركتها الأوفياء.. إنها معركة الإيمان الذي حقق لهذه الأمة وحدتها، وحدد لها رسالتها، ونظم لها حياتها.. هذا الإيمان الذي تحررت في ظلاله أمم وشعوب، وفتحت دول وأمصار، وعرف الإنسان به نفسه فهذبها بالخلق، وفكره فصقله بالعلم، وروحه فأحياها بالتقوى، فإذا بالمسلم -كما رباه المنهج الإلهي- طاقة حية تخضع لله، وتعيش للحق، وتموج بالنور، وتختفي من وجودها عناصر الشر، وأشباح الضلال، وتنشر في الدنيا مبادئ العدل والمساواة والسلام..
فيجب أن نكون مؤمنين إيمانًا لا يلمع في قلوبنا كلمعان السراب، ولكنه يتفجر منها كما يتفجر من جبهة الشمس نبع النور المشرق الوضاء. إنها معركة فكر.. والفكر البشري قد تقدم اليوم وارتقى، وقطع
1 البقرة: "204-205"