الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يقال -بعد هذا الاستعراض السريع- إن الفساد على أي حال ظل جزئي لم يعم المجتمع الإسلامي كله وإن أصاب جانبًا منه، فقد كان معظم المسلمين يعيشون في مفهوم الإسلام ويكيفون به حياتهم، ويعملون على نشر المد الإسلامي في بقاع الأرض، شاعرين بأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، شاعرين بالاستعلاء الذي يصنعه الإيمان في نفوس المؤمنين، وبالتبعة الكبرى التي يفرضها الإيمان عليهم في ذوات أنفسهم وفي مجتمعهم، وبالإخاء الحقيقي الذي يجمع المؤمنين بعضهم إلى بعض، وبالمودة والتعاون، شاعرين أنهم أمة واحدة. غير أنه على كل حال يمكن التأكيد على أن الفترة المثالية كانت قد انتهت وبدأت فترة عادية من تاريخ الإسلام، وإن كانت -وهي عادية بالنسبة للإسلام- أعلى فترة في تاريخ الأرض1. فإذا ألقينا نظرة عامة على التاريخ وفق تسلسل العصور بعد عصر الراشدين فإننا نلاحظ ما يلي:
1 انظر: "هل نحن مسلمون" محمد قطب ص100 وما بعدها.
في العصر الأموي:
ظلت مفاهيم الإسلام في هذا العصر حية قوية في نفوس المسلمين، وكانت العقيدة محور الحياة الإسلامية وإلى هذا السبب يعود عدم توقف حركة الفتح في هذا العصر، وإن كان قد وقع في هذا كسر في المبادئ وبخاصة ما يتعلق بإثارة الروح العصبية، والنعرة ضد الموالي، وبعض ما يتصل بأمور الحكم والمال، ولكن هذا الكسر ظل جزئيًّا لم يعم أفراد المجتمع المسلم.
ولقد واجه الأمويون في بلاد العراق كثيرًا من الصعاب في توطيد نفوذهم على أن أهم الأحداث التي شغلت الأمويين انتشار نفوذ الخوارج في أمصار العراق، والحركات العنيفة التي قام بها شيعة الكوفة ومن انضم إليهم من
الموالي، وعلى الرغم من أن عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى- رأى -بما عرف عنه من ميل إلى المسالمة- أن يسلك مع الخوارج سياسة اللين، فرحب بالاستماع إلى مآخذهم، لتتاح له الفرصة لإقناعهم بحرصه على التزام جادة الصواب، إلا أن الخوارج لم يقلعوا عن إثارة الصعاب أمام الأمويين في بلاد العراق والجزيرة بعد وفاة عمر بن عبد العزيز، وكانوا يثورون بالأمويين كلما أتيحت لهم الفرصة حتى اشتدت وطأتهم في أواخر عهد بني أمية، وتكاثر عددهم كما تطلعوا إلى الحكم بعد أن كانت غايتهم النجاة بأرواحهم، وانقسموا إلى فرق عدة منه: الأزارقة والصفرية والإباضية وغيرها، واحتدم الخلاف بين الأمويين والشيعة حتى تطور إلى واقعة كربلاء التي قتل فيها الحسين رضي الله عنه في العاشر من المحرم سنة 61هـ، وكانت هذه الواقعة سيئة الأثر على المسلمين، فقد أنتجت ضروبا من الشقاق والجدال فيما بينهم، وانتقلت الشيعة من الإطار السياسي إلى الإطار الطائفي بعد أن دخل فيها كثير من السَّبئيَّة -أنصار عبد الله بن سبأ- وصارت فرقًا كثيرة ونحلًا متعددة، وانضم عدد من الموالي إلى فرق الشيعة التي ظهرت آنذاك، وظل الشيعة يتحينون الفرص للخروج على الأمويين حتى تم انتقال الخلافة بعد ذلك إلى العباسيين.
ومما يعد في هذا العصر ضلالا كبيرا، وتحريفا خطيرا، وعدولا عن عقيدة الإسلام إلى غيرها من عقائد الكفر الشديد، ما جاء به عبد الله بن سبأ اليهودي، الذي اندس في صفوف المسلمين يؤلب الأمصار على عثمان رضي الله عنه، ثم غلا في شره وفساده، فدعا إلى تأليه علي رضي الله عنه..
"والذي يؤخذ من تاريخه أنه وضع تعاليمًا لهدم الإسلام، وألف جمعية سرية لبث تعاليمه، واتخذ الإسلام ستارًا يستر به نياته، نزل البصرة بعد أن أسلم ونشر فيها دعوته، فطرده واليها، ثم أتى الكوفة فأخرج منها، ثم جاء