الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْمُفْلِحُونَ} 1.
فإذا أصبح هذا الإيمان مقياس الإنسان في الحياة عرف به حقيقة إنسانيته.. وحقيقة الحياة، ومن أدرك الحقيقة صحَّ سيره، واستقام أمره، ومارست إنسانيته -التي صقلها الإيمان، وملأها بقيم الحق والخير والكمال- وظيفتها في تزكية النفس، وإصلاح المجتمع.. في توازن دقيق، وتكامل رائع، فإذا بالمؤمن إنسان نموذجي في وضوح نظرته، واستقامة سيرته، لا تصرفه أشواق روحه إلى التسامي والتطهير عن أدائه حقوق نفسه وبدنه، وأهله وإخوانه، لا يشده إلى التراب متاعُ الجسد، ولا تلصقه بالأرض لذائذ الحس، ولكنه لا يدع البشر في الأرض لفكرٍ منحرف، ومنهجٍ فاسد، ويعيش في حدود ذاته في عزلة تامة مع الأماني والأحلام..
وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال:
"ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في الصدر وصدَّقه العمل".
1 النور: "51".
الصلة بالله وأثرها في الطاقات الإنسانية
…
الصلة بالله وأثره في الطاقات الإنسانية:
1-
إن من فضل الله علينا أن أكرمنا بهذا الدين الذي جاء هدىً وموعظة ونورًا يضيء لنا معالم الطريق، ويحفزنا إلى كل خير وبر وفلاح، ويصل ما بيننا وبين المُثُل الرفيعة والقيم العالية بأوثق سبب وأشرف نسب؛ حتى نكون دائمًا على بصيرة واعية في هذه الحياة، لا تصرفنا عن الغاية المُثْلَى وهي تقوى الله واتباع أمره واجتناب نهيه أهواء النفس {إِنَّ النَّفْسَ
لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} 1. ونزغات الشيطان {إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ} 2. ولا تنأى بنا عن جادة الحق والصواب مطالب الحياة وشواغلها الكثيرة
ولذلك جاءت هذه العقيدة تضع الإنسان -كما أسفلنا- في موضعه الطبيعي الصحيح مخلوقًا لله، قبضة من تراب الأرض فيه نفخة من روح الله.
وقد وفَّرت هذه العقيدة لهذا الإنسان -الذي كرَّمه الله فَنَفَخَ فيه من روحه وحمَّله أعباء الأمانة وجعله خليفة في الأرض- المُنَاخ الملائم لنوازع الخير الأصيلة فيه؛ حيث تنطلق روحه في آفاق السمو والإشراق، وتتحرك إرادته في مجال الخير والإحسان، ويتفاعل فكره مع جوهر عقيدته، وطبيعة وظيفته، وحقائق الوجود من حوله.
ولا ريب أن صلة الإنسان الدائمة بربه بقوة الإيمان واستقامة العمل دِعَامَة ذلك كله، فإذا كانت هذه الصلة صحيحة سليمة قوية دائمة تحرك فكر الإنسان وضميره في رحاب الحق والخير والعدل، فلا انحراف عن الهدى، ولا انزلاق في الشرور، ولا ضياع في الغفلة والأهواء. ويكون
1 يوسف: "53".
2 يوسف: "5".
3 الأنعام: "32".
4 ص: "71-72".
الإنسان بذلك نموذجًا طيبًا فاضلًا في صحة مقاييسه، وطهارة نفسه، وصفاء روحه، وصلاح عمله ونبل أخلاقه، ويستحق -بفضلٍٍ من الله- أن يكون ممن ينال الدرجات العالية والثواب العميم.
قال تعالى:
عن أبي عمرو -وقيل أبي عَمْرَة- سفيان بن عبد الله رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله: "قُلْ لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا غيرك". قال: "قل: آمنت بالله ثم استقم"2.
إن هذه الصلة بالله تغمر بالاستقامة والخير كيان الإنسان كله، فهي تنبثق كالنبع المتفجر من فطرته الطيبة التي فطره الله عليها، شأنها في ذلك شأن العين الجارية التي تفيض بالماء على الأرض، فتشيع الحياة في جنباتها، فتنبت وتزهر وتثمر، وينتفع منها الإنسان والحيوان والطير.
قال تعالى:
{وَتَرَى الأرض هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ
1 فصلت: "30-32".
2 رواه مسلم.
الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} 1.
وقال سبحانه:
2-
وميزة هذه الصلة بالله أنها شاملة تعم جميع طاقات الإنسان وقواه، وتملأ بالخير والبر ووضوح الرؤية وصحة العلم ونبل الغاية كل جانب من جوانب هذه القوى والطاقات، بل إنها لا تَفصِل جانبًا عن جانب؛ لأن في هذا الفصل تمزيقًا خطيرًا للإنسان الذي خلقه الله كيانًا متصلًا مترابطًا في جسمه وروحه وعقله في أصل الفطرة الإنسانية.
قال تعالى:
فهذه الصلة بالله من شأنها أن تمتّن أواصر العلاقة بين هذه الطاقات نفسها، وبينها وبين عقيدة الإنسان ووظيفته في الحياة؛ بحيث تكون كلها متحركة فعّالة -في تعاون وتآزر وإيجابية ووحدة غاية- لا تعمل واحدة وتتعطل أخرى، أو تنطلق إحداها في اتجاه مخالف لاتجاه سواها، فإذا الإنسان مجموعة من الطاقات المتدابرة المختلفة المتصارعة، كما هو حاله اليوم في قبضة النظم المنحرفة التي زورت طبيعة الإنسان وشوَّهت
1 الحج: "5-6".
2 السجدة: "27".
3 الروم: "30".
فطرته، وصرفته عن الصلة بالله التي يجد فيها وحدها حقيقة إنسانيته، ووحدة كيانه، ومصدر أمنه وطمأنينته.
3-
ثم إن هذه الصلة بالله تبارك وتعالى لا تفصل بين الإنسان ومطالب دنياه والعمل لآخرته، بل تخرج -في وحدة وتناسق رائعين- بين سعي الإنسان لدنياه وعمله لآخرته، وتصل بين السعي في الأرض والإقبال على الله، في فكر المسلم وضميره، وسلوكه وعمله؛ بحيث يكون الإنسان إذا خلصت نيته وحسن مقصده، وتجرد من الأهواء، وتحرر من نزغات الشيطان في عبادة دائمة لله، وإقبال مستمر عليه، ورضا لا ينقطع له.. وبذلك يحقق الغاية التي خلق من أجلها وهي العبودية الكاملة لله، وهذا هو معنى التوحيد الخالص في الاتجاه التام لله، ونفي العبودية لأحد غيره، فهو وحده ينبغي أن تعنو له الجباه، وتتجه إليه القلوب ويفرد بالامتثال والخضوع.
قال تعالى:
وقال جل شأنه:
4-
وليست هذه الصلة الكريمة بالله تبارك وتعالى إشراقة الروح في أوقات
1 الحج: "34-35".
2 لقمان: "22".